النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٤)
الحديث في هذا، ففي رواية جرير عن الأعمش: ((فقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس
كذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان»؟ وفي رواية وكيع عنه: ((فقال ليس كما تظنون)». وفي
رواية عيسى بن يونس عنه: ((إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان؟)) وفي رواية شعبة عنه
ما مضى ذكره ههنا، فبين رواية شعبة عنه وبين روايات جرير ووكيع وعيسى بن يونس
اختلاف، والتوفيق بينهما أن يجعل إحداهما مبينة للأخرى، فيكون المعنى: لما شق عليهم
أنزل الله تعالى ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] فأعلمهم النبي صَ ل أن الظلم المطلق
في إحداهما يراد به المقيد في الأخرى، وهو الشرك. فالصحابة، رضي الله عنهم، حملوا
اللفظ على عمومه، فشق عليهم إلى أن أعلمهم النبي عَّه بأنه ليس كما ظننتم، بل كما قال
لقمان عليه السلام. فإن قلت: من أين حملوه على العموم؟ قلت: لأن قوله: ((بظلم)) نكرة في
سياق النفي، فاقتضت التعميم. فإن قلت: من أين لزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمنا
ولا مهتدياً حتى شق عليهم؟ قلت: من تقديم: لهم، على الأمن، في قوله: ﴿أولئك لهم
الأمن﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: لهم الأمن لا لغيرهم، ومن تقديم ﴿وهم﴾ على ﴿مهتدون﴾
[الأنعام: ٨٢] في قوله: ﴿وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢] وقال الزمخشري في: ﴿كلمة هو
قائلها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إنه: للتخصيص، أي: هو قائلها لا غيره. فإن قلت: لا يلزم من
قوله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] أن غير الشرك لا يكون ظلماً. قلت:
التنوين في: بظلم، للتعظيم، فكأنه قال: لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم، فلما تبين أن الشرك
ظلم عظيم، علم أن المراد: لم يلبسوا إيمانهم بشرك، وقد ورد ذلك صريحاً عند البخاري من
طريق حفص بن غياث عن الأعمش، ولفظه: ((قلنا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال:
ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان))؟ فذكر الآية.
فإن قلت: لِمَ ينحصر الظلم العظيم على الشرك؟ قلت: عظمة هذا الظلم معلومة بنص
الشارع، وعظمة غيره غير معلومة، والأصل عدمها.
بيان استنباط الأحكام: الأول: إن العام يطلق ويراد به الخاص، بخلاف قول أهل
الظاهر، فحمل الصحابة ذلك على جميع أنواع الظلم، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه،
وحكى الماوردي في الظلم في الآية قولين. أحدهما: أن المراد منه الشرك، وهو قول أبي بن
كعب وابن مسعود عملاً بهذا الحديث. قال: واختلفوا على الثاني، فقيل: إنها عامة، ويؤيده
ما وراه عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي «أن رجلاً سأل عنها رسول الله ؛ فسكت حتى
جاء رجل فأسلم، فلم يلبث قليلاً حتى استشهد. فقال، عليه السلام: هذا منهم، من الذين
آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)). وقيل: إنها خاصة نزلت في إبراهيم - عليه السلام - وليس في
هذه الآية فيها شيء، قاله علي، رضي الله عنه. وقيل: إنها فيمن هاجر إلى المدينة. قاله
عكرمة. قلت: جعل صاحب (الكشاف) هذه الآية جواباً عن السؤال، عن قوله: ﴿فأي
الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ [الأنعام: ٨١] وأراد بالفريقين فريقي المشركين
والموحدين، وفسر الشرك بالمعصية. فقال: أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، ثم قال:
i

٣٤٢
٢ - كتاب الإيمانِ / باب (٢٥)
وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس، وهذا لا يمشي إلاَّ على قول من قال: إنها خاصة نزلت
في إبراهيم. الثاني: إن المفسر يقضي على المجمل. الثالث: إثبات العموم. الرابع: عموم
النكرة في سياق التفي لفهم الصحابة وتقرير الشارع عليه وبيانه لهم التخصيص، وأنكر
القاضي العموم، فقال: حملوه على أظهر معانيه، فإنه وإن كان يطلق على الكفر وغيره لغة
وشرعاً، فعرف الاستعمال فيه العدول عن الحق في غير الكفر، كما أن لفظ الكفر يطلق على
معان من: جحد النعم والستر، لكن الغالب عند مجرد الإطلاق حمله على ضد الإيمان، فلما
ورد لفظ الظلم من غير قرينة حمله الصحابة على أظهر وجوهه، فليس فيه دلالة العموم.
قلت: يرد هذا ما ذكرناه من أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، ورواية البخاري أيضاً.
الخامس: استنبط منه المازري والنووي وغيرهما تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وقال
القاضي عياض في الرد على ذلك بأنه ليس في هذه القضية تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد
بتصديق الخبر، واعتقاد بتصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة المؤخرة إلى البيان؟
لكنهم لما أشفقوا بين لهم المراد. وقال بعضهم: ويمكن أن يقال: المعتقد أيضاً يحتاج إلى
البيان فما انتفت الحاجة، والحق أن في القضية تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنهم حيث
احتاجوا إليه لم يتأخر. قلت: لو فهم هذا القائل كلام القاضي لما استدرك عليه بما قاله،
فالقاضي يقول: اعتقاد التصديق لازم ... الخ، فالذي يفهم هذا الكلام كيف يقول: فما انتفت
sour
الحاجة؟ وقوله: والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب، ليس بحق، لأن الآية
ليس فيها خطاب، والخطاب من باب الإنشاء، والآية إخبار. على أن تأخير البيان عن وقت
الخطاب ممتنع عند جماعة. وقيد الكرخي جوازه في المجمل على ما عرف في موضعه.
السادس: أن المعاصي لا تكون كفراً، وهو مذهب أهل الحق، وأن الظلم مختلف في ذاته
كما عليه ترجمته. السابع: احتج به من قال: الكلام حكمه العموم حتى يأتي دليل
الخصوص. الثامن: أن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة تقتضي ذلك، فافهم.
٢٥ - بابُ عَلاَمَاتِ المُنَافِقِ
الكلام فيه من وجوه. الأول: وجه المناسبة بين البابين أن الباب الأول مترجم على أن
الظلم في ذاته مختلف وله أنواع، وهذا الباب أيضاً مشتمل على بيان أنواع النفاق، وأيضاً
فالنفاق نوع من أنواع الظلم، ولما قال في الباب الأول: ظلم دون ظلم، عقبه ببيان نوع منه.
وقول الكرماني: وأما مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان، أو
يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض ليس بمناسب، بل المناسب ذكر المناسبة بين كل
بابين متواليين، فذكر المناسبة بين بابين بينهما أبواب غير مناسب. وقال النووي: مراد
البخاري بذكر هذا هنا أن المعاصي تنقص الإيمان، كما أن الطاعة تزيده. قلت: هذا أيضاً غير
موجه في ذكر المناسبة على ما لا يخفى.
الثاني: إن لفظ باب معرب لأنه خبر مبتدأ محذوف، وهو مضاف إلى ما بعده
1

٣٤٣
٢ -- کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
تقديره: هذا باب في بيان علامات المنافق. والعلامات جمع علامة، وهي التي يستدل بها
على الشيء، ومنه سمي الجبل: علامة وعلماً أيضاً. فإن قلت: كان المناسب أن يقول: باب
آيات المنافق، مطابقة للفظ الحديث. قلت: لعله نبه بذلك على ما جاء في رواية أخرجها أبو
عوانة في (صحيحه) بلفظ: ((علامات المنافق).
الثالث: لفظ المنافق من النفاق، وزعم ابن سيده أنه الدخول في الإسلام من وجه
والخروج عنه من آخر، مشتق من نافقاء اليربوع، فإن إحدى جحريه يقال لها النافقاء، وهو
موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليها ينشق، وهو يكتمها ويظهر غيرها، فإذا أتى الصائد
إليه من قبل القاصعاء، وهو جحره الظاهر الذي يقصع فيه، أي: يدخل، ضرب النافقاء برأسه
فانتفق، أي: خرج، فكما أن اليربوع يكتم النافقاء ويظهر القاصعاء، كذلك المنافق يكتم الكفر
ويظهر الإيمان، أو يدخل في الشرع من باب ويخرج من آخر؛ ويناسبه من وجه آخر وهو أن
النافقاء ظاهره يرى كالأرض، وباطنه الحفرة فيها، فكذا المنافق. وقال القزاز: يقال: نافق
اليربوع ينافق فهو منافق إذا فعل ذلك، وكذلك نفق ينفق فهو منافق من هذا، وقيل: المنافق
مأخوذ من النفق وهو: السرب تحت الأرض يراد أنه يستتر بالإسلام كما يستتر صاحب النفق
فيه؛ وجمع النفق أنفاق. وقال ابن سيده: النافقاء والنفقة جحر الضب واليربوع، والحاصل أن
المنافق هو المظهر لما يبطن خلافه. وفي الاصطلاح: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر،
فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلاّ فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك،
وتتفاوت مراتبه. قلت: هذا التفسير تفسير الزنديق اليوم، ولهذا قال القرطبي عن مالك: إن
النفاق على عهد رسول الله عَ ل هو الزندقة اليوم عندنا. فإن قيل: المنافق من باب المفاعلة،
وأصلها أن تكون لاثنين. أجيب: بأن ما جاء على هذا عندهم لأنه بمنزلة خادع وراوغ، وقيل:
بل لأنه يقابل بقبول الإسلام منه، فإن علم أنه منافق فقد صار الفعل من اثنين، وسمي الثاني
باسم الأول مجازاً للازدواج، كقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ [البقرة:
١٩٤].
واعلم أن حقيقة النفاق لا تعلم إلاَّ بتقسيم نذكره، وهو: إن أحوال القلب أربعة، وهي:
الاعتقاد المطلق عن الدليل وهو: العلم. والاعتقاد المطلق لا عن الدليل وهو: اعتقاد المقلد.
والاعتقاد الغير المطابق وهو: الجهل. وخلو القلب عن ذلك، فهذه أربعة أقسام، وأما أحوال
اللسان فثلاثة: الإقرار والإنكار والسكوت، فيحصل من ذلك اثنا عشر قسماً. الأول: ما إذا
حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان، فهذا الإقرار إن كان اختيارياً فصاحبه مؤمن حقاً، وإن
كان اضطرارياً فهو كافر في الظاهر. الثاني: أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني، فهذا
الإنكار إن كان اضطرارياً فصاحبه مسلم، وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً. الثالث: أن
يحصل العرفان القلبي، ويكون اللسان خالياً عن الإنكار والإقرار، فهذا السكوت إما أن يكون
إضطرارياً أو اختيارياً، فإن كان اضطرارياً فهو مسلم حقاً. ومنه ما إذا عرف الله تعالى بدليله،
ثم لما تمم النظر مات فجأة، فهذا مؤمن قطعاً؛ وإن كان اختيارياً فهو كمن عرف الله بدليله
IM
i
i
i
٠٠
i
i
i

5
٣٤٤
.جـ
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٥)
ثم إنه لم يأت بالإقرار، فقال الغزالي: إنه مؤمن. الرابع: اعتقاد المقلد لا يخلو معه الإقرار
والإنكار أو السكوت، فإن كان معه الإقرار وكان اختيارياً فهو إيمان المقلد، وهو صحيح،
خلافاً للبعض. وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا هناك بالأيمان
وجب أن نحكم ههنا بالنفاق، وهو القسم الخامس. السادس: أن يكون معه السكوت،
فحكمه حكم القسم الثالث اضطرارياً أو اختيارياً. السابع: الإنكار القلبي، فإما أن يوجد معه
الإقرار أو الإنكار أو السكوت، فإن كان معه الإقرار فإن كان اضطرارياً فهو منافق، وإن كان
اختيارياً فهو كفر الجحود والعناد، وهو أيضاً قسم من النفاق وهو القسم الثامن. التاسع: أن
يوجد الإنكار باللسان مع الإنكار القلبي، فهذا كافر. العاشر: القلبي الخالي فإن كان معه
الإقرار فإن كان اختيارياً يخرج من الكفر، وإن كان اضطرارياً لم يكفر. الحادي عشر:
القلب الخالي مع الإنكار باللسان فحكمه على العكس مع حكم القسم العاشر. الثاني عشر:
القلب الخالي مع اللسان الخالي، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب، وإن كان
خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره، ولا يحكم بالنفاق البتة؛ وقد ظهر من هذا النفاق الذي
لا يطابق ظاهره باطنه، فافهم.
٣٣/١ - حدثنا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيع قال: حدّثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفرٍ قال: حدّثنا نَافِعُ
ابنُّ مَالِكِ ابنِ أبِي عامرٍ أَبُو سُهَيلٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَة عن النَّبِيِّ عَ لَّهِ قال: «آيةُ المنافِق
ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اْتُمنَ خانَ)). [الحديث ٣٣ - أطرافه في:
٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥]
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: سليمان أبو الربيع بن داود الزهراني العتكي، سكن
بغداد، سمع من مالك حديثاً، وسمع فليح بن سليمان وإسماعيل بن زكريا عندهما،
وإسماعيل بن جندب عند البخاري، وجماعة كثيرة عند مسلم، روى عنه البخاري ومسلم
وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وروى النسائي عن رجل عنه، وقال: ثقة. وقال يحيى بن معين
وأبو حاتم وأبو زرعة: ثقة. توفي بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين.
الثاني: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، أبو إبراهيم الزرقي، مولاهم
المدني، قارىء أهل المدينة، أخو محمد ويحيى وكثير ويعقوب بني جعفر، سمع أبا سهيل
نافعاً وعبد الله بن دينار وغيرهما. قال يحيى: ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق. وقال أبو زرعة
وأحمد وابن سعد: ثقة، وقال ابن سعد: كان من أهل المدينة، قدم بغداد فلم يزل بها حتى
مات. وهو صاحب خمس مائة حديث التي سمعها منه الناس توفي ببغداد سنة ثمانين ومائة،
روى له الجماعة.
الثالث: أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، ونافع أخو أنس والربيع وأويس، وهم
عمومة مالك الإمام، سمع ابن مالك وأباه وعمر بن عبد العزيز والقاسم وابن المسيب وغيرهما

٣٤٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
روى عنه مالك وغيره، وقال أحمد وأبو حاتم: ثقة، روى له الجماعة.
الرابع: أبو أنس مالك بن أبي عامر، جد مالك الإمام، والد أنس والربيع ونافع وأويس،
حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التيمي القرشي، سمع طلحة بن عبد الله عندهما،
وعائشة عند البخاري وعثمان عند مسلم في الوضوء والبيوع. أما في الوضوء فمن طريق
وكيع عن سفيان عن أبي أنس عن عثمان، رضي الله عنه. وأما في البيوع في باب الربا من
حديث سليمان بن يسار عنه، فاستدرك الدارقطني وغيره الأول، فقال: خالف وكيعاً أصحابُ
الثوري والحفاظ حيث رووه عن سفيان عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن عثمان، رضي
الله عنه، وهو الصواب، وكذا قال الجياني: إن وكيعاً توهم فيه، فقال: عن أبي أنس، إنما
یرویه أبو النضر عن بسر بن سعيد عن عثمان.
وقال مالك في (الموطأ) في الحديث الثاني: إنه بلغه عن جده عن عثمان، رضي الله
عنه، وقال في الإيمان في حديث طلحة: إنه سمع طلحة بن عبيد الله، فأتى في طلحة بلفظ:
سمعت، وكذا صرح به ابن سعد، وقال: وقد روى مالك بن أبي عامر عن عمر وعثمان
وطلحة بن عبيد الله وأبي هريرة، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال محمد بن سرور
المقدسي: قال الواقدي: توفي سنة ثنتي عشرة ومائة، وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين سنة،
وكذا حكى عنه محمد بن طاهر المقدسي وأبو نصر الكلاباذي، وقال الحافظ زكي الدين
المنذري: كيف يصح سماعه عن طلحة مع أنه توفي سنة ثنتي عشرة ومائة، وهو ابن سبعين
واثنتين أو سبعين؟ فعلى هذا يكون مولده سنة أربعين من الهجرة، ولا خلاف أن طلحة قتل
يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة والإسناد صحيح، أخرجه الأئمة وفيه أنه سمع
طلحة بن عبيد الله. قلت: فلعل السبعين، صوابها: التسعين، وتصحفت بها، وقد ذكر أبو عمر
النمري أنه توفي سنة مائة أو نحوها، فعلى هذا يكون مولده سنة ثمان وعشرين، ويمكن
سماعه منه. وقال الشيخ قطب الدين: يشكل أيضاً بما رواه ابن سعد من أنه رأى عمر، رضي
الله عنه، وتوفي عمر، رضي الله عنه، لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فكيف
يصح له رؤيته؟ وقال ابن سعد: أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم عن عمه جرير بن
زيد عن مالك بن أبي عامر، قال: شهدت عمر، رضي الله عنه، عند الجمرة وأصابه حجر
قدماه، فذكر الحديث. وفيه: فلما كان من قابل أصيب عمر، رضي الله عنه، وقد نبه الحافظ
المزي أيضاً على هذا الوهم في الوفاة في أنها سنة ثنتي عشرة ومائة مع السن المذكور. وقال
النووي في حاشية تهذيبه: إنه خطأ لا شك فيه، فإنه قد سمع عمر فمن بعده، ونقل في أصل
(تهذيبه) عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك، قال: يعني سنة
أربع وسبعين، وجزم به في (الكاشف) والله أعلم.
i
الخامس: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، رضي الله عنه، وقد مر ذكره.
بيان الأنساب: الزهراني: نسبة إلى زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد
الله بن مالك بن نضر بن الأزد، وهو قبيل عظيم فيه بطون وأفخاذ. والعتكي: في الأزد ينسب
i,

٣٤٦
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٥)
إلى العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن
مازن بن الأزد، وفي قضاعة ولخم أيضاً. والزرقي، بضم الزاي وفتح الراء بعدها القاف؛ في
الأنصار وفي طي. فالذي في الأنصار: زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن
غضب بن جشم بن الخزرج، والذي في طي: رزيق بطن بن عبد بن خزيمة بن زهير بن ثعلبة بن
سلامان بن ثقل بن عمرو بن الغوث بن طي. والتيمي: في قبائل، ففي قريش: تيم بن مرة بن
كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، منهم أبو بكر الصديق، رضي الله عنه. وفي الرباب: تيم بن
عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر، وفي النمر بن قاسط: تيم الله بن نمر بن قاسط،
وفي شيبان بن ذهیل: تيم بن شيبان، وفي ربيعة بن نزار: تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وفي
ضبة: تيم بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة. وفي قضاعة: تيم الله بن رفيدة بن
ثور بن کلب، بطن ینسب إليه التيمي.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رجاله كلهم مدنيون
إلاَّ أبا الربيع، ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الوصايا عن أبي
الربيع، وفي الشهادات عن قتيبة، وفي الأدب عن ابن سلام. وأخرجه مسلم في الإيمان عن
قتيبة ويحيى بن أيوب كلهم عن إسماعيل بن جعد عن أبي سهيل عن أبيه. وأخرجه الترمذي
والنسائي.
بيان اللغات: قوله: ((آية المنافق))، أي: علامته، وسميت آية القرآن آية لأنها علامة
انقطاع كلام عن كلام. فإن قلت: ما وزن آية؟ قلت فيه أربعة أقوال: الأول: إن وزنها: فعلة،
أصلها: أيية، قلبت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو مذهب الخليل. الثاني:
إن وزنها: فعلة، أصلها: اية، بالتشديد، قلب أول المضاعفين ألفاً كما قلبت ياء في: إيماء،
وهو مذهب الفراء. الثالث: إن وزنها: فاعلة، وأصلها: آبية، فنقصت، وهو مذهب الكسائي،
واعترض عليه الفراء بأنها قد صغرت أيية، ولو كان أصلها آيية لقيل: اوية، فأجاب الكسائي
بأنها صغرت تصغير الترخيم كفطيمة في فاطمة، واعترض إنما ذلك يجري في الأعلام.
الرابع: إن وزنها فعلة، وأصلها ابية، وهو مذهب الكوفيين. وقال الجوهري: والأصل
أوية بالتحريك. قال سيبويه: موضع العين من الآية واو، لأن ما كان موضع العين واواً واللام
ياء أكثر مما موضع العين واللام ياءان، مثل: شويت، أكثر من: حييت، وتكون النسبة إليه:
أووى، وقال الفراء: هي من الفعل فاعلة، وإنما ذهبت منه اللام ولو جاءت تامة لجاءت: آيية،
ولكنها خففت، وجمع الآية، آي وآيات. انتهى. قلت: المشهور أن عينها ياء، وزنها فاعة،
لأن الأصل آيية، فحذفوا الياء الثانية التي هي لام، ثم فتحوا الياء التي هي عين لأجل تاء
التأنيث، والنسبة إليه أبي. فافهم. قوله: ((كذب)) الكذب هو الإخبار على خلاف الواقع، وعن
ابن عرفة: الكذب هو الانصراف عن الحق، وفي (الكشاف): الكذب الإخبار بالشيء على
خلاف ما هو به. وفي (المحكم): الكذب نقيض الصدق، كذب يكذب كذباً وكذبة
١٣٠/١

٣٤٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
و کذبة هاتان عن اللحياني، و کذابا ورجل كاذب و کذاب وتكذاب و کذوب و كذوبة و كذبان
و کیذبان و کیذبان و کذبذب قال ابن جنى: أما كذبذب خفيف، وكذبذب ثقيل فهاتان لم
یحکهما سییویه، والأنثى: كاذبة و كذابة و کذوب، و کذب الرجل: أخبر بالكذب. وفي (نوادر
أبي مسحل): قد كان ذلك ولا كذباً لك ولا تكذيب ولا كذبان ولا مكذبة ولا كذب
ومعناه: لا أرد عليك، ولا أكذبك وفي (المنتهى) لأبي المعاني: فهو كذيب وكذبة مثل
همزة، والكذب: جمع كاذب مثل: راکع وژُکع، والكذب جمع کذوب، مثل: صبور وصبر،
وقرىء ﴿ولم تصف ألسنتكم الكذب﴾ [النحل: ١١٦] جعله نعتاً للألسنة، والأكذوبة
الكذب، والأكاذيب الأباطيل من الحديث، وأكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وأكذبته إذا أخبرته
أنه جاء بالكذب، وكذبته إذا أخبرته أنه كاذب. وقال ثعلب: أكذبته وكذبته بمعنى: حملته
على الكذب أو وجدته كاذباً. وقال الأصمعي: أكذبته أظهرت كذبه، وكذبته قلت له
كذبت، والتكاذب نقيض التصادق، وفي (الجامع): كذب يكذب كذباً، مكسور الكاف
ساكن الذال، والكذاب، مخفف جمع كاذب. وفي (الصحاح) فهو كاذب ومكذبان
ومكذبانة، وفي (العباب) كذب، یکذب كذبا وكذبا و كذوبة وكاذبة ومكذوبة، زاد ابن
الأعرابي: مکذبة و کذبانا، مثل عنوان، و کذیی مثل بشری، ويقال: كذب كذابا ويقال كذب
كذابا، بالضم والتشديد، أي: متناهياً. وقرأ عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه: ﴿و كذبوا بآياتنا
كذابا﴾ [النبأ: ٢٨] ويكون صفة على المبالغة: کوضاء وحسان، ورجل تکذاب وتصداق،
أي: یکذب ويصدق.
قوله: (وإذا وعد)) قال ابن سيده: وعده الأمر وبه عدة، ووعداً، وموعوداً وموعدةً
وموعداً وموعودة، وهو من المصادر التي جاءت على: مفعول ومفعولة، وقد تواعد القوم
واتعدوا، وواعده الوقت والموضع، وواعده فوعده، وقد أوعده وتوعد، قال الفراء: يقال: وعدته
خيراً ووعدته شراً بإسقاط الألف. فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر:
أوعدته، وفي الخير الوعد والعدة، وفي الشر الإيعاد والوعيد. فإذا قالوا: أوعدته بالشر، أثبتوا
الألف مع الياء. وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيراً وهو نادر. وفي (الصحاح): تواعد القوم أي
وعد بعضهم بعضاً، وهذا في الخير. وأما في الشر فيقال: اتعدوا والإيعاد أيضاً قبول الوعد،
وناس يقولون: أيتعد يأتعد فهو مؤتعد بالهمزة، قال ابن البري: والصواب ترك الهمزة، وكذا
ذكره سيبويه وجميع النحاة. قلت: الوعد في الاصطلاح الإخبار بإيصال الخير في المستقبل،
والإخلاف جعل الوعد خلافاً. وقيل: هو عدم الوفاء به. قوله: ((وإذا اؤتمن))، على صيغة
المجهول من الائتمان، وهو جعل الشخص أميناً، وفي بعض الروايات بتشديد التاء. وهو
بقلب الهمزة الثانية منه واواً وإبدال الواو ياءً وإدغام الياء في التاء. قوله: ((خان))، من الخيانة
وهو التصرف في الأمانة على خلاف الشرع، وقال ابن سيده: هو أن يؤتمن الإنسان فلا
ينصح، يقال: خانه خونا وخيانة وخانة ومخانة واختانه، ورجل خائن وخائنة وخون وخوان،
الجمع: خانة وخونة، والأخيرة شاذة، وخوان، وقد خانه العهد والأمانة، وفي (التهذيب)
٦جم :
i.
i

٣٤٨
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
للأزهري: رجل خائنة إذا بولغ في وصفه بالخيانة، وفي (الجامع) للقزاز: خان فلان فلاناً
يخونه من الخيانة، وأصله من النقص.
بيان الإعراب: قوله: ((آية المنافق))، كلام إضافي مبتدأ، و((ثلاث)) خبره، فإن قلت:
المبتدأ مفرد، والثلاث جمع، والتطابق شرط. والقياس: آيات المنافق ثلاث. قلت: لا
نسلم أن الثلاث جمع، بل هو اسم جمع ولفظه مفرد، على أن التقدير: آية المنافق معدودة
بالثلاث، وقال بعضهم: إفراد الآية إما على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع
الثلاث. قلت: كيف يراد الجنس والتاء تمنع ذلك، لأنها التاء فيها كالتاء في تمرة، فالآية
والآي كالتمرة والتمر، وقوله: أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، يشعر أنه إذا
وجد فيه واحد من الثلاث لا يطلق عليه اسم المنافق، وليس كذلك، بل يطلق عليه
اسم المنافق، غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقاً كاملاً، ويؤيده حديث عبد
الله بن عمرو الآتي عن قريب، على أن هذا القائل أخذ ما قاله من قول الكرماني، والكل
مدخول فيه.
قوله: ((إذا حدث))، كلمة إذا، ظرف للمستقبل متضمنة معنى الشرط، ويختص
بالدخول على الجملة الفعلية. وقال الكرماني: فإن قلت: الجمل الشرطية بيان لثلاث، أو
بدل، لكن لا يصح أن يقال: الآية إذا حدث كذب، فما وجهه؟ قلت: معناه آية المنافق كذبه
عند تحديثه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً﴾
[آل عمران: ٩٧] على أحد التوجيهات. قلت: تقرير كلامه أنه جعل قوله: إذا حدث كذب،
بياناً لثلاث، ولذلك قدره بقوله: آية المنافق كذبه عند تحديثه، كما قدر نحوه في قوله
تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٧] فإن تقديره: آيات بينات مقام إبراهيم وأمن
من دخله. فإن قلت: كيف يصح بيان الجمع بالاثنين؟. قلت: إن الإثنين نوع من الجمع أو
يكون الثالث مطوياً. وقوله: لكن لا يصح أن يقال الآية إذا حدث كذب، أراد: أن البدل لا
يصح لكون المبدل منه في حكم السقوط، فيكون التقدير الآية إذا حدث كذب، ولكن قوله:
لا يصح، غير صحيح، أما أولاً: فلأن كون المبدل منه في حكم السقوط ليس على الإطلاق،
وأما ثانياً: فلأن تقديره بقوله: الآية إذا حدث كذب، ليس بتقدير صحيح، بل التقدير على
تقدير البدل: آية المنافق وقت تحديثه بالكذب، ووقت إخلافه بالوعد، ووقت خيانته بالأمانة.
والمبدل منه هو لفظ: ثلاث، لا لفظ: المنافق. فافهم.
بيان المعاني: فيه: ذكر: إذا في الجمل الثلاث الدالة على تحقق الوقوع، تنبيهاً
على أن هذه عادة المنافق. وقال الخطابي: كلمة إذا تقتضي تكرار الفعل، وفيه نظر. وفيه:
حذف المفاعيل الثلاثة من الأفعال الثلاثة تنبيهاً على العموم. وفيه: عطف الخاص على
العام، لأن الوعد نوع من التحديث، وكان داخلاً في قوله: ((إذا حدث))، ولكنه أفرده بالذكر
معطوفاً تنبيهاً على زيادة قبحه على سبيل الادعاء، كما في عطف جبريل - عليه السلام -
على الملائكة مع كونه داخلاً فيهم، تنبيهاً على زيادة شرفه. لا يقال: الخاص إذا عطف على
.200

i
٣٤٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
العام لا يخرج من تحت العام فحينئذ تكون الآية اثنتين لا ثلاثاً، لأنا نقول: لازم الوعد الذي
هو الإخلاف الذي قد يكون فعلاً، ولازم التحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلاً
متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين فافهم. وفيه: الحصر بالعدد، فإن قلت:
يعارضه الحديث الآخر الذي فيه لفظ أربع! قلت: لا يعارضه أصلاً، لأن معنى قوله: ((وإذا
عاهد غدر)). معنى قوله: ((وإذا اؤتمن خان))، لأن الغدر خيانة فيما اؤتمن عليه من عهده. وقال
النووي: لا منافاة بين الروايتين من ثلاث خصال كما في الحديث الأول، أو: أربع خصال،
كما في الحديث الآخر، لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها
صفة، قد تكون تلك العلامة شيئاً واحداً، وقد تكون أشياء. وروى أبو أمامة موقوفاً: ((وإذا غنم
غل، وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جبن)). وقال الطيبي: لا منافاة، لأن الشيء الواحد قد يكون له
علامات، فتارة يذكر بعضها، وأخرى جميعها أو أكثرها. وقال القرطبي: يحتمل أن النبي -
عليه السلام - استجد له من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده.
قلت: الأولى أن يقال: إن التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص، وقال
بعضهم: ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة كونها علامة، على أن في
رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على عدم إرادة
الحصر، فإن لفظه: (من علامة المنافق ثلاث)). وكذا أخرج الطبراني في (الأوسط) من
حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه. وإذا حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد
السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت، وببعضها في وقت آخر. قلت: ولا
فرق بين الخصلة والعلامة، لأن كلاً منهما يستدل به على الشيء، وكيف ينفي هذا القائل
الملازمة الظاهرة وقوله: على أن في رواية مسلم إلخ ليس بجواب طائل؟ بل المعارضة ظاهرة
بين الروايتين، ودفعها بما ذكرناه وحمل اللفظ الأول على هذا لا يصح من جهة التركيب،
فافهم.
بيان استنباط الأحكام: استنبط من هذه العلامات الثلاث صفة المنافق وجه الانحصار
على الثلاث، هو: التنبيه على فساد القول والفعل والنية. فيقوله: ((إذا حدث كذب)) نبه على
فساد القول، وبقوله: ((إذا اؤتمن خان)) نبه على فساد الفعل، وبقوله: ((إذا وعد أخلف)) نبه
على فساد النية، لأن خلف الوعد لا يقدح إلاّ إذا عزم عليه مقارناً بوعده، أما إذا كان عازماً
ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم توجد فيه صفة النفاق، ويشهد لذلك ما رواه
الطبراني بإسناد لا بأس به في حديث طويل من حديث سلمان، رضي الله عنه: ((إذا وعد وهو
يحدث نفسه أنه يخلف)). وكذا قال في باقي الخصال. وقال العلماء: يستحب الوفاء بالوعد
بالهبة وغيرها استحباباً مؤكداً، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم، ويستحب أن يعقب الوعد
بالمشيئة ليخرج عن صورة الكذب، ويستحب إخلاف الوعيد إذا كان التوعد به جائزاً، ولا
يترتب على تركه مفسدة.
واعلم أن جماعة من العلماء عدو هذا الحديث من المشكلات من حيث إن هذه
i
١
i
i

/١:٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
٣٥٠
الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه، مع أن الإجماع حاصل أنه لا يحكم
بكفره، ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار. قلت: ذكروا فيه أوجهاً. الأول: ما قاله
النووي: ليس في الحدیث إشكال؛ إذ معناه أن هذه الخصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافق
في هذه، ومتخلق بأخلاقهم، إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهوموجود في صاحب هذه
الخصال، ويكون نفاقه خاصاً في حق من حدثه ووعده وائتمنه، لا أنه منافق في الإسلام
مبطن للكفر. الثاني: ما قاله بعضهم: هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، وأما من ندر
ذلك منه فليس داخلاً فيه. الثالث: ما قاله الخطابي: هذا القول من النبي عَ ﴾ تحذير من
اعتاد هذه الخصال خوفاً أن يفضي به إلى النفاق، دون من وقعت نادرة منه من غير اختيار أو
اعتياد، وقد جاء في الحديث: ((التاجر فاجر، وأكثر منافقي أمتي قراؤها)). ومعناه التحذير من
الكذب، إذ هو في معنى الفجور، فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجاراً، أو القراء قد يكون
من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء، وهو لا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين.
وقال أيضاً: والنفاق ضربان. أحدهما: أن يظهر صاحبه الدين وهو مبطن للكفر، وعليه
كانوا في عهد رسول الله عَّله. والآخر: ترك المحافظة على أمور الدين سراً ومراعاتها علناً،
وهذا أيضاً يسمى نفاقاً، كما جاء: ((سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر)). وإنما هو كفر دون
كفر، وفسق دون فسق، كذلك هو نفاق دون نفاق. الرابع: ما قاله بعضهم: ورد الحديث
في رجل بعينه منافق، وكان رسول الله عَم لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق،
بل يشير إشارة كقوله، عليه السلام: ((ما بال أقوام يفعلون كذا))؟ فههنا أشار بالآية إليه حتى
يعرف ذلك الشخص بها.
الخامس: ما قاله بعضهم: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي عَّ حدثوا
بأنهم آمنوا فكذبوا، واؤتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوه في نصرة الدين فأخلفوا. قال
القاضي: وإليه مال كثير من أئمتنا، وهو قول عطاء بن أبي رباح في تفسير الحديث، وإليه
رجع الحسن البصري، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير، رضي الله عنهم.
ورووا في ذلك حديثاً: ((يروى أن رجلاً قال لعطاء: سمعت الحسن يقول: من كان فيه ثلاث
خصال لم أتحرج أن أقول إنه منافق: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن
خان)). فقال عطاء: إذا رجعت إلى الحسن فقل له: إن عطاء يقرؤك السلام، ويقول لك: أذكر
إخوة يوسف، عليه السلام. واعلم أنه لن يخلق أهل السلام أن يكون فيهم الخيانة والخلف.
ونحن نرجو أن يعيذهم الله من النفاق، وما استقر اسم النفاق قط إلاّ في قلب جاحد، وقد
قال الله في حق المنافقين ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا﴾ [المنافقون: ٣] فذكر زوال الإسلام
عن قلوبهم، ونحن نرجوا أن لا يزول عن قلوب المؤمنين، فأخبر الحسن، فقال: جزاك الله
خيراً، ثم قال لأصحابه: إذا سمعتم مني حديثاً فحدثتم به العلماء فما كان غير صواب فردوا
علي جوابه. وروي أن سعيد بن جبير أهمه هذا الحديث، فسأله ابن عمر وابن عباس رضي
الله عنهم، فقالا: أهمنا من ذلك يا ابن أخي مثل الذي أهمك، فسألنا رسول الله

٣٠١
٢ - كِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
فضحك النبي - عليه السلام - وقال: ما لكم ولهن، إنما خصصت به المنافقين. أما قولي: إذا
حدث كذب، فذلك فيما أنزل الله تعالى علي: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ [المنافقون: ١] الآية،
أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: فلا عليكم، أنتم من ذلك براء. وأما قولي: إذا وعد أخلف،
فذلك قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات الثلاث،
أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم، أنتم من ذلك براء. وأما قولي: إذا اؤتمن خان، فذلك
فيما أنزل الله تعالى علي: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال﴾ [الأحزاب:
٧٢] الآية فكل إنسان مؤتمن على دينه يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية،
والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم، أنتم من ذلك
براء. السادس: ما قاله حذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله - عليه
السلام - ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق بأن أظهر
الإسلام وأبطن خلافه فهو مرتد. السابع: ما قاله القاضي: إن المراد التشبيه بأحوال المنافقين
في هذه الخصال، في إظهار خلاف ما يبطنون، لا في نفاق الإسلام العام، ويكون نفاقه على
من حدثهم ووعدهم واتمنه وخاصمه وعاهده من الناس. الثامن: ما قاله القرطبي: إن المراد
بالنفاق نفاق العمل، واستدل بقول عمر لحذيفة، رضي الله عنهما: هل تعلم فيَّ شيئاً من
النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل. قلت: الألف واللام في: النفاق،
لا يخلو إما أن تكون للجنس، أو للعهد، فإن كانت للجنس يكون على سبيل التشبيه
والتمثيل لا على الحقيقة، وإن كانت للعهد يكون من منافق خاص بعينه، أو من المنافقين
الذين كانوا في زمنه - عليه السلام - على ما ذكرنا.
٣٤/٢ - حدّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ قال حدّثنا سُفْيانُ عنِ عبدِ اللَّهِ عن الأعمَشِ بن مُرَةَ
عن مَشْرُوقٍ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ أنّ النَّبِيَّ عَلَّمِ قال: ((أَزْبَعَ مَنْ كُنَّ فِيه كَانَ مُنَافِقَاً خَالِصاً
ومَنْ كَانَتْ فيهِ خَصْلَةٌ مِن النِّفاقِ حتَّى يَدَعَهَا: إذا انْتُمِنَ خَانَ، وإِذا حدَّثَ كَذَبَ، وإذا
عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ)). [الحديث ٣٤ - طرفاه في: ٢٤٥٩، ٣١٧٨].
المناسبة بين الحديثين ظاهرة، وكلك مناسبته للترجمة.
بيان رجاله: وهم ستة: الأول: قبيصة، بفتح القاف وكسر الباء وسكون الياء آخر
الحروف وفتح الصاد المهملة، ابن عقبة، بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الباء
الموحدة، ابن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جندب بن بيان بن حبيب أبي سواءة بن
عامر بن صعصعة أبو عامر، السوائي الكوفي، أخو سفيان بن عقبة، روى عن: مسعر والثوري
وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم، روى عنه: أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي
والبخاري، وروى مسلم حديثاً واحداً في الجنائز عن ابن أبي شيبة عنه عن الثوري. وروى أبو
داود وابن ماجة عن رجل عنه. قلت: هو يحيى بن بشر يروي عن قبيصة، وكذا روى البخاري
في الأدب والترمذي والنسائي عن يحيى بن بشر عنه، وكان من الصالحين، وهو مختلف في
توثيقه وجرحه، واحتجاج البخاري به في غير موضع كاف. وقال يحيى بن معين: ثقة في كل
i
١/٠٥٦
i
٠۵۵

٣٥٢
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
شيء إلاّ في حديث سفيان الثوري ليس بذلك القوي، وقال يحيى بن آدم: قبيصة كثير الغلط
في سفيان، كأنه كان صغيراً لم يضبط، وأما في غير سفيان فهو ثقة رجل صالح، وعن
قبيصة أنه قال: جالست الثوري، وأنا ابن ست عشرة سنة، ثلاث سنين. توفي في المحرم
سنة ثلاث عشرة ومائتين، كذا قاله قطب الدين في (شرحه). وقال النووي في (شرحه): سنة
خمس عشرة ومائتين، وليس لقبيصة بن عقبة عن ابن عيينة شيء.
الثاني: سفيان، بتثليث سينه، ابن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن
موهبة ابن أبي عبد الله بن منقذ بن نضر بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مناة،
أبو عبد الله الثوري الإمام الكبير، أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، المتفق على جلالة
قدره وكثرة علومه وصلابة دينه وتوثقه وأمانته، وهو من تابع التابعين، وقال ابن عاصم: سفيان
أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة وما كتبت عن أفضل
من سفيان. ولد سنة سبع وتسعين، وتوفي سنة ستين ومائة بالبصرة متوارياً من سلطانها، ودفن
عشاء، وكان يدلس، روى له الجماعة. الثالث: سليمان الأعمش، وقد مر ذكره، الرابع: عبد
الله بن مرة، بضم الميم وتشديد الراء، الهمداني، بسكون الميم، الكوفي التابعي الخارفي،
بالخاء المعجمة وبالراء والفاء، وخارف: هو مالك بن عبد الله بن كثير بن مالك بن جشم بن
خيوان بن نوف بن همدان، قال يحيى بن معين وأبو زرعة: ثقة، توفي سنة مائة، وقال ابن
سعد: في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، روى له الجماعة. الخامس: أبو
عائشة مسروق بن الأجدع، بالجيم وبالمهملتين، ابن مالك بن أمية بن عبد الله بن مربن
سليمان بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة بن عمرو بن عامر، الهمداني الكوفي، صلى
خلف أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وسمع عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة وغيرهم، وكان
من المخضرمين، اتفق على جلالته وتوثيقه وإمامته، وكان أفرس فارس باليمن، وهو ابن أخت
معدي كرب، مات سنة ثلاث: وقيل: اثنتين وستين، روى له الجماعة. السادس: عبد الله بن
عمرو بن العاص، وقد مر ذكره.
بيان لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين
يروي بعضهم عن بعض، ومنها: أن رواته كلهم كوفيون إلاّ الصحابي، وقد دخل الكوفة
أيضاً.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجزية عن قتيبة عن
جرير عن الأعمش به، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر عن عبد الله بن نمير، وعن أبي
نمير، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، وحدثنا زهير، حدثنا وكيع عن الأعمش. وأخرجه بقية
الجماعة.
بيان اللغات: قوله: ((خالصاً) من: خلص الشيء يخلص، من باب: نصر ينصر،
ومصدره خلوصاً وخالصة، والخالص أيضاً الأبيض من الألوان، وخلص الشيء إليه خلوصاً:
وصل، وخلص العظم، بالكسر، يخلص بالفتح خلصا بالتحريك، إذا تشظى في اللحم. قوله:

٣٥٣
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٥)
((خصلة)) أي خلة، بفتح الخاء فيهما، وكذا وقع في رواية مسلم. قوله: ((حتى يدعها))، أي:
يتركها .. قيل: قد أميت ماضيه، وقد استعمل في قراءة من قرأها ﴿ما ودعك ربك﴾
[الضحى: ٣] بالتخفيف. قوله: ((عاهد)) من المعاهدة. وهي المحالفة والمواثقة. قوله:
((غدر)) من الغدر، وهو ترك الوفاء. قال الجوهري: غدر به فهو غادر، وغدر أيضاً، وأكثر ما
يستعمل هذا في النداء بالشتم. وفي (المحكم): غدره وغدر به يغدر غدراً، ورجل غادر
وغدار وغدور، وكذلك الأنثى بغير هاء، وغدره. وقال بعضهم: يقال للرجل: یا غدر، ویا
مغدر، ويا ابن مغدر، ومغدر، والأنثى: يا غدار. لا يستعمل إلاَّ في النداء، وغدر الرجل غدار
وغدرانا، عن اللحياني، ولست منه على ثقة، وفي (المجمل): الغدر نقض العهد وتركه،
ويقال: أصله من الغدير. وهو الماء الذي يغادره السيل، أي: يتركه، يقال: غادرت الشيء إذا
تركته، فكأنك تركت ما بينك وبينه من العهد. وفي (شرح الفصيح) لابن هشام السبتي
والعماني: غدر في الماضي بالكسر، زاد العماني: وغدر بالفتح أفصح، وفي (شرح المطرز):
العرب الفصحاء يقولون، كما ذكره ثعلب: غدرت بالفتح. ومنهم من يقول: غدرت، بالكسر.
وفي (نوادر ابن الأعرابي) غدر الرجل، بكسر الدال، عن أصحابه إذا تخلف. قال: ويقال
مات إخوته وغدر. وفي (شرح الحضرمي): غدر يغدر ويغدر، بالكسر والضم، هو في مستقبل
غدر بالكسر، يغدر بالفتح، قياساً. وفي كتاب (صعاليك العرب) للأخفش: غادر وغدار، مثل
شاهد وشهاد. قوله: ((خاصم)) من المخاصمة، وهي المجادلة. قوله: ((فجر)) من الفجور، وهو
الميل عن القصد، والشق بمعنى: فجر، مال عن الحق وقال الباطل، أو شق ستر الديانة.
بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((أربع))، مبتدأ بتقدير: أربع خصال، أو: خصال أربع،
لأن النكرة الصرفة لا تقع مبتدأ، وخبره قوله: ((من كن فيه)) فقوله: من موصولة متضمنة معنى
الشرط، وقوله: كن فيه، صلتها، وقوله ((كان منافقاً) خبر للمبتدأ الثاني أعني: قوله: من،
والجملة خبر المبتدأ الأول كما ذكرنا. وقال الكرماني: يحتمل أن تكون الشرطية صفة، يعني
صفة: أربع، وإذا اؤتمن خان. الخ خبره، بتقدير: أربع كذا هي الخيانة عند الائتمان ... إلى
آخره. قلت: هذا وجه بعيد لا يخفى. قوله: ((منافقاً) خبر كان، و ((خالصاً)) صفته. قوله:
((ومن)) مبتدأ موصولة، وقوله: ((كانت فيه خصلة)) جملة صلة لها، وقوله: ((كانت فيه
خصلة))، خبر المبتدأ، والضمير في منهن، يرجع إلى: الأربع، قوله ((حتى)) للغاية، و ((يدعها))
منصوب بأن المقدرة، أي: حتى أن يدعها. قوله: ((إذا اؤتمن خان)) إذا للظرف فيه معنى
الشرط و: ((خان)) جوابه، والباقي كذلك، وهو ظاهر. قوله: ((كان منافقاً) معناه على ما تقدم
من الأوجه المذكورة، ووصفه بالخلوص يشد عضد من قال: المراد بالنفاق العمل لا الإيمان،
أو النفاق العرفي لا الشرعي. لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدرك
الأسفل من النار. وأما كونه خالصاً فيه فلأن الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن
لا يزيد عليه. وقال ابن بطال: خالصاً، معناه خالصاً من هذه الخلال المذكورة في الحديث
فقط لا في غيرها. وقال النووي: أي شديد الشبه بالمنافقين بهذه الخصال. وقال أيضاً في
i
i
i
i
i
i
عمدة القاري ١ ٢ - ٢٣٠

٣٥٤
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٦)
شرحه للصحيح: حصل من الحديثين أن خصال المنافقين خمسة، وقال في شرح مسلم:
(وإذا عاهد غدر)). هو داخل في قوله: ((إذا اؤتمن خان)). يعني: أربعة، وقال الكرماني: لو
اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلاث، فتأمل. والحق أنها خمسة متغايرة عرفاً،
وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضاً، ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن، أما في
الماليات وهو: إذا اؤتمن، وأما في غيرها، فهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في
حالة الصفاء فهو إما مؤكدة باليمين فهو إذا عاهد، أو لا فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا
وعد، وإما بالنظر إلى الحال فهو إذا حدث. قلت: الحق بالنظر إلى الحقيقة ثلاث، وإن كان
بحسب الظاهر خمساً، لأن قوله: (إذا عاهد غدر)) داخل في قوله: (إذا اؤتمن خان)). وقوله:
(وإذا خاصم فجر))، يندرج في الكذب في الحديث، ووجه الحصر في الثلاث قد ذكرناه.
تَابَعَهُ شُعْبَةُ عنِ الأعمَشِ.
أي: تابع سفيان الثوري شعبة بن الحجاج في روايته هذا الحديث عن سليمان
الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، وأوصل
البخاري هذه المتابعة في كتاب المظالم. وقال الكرماني: هذه المتابعة هي المتابعة المقيدة
لا المطلقة، حيث قال: الأعمش، والناقصة لا التامة حيث ذكر المتابعة من وسط الإسناد لا
من أوله. وقال النووي: إنما أوردها البخاري على طريق المتابعة لا الأصالة. وقال الكرماني:
ليس ذكره في هذا الموضع على طريق المتابعة لمخالفة هذا الحديث ما تقدم لفظاً ومعنى
من جهات، كالاختلاف في: ثلاث وأربع، وكزيادة لفظ: خالصاً. قلت: أراد البخاري
بالمتابعة هنا كون الحديث مروياً من طرق أخرى عن الثوري، منها رواية شعبة عن الثوري،
نبه على ذلك ههنا، وإن كان قد رواها في كتاب المظالم، وكذلك هو مروي في (صحيح
مسلم) وغيره من طرق أخرى عن الثوري، وكلام الكرماني يشير إلى أنه فهم أن المراد
بالمتابعة متابعة حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب، وليس كذلك، لأنه لو أراد ذلك
لسماه شاهداً، وقال بعضهم: وأما دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى فليس بمسلم، وغايته أن
يكون في أحدهما زيادة، وهي مقبولة، لأنها من ثقة متيقن. قلت: نفيه التسليم ليس بمسلم،
لأن المخالفة في اللفظ ظاهرة لا تنكر ولا تخفى، فكأنه فهم أن قوله: من جهات،
كالاختلاف يتعلق بالمعنى وليس كذلك، بل يتعلق بقوله: لفظاً. فافهم.
٢٦ _ بابٌ قِيامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمانِ
لما كان المذكور، بعد ذكر المقدمة التي هي باب كيفية بدء الوحي، كتاب الإيمان
المشتمل على أبواب فيها بيان أمور الإيمان، وذكر في أثنائها خمسة من الأبواب، مما يضاد
أمور الإيمان لأجل مناسبة ذكرناها عند ذكر أول الأبواب الخمسة، عاد إلى بيان بقية الأبواب
المشتملة على أمور الإيمان، نحو: قيام ليلة القدر من الإيمان، والجهاد من الإيمان، وتطوع
قيام رمضان من الإيمان، وصوم رمضان من الإيمان، وغير ذلك من الأبواب المتعلقة بأمور

٣٥٥
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٦)
الإيمان، وينبغي أن تطلب المناسبة بين هذا الباب وبين باب السلام من الإسلام، لأن الأبواب
الخمسة المذكورة بينهما إنما هي بطريق الاستطراد، لا بطريق الأصالة. فالمذكور بطريق
الاستطراد كالأجنبي، فيكون هذا الباب في الحقيقة مذكوراً عقيب باب السلام من الإسلام،
فتطلب المناسبة بينهما، فنقول: وجه المناسبة هو أن المذكور في باب السلام من الإسلام
هو أن إفشاء السلام من أمور الإيمان، وكذلك ليلة القدر فيها يفشى السلام من الملائكة على
المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] قال الزمخشري: ما هي
إلاَّ سلام لكثرة ما يسلمون، أي: الملائكة على المؤمنين، وقيل: لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا
سلموا عليه في تلك الليلة. ثم قوله: (باب)) معرف على تقدير أنه خبر مبتدأ محذوف منون،
أي: هذا باب. وقوله: ((قيام) مرفوع بالابتداء، وخبره. قوله: (من الإيمان))، ويجوز أن يترك
التنوين من: باب على تقدير إضافته إلى الجملة، وعلى كل التقدير الأصل: هذا باب في بيان
أن قيام ليلة القدر من شعب الإيمان، والقيام مصدر: قام، يقال: قام قياماً، وأصله قواماً، قلبت
الواو ياء لانكسار ما قبلها.
والكلام في ليلة القدر على أنواع: الأول: في وجه التسمية به. فقيل: سمي به لما
تكتب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة، أي: يظهرهم
الله عليه، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم. وقيل: لعظم قدرها وشرفها وقيل: لأن من أتى
فيها بالطاعات صار ذا قدر. وقيل: لأن الطاعات لها قدر زائد فيها. الثاني: في وقتها اختلف
العلماء فيه، فقالت جماعة: هي منتقلة، تكون في سنة في ليلة وفي سنة في ليلة أخرى،
وهكذا. وبهذا يجمع بين الأحاديث الدالة على اختلاف أوقاتها، وبه قال مالك وأحمد
وغيرهما، قالوا: إنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: بل في كله، وقيل: إنها معينة
لا تنتقل أبداً بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها. وقيل: هي في السنة كلها.
وقيل: في شهر رمضان كله، وهو قول ابن عمر، رضي الله عنهما، وبه أخذ أبو حنيفة، رضي
الله عنه، وقيل: بل في العشر الأواسط والأواخر، وقيل: بل في الأواخر، وقيل: يختص بأوتار
العشر، وقيل: بأشفاعه، وقيل: بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس.
وقيل: في ليلة سبع عشرة، أو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، وقيل: ليلة ثلاث
وعشرين، وقيل: ليلة أربع وعشرين، وهو محكي عن بلال وابن عباس، رضي الله عنهم،
وقيل: سبع وعشرين، وهو قول جماعة من الصحابة، وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال
زيد بن أرقم: سبع عشرة، وقيل: تسع عشرة، وحكي عن علي، رضي الله عنه، وقيل، آخر
ليلة من الشهر. وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين، أو الثالث والعشرين ذكره
الرافعي، وهو خارج عن المذكورات. الثالث: هل هي محققة ترى أم لا؟ فقال قوم: رفعت
لقوله عَّدٍ: ((حين تلاحى الرجلان رفعت))، وهذا غلط، لأن آخر الحديث يدل عليه، وهو
((عسى أن يكون خيراً لكم، التمسوها في السبع والتسع))، وفيه تصريح بأن المراد برفعها
رفع بيان علم عينها، لا رفع وجودها. وقال النووي: أجمع من يعتد به على وجودها ودوامها
i
i
(١
١
i
i
.7!
P
جدة

٣٥٦
٢ - کِتابُ الإِيمَانِ / باب (٢٦)
إلى آخر الدهر، وهي موجودة ترى ويحققها من شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في
رمضان، وأخبار الصالحين بها ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصى، وأما قول المهلب: لا يمكن
رؤيتها حقيقة فغلط، وقال الزمخشري: ولعل الحكمة في إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي
الكثيرة طلباً لموافقتها، فتكثر عبادته وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها،
فيفرطوا في غيرها.
٣٥/١ - حدثنا أبو اليَمانِ قال: أُخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قال: حدّثنا أبو الزِّنَادِ عَنِ الأعرجِ عنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ عَلِ: ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ
ذَلْبِهِ)). [الحديث ٣٥ - أطرافه: ٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله: وهم خمسة. قد ذكروا بهذا الترتيب في باب: حب الرسول - عليه
السلام - وأبو اليمان: هو الحكم بن نافع، وشعيب هو ابن حمزة، وأبو الزناد، بالنون، عبد
الله بن ذكوان القرشي، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني القرشي قيل: أصح أسانيد أبي
هريرة عن أبي الزناد عن الأعرج عنه.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصيام مطولاً.
وأخرجه مسلم ولفظه: ((من يقم ليلة القدر فيوافقها، أراه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من
ذنبه)). وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي و(الموطأ)، ولفظهم: ((كان رسول الله عَ ل يرغب
في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما
تقدم من ذنبه)). فتوفي رسول الله، عليه الصلاة والسلام، والأمر على ذلك. ثم كان الأمر على
ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر، رضي الله عنهما، وأخرج البخاري ومسلم
أيضاً نحوه، وأخرج النسائي ((عن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، أن رسول الله عَّ اهو
ذكر رمضان بفضله على الشهور)). وقال: ((من قام في رمضان إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه
كيوم ولدته أمه)). وقال: هذا خطأ، والصواب: أنه عن أبي هريرة.
بيان اللغات: قوله: (من يقم))، بفتح الياء، من قام يقوم، وهو متعد ههنا، والدليل عليه
ما جاء في رواية أخرى للبخاري ومسلم: عن أبي هريرة قال: ((سمعت رسول الله عَ لّ يقول
لرمضان: من قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)). وفي رواية للنسائي: ((فمن صامه
وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)). قوله: ((إيماناً)، أي تصديقاً بأنه حق
وطاعة. قوله: ((واحتساباً)، أي: إرادة وجه الله تعالى لا لرياء ونحوه، فقد يفعل الإنسان الشيء
الذي يعتقد أنه صادق، لكن لا يفعله مخلصاً، بل لرياء أو خوف أو نحو ذلك، يقال احتساباً
أي: حسبة الله تعالى. يقال: احتسبت بكذا أجراً عند الله تعالى، والاسم الحسبة، وهي
الأجر. وفي (العباب): احتسبت بكذا أجراً عند الله، أي: اعتددته أنوي به وجه الله تعالى،
ومنه قوله، عليه السلام: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً ... )) الحديث واحتسبت عليه كذا:

٣٥٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٦)
أي أنكرته عليه، قاله ابن دريد: ومنه محتسب البلد. قوله: ((غفر له)) من الغفر، وهو الستر،
ومنه المغفر وهو الخودة، وفي (العباب) الغفر التغطية، والغفر والغفران والمغفرة واحد، ومغفرة
الله لعبده إلباسه إياه العفو وستره ذنوبه.
بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((من يقم))، كلمة: من، شرطية، و: يقم، جملة من
الفعل والفاعل وقعت فعل الشرط، قوله: ((ليلة القدر)) كلام إضافي مفعول به، ليقم، وليس
بمفعول فيه. قوله: ((إيماناً واحتساباً) منصوبان على أنهما حالان متداخلتان أو مترادفتان على
تأويل: مؤمناً ومحتسباً. وقال الكرماني: وحينئذ لا تدل على ترجمة الباب، إذ المفهوم منه
ليس إلاّ القيام في حال الإيمان، وفي زمانه مشعر بأنه من جملته. قلت: ليس المراد من لفظه:
إيماناً، هو الإيمان الشرعي، وإنما المراد هو الإيمان اللغوي، وهو التصديق كما فسرناه الآن،
والترجمة غير مترتبة عليه، وإنما هى مترتبة على مباشرة عمل هو سبب لغفران ما تقدم من
ذنبه، وهو قيام ليلة القدر ههنا، ومباشرة مثل هذا العمل شعبة من شعب الإيمان فافهم. ثم إن
الكرماني جوز انتصابهما على التمييز، وعلى العلة أيضاً بعد أن قال: التمييز والمفعول له لا
يدلان على أنه من الإيمان بتأويل أن: من، للابتداء، فمعناه: أن القيام منشؤه الإيمان، فيكون
للإيمان أو من جهة الإيمان. قلت: وقوع كل منهما بعيد، أما التمييز فإنه يرفع الإبهام المستقر
عن ذات مذكورة أو مقدرة، وكل منهما ههنا منتف، أما الأول: فلأنه يكون عن ذات مفردة
مذكورة، وذلك المفرد يكون مقدراً غالباً. وأما الثاني: فإنه لا إبهام في لفظة: يقم، ولا في
إسناده إلى فاعله. وأما النصب على العلة فإنه ما فعل لأجله فعل مذكور، وههنا القيام ليس
لأجل علة الإيمان، وإنما الإيمان سبب للقيام. ثم قال الكرماني: فإن قلت: شرط التمييز أن يقع
موقع الفاعل نحو: طاب زيد نفساً. قلت: اطراد هذا الشرط ممنوع، ولئن سلمنا فهو أعم من
أن يكون فاعلاً بالفعل، أو بالقوة، كما يؤول: طار عمرو فرحاً، بأن المراد طيّره الفرح. فهو
في المعنى إقامة الإيمان. قلت: هذا التمثيل ليس بصحيح، لأن نسبة الطيران إلى عمرو فيه
إبهام، وفسره بقوله: فرحا، وتأويله: طيره الفرح كما في قولك طاب زيد نفساً تقديره: طاب
نفس زيد، وليس كذلك. قوله: (من يقم ليلة القدر)) لأنه إبهام في نسبة القيام إليه ولا في
نفس القيام، وتأويله بقوله: إقامة الإيمان، ليس بصحيح، لأن الإيمان ليس بفاعل لا بالفعل ولا
بالقوة. قوله: ((غفر له))، جواب الشرط، وهذا كما ترى وقع ماضياً، وفعل الشرط مضارعاً،
والنحاة يستضعفون مثل ذلك. ومنهم من منعه إلا في ضرورة شعر، وأجازوا ضده، وهو أن
يكون فعل الشرط ماضياً والجواب مضارعاً، ومنه قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا
وزينتها نوف إليهم﴾ [هود: ١٥] وجماعة منهم جوزوا ذلك مطلقاً، واحتجوا بالحديث
المذكور، وبقول عائشة، رضي الله عنها، في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه: متى يقم
مقامك رق، والصواب: معهم، لأنه وقع في كلام أفصح الناس، وفي كلام عائشة الفصيحة.
وقال بعضهم: واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت﴾ [الشعراء:
٤] لأن قوله: فظلت، بلفظ الماضى، وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب! قلت: لا
١
F
الجونة

٣٥٨
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٦)
تسلم أن تابع الجواب جواب، بل هو في حكم الجواب، وفرق بين الجواب وحكم
الجواب. وقوله ((ظلت)) عطف على قوله: ننزل، وحق المعطوف صحة حلوله محل المعطوف
عليه، ثم قال هذا القائل: وعندي في الاستدلال به نظر، أراد به استدلال المجوزين بالحديث
المذكور، لأنني أظنه من تصرف الرواة، فقد رواه النسائي عن محمد بن علي بن ميمون عن
أبي اليمان، شيخ البخاري فيه، فلم يغاير بين الشرط والجزاء، بل قال: من يقم ليلة القدر
يغفر له. ورواه أبو نعيم في (المستخرج) عن سليمان، وهو الطبراني، عن أحمد بن عبد
الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان ولفظه: ((لا يقوم أحد ليلة القدر فيوافقها إيماناً واحتساباً إلاَّ
غفر الله له ما تقدم من ذنبه)). قلت: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما
رواه النسائي والطبراني، وأن ما رواه البخاري بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبوي،
بل الأمر كذا، لأن رواية محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان لا تعادل رواية البخاري
عن أبي اليمان، ولا رواية أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان مثل رواية البخاري
عنه، ويؤيد هذا رواية مسلم أيضاً، ولفظ البخاري: (من يقم ليلة القدر فيوافقها أراه إيماناً
واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))، ولفظ حديث الطبراني ينادي بأعلى صوته بوقوع التغيير
والتصرف من الرواة فيه، لأن فيه النفي والإثبات موضع الشرط والجزاء في رواية البخاري
ومسلم. قوله: ((من ذنبه) يتعلق بقوله: ((غفر)) أي: غفر من ذنبه ما تقدم، ويجوز أن تكون:
من، البيانية لما تقدم. فإن قلت: (ما تقدم) ما موقعه من الإعراب؟ قلت: النصب على
المفعولية على الوجه الأول، والرفع على أنه مفعول ناب عن الفاعل على الوجه الثاني، فافهم.
الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: لِمَ قال ههنا: من يقم، بلفظ المضارع، وقال فيما
بعده: من قام رمضان ومن صام رمضان، بالماضي؟ وأجيب: بأن قيام رمضان وصيامه محقق
الوقوع، فجاء بلفظ يدل عليه بخلاف قيام ليلة القدر، فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ
المستقبل. ومنها ما قيل: ما النكتة في وقوع الجزاء بالماضي مع أن المغفرة في زمن
الاستقبال؟ وأجيب: للإشعار بأنه متيقن الوقوع متحقق الثبوت، فضلاً من الله تعالى على
عباده. ومنها ما قيل: لفظ: من يقم ليلة القدر، هل يقتضي قيام تمام الليلة، أو يكفي أقل ما
ينطلق عليه اسم القيام؟ وأجيب: بأنه يكفي الأقل وعليه بعض الأئمة، حتى قيل بكفاية فرض
صلاة العشاء في دخوله تحت القيام فيها، لكن الظاهر منه عرفاً أنه لا يقال: قيام الليلة، إلاَّ
إذا قام كلها أو أكثرها. قلت: قوله: (من يقم ليلة القدر)). مثل: من يصم يوماً، فكما لا
يكفي صوم بعض اليوم ولا أكثره، فكذلك لا يكفي قيام بعض ليلة القدر ولا أكثرها، وذلك
لأن ليلة القدر وقعت مفعولاً لقوله: يقم، فينبغي أن يوصف جميع الليلة بالقيام، لأن من شأن
المفعول أن يكون مشمولاً بفعل الفاعل. فافهم. ومنها ما قيل: ما معنى القيام فيها إذ ظاهره
غير مراد قطعاً؟ وأجيب: بأن القيام للطاعة كأنه معهود من قوله تعالى: ﴿قوموا لله قانتين﴾
[البقرة: ٢٣٨] وهو حقيقة شرعية فيه. ومنها ما قيل: الذنب علم لأنه اسم جنس مضاف،
فهل يقتضي مغفرة ذنب يتعلق بحق الناس؟ وأجيب: بأن لفظه مقتض لذلك، ولكن علم من

٣٥٩
٢ - كتابُ الإِيمانِ / باب (٢٧)
الأدلة الخارجية أن حقوق العباد لا بد فيها من رضى الخصوم، فهو عام اختص بحق الله
تعالى ونحوه بما يدل على التخصيص، وقيل: يجوز أن تكون: من، تبعيضية. وفيه نظر.
٢٧ _ بابٌ الْجِهادُ مِنَ الإيمانِ
الكلام فيه على أنواع: الأول: قوله: ((باب)) لا يستحق الإعراب إلا بتقدير: هذا باب،
فيكون خبراً محذوف المبتدأ. وقوله: ((الجهاد)) مرفوع بالابتداء وخبره: ((من الإيمان)) ولا
يجوز فيه غير الرفع. الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول
هو قيام ليلة القدر، ولا يحصل ذلك إلا بالمجاهدة التامة ومقاساة المشقة وترك الاختلاط
بالأهل والعيال، فكذلك المذكور في هذا الباب حال المجاهد الذي لا يحصل له الحظ من
الجهاد، ولا يسمى مجاهداً إلاّ بالمجاهدة التامة ومقاساة المشقة الزائدة وترك الأهل والعيال،
وكما أن القائم ليلة القدر يجتهد أن ينال رؤية تلك الليلة ويتحلى بها، وإلاّ فيكتسب أجوراً
عظيمة، فكذلك المجاهد يجتهد أن ينال درجة الشهداء ومنزلتهم وإلاّ فيرجع بغنيمة وافرة مع
اکتساب اسم الغزاة، فهذا هو وجه المناسبة وإن کان الترتيب الوضعي يقتضي أن یذ کر باب
تطوع قيام رمضان عقيب هذا الباب، وباب صوم رمضان عقيب هذا. وقال الكرماني: فإن
قلت: هل لترتيب الكتاب وتوسيط الجهاد بين قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيامه مناسبة أم
لا؟ قلت: مناسبته تامة وهي المشاركة في كون كل من المذكورات من أمور الإيمان.
وتوسيط الجهاد مشعر بأن النظر مقطوع عن غير هذه المناسبة. قلت: يريد بكلامه هذا أن
المناسبة بين هذه الأبواب كلها هي اشتراكها في كونها من خصال الإيمان، مع قطع النظر
عن طلب المناسبة بين كل بابين من الأبواب، وهذا كلام من يعجز عن إبداء وجه المناسبة
الخاصة مع المناسبة العامة، وما ينبغي أن يذكر ما ذكرته، فافهم.
الثالث: معنى قوله: ((الجهاد من الإيمان)) الجهاد شعبة من شعب الإيمان. وقال ابن
بطال وعبد الواحد، الشارحان: هذا کالأبواب المتقدمة في أن الأعمال إيمان، لأنه لما كان
الإيمان هو المخرج له في سبيله، كان الخروج إيماناً تسمية للشيء باسم سببه، كما قيل
للمطر سماء لنزوله من السماء، وللنبات. نوا لأنه ينشأ من النوء، والجهاد القتال مع الكفار
لإعلاء كلمة الله تعالى.
٣٦/١ - حدّثنا حَرَمِيُّ بنُ حَفْصٍ قال: حدّثنا عبدُ الوَاحِدِ قال: حدّثنا عُمَارَةُ قال:
حدّثنا أبو زُرْعَةَ بنُ عَمْرو بنِ جَرِيرٍ قال: سَمِعْتُ أبا مُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ مَّ ◌َّ قال: ((انْتَدَبَ اللَّهُ
لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لاَ يُخْرِجُهُ إلَّ إيمانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَن أَزْجِعَهُ بِمَا قَالَ مِنْ أَجْرِ
أَو غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلاَ أنْ أَشُقَّ عَلِى أُمَّتِي ما فَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلوِدِذْتُ
أتِّي أَقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُم أُخْيا ثم أُقْتَلُ ثم أُحيا، ثم أُقتل)). [الحديث ٣٦ - أطرافه في:
٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣].
مطابقة الحديث للترجمة أن المخرج للجهاد في سبيل الله تعالى لما كان هو كونه
P
+مون
i

٣٦٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٧)
مؤمناً بالله ومصدقاً برسله، كان خروجه من الإيمان، والجهاد هو الخروج في سبيل الله للقتال
مع أعدائه، وقد ثبت أن الخروج من الإيمان، فينتج أن الجهاد من الإيمان.
بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: حرمي، اسم بلفظ النسبة، ابن حفص بن عمر،
العتکي القسملي البصري، روى عنه البخاري، وانفرد به عن مسلم، وروى أبو داود والنسائي
عن رجل عنه. مات سنة ثلاث، وقيل: ست وعشرين ومائتين. الثاني: أبو بشر عبد الواحد بن
زياد، العبدي البصري، ويعرف: بالثقفي. قال يحيى وأبو حاتم وأبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد:
ثقة كثير الحديث، مات سنة سبع وسبعين ومائة، روى له البخاري ومسلم، في طبقته عبد
الواحد بن زيد البصري أيضاً لكنه ضعيف، ولم يخرج عنه في (الصحيحين) شيء. الثالث:
عمارة، بضم العين المهملة، ابن القعقاع بن شبرمة، ابن أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي
الضبي، روى عنه الثوري والأعمش وغيرهما، قال يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح
الحديث، روى له الجماعة. الرابع: أبو زرعة، بضم الزاي، واختلف في اسمه وأشهرها: هرم،
وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو، وقيل: عبيد الله بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي،
سمع جده وأبا هريرة وغيرهما، قال يحيى: ثقة، روى له الجماعة. الخامس: أبو هريرة، رضي
الله عنه.
بيان الأنساب: العتكي: بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق، في الأزد: ينسب
إلى العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن
مازن بن الأزد، وفي قضاعة: عتيك بطن. القسملي: بفتح القاف وسكون السين المهملة
وفتح المیم، في الأزد: ینسب إلى قسملة، وهو: معاوية بن عمرو بن دوس، وقال ابن دريد:
قسملي في الأزد وهم القسامل، سموا بذلك لجمالهم، وقال الشيخ قطب الدين: القسملي
نسبة إلى القساملة، قبيلة من الأزد نزلت البصرة فنسبت المحلة إليهم أيضاً، وهذا منسوب
إلى القبيلة، وفي (شرح النووي) على قطعة من البخاري: أن القسملي، بكسر القاف والميم،
وكأنه سبق قلم، والصواب فتحهما؛ والعبدي: نسبة إلى عبد القيس بن أقصى بن دعمي بن
جدیلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وفي قریش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن
لؤي بن غالب بن فهر، وفي تميم: ينسب إلى عبد الله بن دارم. وفي قضاعة: إلى عبد الله بن
الخيار وفي همدان إلى عبد الله بن عليان. والثقفي: نسبة إلى ثقيف، وهو قسي بن منبه بن
بكربن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان. والضبي، بفتح الضاد
المعجمة وتشديد الباء الموحدة: نسبة إلى ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر، وفي
قريش: ضبة بن الحارث بن فهر، وفي هذيل: ضبة بن عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن
هذيل. والبجلي بفتح الباء الموحدة والجيم: نسبة إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن
مالك بن مذحج.
بيان لطائف إسناده: منها وهو أعظمها: أنه خال عن العنعنة وليس فيه إلاّ التحديث
والسماع. ومنها: أن رواته ما بين بصري وكوفي. ومنها: أن فيهم اسماً على صورة النسبة،
١٠