النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢١) لامتناع غيره، فكيف صح هنا هذا المعنى؟ قلت: لو هنا بمعنى: إن، يعني لمجرد الشرطية، ومثله كثير. ويحتمل أن يكون من قبيل قوله، عليه السلام: ((نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه)) بأن يكون الحكم ثابتاً على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور. قوله: ((أحسنت)) ليس الخطاب فيه لأحد بعينه، وإنما مراده بهذا كل من يأتي منه أن يكون مخاطباً به. فإن قلت: أصل وضع الضمير أن يكون مستعملاً لمعين مشخص. قلت: نعم، لكن هذا على سبيل التجوز: فإن قلت: لو لم يكن عاماً لما جاز استعماله في كل مخاطب كزيد مثلاً حقيقة؟ قلت: عام باعتبار أمر عام لمعنى خاص، بخلاف العلم، فإنه خاص بالاعتبارين. والتحقيق فيه أن اللفظ قد يوضع وضعاً عاماً لأمور مخصوصة، كاسم الإشارة فإنه وضع باعتبار المعنى العام الذي هو الإشارة الحسية للخصوصيات التي تحته، أي لكل واحد مما يشار إليه، ولا يراد به عند الاستعمال العموم على سبيل الحقيقة، وقد يوضع وضعاً عاماً لموضع له عام، نحو: الرجل، فلا يراد به خاص حقيقة، وهو عكس الأول. وقد يوضع وضعاً خاصاً لموضع له خاص، نحو: العلم كزيد ونحوه والمضمرات من القسم الأول فإن أريد بالضمير في: أحسنت، مخاطب معين، كان حقيقة وإلاَّ كان مجازاً، ومثله قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم﴾ [السجدة: ١٢] قوله: ((الدهر))، نصب على الظرف. قوله: ((ثم رأت)) جملة معطوفة على ما قبلها، وقد علم أن في: ثم، معنى المهلة والتراخي. قوله: ((شيئاً) نصب على أنه مفعول: رأت، أي شيئاً قليلاً لا يوافق مزاجها، أو شيئاً حقيراً لا يعجبها، فحينئذ التنوين فيه للتقليل أو التحقير. قوله: ((خيراً) مفعول. ما رأيت. بيان المعاني والبيان: فيه: حذف الفاعل لكونه متعيناً للفعل أو لشهرته، وهو في قوله: ((أرأيت)) إذ أصله: أراني الله النار، وفيه: الجملة الاستئنافية التي تدل على السؤال والجواب، وهو قوله: ((يكفرن)). وقال بعض الشارحين: هذا جواب سؤال مذكور في الحديث المذكور في كتاب الكسوف، التقدير: فبم يا رسول الله؟ قال: ((يكفرن))، أي: من يكفرن. وفيه: ترك المعين إلى غير المعين ليعم كل مخاطب، وهو قوله: ((لو أحسنت)) كما في قوله: (بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)) وفيه: أن التنكير فيه للتحقير، كما في قوله: ((شيئاً)، كقوله تعالى: ﴿إِن نظن إلا ظناً﴾ [الجاثية: ٣٢]. بيان استنباط الفوائد: منها: تحريم كفران الحقوق والنعم إذ لا يدخل النار إلاّ بارتكاب حرام. وقال النووي: توعّدُه على كفران العشير وكفران الإحسان بالنار يدل على أنهما من الكبائر. وقال ابن بطال: فيه دليل على أن العبد يعذب على جحد الإحسان والفضل وشكر النعم. قال: وقد قيل: إن شكر المنعم واجب. ومنها: الدلالة على عظم حق الزوج، والدليل عليه قوله عَ له: ((لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). ولأجل هذا المعنى خص كفران العشير من بين أنواع الذنوب، وقرن فيه حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها، وقد بلغ حقه عليها هذه الغاية، كان i i i i التاريخ 1 : برو ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٢) ٣٢٢ ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله، فلذلك أطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يخرج عن الملة. ومنها: فيه وعظ الرئيس المرؤوس وتحريضه على الطاعة. ومنها: فيه مراجعة المتعلم العالم، والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه. ومنها: فيه أن النار، أي: جهنم التي هي دار عذاب الآخرة مخلوقة اليوم، وهو مذهب أهل السنة. ومنها: فيه الدلالة على جواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق. ومنها: فيه التنبيه على أن المعاصي تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار لأنهم ظنوا أنه الكفر بالله، فأجابهم - عليه السلام - بأنه أراد كفرهن حق أزواجهن. ومن فوائد حديث مسلم: أن اللعن من المعاصي. قال النووي، رحمه الله: فيه أنه كبيرة فإن قال: تكثرن اللعن، والصغيرة إذا كثرت صارت كبيرة، وقال عليه السلام: ((لعن المؤمن كقتله)). قال: واتفق العلماء على تحريم اللعن، ولا يجوز لعن أحد بعينه، مسلماً أو كافراً أو دابةً، إلاَّ بعلم بنص شرعي أنه مات على الكفر، أو يموت عليه، كأبي جهل وإبليس عليهما اللعنة، واللعن بالوصف ليس بحرام: كلعن الواصلة المستوصلة، وآكل الربا وشبههم. واللعن في اللغة: الطرد والإبعاد. وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى. قوله: ((ناقصات عقل)، اختلفوا في العقل، فقيل: هو العلم، لأن العقل والعلم في اللغة واحد، ولا يفرقون بين قولهم: عقلت وعلمت، وقيل: العقل بعض العلوم الضرورية، وقيل: قوة يميز بها بين حقائق المعلومات. واختلفوا في محله، فقال المتكلمون: هو في القلب. وقال بعض العلماء: هو في الرأس، والله تعالى أعلم. ٢٢ - باب المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِازْتِكابِهَا إلاَّ بِالشِّرْكِ لِقَوْلٍ النبيِّ عَلَهُ: ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِليَّةً)) وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَّنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. الكلام فيه على وجوه: الأول: وجه المناسبة بين البابين ظاهر، لأن المذكور في الباب الأول كفران العشير، وهو أيضاً من جملة المعاصي. الثاني: يجوز في باب التنوين والإضافة إلى الجملة التي بعده، لأن قوله: ((المعاصي)) مبتدأ، وقوله: ((من أمر الجاهلية))، خبره وعلى كل تقدير تقديره: هذا باب في بيان أن المعاصي من أمور الجاهلية. الثالث: وجه الترجمة هو الرد على الرافضة والأباضية وبعض الخوارج في قولهم: إن المذنبين من المؤمنين مخلدون في النار بذنوبهم، وقد نطق القرآن بتكذيبهم في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] الآية. الرابع: قوله: ((المعاصي))، جمع معصية، وهي مصدر ميمي. وفي (الصحاح) وقد عصاه، بالفتح، يعصيه عصياً ومعصية. وفي الشرع: هو مخالفة الشارع بترك واجب أو فعل ٠٠٠٠ ٣٢٣ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٢) محرم، وهو أعم من الكبائر والصغائر. و: ((الجاهلية)): زمان الفترة قبل الإسلام، سميت بذلك لكثرة جهالاتهم. قوله ((ولا يكفر))، بضم الياء وتشديد الفاء المفتوحة، أي: لا ينسب إلى الكفر، وفي رواية أبي الوقت، بفتح الياء وسكون القاف. قوله: (بارتكابها)) أي: بارتكاب المعاصي، وأراد بالارتكاب الاكتساب والإتيان بها عنده، واستدل على ذلك بما في حديث أبي ذر من قوله عليه السلام: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) وبقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] الآية. أما وجه الاستدلال بما في الحديث فهو أنه قال له: فيك جاهلية، يعني: أنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية ولست جاهلاً محضاً، وكان أبو ذر قد عير الرجل بأمه، على ما يجيء بيانه عن قريب، إن شاء الله تعالى، وهو نوع من المعصية. ولو كان مرتكب المعصية يكفر لبين النبي عَّلة لأبي ذر، ولم يكتف بقوله في الإنكار عليه: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)). وأما الاستدلال بالآية فظاهر صريح، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. وأما عند الخوارج: فالكبيرة موجبة للكفر، وعند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين صاحبها لا مؤمن ولا كافر. وقال الكرماني: فإن قلت: المفهوم من الآية أن مرتكب الشرك لا يغفر له لا أنه يكفر، والترجمة إنما هي في الكفر لا في الغفر. قلت: الكفر وعدم الغفر عندنا متلازمان؛ نعم، عند المعتزلة صاحب الكبيرة الذي لم يتب منها غير مغفور له، بل يخلد في النار. ففي الكلام لف ونشر، ومذهب أهل الحق على أن من مات موحداً لا يخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة، منها قوله عليه السلام: (وإن زنى وإن سرق))، والمراد بهذه الآية: من مات على الذنوب من غير توبة، ولو كان المراد: من تاب قبل الموت، لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى، إذ التائب من الشرك قبل الموت مغفور له، ويقال: المراد بالشرك في هذه الآية الكفر، لأن من جحد نبوة محمد عَّ له مثلاً كان كافراً ولو لم يجعل مع الله إلهاً آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف، وقد يرد الشرك ويراد به ما هو أخص من الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١] قوله: ((إلاّ بالشرك))، أي: إلاّ بارتكاب الشرك، حتى يصح الاستثناء من الارتكاب. وقال النووي: قال بارتكابها احترازاً من اعتقادها، لأنه لو اعتقد حل بعض المحرمات المعلومة من الدين ضرورة كالخمر كفر بلا خلاف. الخامس: سبب نزول الآية قضية الوحشي قاتل حمزة، رضي الله عنه، على ما روي عن ابن عباس، قال: أتى وحشي إلى النبي عَّ له فقال: يا محمد! أتيتك مستجيراً فأجرني حتى أسمع كلام الله، فقال رسول الله عَ ل: ((قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذا أتيتني مستجيراً فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله)). قال: فإني أشركت بالله، وقتلت النفس التي حرم الله، وزنيت فهل يقبل الله تعالى مني توبة؟ فصمت رسول الله عَ ليه حتى أنزلت: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى آخر الآية فتلاها عليه، فقال: أرى شرطاً فلعلي لا أعمل صالحاً، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن i i خ -. ٠٠٠ i i i i ٣٢٤ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٢) يشاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] فدعا به فتلاها عليه فقال: لعلي ممن لا يشاء الله؟ أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر: ٥٣] فقال: نعم الآن لا أرى شرطاً، فأسلم)). ٣٠/١ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ واصِلِ الأخْدَبِ عَنِ المَعْرُورِ قال: لَقِيتُ أَبَا ذَرَّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ محلَّةٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ مُحلَّةٌ، فَسَأَلْتُّهُ عَنْ ذَلِكَ فقالَ: إني سَايَيْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بِأَمَّهِ، فَقَالَ لِيَّ النبيُّ عَ لَّهِ: (يَا أَبا ذَرِّ أَعَيْرَتَهُ بِأُمَّهِ؟ إنْكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَولُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسِ وَلا تُكِلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)). [الحديث ٣٠ - طرفاه فى: ٢٥٤٥، ٦٠٥٠]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأن التبويب على جزء منه، وقال ابن بطال: غرض البخاري من الحديث الرد على الخوارج في قولهم: المذنب من المؤمنين مخلد في النار، كما دلت عليه الآية ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] والمراد به: من مات على الذنوب، كما ذكرنا. وقال الكرماني: وفي ثبوت غرض البخاري منه الرد عليهم دغدغة، إذ لا نزاع لهم في أن الصغيرة لا يكفر صاحبها، والتعيير بنحو: يا ابن السوداء، صغيرة. قلت: يشير الكرماني بكلامه هذا إلى عدم مطابقة الحديث للترجمة، وليس كذلك، فإنه مطابق لأن التعبير بالأم أمر عظيم عندهم، لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب وهذا ارتكاب معصية عظيمة، ولهذا أنكر النبي عَ بلفظ يدل على أشد الإنكار. وقال ابن بطال: معناه جهلت وعصيت الله تعالى في ذلك، ولئن سلمنا أن هذا صغيرة، ولكن كونه صغيرة بالنسبة إلى ذنب فوقه، وبالنسبة إلى ما دونه كبيرة، لأن هذا من الأمور النسبية، ولهذا يجوز أن يقال: سائر الذنوب بالنسبة إلى الكفر صغائر، لأنه لا ذنب أعظم من الكفر، وليس فوقه ذنب، وما دونه مختلف في نفسه، فإن نسب إلى ما فوقه فهو صغيرة، وإن نسب إلى ما دونه فهو كبيرة؛ فافهم. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو أيوب سليمان بن حرب، بالباء الموحدة، الأزدي البصري، وقد تقدم. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد تقدم. الثالث: واصل بن حيان، بفتح الحاء المهملة والياء آخر الحروف المشددة، الأحدب الأسدي الكوفي، وهكذا وقع للأصيلي: عن واصل الأحدب، ولغيره: عن واصل فقط، ووقع للبخاري في العتق: عن واصل الأحدب، مثل ما وقع للأصيلي هنا؛ سمع المعرور وأبا وائل وشقيقاً ومجاهداً وغيرهم؛ روى عنه: الثوري وشعبة ومسعر وغيرهم؛ قال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. قيل: مات سنة سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة. وحيان: إن أخذ من الحين ينصرف، وإن أخذ من الحياة لا ينصرف. الرابع: المعرور، بالعين المهملة، ابن سويد أبو أمية الأسدي الكوفي، ووقع في العتق: سمعت المعرور بن سويد. سمع عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبا ذر، روى عنه واصل الأحدب والأعمش، وقال: رأيته وهو ابن مائة وعشرين سنة، ٣٢٥ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٢) أسود الرأس واللحية. قال يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة، روى له الجماعة. الخامس: أبو ذر، بالذال المعجمة المفتوحة وتشديد الراء، واسمه جندب، بضم الجيم والدال، وحكي فتح الدال، وعن بعضهم فيه كسر أوله وفتح ثالثه، فكأنه لغة من واحد الجنادب الذي هو طائر، وقيل: اسمه برير، بضم الباء الموحدة وراء مكررة، ابن جندب، والمشهور جندب بن جنادة، بضم الجيم، ابن سفيان بن عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار، الغفاري السيد الجليل. وغفار، بكسر الغين المعجمة، قبيلة من كنانة، أسلم قديماً. روي عنه قال: أنا رابع أربعة في الإسلام، ويقال: كان خامس خمسة، أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه. قام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم رجع إلى المدينة، فصحب النبي عَّله، إلى أن مات، ومناقبه جمة، وزهده مشهور، وتواضعه وزهده مشبهان في الحديث بتواضع عيسى - عليه السلام - وزهده. ومن مذهبه: أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته من المال. روي له عن رسول الله عَ له، مائتا حديث وأحد وثمانون حديثاً، اتفقا منها على اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر. روى عنه خلق من الصحابة منهم: ابن عباس وأنس وخلق من التابعين، مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، رضي الله عنه، وقضيته فيه مشهورة. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسؤال. ومنها: أن فيه بصرياً وواسطياً وكوفيين. ومنها: أن فيه بيان الراوي مكان لقيه الصحابي وسؤاله عنه عن لبسه الداعي ذلك إلى تحديث الصحابي، رضي الله عنه. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه ههنا عن سليمان بن حرب عن شعبة، وأخرجه في العتق عن آدم عن شعبة عن واصل كلاهما عن المعرور، وأخرجه في الأدب عن عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه. وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان والنذور عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن وكيع، وعن أحمد بن يونس عن زهير، وعن أبي بكر عن أبي معاوية عن إسحاق بن یونس عن عیسی بن یونس، کلھم عن الأعمش، وعن أبي موسی وبندار عن غندر عن شعبة عن واصل كلاهما عن المعرور، وأخرجه أبو داود ولفظه: ((رأيت أبا ذر بالربذة وعليه برد غليظ، وعلى غلامه مثله، قال: فقال القوم: يا أبا ذر! لو كنت أخذت الذي على غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوباً غيره. فقال أبو ذر: إني كنت سابيت رجلاً، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى رسول الله عَ ل فقال: ((يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية. قال: إنهم إخوانكم فضلكم الله عليهم، فمن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله)) وفي أخرى له قال: ((دخلنا على أبي ذر بالربذة فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر! لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة وكسوته ثوباً غيره، قال: سمعت رسول الله عَّلم يقول: ((إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان له أخوة تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما 2 i ـةو٠ ٣٢٦ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٢) يغلبه فليعنه)). وأخرجه الترمذي أيضاً ولفظه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا یکلمه ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فلیعنه». بيان اللغات: قوله: ((بالربذة))، بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة، موضع قريب من المدينة، منزل من منازل خارج العراق، بينها وبين المدينة ثلاثة مراحل، قريب من ذات عرق. قوله: ((حلة))، بضم الحاء المهملة وتشديد اللام، وهي إزار ورداء، ولا يسمى حلة حتى تكون ثوبين، ويقال: الحلة ثوبان غير لفقين: رداء وإزار، سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر. قوله: (سابيت)) أي: شاتمت، وهكذا هو في رواية الإسماعيلي. قوله: ((فعيرته)) بالعين المهملة، أي نسبته إلى العار. وفي (العباب) العار: السبة والعيب، ومنه المثل: النار ولا العار، أي: اختر النار أو الزمها. وعاره يعيره إذا عابه، وهو من الأجوف اليائي، يقال: عيرته بكذا، وعيرته كذا. قوله: ((خولكم)) بفتح الواو، وخول الرجل: حشمه، الواحد خايل، وقد يكون الخول واحداً وهو اسم يقع على العبد والأمة. قال الفراء: هو جمع: خايل، وهو الراعي. وقال غيره: هو من التخويل، وهو التمليك وقيل: الخول الخدم، وسموا به لأنهم يتخولون الأمور، أي يصلحونها. وقال القاضي: أي خدمكم وعبيدكم الذين يتخولون أموركم، أي: يصلحون أموركم، ويقومون بها. يقال: خال المال يخوله إذا أحسن القيام عليه، ويقال: هو لفظ مشترك، تقول خال المال والشيء يخول، وخلت أخول حولاً إذا أسست الشيء، وتعاهدته وأحسنت القيام عليه، والخايل: الحافظ، ويقال: خايل المال، وخايل مال، وخولي مال، وخوله الله الشيء: أي ملكه إياه. قوله: ((ولا تكلفوهم)) من التكليف، وهو تحميل الشخص شيئاً معه كلفة، وقيل: هو الأمر بما يشق. قوله: (ما يغلبهم)) أي: ما يصير قدرتهم فيه مغلوبة، يقال: غلبه غلبا بسكون اللام، وغلباً بتحريكها، وغلبة بإلحاق الهاء، وغلابية مثل علانية، وغلبة مثل حزقة، وغلبى، بضمتين مشددة الباء مقصورة ومغلبة. قوله: ((فأعينوهم)) من الإعانة وهي المساعدة. بيان الإعراب: قوله: ((لقيت)) فعل وفاعل، وأبا ذر مفعوله. قوله: ((بالربذة)) في محل النصب على الحال، أي: لقيته حال كونه بالربذة. وقوله: ((وعليه حلة))، جملة إسمية حال أيضاً، وكذا قوله: ((وعلى غلامه حلة)). قوله: ((فسألته) عطف على قوله: ((لقيت أبا ذر)). قوله: ((ساببت)) فعل وفاعل و: ((رجلاً)) مفعوله. قوله: ((فعيرته))، عطف على ((سابيته)). فإن قلت: هذا عطف الشيء على نفسه لأن التعيير هو نفس السب، وكيف تصح الفاء بينهما، وشرط المعطوفين مغايرتهما؟ قلت: هما متغايران بحسب المفهوم من اللفظ، ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية، كما في قوله تعالى: ﴿توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] حيث قال في التفسير: إن القتل هو نفس التوبة. قوله: (يا باذر)) أصله، يا أبا ذر، بالهمزة فحذفت للعلم بها تخفيفاً. قوله: ((أعيرته)؟ الهمزة فيه للاستفهام على وجه الإنكار التوبيخي، وقول من قال للتقرير، بعيد. قوله: ((امرؤ)) مرفوع لأنه خبر: إن، وهو من نوادر الكلمات، إذ ١ ٣٢٧ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٢) حركة عين الكلمة تابعة للامها في الأحوال الثلاث وفي (العباب): المرء، الرجل، يقال: هذا امرؤ صالح، ورأيت امرءاً صالحاً، ومررت بامرىءٍ صالح، وضم الميم في الأحوال الثلاث لغة، وهما مرآن صالحان، ولا يجمع على لفظه، وتقول: هذا مرء، بالضم، و: رأيت امرءاً، بالفتح ومررت بمرء بالكسر معرباً من مكانين. وتقول: هذا أمرؤ، بفتح الراء، وكذلك: رأيت امرءاً، ومررت بامرىءٍ بفتح الراءآت. وبعضهم يقول هذه: مرأة صالحة ومرة أيضاً بترك الهمزة وتحريك الراء بحركتها، فإن جئت بألف الوصل كان فيه أيضاً ثلاث لغات: فتح الراء على كل حال حكاها الفراء، وضمها على كل حال، وإعرابها على كل حال، وتقول: هذا امرؤ ورأيت امراً، وبمررت بامرىء، معرباً من مكانين، وهذه امرأة، مفتوحة الراء على كل حال، وإعرابها على كل حال، فإن صغرت أسقطت ألف الوصل فقلت: مرىء ومريئة. قوله: (جاهلية)) مرفوع بالابتداء. ((وفيك)) مقدماً خبره. قوله: ((إخوانكم خولكم)) يجوز فيه الوجهان. أحدهما: أن يكون ((خولكم)) مبتدأ و (إخوانكم) مقدماً خبره، وتقديمه للاهتمام كما سنبينه عن قريب إن شاء الله تعالى. والآخر: أن يكون اللفظان خبرين حذف من كل واحد منهما المبتدأ، تقديره: هم إخوانكم هم خولكم. قوله: ((جعلهم الله)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم جعلهم الله تحت أيديكم. قوله: ((فمن كان)) كلمة: من، موصولة متضمنة معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء، و: ((أخوه)) مرفوع لأنه اسم كان، وقوله: ((تحت يده) منصوب على أنه خبره، والجملة صلة الموصول. وقوله: ((فليطعمه)) خبر المبتدأ، والفاء لتضمنه معنى الشرط، وأما الفاء التي في: فمن، فإنهاً عاطفة على مقدر، تقديره: وأنتم مالكون إياهم، فمن كان ... إلى آخره، ويجوز أن تكون سببية كما في قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣] قوله: (مما يأكل)) يجوز أن تكون ما، موصولة، والعائد محذوف تقديره: من الذي يأكله، ويجوز أن تكون مصدرية أي من أكله. قوله: ((وليلبسه)) عطف على: ((فليطعمه)) وإعراب (مما يلبس)) مثل إعراب (مما يأكل)). قوله: ((ولا تكلفوهم) جملة ناهية من الفعل والفاعل والمفعول. وقوله: ((ما يغلبهم)) جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان، وكلمة: ما، موصولة، ويغلبهم، صلتها. قوله: ((فأعينوهم))، جواب الشرط فلذلك دخلت الفاء. بيان المعاني والبيان: فيه ثلاثة أحوال متوالية. وهي قوله: (بالربذة)) و: ((عليه حلة)). و((على غلامه حلة)). فإن قلت: الحال ما بين هيئة الفاعل والمفعول، وبيان هيئة المفعول في الحالين الأولين ظاهر، وأما ما في الحال الأخيرة وهي قوله ((وعلى غلامه حلة)) فغير ظاهر. قلت: هذا نظير فولك جئت ماشياً وزيد متكىء إذ المعنى: جئت في حال مشي، وحال اتكاء زيد، فكذلك التقدير ههنا: لقيت أبا ذر في حال كونه بالربذة، وحال كون غلامه في حلة. واسم هذا الغلام لم يبين في روايات هذا الحديث، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون أبا مراوح، مولى أبي ذر، وحديثه عنه في الصحيحين. قلت: هذا خدش، وبالاحتمال لا تثبت i i ٠٠٠ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٢) ٣٢٨ الحقيقة. فإن قلت: قد اختلفت ألفاظ هذا الحديث في الحلة، فاللفظ الواقع هنا: عليه حلة وعلى غلامه حلة، وعند البخاري أيضاً في الأدب في رواية الأعمش عن المعرور بلفظ: (رأيت عليه برداً وعلى غلامه برداً فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة)). وفي رواية مسلم: فقلنا: ((يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة)). وفي رواية أبي داود: ((فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة)). وفي رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة: ((أتيت أبا ذر فإذا حلة، عليه منها ثوب، وعلى عبده منها ثوب)). وقد بينا أن الحلة ثوبان من جنس واحد، فكيف التوفيق بين هذه الألفاظ؟ فإن لفظه ههنا يدل على الحلتين: حلة على أبي ذر وحلة على عبده، ولفظه في رواية الأعمش يدل على أن الذي كان عليه هو البرد وعلى غلامه كذلك، ولا يسمى هذا حلة إلا بالجمع بينهما، ولهذا قال في رواية مسلم: ((لو جمعت بينهما كانت حلة)). وكذا في رواية أبي داود ورواية الاسماعيلي تدل على أنها كانت حلة واحدة باعتبار جمع ما كان على أبي ذر وعلى بده من الثوبين. قلت: تحمل روايته ههنا على المجاز باعتبار ما يؤول، ويضم إلى الثوب الذي كان على كل واحد منهما ثوب آخر، أو باعتبار إطلاق اسم الكل على الجزء، فلما رأى المعرور على أبي ذر ثوباً وعلى غلامه ثوباً من الأبراد، كما هو في رواية البخاري في الأدب، أطلق على كل واحد منهما حلة باعتبار ما يؤول، ويدل عليه رواية مسلم: ((لو جمعت بينهما كانت حلة)). وكذا رواية أبي داود. وأما رواية الإسماعيلي فإنها أيضاً مجاز، ولكن المجاز فيها في موضع واحد، وفي الرواية التي ههنا في الموضعين. فافهم. هذا هو الذي فتح لي ههنا من الأنوار الإلهية. وقال بعضهم: يمكن الجمع بين الروايتين بأنه كان عليه برد جيد تحت ثوب خلق من جنسه، وعلى غلامك كذلك، وكأنه قيل له: لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك، وأعطيت الغلام البرد الخلق بدله لكانت حلة جيدة، فتلتئم بذلك الروايتان، ويحمل قوله في حديث الأعمش: (لكانت حلة)) أي: كاملة الجودة، فالتنكير فيه للتعظيم. قلت: ليس الجمع إلا بالطريق الذي ذكرته، وما ذكره ليس بجمع، فإنه نص في الرواية التي ههنا على حلتين، وفي رواية الإسماعيلي على حلة واحدة، وبالتأويل الذي ذكره يؤول المعنى إلى أن يكون عليه حلة وعلى غلامه حلة باجتماع الجديدين عليه والخلقين على غلامه فيعارض هذا رواية الإسماعيلي، فإنها تدل على أنها كانت حلة واحدة، وكانت عليهما جميعاً. وقوله: ويحتمل قوله في حديث الأعمش إلى آخره كلام صادر من غير تروّ وتأمل لأنه لا يفرق بينه وبين رواية الإسماعيلي في المعنى، والتنكير فيه ليس للتعظيم، وإنما هو للإفراد أي: لإيراد فرد واحد. فافهم. قوله: ((فسألته عن ذلك)) أي: عن تساويهما في لبس الحلة، فإن قلت: لم سأله عن ذلك وما الفائدة فيه؟ قلت: لأن عادة العرب وغيرهم أن يكون ثياب المملوك دون سيده، والذي فعله أبو ذر كان خلاف المألوف. قوله: ((ساببت رجلاً، قال النووي: وسياق الحديث ٣٢٩ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٢) يشعر أن المسبوب كان عبداً، وقال صاحب (منهج الراغبين) والذي نعرفه أنه بلال، رضي الله عنه، وعن هذا أخذ بعضهم، فقال: وقيل: إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن، مولى أبي بكر، رضي الله عنه، روى ذلك الوليد بن مسلم منقطعاً. فإن قلت: لم قال: سابيت، من باب المفاعلة؟ قلت: ليدل على أن السب كان من الجهتين، ويدل عليه ما في رواية مسلم: ((قال: أعيرته بأمه؟ فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه)). فإن قلت: كيف جوز أبو ذر ذلك وهو حرام؟. قلت: الظاهر أن هذا كان منه قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، فلذلك قال له عَ له: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)). فإن قلت: ما كان تعييره بأمه؟ قلت: عيره بسواد أمه، على ما جاء في رواية أخرى: قلت له: يا ابن السوداء وفي روايته في الأدب: وكانت أمة أعجمية فنلت منها، والأعجمي من لا يفصح باللسان العربي سواء كان عربياً أو عجمياً. قوله: ((إنك امرؤ فيك جاهلية))، فيه ترك العاطف بين الجملتين لكمال الاتصال بينهما. فنزلت الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع اختلاف في اللفظ، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ١ و٢]. قوله: (إخوانكم خولكم)) فيه حصر، وذلك لأن أصل الكلام أن يقال: خولكم إخوانكم لأن المقصود هو الحكم على الخول بالأخوة، ولكن لما قصد حصر الخول على الإخوان، قدم الإخوان، أي: ليسوا إلاّ إخواناً، وإنما قدم الإخوان لأجل الاهتمام ببيان الأخوة، ويجوز أن يكون من باب القلب المورث الملاحة الكلام، نحو قوله: شاهدي الدمع إن ذاك كذاكا ثم وإن لم أتم كراي كراكا وقال بعض المعانيين: إن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، أي تعريف كان يفيد التركيب الحصر، وقال التيمي: كأنه قال: هم إخوانكم، ثم أراد إظهار هؤلاء الإخوان فقال: خولكم. قوله: ((تحت أيديكم) فيه مجاز عن القدرة أو عن الملك، والأخوة أيضاً مجاز عن مطلق القرابة، لأن الكل أولاد آدم - عليه السلام - أو عن أخوة الإسلام، والمماليك الكفرة إما أن نجعلهم في هذا الحكم تابعين لمماليك المؤمنين، أو نخصص هذا الحكم بالمؤمنة. قوله: ((فليطعمه مما يأكل)) من الإطعام، إنما قال: مما يأكل، ولم يقل مما يطعم، رعاية للمطابقة كما في قوله: ((وليلبسه مما يلبس))، لأن الطعم يجيء بمعنى الذوق، يقال: طعم يطعم طعماً إذا ذاق أو أكل. قال الله تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: من لم يذقه، فلو قال: مما يطعم، لتوهم أنه يجب الإذاقة مما يذوق، وذلك غير واجب. فإن قيل: لم لم يقل فليؤ كله مما يأكل؟ قلت: إنما قال: فليطعمه، إشارة إلى أنه لا بد من إذاقته مما يأكل، وإن لم يشبعه من ذلك الأكل. قوله: ((فإن كلفتموهم))، فيه حذف المفعول الثاني للاكتفاء، إذ أصله: فإن كلفتموهم ما يغلبهم. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه النهي عن سب العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحث على الإحسان إليهم والرفق بهم، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه يعرفه في آبائه، وخاصة نفسه. كما نهى عن الفخر بالآباء، ويلحق بالعبد من في i i i ١ ٣٣٠ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٣) معناه من أجير وخادم وضعيف، وكذا الدواب، ينبغي أن يحسن إليها ولا يكلف من العمل ما لا تطيق الدواب عليه، فإن كلفه ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره. الثاني: عدم الترفع على المسلم وإن كان عبداً ونحوه من الضعفة، لأن الله تعالى قال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وقد تظاهرت الأدلة على الأمر باللطف بالضعفة، وخفض الجناح لهم، وعلى النهي عن احتقارهم والترفع عليهم. الثالث: استحباب الإطعام مما يأكل والإلباس مما يلبس. وقال القاضي عياض: الأمر محمول على الاستحباب لا على الإيجاب بالإجماع، بل إن أطعمه من الخبز وما يقتاته كان قد أطعمه مما يأكل، لأن: من، للتبعيض ولا يلزمه أن يطعمه من كل ما يأكل على العموم من الأدم وطيبات العيش، ومع ذلك فيستحب أن لا يستأثر على عياله، ولا يفضل نفسه في العيش عليهم. الرابع: فيه منع تكليفه من العمل ما لا يطيق أصلاً، أو لا يطيق الدوام عليه، لأن النهي للتحريم بلا خلاف، فإن كلفه ذلك أعانه بنفسه أو بغيره لقوله: ((فإن كلفتموهم فأعينوهم)). وجاء في رواية مسلم: ((فليبعه)) موضع: ((فليعنه)). قال القاضي: هذا وهم، والصواب: ((فليعنه))، كما رواه الجمهور. الخامس: فيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. السادس: فيه جواز إطلاق الأخ على الرقيق. ٢٣ _ باب ﴿وإنْ طَائِفَتَانِ مِنْ المُؤْمِنِينَ اقْتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْتَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ الكلام فيه على وجوه. الأول: قال الكرماني: وقع في كثير من نسخ البخاري هذه الآية، وحدیث أحنف، ثم حديث أبي ذر في باب واحد بعد قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] وفي بعضها على الترتيب الذي ذكرناه. قلت: الترتيب الأول وهو رواية أبي ذر عن مشايخه، لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المستملي، والترتيب الثاني الذي مشينا عليه هو رواية الأصيلي وغيره، وكل من الترتيبين حسن جيد. الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أن مرتكب المعصية لا يكفر بها، وأن صفة الإيمان لا تسلب عنه، فكذلك في هذا الباب يبين مثل ذلك، لأن الآية المذكورة فيه في حق البغاة، وقد سماهم الله تعالى المؤمنين ولم تسلب عنهم صفة الإيمان، وبهذا يرد على الخوارج والمعتزلة كما ذكرنا. الثالث: قوله: (باب)) لا يعرب إلاّ بعد تركيبه مع شيء آخر، بأن يقال: هذا باب، ونحو ذلك، ولا يجوز إضافته إلى ما بعده. الرابع: في معنى الآية وإعرابه. فقوله ﴿طائفتان﴾ [الحجرات: ٩] تثنية طائفة، وهي القطعة من الشيء في اللغة. وفي (العباب): الطائفة من الشيء القطعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢]. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: الطائفة الواحد فما فوقه، فمن أوقع الطائفة على المفرد يريد النفس الطائفة. وقال مجاهد: الطائفة الرجل الواحد إلى الألف. وقال عطاء: أقلها رجلان. انتهى. وقال الزجاج: الذي عندي أن أقل ٣٣١ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٣) الطائفة اثنان، وقد حمل الشافعي وغيره من العلماء الطائفة في مواضع من القرآن على أوجه مختلفة بحسب المواطن، فهي في قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢] واحد فأكثر، واحتج به في قبول خبر الواحد، وفي قوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة﴾ [النور: ٢] أربعة، وفي قوله تعالى: ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: ١٠٢] ثلاثة، وفرقوا في هذه المواضع بحسب القرائن، أما في الأولى، فلأن الإنذار يحصل به، وفي الثانية لأنها لبينة فيه، وفي الثالثة لذكرهم بلفظ الجمع في قوله: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢] إلى آخره، وأقله ثلاثة على المذهب المختار في قول جمهور أهل اللغة والفقه والأصول. فإن قلت: فقد قال الله تعالى في آية الإنذار: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ [التوبة: ١٢٢] وهذه ضمائر جموع! قلت: إن الجمع عائد إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق. قوله: ((وإن) للشرط. والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين. وقوله: ((فأصلحوا)) جواب الشرط. الخامس: دلت الآية أن المؤمن لا يخرجه فسقه ومعاصيه عن المؤمنين، ولا يستحق بذلك الخلود في النار، وقد قال العلماء: في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية على الإمام أو على آحاد المسلمين، وعلى فساد قول من منع من قتال المؤمنين لقوله معَّلام: ((سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر»، بل هو مخصوص بغير الباغي لأن الله تعالى أمر به في الآية، فلو كان كفراً لما أمر به، بل الحديث مع حديث أبي بكرة، رضي الله عنه، المذكور في الباب محمول على قتال العصبية ونحوه، وقد ذكر الواحدي وغيره أن سبب نزول هذه الآية ما جاء عن أنس، قال: ((قيل: يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي عَّله يركب حماره، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي عَّلِه قال: إليك، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله عَ ليه أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، وكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال)). فإن قلت: قال أولاً: اقتتلوا، بلفظ الجمع، وثانياً: بينهما، بلفظ التثنية فما توجيهه؟ قلت: نظر في الأول إلى المعنى، وفي الثاني إلى اللفظ، وذلك سائغ ذائع، وقرأ ابن أبي عبلة: اقتتلتا، وقرأ عمر بن عبيد: اقتتلا، على تأويل الرهطين أو النفرين. قوله: ((فسماهم المؤمنين)) أي: سمى الله تعالى أهل القتال مؤمنين، فعلم أن صاحب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان. ٣١/١ - حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ المُبَارَكِ حدّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حدّثنا أَيُّوبُ ويُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الأُخْتَفِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَتِي أَبُو بَكْرَةَ فقال أيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنُصُرُ هَذَا الرَّمْجَلَ. قالَ: ارْجِعْ فإِنِّي سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا الْتَقَي المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ والمَّقْتُولُ فِي النَّارِ)). فَقُلْتُ: يَا رسولَ اللَّهِ! هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ المَفْتُولِ؟ قَالَ: (إنَّهُ كانَ حَرِيصاً على قَتْلٍ صاحِبهِ)). [الحديث ٣١ - طرفاه في: ٦٨٧٥، ٧٠٨٣]. i i .-. ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٣) ٣٣٢ مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأن الباب في إطلاق اسم المؤمن على مرتكب المعصية والحديث بصريحه يدل على هذا، على ما لا يخفى. بيان رجاله: وهم سبعة. الأول: عبد الله بن المبارك بن عبد الله العيشي بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة، أبو بكر ويقال: أبو محمد البصري: روى عن وهب بن خالد وحماد بن زيد وغيرهما. روى عنه البخاري وأبو زرعة وأبو داود وأبو حاتم وقال: صدوق. وروى النسائي عن رجل عنه ولم يرو له مسلم شيئاً. توفي سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائتين: الثاني: حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزرق الأزدي البصري مولى آل جرير بن حازم، سمع ثابت البناني وابن سيرين وعمرو بن دينار ويحيى القطان وأيوب وخلقاً كثيراً. روى عنه السفيانان وابن المبارك ويحيى القطان ووكيع وغيرهم. قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام وحماد بن زيد بالبصرة وما رأيت أعلم من حماد بن زيد ولا سفيان ولا مالك وقال ابن سعد: كان حماد بن زيد ثقة ثبتاً حجة كثير الحديث وأنشد ابن المبارك فيه: ائـت حـمــاد بن زيد أيها الطالبُ عِلماً ثم قيده بقيـد فخذ العلم بحلم ثار عمرو بن عبيد ودع البدعة من آ ولد سنة ثمان وتسعين، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة، وهو ابن إحدى وثمانين سنة، روى له الجماعة. الثالث: أيوب السختياني، وقد مر ذكره. الرابع: يونس بن عبيد بن دينار البصري، رأى أنس بن مالك، ورأى الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما، روى عنه سفيان الثوري والحمادان وغيرهم، قال أحمد ویحیی: ثقة توفي سنة تسع وثلاثين ومائة، روى له الجماعة. الخامس: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن الأنصاري، مولاهم البصري، ومولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى أبي اليسر الأنصاري، ويقال: مولى جابر بن عبد الله الأنصاري، وأمه اسمها الخيرة، بالخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، مولاة لأم سلمة زوج النبي عَّله، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، رضي الله عنه، وقيل: إن أمه ربما كانت تغيب فيبكي الحسن، فتعطيه أم سلمة، أم المؤمنين، ثديها تعلله إلى أن تجيء أمه، فيدر ثديها فيشربه، فيرون تلك الفصاحة والحكمة من بركتها. ونشأ الحسن بوادي القرى، وقال الحسن: غزونا خراسان ومعنا ثلاث مائة من أصحاب رسول الله عَّله. سمع ابن عمر وأنساً وسمرة وقيس بن عاصم وغيرهم من الصحابة، وعن الفضيل بن عياض قال: سألت هشام بن حسان: كم أدرك الحسن من الصحابة؟ قال: مائة وثلاثين. قال: وابن سيرين قال: ثلاثين، ولم يصح للحسن سماع عن عائشة، رضي الله عنها، قال ابن معين: لم يسمع الحسن من أبي بكرة ولا من ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٣) جابر بن عبد الله ولا من أبي هريرة. وسئل أبو زرعة: ألقي الحسن أحداً من البدريين؟ قال: رآهم رؤية، رأى عثمان وعليا، قيل له: سمع منهما؟ قال: لا، كان الحسن يوم بويع علي رضي الله عنه، ابن أربع عشرة سنة، رأى علياً بالمدينة ثم خرج علي إلى الكوفة والبصرة ولم يلقه الحسن بعد ذلك. قال أبو زرعة: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولا رآه، ومن قال في الحديث: عن الحسن ثنا أبو هريرة، فقد أخطأ، ولم يسمع من ابن عباس، وسمع من ابن عمر حديثاً واحداً، وعن أبي رجاء قال: قلت للحسن: متى خرجت من المدينة؟ قال: عام صفين. قلت: فمتى احتلمت؟ قال: عام صفين. وقال ابن سعد: كان الحسن جامعاً عالماً فقيهاً ثقةً مأموناً عابداً ناسكاً كثير العلم فصيحاً جميلاً وسيما، قدم مكة فأجلسوه واجتمع الناس إليه، فيهم طاوس وعطاء ومجاهد وعمرو بن شعيب، فحدثهم فقالوا أو قال بعضهم: لم نر مثل هذا قط. توفي سنة ست عشرة ومائة، وتوفي بعده ابن سيرين بمائة يوم، روى له الجماعة. ٠٠٠ فائدة: روى له البخاري هذا الحديث هنا عن الحسن عن الأحنف، ورواه في الفتن عن الحسن، وأنكر يحيى بن معين والدارقطني سماع الحسن من أبي بكرة. قال الدارقطني: بينهما الأحنف، واحتج بما رواه البخاري، وكذا رواه هشام بن المعلى بن زياد عن الحسن، وذهب غيرهما إلى صحة سماعه منه، واستدل بما أخرجه البخاري أيضاً في الفتن في باب قول النبي عَ له: ((إن ابني هذا سيد)) عن علي بن عبد الله عن سفيان عن إسرائيل، فذكر الحديث وفيه: قال الحسن: ((لقد سمعت أبا بكرة قال: بينا النبي عَ للِ يخطب ... )) قال البخاري: قال علي بن المديني: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث. قال أبو الوليد الباجي: هذا الحسن المذكور في هذا الحديث الذي قال فيه: سمعت أبا بكرة، إنما هو الحسن بن علي، رضي الله عنهما، وليس بالحسن البصري، فما قاله غير صحيح والله أعلم. السادس: الأحنف، بالمهملة والنون، هو أبو بحر بن قيس، واسمه الضحاك، وقيل: صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن حفص بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس(١) بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة من تميم، ولد وهو أحنف وهو الأعوج من الحنف وهو الاعوجاج في الرّجل، وهو أن ينفتل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين على الأخرى، وقيل: هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شقها الذي يلي خنصرها أدرك زمن النبي مَّ وأسلم على عهده ولم يره، وفد إلى عمر، رضي الله عنه، وهو الذي افتتح مرو الروذ، وكان الإمامان الحسن وابن سيرين في جيشه. وولد الأحنف ملتزق الأليتين حتى شق ما بينهما، وكان أعور، سمع عمر وعلياً والعباس وغيرهم، وعنه الحسن وغيره. مات بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير رضي الله عنه. i i i i i السابع: أبو بكرة، واسمه نفيع بضم النون وفتح الفاء، ابن الحارث بن كلدة، بالكاف واللام المفتوحتين، ابن عمر بن علاج بن أبي سلمة، وهو عبد العزى بن غيرة، بكسر الغين (١) وفي نسخة (معاقس) بدل (مقاعس). قال الحسن في مدحه الأحنف: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحتف ومناقبه - رحمه الله تعالى - كثيرة وحلمه يضرب به المثل. ٣٣٣ جدة ! ٣٣٤ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٣) المعجمة وفتح الياء آخر الحروف، ابن عوف بن قسي، بفتح القاف وكسر السين المهملة، وهو ثقيف بن منبه الثقفي، وقيل: نفيع بن مسروح مولى الحارث بن كلدة طبيب رسول الله، عليه السلام. وقيل: اسمه مسروح. وأمه: سمية، أمة للحارث بن كلدة، وهو أخو زياد لأمه، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله عَ له من حصن الطائف في بكرة، وكني: أبا بكرة، وأعتقه رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وهو معدود في مواليه، وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، ولم يزل مجتهداً في العبادة حتى توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، روي له عن رسول الله - عليه السلام - مائة حديث واثنين وثلاثون حديثاً، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث. روى عنه ابناه والحسن البصري والأحنف روى له الجماعة. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أن فيهم ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم: الأحنف والحسن وأيوب. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه أيضاً في الفتن عن عبد الله بن عبد الوهاب ثنا حماد بن سلمة عن رجل لم يسمع عن الحسن قال: خرجت بسلاحي ... وساقه إلى إن قال: قال حماد بن زيد: فذكرت هذا الحديث لأيوب ويونس بن عبيد الله وأنا أريد أن يحدثاني به، فقالا: إنما روى هذا الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة. قال البخاري: ثنا سليمان قال: ثنا حماد بن زيد عن أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف، قال: خرجت ... الحديث. وأخرجه مسلم بطريق غير هذه ولفظ آخر. وأخرجه أبو داود والنسائي أيضاً. بيان اللغات والإعراب: قوله: ((فما بال المقتول)) أي: فما حاله وشأنه؟ وهو من الأجوف الواوي. قوله: ((حريصاً)) من الحرص، وهو الجشع. وقد حرص على الشيء يحرص، مثال: ضرب يضرب، وحرص يحرص، مثال: سمع يسمع، ومنه قراءة الحسن البصري وأبو حيوة، وإبراهيم النخعي، وأبي البر هشيم ﴿أن تحرص على هداهم﴾ [النحل: ٣٧] بفتح الراء. قوله: ((لأنصر)) أي: لأجل أن أنصر، وأن، المصدرية مقدرة بعد اللام. قوله: ((فإني سمعت)) الفاء فيه تصلح للتعليل. قوله: (يقول)): جملة في محل النصب على الحال. قوله: (فالقاتل)) الفاء جواب: إذا. قوله: (هذا القاتل)) قال الكرماني: هو مبتدأ وخبر، أي: هذا يستحق النار لأنه قاتل، فالمقتول لِمَ يستحقها وهو مظلوم؟ قلت: الأولى أن يقال: هذا، مبتدأ، و: القاتل، مبتدأ ثان، وخبره محذوف، والجملة خبر المبتدأ الأول، والتقدير: هذا القاتل يستحق النار لكونه ظالماً! فما بال المقتول وهو مظلوم؟ ونظيره: هذا زيد عالم، وقد علم أن المبتدأ إذا اتحد بالخبر لا يحتاج إلى ضمير، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦] وقوله عليه السلام: ((أفضل ما قلت، أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله). 200. ٣٣٥ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٣) بيان المعاني والأحكام: قوله: ((أنصر هذا الرجل) يعني: علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ووقع في رواية الإسماعيلي يعني: علياً، ووقع للبخاري في الفتن: ((أريد نصرة ابن عم رسول الله عَ)). وقال الكرماني: وقيل: يعني عثمان، رضي الله عنه، قلت: هذا بعيد، ويرده ما في الصحيح. قوله: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما)) وفي الرواية الأخرى: ((إذا توجه المسلمان))، أي: إذا ضرب كل واحد منهما وجه صاحبه، أي: ذاته وجملته. قوله: ((فالقاتل والمقتول في النار)) قال عياض وغيره: معناه إن جازاهما الله تعالى وعاقبهما كما هو مذهب أهل السنة، وهو أيضاً محمول على غير المتأول، كمن قاتل لمعصية أو غيرها مما يشبهها، ويقال: معنى القاتل والمقتول في النار، أنهما يستحقانها، وأمرهما إلى الله عز وجل، كما هو مصرح به في حديث عبادة: ((فإن شاء عفا عنهما، وإن شاء عاقبهما، ثم أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة))، كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ونظير هذا الحديث في المعنى قوله تعالى: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ [النساء: ٩٣] معناه: هذا جزاؤه، وليس بلازم أن يجازى. واختلف العلماء في القتال في الفتنة: فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه، عملاً بظاهر هذا الحديث، وبحديث أبي بكرة في (صحيح مسلم) الطويل: ((إنها ستكون فتن ... )) الحديث. وقال هؤلاء: لا يقاتل، وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله، ولا تجوز له المدافعة عن نفسه لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة وغيره. وفي (طبقات) ابن سعد مثله عن أبي سعيد الخدري، وقال عمران بن حصين وابن عمرو وغيرهما: لا يدخل فيها، فإن قصدوا دفع عن نفسه. وقال معظم الصحابة والتابعين وغيرهما: يجب نصر الحق وقتال الباغين لقوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩] وهذا هو الصحيح، ويتأول أحاديث المنع على من لم يظهر له الحق، أو على عدم التأويل لواحد منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطالوا، والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، وحسن الظن بهم، والتأويل لهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، فمنهم المخطىء في اجتهاده والمصيب، وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطىء في الفروع، وضعف أجر المصيب، وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، وصرح به الجمهور وقالوا: إن عليا، رضي الله عنه، وأشياعه كانوا مصيبين إذا كان أحق الناس بها، وأفضل من على وجه الدنيا حينئذ. قوله: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) وفي رواية: إنه قد أراد قتل صاحبه. قال القاضي: فيه حجة للقاضي أبي بكر بن الطيب، ومن قال بقوله: إن العزم على الذنب والعقد على عمله معصية بخلاف الهم المعفو عنه، قال: وللمخالف له أن يقول: هذا قد فعل أكثر من العزم، وهو المواجهة والقتال. وقال النووي: والأول هو الصحيح. والذي عليه الجمهور أن من نوى المعصية وأصر عليها يكون آئماً، وإن لم يعملها ولا تكلم. قلت: التحقيق فيه أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ولهذا جاء بلفظ i i i i i ٣٣٦ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٤) الحرص فيه، ويحمل ما وقع من نحو قوله عليه السلام: ((إن الله تجاوز لأمتي عن ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به)). وفي الحديث الآخر: ((إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه))، على أن ذلك فيما إذا لم يوطن نفسه عليها، وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار، ويسمى هذا هما ويفرق بين الهم والعزم، وإن عزم تكتب سيئة، فإذا عملها كتبت معصية ثانية. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: في قوله ((أنصر هذا الرجل)) إن السؤال عن المكان والجواب عن الفعل، فلا تطابق بينهما. وأجيب: بأن المراد: أريد مكاناً أنصر فيه. ومنها ما قيل: القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة إن كان قتالهم من الاجتهاد الواجب اتباعه. وأجيب: بأن ذلك عند عدم الاجتهاد وعدم ظن أن فيه الصلاح الديني أما إذا اجتهد وظن الصلاح فيه، فهما مأجوران مثابان، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، وما وقع بين الصحابة هو من هذا القسم، فالحديث ليس عاماً. ومنها ما قيل: لم منع أبو بكرة الأحنف منه، ولم امتنع بنفسه منه؟ وأجيب: بأن ذلك أيضاً اجتهادي، فكان يؤدي اجتهاده إلى الامتناع والمنع، فهو أيضاً مثاب في ذلك. ومنها ما قيل: إن لفظة ((في النار)) مشعرة بحقية مذهب المعتزلة، حيث قالوا بوجوب العقاب للعاصي وأجيب: بالمنع لأن معناه: حقهما أن يكونا في النار، وقد يعفو الله عنه، وقد مر تحقيقه عن قريب. ومنها ما قيل: لِمَّ أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة في سلك القتل وهو كبيرة؟ وأجيب: بأنه أدخلهما في سلك واحد في مجرد كونهما سبباً لدخول النار فقط، وإن تفاوتا صغراً وكبراً وغير ذلك. ومنها ما قيل: إنما سمى الله الطائفتين في الآيتين: مؤمنين، وسماهما النبي - عليه السلام - في الحديث: مسلمين، حال الالتقاء لا حال القتال وبعده. وأجيب: بأن دلالة الآية ظاهرة، فإن في قوله تعالى: ﴿فأصلحوا بين أخويكم﴾ [لقمان: ١٣] سماهما الله أخوين وأمر بالإصلاح بينهما، ولأنهما عاصيان قبل القتال، وهو من حين سعيا إليه وقصداه، وأما الحديث فمحمول على معنى الآية، والله أعلم. ٢٤ - باب ظُلْمَ دُونَ غُلْمٍ الكلام فيه على وجهين. الأول: وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول هو أن الله تعالى سمى البغاة مؤمنين، ولم ينف عنهم اسم الإيمان مع كونهم عصاة، وأن المعصية لا تخرج صاحبها عن الإيمان، ولا شك أن المعصية ظلم، والظلم في ذاته مختلف، والمذكور في هذا الباب الإشارة إلى أنواع الظلم حيث قال: ظلم دون ظلم، وقال ابن بطال: مقصود الباب أن تمام الإيمان بالعمل، وأن المعاصي ينقص بها الإيمان ولا تخرج صاحبها إلى كفر، والناس مختلفون فيه على قدر صغر المعاصي وكبرها. الثاني: قوله: ((باب)) لا يعرب إلاَّ بتقدير مبتدأ قبله، لأنا قد قلنا غير مرة إن الإعراب لا يكون إلا بعد التركيب، ولا يضاف إلى ما بعده، والتقدير فى الحقيقة: هذا باب يبين فيه ٣٣٧ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٤) ظلم دون ظلم، وهذا لفظ أثر رواه أحمد في كتاب الإيمان من حديث عطاء بن أبي رباح وغيره، أخذه البخاري ووضعه ترجمة، ثم رتب عليه الحديث المرفوع. ولفظه: دون، إما بمعنى: غير، يعني: أنواع الظلم مختلفة متغايرة؛ وإما بمعنى: الأدنى، يعني: بعضها أشد في الظلمية وسوء عاقبتها. ٣٢/١ - حدثنا أبو الوليدِ قال: حدّثنا شُغبةُ (ح) قال: وحدّثني پشرّ قال: حدّثنا مُحَمَّدٌ عن شُعْبَةً عن سُلَيْمَانَ عن إِبْراهِيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عبدِ اللَّهِ قالَ: لَمَّا نَّلَت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابُ رسولِ اللهِ عَ الَ: أَيْنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [الحديث ٣٢ - أطرافه فى: ٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧]. مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه لما علم أن الظلم على أنواع، وأن بعض أنواع الظلم كفر وبعضها ليس بكفر، فيعلم من ذلك ضرورة أن بعضها دون بعض، وأخرج هذا الحديث من طريقين إحداهما: عن أبي الوليد عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. والأخرى: عن بشربن خالد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. فإن قلت: الحديث عال في الطريق الأولى لأن رجالها خمسة، ورجال الثانية ستة، فلِمَ لم يكتف بالأولى؟ قلت: إنما أخرجه بالطريق الثانية أيضاً لكون محمد بن جعفر أثبت الناس في شعبة، وأراد بهذا التنبيه عليه. فإن قلت: اللفظ الذي ساقه لِمَنْ من شيخيه؟ قلت: اللفظ لبشر بن خالد. وكذلك أخرجه النسائي عنه، وتابعه ابن أبي عدي عن شعبة، وهو عند البخاري في تفسير الأنعام. وأما لفظ ابن الوليد فساقه البخاري في قصة لقمان بلفظ: ((أينا لم يلبس إيمانه بظلم))؟ وزاد فيه أبو نعيم في (مستخرجه) من طريق سليمان بن حرب عن شعبة بعد قوله: ﴿إِن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] فطابت أنفسنا. وجدة ! i i بيان رجاله: وهم ثمانية. الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري، وقد مر ذكره. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد مر ذكره أيضاً. الثالث: بشر، بكسر الباء وسكون الشين المعجمة، ابن خالد العسكري أبو محمد الفارض، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وقال: ثقة، ومحمد بن یحیی بن منده ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. الرابع: محمد بن جعفر الهذلي، مولاهم، البصري صاحب الكراديس المعروف بغندر، وسمع السفيانين وشعبة وجالسه نحواً من عشرين سنة، وكان شعبة زوج أمه، روى عنه أحمد وعلي بن المديني وبندار وخلق كثير، صام خمسين سنة يوماً ويوماً، وقال يحيى بن معين: كان من أصح الناس كتاباً. وقال أبو حاتم: صدوق وهو في شعبة؛ ثقة، وغندر لقب له لقبه به ابن جريج لما قدم البصرة، وحدث عن الحس؛ فجعل محمد يكثر التشغیب عليه، فقال: أسكت يا غندر. وأهل الحجاز يسمون المشغب: غندراً؛ وزعم أبو جعفر النحاس في كتاب P ١٠٠٠ ٫٠٠٠ ٣٣٨ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٤) (الاشتقاق) أنه من الغدر، وأن نونه زائدة، والمشهور في داله الفتح، وحكى الجوهري ضمها. مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، قاله أبو داود، وقيل: سنة أربع، وقال ابن سعد: سنة أربع ومائتین. وقد تلقب عشرة أنفس بغندر. الخامس: سليمان بن مهران، أبو محمد الأسدي الكاهلي، مولاهم، الكوفي الأعمش. وكاهل هو أسد بن خزيمة، يقال: أصله من طبرستان من قرية يقال لها دباوند، بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الألف وفتح الواو وسكون النون وفي آخره دال مهملة، ولد بها الأعمش وجاء به أبوه حميلاً إلى الكوفة، فاشتراه رجل من بني أسد فأعتقه، وقال الترمذي في (جامعه) في باب الاستتار عند الحاجة، عن الأعمش أنه قال: كان أبي حميلا فورثه مسروق. فالحميل على هذا أبوه، والحميل: الذي يحمل من بلده صغيراً ولم يولد في الإسلام، وظهر للأعمش أربعة ألآف حديث، ولم يكن له كتاب، وكان فصيحاً لم يلحن قط، وكان أبوه من سبي الديلم، يقال: إنه شهد قتل الحسين، رضي الله عنه، وأن الأعمش ولد يوم قتل الحسين، يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال البخاري: ولد سنة ستين، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة، رأى أنساً، قيل: وأبا بكرة، وروى عن عبد الله بن أبي أوفى، وقال الشيخ قطب الدين في (شرحه): رأى أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى ولم يثبت له سماع من أحدهما، وسمع أبا وائل ومعروراً ومجاهداً وإبراهيم النخعي والتيمي والشعبي وخلقا، روى عنه السبيعي وإبراهيم التيمي والثوري وشعبة ويحيى القطان وسفيان بن عيينة وخلق سواهم. وقال يحيى القطان: الأعمش من النساك المحافظين على الصف الأول، وكان علامة الإسلام، وقال وكيع: بقي الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، وكان شعبة إذا ذكر الأعمش قال: المصحف المصحف، سماه المصحف لصدقه، و کان یسمی: سید المحدثین، و کان فیه تشیع، ونسب إلى التدليس، وقد عنعن هذا الحديث عن إبراهيم، ولم ير في جميع الطرق التي فيها رواية الأعمش للبخاري ومسلم وغيرهما أنه صرح بالتحديث أو الإخبار إلاّ في رواية حفص بن غياث عن الأعمش، الحديث المذكور في رواية البخاري في قصة إبراهيم عليه السلام، على ما سيجيء إن شاء الله تعالى: فإن قلت: المعنعن إذا كان مدلساً لا يحمل حديثه على السماغ، إلا أن يبين، فيقول: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، أو ما يدل على التحديث. قلت: قال ابن الصلاح وغيره: ما كان في (الصحيحين) من ذلك عن المدلسين: كالسفيانين والأعمش وقتادة وغيرهم، فمحمول على ثبوت السماع عند البخاري ومسلم من طريق آخر، وقد ذكر الخطيب عن بعض الحفاظ، أن الأعمش يدلس جن غير الثقة، بخلاف سفيان فإنه إنما يدلس عن ثقة. وإذا كان كذلك فلا بد أن يبين حتى يعرف، والله أعلم، روى له الجماعة. السادس: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع، النخعي أبو عمران الكوفي، فقيه أهل الكوفة، دخل على عائشة، رضي الله عنها، ولم يثبت منها له سماع. وقال العجلي: أدرك جماعة من الصحابة ولم يحدث من أحد ..-. ١٣٠ ١٠٢٠/١ ٣٣٩ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٤) منهم، وكان ثقة. مفتي أهل زمانه هو والشعبي، وسمع علقمة والأسود بن زيد وخالداً ومسروقاً وخلقاً كثيراً، روى عنه الشعبي ومنصور والأعمش وغيرهم، وكان أعور، وقال الشعبي: لما مات إبراهيم ما ترك أحداً أعلم منه ولا أفقه، فقيل له: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا هما، ولا من أهل البصرة، ولا من أهل الكوفة والحجاز. وفي رواية: ولا بالشام. قال الأعمش: كان إبراهيم صيرفي الحديث، مات وهو مختف من الحجاج، ولم يحضر جنازته إلاَّ سبعة أنفس سنة ست وتسعين، وهو ابن تسع، وقيل: ثمان وخمسين. قيل: ولد سنة ثمان وثلاثين، وقيل: سنة خمسين، فيكون على هذا توفي ابن ست وأربعين، روى له الجماعة. السابع: علقمة بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن کھیل بن بكر بن عوف بن النخعي، أبو شبل الكوفي، عم الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد، خالي إبراهيم بن يزيد النخعي لأن أم إبراهيم مليكة ابنة يزيد، وهي أخت الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد، روى عن أبي بكر، رضي الله عنه، وسمع عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، وروى عنه أبو وائل وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وغيرهم، اتفق على جلالته وتوثيقه، وقال إبراهيم النخعي: كان علقمة يشبه عبد الله بن مسعود. وقال أبو إسحاق: كان علقمة من الربانيين. وقال أبو قيس: رأيت إبراهيم آخذاً بركاب علقمة. مات سنة اثنتين وستين، وقيل: وسبعين، ولم يولد له قط، روى له الجماعة إلاَّ ابن ماجة. الثامن: عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، وقد مر ذكره في أول كتاب الإيمان. وفي الصحابة ثلاثة عبد الله بن مسعود أحدهم هذا. والثاني: أبو عمرو الثقفي، أخو أبي عبيدة، استشهد يوم الجسر. والثالث: غفاري، له حديث. وفيهم رابع: اختلف في إسمه فقيل: ابن مسعدة، وقيل: ابن مسعود الفزاري. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصورة الجمع وصورة الإفراد والعنعنة. . ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش وإبراهيم وعلقمة، وهذا الإسناد أحد ما قيل فيه إنه أصح الأسانيد. ومنها: أن رواته كلهم حفاظ أئمة أجلاء. ومنها: أن في بعض النسخ قبل قوله: ((وحدثني بشر)) صورة: (ح)، أشار إلى التحويل حائلاً بين الإسنادين، فهذا إن كان من المصنف، فهي تدل على التحويل قطعاً، وإن كان من بعض الرواة قد زادها فيحتمل وجهين: أحدهما، أن تكون مهملة دالة على التحويل كما ذكرناه، والآخر: أن تكون معجمة دالة على البخاري بطريق الرمز، أي: قال البخاري: وحدثني بشر، والرواية الصحيحة بواو العطف. فافهم. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، عليهم السلام، عن أبي الوليد عن شعبة، وعن بشر بن خالد عن غندر عن شعبة، وفي التفسير عن بندار عن ابن عدي عن شعبة، وفي أحاديث الأنبياء، عليهم السلام، عن ابن حفص بن غياث عن أبيه، وعن إسحاق عن عيسى بن يونس، وفي التفسير واستتابة المرتدين عن قتيبة عن جرير. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر عن ابن إدريس، وأبي معاوية ووكيع، وعن". i (١ i ١ ٣٤٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٤) إسحاق وابن خشرم عن عيسى، وعن منجاب عن علي بن مسهر، وعن أبي کریب عن ابن إدريس كلهم عن الأعمش عن إبراهيم به، وفي بعض طرق البخاري: لما نزلت الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: ((أينا لم يلبس إيماناً بظلم؟ فقال رسول الله عَ له: إنه ليس كذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان ﴿إِن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣]) وأخرجه الترمذي أيضاً. بيان اللغات والإعراب: قوله: ((لم يلبسوا) من باب: لبست الأمر ألبسه، بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، إذا خلطته؛ وفي: لبس الثوب بضده يعني، بالكسر في الماضي، والفتح في المستقبل. والمصدر من الأول: لبس، بفتح اللام، ومن الثاني: لبس بالضم. وفي (العباب): قال الله تعالى: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ [الأنعام: ٩] أي شبهنا علیهم وأضللناهم كما ضلوا، قال ابن عرفة في قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾ [البقرة: ٤٢] أي: لا تخلطوه به، وقوله تعالى: ﴿أويلبسكم شيعا﴾ [الأنعام: ٦٥] أي يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق. وقوله جل ذكره: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: لم يخلطوه بشرك، قال العجاج: من الأمور الربس بعد الربس ويفصلون اللبس بعد اللبس واللبس أيضاً: اختلاط الظلام، وفي الأمر لبسة، بالضم، أي: شبهة وليس بواضح. قوله: ((بظلم)، الظلم في أصل الوضع: وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلمه يظلمه ظلماً ومظلمة والظلامة والظليمة والمظلمة: ما تطلبه عند المظالم، وهو اسم ما أخذ منك. وتظلمني فلان أي: ظلمني مالي. قوله: ((لما))، بمعنى: حين، وقوله: ((قال أصحاب رسول الله مَ)) جوابه. قوله: ((نزلت)): فعل وفاعله، قوله: ((﴿الذين آمنوا﴾ [الأنعام: ٨٢] الآية، والتأنيث باعتبار الآية، والتقدير: لما نزلت هذه الآية: ((﴿الذين آمنوا﴾ [الأنعام: ٨٢]) إلى آخرها. قوله: ((أينا))، كلام إضافي مبتدأ، وقوله: ((لم يظلم)) خبره، والجملة مقول القول، قوله: ((فأنزل الله) عطف على: قال أصحاب رسول الله عَ له، والفاء معناها التعقيب، وقد تكون بمعنى: ثم، يعني للتراخي، والذي تقتضيه الحال أنها ههنا على أصلها. بيان المعاني: قوله: ((أينا لم يظلم)، وفي بعض النسخ: ((أينا لم يظلم نفسه))، بزيادة: نفسه، والمعنى: إن الصحابة فهموا الظلم على الإطلاق، فشق عليهم ذلك، فبين الله تعالى أن المراد الظلم المقيد، وهو الظلم الذي لا ظلم بعده. وقال الخطابي: إنما شق عليهم لأن ظاهر الظلم الافتيات بحقوق الناس، والافتيات السبق إلى الشيء، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنوا أن المراد ههنا معناه الظاهر، فأنزل الله تعالى الآية. ومن جعل العبادة وأثبت الربوبية لغير الله تعالى فهو ظالم، بل أظلم الظالمين. وقال التيمي: معنى الآية: لم يفسدوا إيمانهم ويبطلوه بكفر، لأن الخلط بينهما لا يتصور، أي: لم يخلطوا صفة الكفر بصفة الإيمان فتحصل لهم صفتان إيمان متقدم وكفر متأخر بأن كفروا بعد إيمانهم، ويجوز أن يكون معناه: ينافقوا فيجمعوا بينهما ظاهراً وباطناً، وإن كانا لا يجتمعان. قلت: اختلفت ألفاظ