النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
i
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
زيادته في القرآن، وتوقف عن نقصه، وقال: لو نقص لذهب كله. وقال ابن بطال: مذهب
جماعة من أهل السنة، من سلف الأمة وخلفها، أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة
على ذلك ما أورده البخاري قال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص. وذكر الحافظ أبو
القاسم هبة الله اللالكائي، في كتاب (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة): أن الإيمان
يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي، وابن
مسعود، ومعاذ، وأبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وعمار، وأبو هريرة، وحذيفة، وسلمان،
وعبد الله بن رواحة، وأبو أمامة، وجندب بن عبد الله، وعمير بن حبيب، وعائشة، رضي الله
تعالى عنهم، ومن التابعين: كعب الأحبار، وعروة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن أبي
مليكة، وميمون بن مهران، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والحسن، ويحيى بن أبي
کثیر، والزهري، وقتادة، وأيوب، ويونس، وابن عون، وسليمان التيمي، وإبراهيم النخعي، وأبو
البحتري، وعبد الكريم الجريري، وزيد بن الحارث، والأعمش، ومنصور، والحكم، وحمزة
الزيات، وهشام بن حسان، ومعقل بن عبيد الله الجريري، ثم محمد بن أبي ليلى،
والحسن بن صالح، ومالك بن مغول، ومفضل بن مهلهل، وأبو سعيد الفزاري، وزائدة،
وجرير بن عبد الحميد، وأبو هشام عبد ربه، وعبثر بن القاسم، وعبد الوهاب الثقفي، وابن
المبارك، وإسحاق بن إبراهيم، وأبو عبيد بن سلام، وأبو محمد الدارمي، والذهلي، ومحمد بن
أسلم الطوسي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، وزهير بن معاوية، وزائدة، وشعيب بن حرب،
وإسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم، والوليد بن محمد، والنضر بن شميل، والنضر بن
محمد. (وقال سهل بن متوكل) أدركت الف أستاذ كلهم يقول: الإيمان قول وعمل يزيد
وينقص، (وقال يعقوب بن سفيان) إن أهل السنة والجماعة على ذلك بمكة والمدينة والبصرة
والكوفة والشام، منهم عبد الله بن يزيد المقري، وعبد الملك الماجشون، ومطرف،
ومحمد بن عبيد الله الأنصاري، والضحاك بن مخلد، وأبو الوليد، وأبو النعمان، والقعنبي،
وأبو نعيم، وعبيد الله بن موسى، وقبيصة، وأحمد بن يونس، وعمرو بن عون، وعاصم بن علي،
وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وسعيد بن أبي مريم، والنضر بن عبد الجبار، وابن بكير،
وأحمد بن صالح، وأصبغ بن الفرج، وآدم بن أبي أياس، وعبد الأعلى بن مسهر، وهشام بن
عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن إبراهيم، وأبو اليمان الحكم بن نافع،
وحيوة بن شريح، ومكي بن إبراهيم، وصدقة بن الفضل، ونظراؤهم من أهل بلادهم. وذكر أبو
الحسن عبد الرحمن بن عمر في كتاب الإيمان ذلك عن خلق قال: وأما توقفُ مالك عن
القول بنقصان الإيمان، فخشية أن يتناول عليه موافقة الخوارج، وقال رسته: ما ذاكرتُ أحداً
من أصحابنا، من أهل العلم، مثل علي بن المديني، وسليمان، يعني: ابن حرب، والحميدي،
وغيرهم إلا يقولون: الإيمان قول وعمل یزید وينقص. وكذا روي عن عمير بن حبيب، و کان
من أصحاب الشجرة، وحكاه اللالكائي في (كتاب السنن) عن: و کیع، وسعيد بن عبد العزيز،
وشريك، وأبي بكر بن أبي عياش، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والحمادين، وأبي ثور،
P
i
١
i.
i
... /
*: /

١٨٢
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
والشافعي، وأحمد ابن حنبل. وقال الإمام: هذا البحث لفظي، لأن المراد بالإيمان إن كان هو
التصديق فلا يقبلهما، وإن كان الطاعات فيقبلهما، ثم قال: الطاعات مكملة للتصديق، فكل
ما قام من الدليل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفاً إلى أصل الإيمان الذي
هو التصديق، وكل ما دل على كون الإيمان يقبل الزيادة والنقصان فهو مصروف إلى الكامل،
وهو مقرون بالعمل. وقال بعض المتأخرين: الحق أن الإيمان يقبلهما، سواء كان عبارة عن
التصديق مع الأعمال وهو ظاهر، أو بمعنى التصديق وحده، لأن التصديق بالقلب هو الاعتقاد
الجازم، وهو قابل للقوة والضعف، فإن التصديق بجسمية الشيخ الذي بين أيدينا أقوى من
التصديق بجمسيته إذا كان بعيداً عنا، ولأنه يبتدىء في التنزل من أجلى البديهيات كقولنا:
النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، ثم ينزل إلى ما دونه كقولنا: الأشياء المتساوية بشيء
واحد متساوية، ثم إلى أجلى النظريات: كوجود الصانع، ثم إلى ما دونه: ككونه مرئياً، ثم
إلى أخفاها: كاعتقاد أن العرض لا يبقى زمانين. وقال بعض المحققين: الحق أن التصديق
يقبل الزيادة والنقصان بوجهين.
الأول: القوة والضعف، لأنه من الكيفيات النفسانية، وهي تقبل الزيادة والنقصان:
كالفرح والحزن والغضب، ولو لم يكن كذلك يقتضي أن يكون إيمان النبي عَ له، وأفراد الأمة
سواء، وأنه باطل، إجماعاً، ولقول إبراهيم، عليه السلام: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة:
٢٦٠].
الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه
على تصديقه بالآخر. وقال بعضهم: في هذا المقام الذي يؤدي إليه نظري، أنه ينبغي أن
يكون الحق الحقيق بالقبول أن الإيمان بحسب التصديق يزيد بزيادة الكمية المعظمة، وهي
العدد قبل تقرر الشرائع، بأن يؤمن الإنسان بجملة ما ثبت من الفرائض، ثم يثبت فرض آخر
فيؤمن به أيضاً ثم وثم فيزداد إيمانه، أو يؤمن بحقية كل ما جاء به النبي عليه إجمالاً قبل أن
تبلغ إلیه الشرائع تفصيلاً، ثم تبلغه فیؤمن بها تفصيلاً بعدما آمن بها إجمالاً، فيزداد إيمانه. فإن
قلت: يلزم من هذا تفضيل من آمن بعد تقرير الشرائع على من مات في زمن الرسول - عليه
السلام - من المهاجرين والأنصار، لأن إيمان أولئك أزيد من إيمان هؤلاء؟ قلت: لا نسلم أن
هذه الزيادة سبب التفضيل في الآخرة، وسند المنع أن كل واحد من هذين الفريقين مؤمن
بجميع ما يجب الإيمان به، بحسب زمانه وهما متساويان في ذلك، وأيضاً: إنما يلزم تفضيلهم
على الصحابة بسبب زيادة عدد إيمانهم لو لم يكن لإيمانهم ترجيح باعتبار آخر، وهو قوة
اليقين، وهو ممنوع، لأن لإيمانهم ترجيحاً. ألا ترى إلى قوله، عليه السلام: ((لو وزن إيمان
أبي بكر مع إيمان جميع الخلق لرجح إيمان أبي بكر)) رضي الله عنه، ولا ينقص الإيمان
بحسب العدد قبل تقرر الشرائع، ولا يلزم ترك الإيمان بنقص ما يجب الإيمان به، ويزيد وينقص
بحسب العدد بعد تقرر الشرائع بتكرار التصديق، والتلفظ بكلمتي الشهادة مرة بعد أخرى بعد
الذهول عنه تكراراً كثيراً أو قليلاً، ويزيد وينقص مطلقاً، أي: قبل تقرر الشرائع وبعده بحسب

١٨٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
الكيفية، أي: القوة والضعف بحسب ظهور أدلة حقية المؤمن به وخفائها وقوتها وضعفها
وقوة اعتقاد المقلد في المقلد وضعفه، وروي عن بعض المحققين أنه قال: الأظهر أن نفس
التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين والراسخين في العلم
أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبهة، ولا يزلزل إيمانهم معارض ولا تزال قلوبهم
منشرحة للإسلام، وإن اختلفت عليهم الأحوال.
النوع الرابع: في أن الإسلام مغاير للإيمان أو هما متحدان: فنقول: الإسلام في
اللغة: الانقياد والإذغان، وفي الشريعة: الانقياد لله بقبول رسوله - عليه السلام - بالتلفظ
بكلمتي الشهادة، والإتيان بالواجبات والانتهاء عن المنكرات، كما دل عليه جواب النبي
مَ لِ حين سأله جبريل - عليه السلام - عن الإسلام في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي
الله عنه، حيث قال النبي عليه السلام: ((الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم
الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان)). ويطلق الإسلام على دين محمد، يقال:
دين الإسلام، كما يقال: دين اليهودية والنصرانية. قال الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله
الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] وقال عليه السلام: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً
وبالإسلام ديناً». ثم اختلف العلماء فيهما، فذهب المحققون إلى أنهما متغايران وهو
الصحيح، وذهب بعض المحدثين والمتكلمين وجمهور المعتزلة إلى أن الإيمان هو الإسلام،
والإسمان مترادفان شرعاً. وقال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام ولا يطلق،
وذلك أن المسلم قد يكون في بعض الأحوال دون بعض، والمؤمن مسلم في جميع
الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً. وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك
تأويل الآيات، واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها. وأصل الإيمان: التصديق، وأصل
الإسلام: الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مسلماً في الظاهر غير منقاد في الباطن، وقد
يكون صادقاً بالباطن غير منقاد في الظاهر. قلت: هذه إشارة إلى أن بينهما عموماً وخصوصاً
مطلقاً كما صرح به بعض الفضلاء، والحق أن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه لأن الإيمان
أيضاً قد يوجد بدون الإسلام، كما في شاهق الجبل إذا عرف الله بعقله وصدق بوجوده
ووحدته وسائر صفاته قبل أن تبلغه دعوة نبي، وكذا في الكافر إذا اعتقد جميع ما يجب
الإيمان به اعتقاداً جازماً ومات فجأة قبل الإقرار والعمل. والحاصل: أن بيان النسبة بين الإيمان
والإسلام بالمساواة أو بالعموم والخصوص موقوف على تفسير الإيمان. فقال المتأخرون: هو
تصديق الرسول عليه السلام، بما علم مجيئه به ضرورة، والحنفية: التصديق والإقرار.
والكرامية، الإقرار. وبعض المعتزلة: الأعمال، والسلف: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان،
والعمل بالأركان. فهذه أقوال خمسة: الثلاثة منها بسيطة، وواحد مركب ثنائي، والخامس
مركب ثلاثي. ووجه الحصر أنه إما بسيطاً أو لا، والبسيط: إما اعتقادي أو قولي أو عملي،
وغير البسيط: إما ثنائي وإما ثلاثي، وهذا كله بالنظر إلى ما عند الله تعالى. أما عندنا فالإيمان
هو بالكلمة، فإذا قالها حكمنا بإيمانه اتفاقاً بلا خلاف، ثم لا تغفل أن النزاع في نفس الإيمان.
i
s un g

١٨٤
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١)
وأما الكمال فإنه لا بد من الثلاثة إجماعاً. ثم إن الذين ذهبوا إلى أن الإيمان هو الإسلام،
والإسلام مترادفان استدلوا على ذلك بوجوه: الأول: أن الإيمان هو التصديق بالله. والإسلام:
إما أن يكون مأخوذاً من التسليم، وهو تسليم العبد نفسه لله تعالى، أو يكون مأخوذاً من
الاستسلام وهو: الانقياد، وكيف ما كان فهو راجع إلى ما ذكرنا من تصديقه بالقلب واعتقاده
أنه تعالى خالقه لا شريك له. الثاني: قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾
[آل عمران: ٨٥] وقوله تعالى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] بين أن دین
الله هو الإسلام، وأن كل دين غير الإسلام غير مقبول. والإيمان دين لا محالة، فلو كان غير
الإسلام لما كان مقبولاً، وليس كذلك. الثالث: لو كانا متغایرین لتصور أحدهما بدون
الآخر، ولتصور مسلم ليس بمؤمن. وأجيب عن الأول: بأنا لا نسلم أن الإيمان هو التصديق
بالله فقط، وإلا لكان كثير من الكفار مؤمنين لتصديقهم بالله، بل هو تصديق الرسول بكل ما
علم مجيئه به بالضرورة، كما مر، ولئن سلمنا، لكن لا نسلم أن التسليم ههنا بمعنى تسليم
العبد نفسه، لم لا يجوز أن يكون بمعنى الاستسلام وهو: الانقياد، ولأن أحد معاني التسليم:
الانقياد، وحينئذٍ يلزم تغايرهما لجواز الانقياد ظاهراً بدون تصديق القلب. وعن الثاني: بأنا لا
نسلم أن الإيمان الذي هو التصديق فقط دين، بل الدين إنما يقال لمجموع الأركان المعتبرة
في كل دين: كالإسلام، بتفسير النبي عليه السلام، ولهذا يقال: دين الإسلام، ولا يقال: دين
الإيمان، وهذا أيضاً فرق آخر، ومعنى الآية: ومن يبتغ ديناً غیر دین محمد فلن يقبل منه. وعن
الثالث: بأن عدم تغايرهما بمعنى عدم الانفكاك لا يوجب اتحادهما معنى، وأيضاً المنافقون
كلهم مسلمون بالتفسير المذكور غير مؤمنين، فقد وجد أحدهما بدون الآخر. ثم إنهم أولوا
الآية بأن المراد: بأسلمنا، استسلمنا أي: انقدنا، والخبر بأن سؤال جبريل عليه السلام، ما
كان عن الإسلام، بل عن شرائع الإسلام، وأسندوا هذا إلى بعض الرواة. وأجيب: بأن
الاستسلام ههنا ينبغي أن يكون بالمعنى المذكور في تعريف الإسلام، وإلاَّ لما تمكن
المنافقون من دعوى الإيمان، وحينئذٍ لا فائدة في هذا التأويل. والمذكور في (الصحيحين)،
وغيرهما ما ذكرنا، ولا تعارضه هذه الرواية الغريبة المخالفة للظاهر. فلت: فى إثبات وحدة
الإيمان والإسلام صعوبة وعسر، لأنا لو نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن
يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥] لزم اتحادهما، إذ لو كان الإيمان غير الإسلام لم يقبل قط، فتعين
أن يكون عينه، لأن الإيمان هو الدين، والدين هو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله
الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] فينتج أن الإيمان هو الإسلام، ولو نظرنا إلى قول النبي عَّله حين
سأله جبريل عن الإيمان والإسلام: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
وتؤمن بالقدر خيره وشره، والإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، لزم
تغايرهما بتصريح تفسيرهما. ولأن قوله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين
والمؤمنات﴾ [الأحزاب: ٣٥] يدل على المغايرة بينهما، لأن العطف يقتضي تغاير المعطوف
١٠٠٠٠

١٠٠٠
١٨٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
والمعطوف عليه.
النوع الخامس: في أن الإيمان هل هو مخلوق أم لا؟. فذهب جماعة إلى أنه
مخلوق، فمنهم: الحارث المحاسبي، وجعفر بن حرب، وعبد الله بن كلاب، وعبد العزيز
المكي. وذكر عن أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الحديث أنهم قالوا: الإيمان غير
مخلوق، وأحسن ما قيل فيه، ما روي عن الفقيه أبي الليث السمرقندي أنه قال: إن الإيمان
إقرار وهداية، فالإقرار صنع العبد وهو مخلوق، والهداية صنع الرب وهو غير مخلوق.
النوع السادس: في قران المشيئة بالإيمان. فقالت طائفة: لا بد من قرانها، وحكي
هذا عن أكثر المتكلمين، وقالت طائفة بجوازها، وقال بعض الشافعية: هو المختار، وقول أهل
التحقيق. وقالت طائفة بجواز الأمرين، قال بعض الشافعية: هو حسن، وقالت الحنفية: لا
يصح ذلك، فمن قارن إيمانه بالمشيئة لم يصح إيمانه، ورووا ما ذكر في كتاب أبي سعيد
محمد بن علي بن مهدي النقاش، عن أنس، رضي الله تعالى عنه، يرفعه: ((من زعم أن الإيمان
يزيد وينقص فقد خرج من أمر الله، ومن قال: أنا مؤمن، إن شاء الله، فليس له في الإسلام
نصيب)). وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة يرفعه: ((الإيمان ثابت ليس به زيادة ولا نقص،
نقصانه وزيادته كفر». ومن حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، يرفعه: ((من زعم
أن الإيمان يزيد وينقص، فزيادته نقص ونقصه كفر» وفي كل ذلك نظر.
النوع السابع: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على ما قاله النووي:
إن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه
دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك، ونطق مع ذلك بالشهادتين. قال: فإن اقتصر
على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً، بل يخلد في النار، إلاَّ أن يعجز عن النطق لخلل
في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك، فإنه حينئذٍ يكون مؤمناً بالاعتقاد
من غير لفظ، وإذا نطق بهما لم يشترط معهما أن يقول: وأنا بريء من كل دين خالف دين
الإسلام، على الأصح، إلاَّ أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب، ولا يحكم
بإسلامه حتى يتبرأ، ومن أصحابنا من اشترط التبرؤ مطلقاً، وهو غلط. لقوله عَ له: ((أمرت أن
أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)). ومنهم من استحبه
مطلقاً كالاعتراف بالبعث، أما إذا اقتصر الكافر على قوله: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد
رسول الله، فالمشهور من مذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه لا يكون مسلماً، ومن أصحابنا من
قال: يصير مسلماً ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جعل مرتداً. وحجة الجمهور الرواية
السالفة، وهي مقدمة على هذه، لأنها زيادة من ثقة وليس فيها نفي للشهادة الثانية، وإنما أن
فيها تنبيهاً على الأخرى. وأغرب القاضي حسين، فشرط في ارتفاع السيف عنه أن يقر
بأحكامها مع النطق بها، فأما مجرد قولها فلا، وهو عجيب منه. وقال النووي: اشترط القاضي
أبو الطيب، من أصحابنا، الترتيب بين كلمتي الشهادة في صحة الإسلام، فيقدم الإقرار بالله
على الإقرار برسوله، ولم أر من وافقه ولا من خالفه. وذكر الحليمي في (منهاجه) ألفاظاً تقوم
٠٠٠
i

١٨٦
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١)
مقام: لا إله إلا الله، في بعضها نظر، لانتفاء ترادفها حقيقة، فقال: ويحصل الإسلام بقوله: لا
إله غير الله، ولا إله سوى الله، أو ما عدا الله، ولا إله إلا الرحمن، أو البارىء، أو لا رحمن، أو
لا بارىء إلا الله، أو لا ملك، أو لا رزاق إلا الله. وكذا لو قال: لا إله إلا العزيز، أو العظيم،
أو الحكيم، أو الكريم، وبالعكس. قال: ولو قال أحمد أبو القاسم رسول الله، فهو كقوله:
محمد.
وَهِو قَوْلٌّ وَفِعْلٌ وَتَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
أي أن الإيمان قول باللسان وفعل بالجوارح. فإن قلت: الإيمان عنده قول وفعل واعتقاد،
فكيف ذكر القول والفعل ولم يذكر الاعتقاد الذي هو الأصل؟ قلت: لا نزاع في أن الاعتقاد
لا بد منه. والكلام في القول والفعل هل هما منه أم لا؟ فلأجل ذلك ذكر ما هو المتنازع
فيه. وأجيب: أيضاً بأن الفعل أعم من فعل الجوارح، فيتناول فعل القلب. وفيه نظر من
وجهين. أحدهما: هو أن يقال: لا حاجة إلى ذكر القول أيضاً لأنه فعل اللسان. والآخر: أن
الاعتقاد من مقولة، الانفعال أو الفعل وفيه تأمل. فإن قلت: ما وجه من أعاد الضمير. أعني:
هو، إلى الإسلام؟ قلت: وجهه أن الإيمان والإسلام واحد عند البخاري، فإذا كان كلاهما
واحداً يجوز عود الضمير إلى كل واحد منهما. قوله: ((يزيد وينقص))، أي: الإيمان، والإسلام
قبل الزيادة والنقصان، هذا على تقدير دخول القول والفعل فيه ظاهر، وأما على تقدير أن
يكون نفس التصديق، فإنه أيضاً يزيد وينقص، أي: قوة وضعفاً أو إجمالاً وتفصيلاً، أو تعدداً
بحسب تعدد المؤمن به، كما حققناه فيما مضى، وهذا الذي قاله البخاري منقول عن
سفيان بن عيينة، فإنه قال: الإيمان قول وفعل يزيد وينقص. فقال له أخوه إبراهيم: لا تقل
ينقص؛ فغضب وقال: أسكت يا صبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء. قال أبو الحسن
عبد الرحمن بن عمر بن يزيد رسته: حدثنا الحميدي، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال:
سألت عشرة من الفقهاء فكلهم قالوا: الإيمان قول وعمل. الثوري، وهشام بن حسان، وابن
جريج، ومحمد بن عمرو بن عثمان، والمثنى بن الصباح، ونافع بن عمر الجمحي، ومحمد بن
مسلم الطائفي، ومالك بن أنس، وفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة. قال رسته: وحدثنا
بعض أصحابنا عن عبد الرزاق، قال: سمعت معمراً والأوزاعي، يقولان: الإيمان قول وعمل
یزید وينقص.
قالَ اللَّهُ تَعَالى ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدَى﴾
[الكهف: ١٣] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدَى﴾ [مريم: ٧٦] ﴿وَالْذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدَى
وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [المدثر: ٣١] وقَوْلُهُ: ﴿أَيَّكُمْ زَادَتْهُ
هذِهِ إِيمَاناً فأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [التوبة: ١٢٤] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ
إِيمَاناً﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٢].
هذه ثمان آيات ذكرها دليلاً على زيادة الإيمان، وقد قلنا: إنه كثيراً ما يستدل لترجمة
الباب بالقرآن، وبما وقع له من سنة مسندة وغيرها، أو أثر من الصحابة، أو قول للعلماء ونحو

١٨٧
٢ - کتابُ الإِيمانِ / باب (١)
ذلك، ولكن ذكر هذه الآيات ما كان يناسب إلاَّ في باب: زيادة الإيمان ونقصانه. فإن قلت:
الآيات دلت على الزيادة فقط، والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما. قلت: قال
الكرماني: كل ما قبل الزيادة لا بد أن يكون قابلاً للنقصان ضرورة. ثم الآية الأولى: في
سورة الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع
إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً﴾ [الفتح: ٤]، قال الزمخشري:
أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح والأمن ليعرفوا فضل الله تعالى
عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، والهدنة غب القتال، فيزدادوا يقيناً إلى يقينهم، أو أنزل فيها
السكون إلى ما جاء به محمد علّ م من الشرائع ليزدادوا يقينا إلى يقينهم، أو أنزل فيها
السكون إلى ما جاء به محمد - عليه السلام - من الشرائع ليزدادوا إيماناً بالشرائع مقروناً إلى
إيمانهم، وهو التوحيد، وعن ابن عباس: أول ما أتاهم به النبي عَّلم التوحيد، فلما آمنوا بالله
وحده أنزل الصلاة والزكاة ثم الحج ثم الجهاد، فازدادوا إيماناً إلى إيمانهم، أو أنزل فيها الوقار
والعظمة لله ولرسوله ليزدادوا باعتقاد ذلك إيماناً إلى إيمانهم، وقيل: أنزل الله فيها الرحمة
ليتراحموا فيزداد إيمانهم. الآية الثانية: في سورة الكهف، وهي قوله تعالى: ﴿نحن نقص
عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا﴾
[الكهف: ١٤] الآية: ﴿نبأهم﴾ أي: خبرهم: والفتية جمع فتى، والهدى من هداه يهديه، أي:
دلالة موصولة إلى البغية، وهو متعد والاهتداء لازم. قال الزمخشري: ﴿وزدناهم هدى﴾
[الكهف: ١٤] بالتوفيق والتثبت ﴿وربطنا على قلوبهم﴾ [الكهف: ١٤] وقوينا بالصبر على
هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وحشرناهم على القيام بكلمة الحق
والتظاهر بالإسلام ﴿إِذ قاموا﴾ [الكهف: ١٤]. بين يدي الجبار وهو دقيانوس من غير مبالاة به
حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم ﴿فقالوا ربنا رب السموات والأرض﴾ [الكهف: ١٤] الآية
الثالثة: في سورة مريم، وهي قوله تعالى: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات
خير عند ربك ثواباً وخير مردا﴾ [مريم: ٧٦] أي: يزيد الله المهتدين هداية بتوفيقه، والمراد
من الباقيات الصالحات: أعمال الآخرة كلها، وقيل: الصلوات، وقيل: سبحان الله والحمد لله
ولا إله إلا الله والله أكبر، أي: هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، وخير مرداً، أي: مرجعا
وعاقبة. الآية الرابعة: في سورة محمد عګ وهي قوله تعالى: ﴿والذین اهتدوا زادهم هدى
وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧] أي: زادهم الله هدى بالتوفيق: ﴿وآتاهم تقواهم﴾ [محمد:
١٧] أعانهم عليها. وعن السدي: بين لهم ما يتقون. وقرىء: وأعطاهم. الآية الخامسة: في
سورة المدثر، وهي قوله تعالى: ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا
الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ [المدثر: ٣١] أي: عدة الملائكة الذين يلون أمر جهنم
لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والأنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة
والرقة، ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له، ولأنهم أشد الخلق بأساً وأقواهم بطشاً.
والتقدير: لقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها لأجل استيقان المؤمنين وحيرة
فقة

٠٠٠
.٣.
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
١٨٨
الكافرين واستيقان أهل الكتاب، لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين، فإذا سمعوا بمثلها في
القرآن أيقنوا أنه منزل من عند الله، وازداد المؤمنون إيماناً لتصديقهم بذلك، کما صدقوا سائر
ما أنزل. الآية السادسة: في سورة ﴿براءة من الله ورسوله﴾، وهي قوله تعالى: ﴿وإذا ما
أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم
يستبشرون﴾ [التوبة: ١٢٤] أي: فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه
السورة إيماناً إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي
والعمل به. الآية السابعة: في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن
الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران:
١٧٣] المراد من الناس الأول: نعيم بن مسعود الأشجعي، ومن الثاني: أهل مكة. وروي أن
أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل إن شئت فقال النبي
مَ افٍ: ((إن شاء الله)). فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل من الظهران،
فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً،
فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا
عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده
ذلك جراءة، فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل. فخرج نعيم فوجد المسلمین
يتجهزون، فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلاّ
شريداً، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد. وقيل:
مر بأبي سفيان ركب من عبد القيس يريدون المدينة للميرة، فجعل لهم حمل بعير من زبيب
إن ثبطوهم، فكره المسلمون الخروج، فقال، عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده
لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد)). فخرج في سبعين ركباً، وهم يقولون: حسبنا الله ونعم
الوكيل، وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين،
فخرج أبو سفيان، إلى مكة، فسمى أهل مكة جيشه: جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم
لتشربوا السويق. الآية الثامنة: في سورة الأحزاب وهي قوله تعالى: ﴿ولما رأى المؤمنون
الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً﴾
[الأحزاب: ٢٢] هذا إشارة إلى الخطب والبلاء. قوله: ﴿وما زادهم إلا إيماناً﴾ [الأحزاب:
٢٢] أي: بالله وبمواعيده ﴿وتسليماً﴾ [الأحزاب: ٢٢] لقضاياه وأقداره.
والْحُبُّ في اللَّهِ وَالْبِغْضُ في اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ.
والحب مرفوع بالابتداء، والبغض معطوف عليه، وقوله: من الإيمان خبره، وكلمة: في،
أصلها للظرفية، ولكنها ههنا تقال للسببية، أي: بسبب طاعة الله تعالى ومعصيته كما في قوله
عَ ل: ((في النفس المؤمنة مائة من الإبل)) وقوله في التي حبست الهرة ((فدخلت النار فيها))،
أي: بسببها. ومنه قوله: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢] وقوله: ﴿لمسكم فيما
أفضتم﴾ [النور: ١٤]ثم هذه الجملة يجوز أن تكون عطفاً على ما أضيف إليه الباب، فتدخل
١٠٠٠
٠٠٠
١٠٠
.w.
١٠٠
١٦٠

١٨٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
فى ترجمة الباب، كأنه قال: والحب في الله من الإيمان والبغض في الله من الإيمان، ويجوز
أن یکون ذکرها لبیان إمکان الزيادة والنقصان، كذلك الآيات، وروی أبو داود بإسناده إلى
أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَّل: ((أفضل الأعمال الحب في الله والبغض
في الله)، ورواه ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا زيد بن الحباب، عن الصعق بن حرب.
قال: حدثني عقيل بن الجعد، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود، رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله عَّله: ((أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)).
وروى ابن أبي شيبة أيضاً، عن أبي فضيل عن الليث، عن عمرو بن مرة، عن البراء قال: قال
رسول الله عَّدٍ: ((أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله)). وأخرج الترمذي من
حديث معاذ بن أنس الجهني أن النبي عَ لم قال: (من أعطى الله ومنع الله وأحب له وأبغض
الله فقد استكمل الإيمان)). وقال: هذا حديث منكر، وأخرج أبو داود من حديث أبي أمامة أن
رسول الله عَّ له، قال: ((من أحب الله وأبغض لله وأعطى الله ومنع الله فقد استكمل الإيمان)).
وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إنَّ للإِمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحَدُوداً
وَسُنَناً فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا استَكْمَلَ الإِيمَانَ وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لِمَ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ فَإِنْ أَعِشْ
فَسَأُبَيْثُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمِلُوا بِهَا وَإِنْ أمتْ فَمَا أنَا على ضُخبِكْم بِخَرِیصٍ.
الكلام فيه على أنواع: الأول: في ترجمة عمر وعدي. أما عمر فهو ابن عبد العزيز بن
مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، الإمام العادل، أحد
الخلفاء الراشدين، سمع عبد الله بن جعفر وأنساً وغيرهما، وصلى أنس خلفه قبل خلافته. ثم
قال: ما رأيت أحداً أشبه برسول الله عَّلل من هذا الفتى، تولى الخلافة سنة تسع وتسعين،
ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر، نحو خلافة الصديق رضي الله عنه، فملأ الأرض قسطا
وعدلاً. وأمه حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولد بمصر، وتوفي بدير
سمعان بحمص يوم الجمعة لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وقال القاضي
جمال الدين بن واصل: والظاهر عندي أن دير سمعان هو المعروف الآن بدير النقيرة، من
عمل معرة النعمان، فإن قبره هو هذا المشهور. وأوصى أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر
رسول الله عَ ل وأظفاره، وقال: إذا مت فاجعلوه في كفني، ففعلوا ذلك. وقال الإمام
أحمد بن حنبل: يروى في الحديث أن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح
لهذه الأمة دينها، فنظرنا في المائة الأولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز. قال النووي في
(تهذيب الأسماء): حمله العلماء في المائة الأولى على عمر، والثانية على الشافعي، والثالثة
على ابن شريح؛ وقال الحافظ ابن عساكر: هو الشيخ أبو الحسن الأشعري، والرابعة على ابن
أبي سهل الصعلوكي، وقيل: القاضي الباقلاني، وقيل: أبو حامد الإسفرايني، وفي الخامسة
على الغزالي. انتهى. وقال الكرماني: لا مطمح لليقين فيه، فللحنفية أن يقولوا: هو
الحسن بن زياد في الثانية، والطحاوي في الثالثة .. وأمثالهما. وللمالكية أنه: أشهب في
الثانية، وهلم جراً، وللحنابلة أنه: الخلال في الثالثة، والراغوني في الخامسة، إلى غير ذلك،
i
i
٠
فود
١٣٠

١٩٠
٤٠٠
٢ - کتابُ الإِيمانِ / باب (١)
وللمحدثين أنه: يحيى بن معين في الثانية، والنسائي في الثالثة، ونحوهما: ولأولي الأمر أنه
المأمون، والمقتدر والقادر؛ وللزهاد أنه معروف الكرخي في الثانية، والشبلي في الثالثة
ونحوهما، وإن تصحيح الدين متناول لجميع أنواعه، مع أن لفظة: من، تحتمل التعدد في
المصحح، وقد كان قُبيل كل مائة أيضاً من يصحح ويقوم بأمر الدين، وإنما المراد: مَن
انقضت المائة وهو حي عالم مشار إلیه، وليس له في البخاري سوی حدیث واحد، رواه في
الاستقراض من حديث أبي هريرة في الفلس، وفي الرواة أيضاً: عمر بن عبد العزيز بن
عمران بن مقلاص، روى له النسائي فقط. وأما عدي فهو ابن عدي، بفتح العين فيهما، ابن
عميرة، بفتح العين، ابن زرارة ابن الأرقم بن عمر بن وهب بن ربيعة بن الحارث بن عدي، أبو
فروة الكندي الجزري التابعي، روى عن أبيه وعمه العرس بن عميرة، وهما صحابيان، وعنه
الحكم وغيره من التابعين وغيرهم. قال البخاري: هو سيد أهل الجزيرة، ويقال: اختلفوا في أنه
صحابي أم لا، والصحيح أنه تابعي، وسبب الاختلاف أنه روى أحاديث عن النبي عَّة.
مرسلة، فظنه بعضهم صحابياً، وكان عدي عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة والموصل،
واستعمال عمر له يدل على أنه لا صحبة له، لأنه عاش بعد عمر، ولم يبق أحد من الصحابة
إلی خلافته، وتوفي سنة عشرین ومائة. وروی له أبو داود والنسائي وابن ماجه، وليس له في
الصحيحين شيء، ولا في الترمذي. الثاني: أن هذا من تعاليق البخاري، ذكره بصيغة الجزم،
وهو حکم منه بصحته، وأخرجه أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد رسته في (كتاب
الإيمان) تأليفه، فقال: حدثنا ابن مهدي، حدثنا جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم قال:
كتب عمر رضي الله عنه، فذكره. وهذا إسناد صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه):
حدثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم، قال: حدثني عيسى بن عاصم، حدثنا عدي بن عدي،
قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز. أما بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن .... إلى
آخره، ولما فهم البخاري من قول عمر: فمن استكملها ... إلى آخره، أي: أنه قائل بأنه يقبل
الزيادة والنقصان، ذكره في هذا الباب عقيب الآيات المذكورة، وقال الكرماني: لقائل أن
يقول: لا يدل ذلك عليه، بل على خلافه إذ قال: للإِيمان كذا وكذا، فجعل الإيمان غير
الفرائض وأخواتها، وقال: استكملها أي: الفرائض ونحوها لا الإيمان، فجعل الكمال لما
للإيمان، لا للإيمان. قلت: لو وقف الكرماني على رواية ابن أبي شيبة لما قال ذلك، لأن في
روايته جعل الفرائض وأخواتها عين الإيمان على ما لا يخفى، وكذا في رواية ابن عساكر
ههنا، فإن الإيمان فرائض نحو رواية ابن أبي شيبة. وقال بعضهم: وبالأول جاء الموصول. قلت:
جاء الموصول بالأول وبالثاني جميعاً على ما ذكرنا. الثالث في معناه فقوله: ((فرائض)) أي
أعمالاً فريضة، وشرائع أي عقائد ممنوعة وسنناً أي مندوبات، قال الكرماني: وإنما فسرناها
بذلك ليتناول الاعتقاديات والأعمال والتروك واجبة ومندوبة، ولئلا يتكرر؛ وقال ابن المرابط:
الفرائض ما فرض علينا من صلاة وزكاة ونحوها، والشرائع: كالتوجه إلى القبلة، وصفات
الصلاة، وعدد شهر رمضان، وعدد جلد القاذف، وعدد الطلاق إلى غير ذلك. والسنن: ما أمر

١٣٠
١٩١
٢ - كتابُ الإِيمانِ / باب (١)
به الشارع من فضائل الأعمال، فمن أتى بالفرائض والسنن، وعرف الشرائع فهو مؤمن كامل.
قوله: ((فسأبينها)) أي: فسأوضحها لكم إيضاحاً يفهمه كل أحد منكم. فإن قلت: كيف أُخر
بيانها، والتأخير عن وقت الحاجة غير جائز؟ قلت: إنه علم أنهم يعلمون مقاصدها، ولكنه
استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود، وعرفهم أقسام الإيمان مجملاً، وأنه
سيذكرها مفصلاً إذا تفرغ لها فقد يكون مشغولاً بأهم من ذلك.
وقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيٍ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
الكلام فيه على أنواع. الأول: إبراهيم هو ابن آزر وهو تارح، بفتح الراء المهملة وفي
آخره حاء مهملة، فآزر اسم وتارح لقب له، وقيل عكسه. قال ابن هشام: هو إبراهيم بن تارح،
وهو آزر بن ناحور بن ساروح بن ارعو بن فالخ بن عییر ین شالخ بن أرفخشد بن سام بن
نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ بن یرد بن مهلاییل بن قابن بن فانوش بن شیٹ بن آدم
عليه السلام، ولا خلاف عندهم: في عدد هذه الأسماء وسردها على ما ذكرنا، وإن اختلفوا
في ضبطها. وإبراهيم اسم عبراني، قال الماوردي: معناه أب رحيم؛ وكان آزر من أهل حران،
وولد إبراهيم بكوثا من أرض العراق، وكان إبراهيم يتجر في البز، وهاجر من أرض العراق إلى
الشام، وبلغ عمره مائة وخمساً وسبعين سنة، وقيل: مائتي سنة، ودفن بالأرض المقدسة، وقبره
معروف بقرية حبرون، بالحاء المهملة، وهي التي تسمى اليوم ببلدة الخليل. الثاني: أن
معناه: ليزداد، وهو المعنى الذي أراده البخاري، وروى ابن جرير الطبري بسنده الصحيح إلى
سعيد بن جبير قال قوله: ﴿ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: يزداد يقيني، وعن مجاهد
قال: لأزداد إيماناً إلى إيماني، وقيل: بالمشاهدة كأن نفسه طالبته بالرؤية، والشخص قد يعلم
الشيء من جهة ثم يطلبه من أخرى، وقيل: ليطمئن قلبي: أي إذا سألتك أجبتني. وقال
الزمخشري: فإن قلت: كيف قال له: أو لم تؤمن؟ وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً؟ قلت:
ليجيب بما أجاب فيه، لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين، انتهى. قلت: إن فيه فائدتين:
إحداهما: وهي التفرقة بين علم اليقين وعين اليقين، فإن في عين اليقين طمأنينة بخلاف علم
اليقين. والثانية: أن لإدراك الشيء مراتب مختلفة قوة وضعفاً، وأقصاها عين اليقين: فليطلبها
الطالبون. وقال الزمخشري: وبلى، إيجاب لما بعد النفي، ومعناه: بلى آمنت ولكن ليطمئن
قلبي ليزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال، وتظاهر الأدلة أسكن
للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك، بخلاف العلم
الضروري، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك. فإن قلت: بم تعلق اللام
في: ليطمئن؟ قلت: بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب. الثالث: ما
قيل: كان المناسب للسياق أن يذكر هذه الآية عند سائر الآيات، وأجيب: بأن تلك الآيات
دلت على الزيادة صريحا، وهذه تلزم الزيادة منها، ففصل بينهما إشعاراً بالتفاوت.
٠٠٠
١
٠٠٠٪
i
وقالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا تُؤْمِنْ سَاعَةً.
معاذ، بضم الميم: ابن جبل بن عمرو بن أوس بن عايذ، بالياء آخر الحروف والذال
i
i

١٩٢
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
المعجمة، ابن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزید،
بالتاء المثناة من فوق، بن جشم بن الخزرج الأنصاري، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة،
وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، ثم شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله
له، روي له عن رسول الله عَ ل مائة حديث وسبعة وخمسون حديثاً، اتفقا على حديثين،
وانفرد البخاري بثلاثة، وانفرد مسلم بحديث واحد، روى عنه عبد الله بن عمر وعبد الله بن
عباس وعبد الله بن عمرو وأبو قتادة وجابر وأنس وغيرهم، توفي في طاعون عمواس، بفتح
العين المهملة والميم، موضع بين الرملة وبيت المقدس، سنة ثماني عشرة، وقيل: سبع
عشرة، وعمره ثلاث وثلاثون سنة، وهذا الأثر أخرجه رسته عن ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن
جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عنه. وهذا إسناد صحيح، ورواه أبو إسحاق إبراهيم بن
عبد الصمد الهاشمي، عن عبد الجبار بن العلاء، حدثنا وكيع عن الأعمش ومسعر، عن
جامع بن شداد به. قوله: ((نؤمن ساعة))، لا يمكن حمله على أصل الإيمان، لأن معاذاً كان
مؤمناً وأي مؤمن، فالمراد زيادة الإيمان، أي: اجلس حتى نكثر وجوه دلالات الأدلة الدالة على
ما يجب الإيمان به. وقال النووي: معناه نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين، فإن ذلك
إيمان. وقال ابن المرابط: نتذاكر ما يصدق اليقين في قلوبنا، لأن الإيمان هو التصديق بما جاء
من عند الله تعالى. فإن قلت: من هو الذي قال له معاذ اجلس بنا؟ قلت: قالوا: هو الأسود بن
هلال. وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش، عن جامع بن
شداد، عن الأسود بن هلال المحاربي قال: قال لي معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة، يعني نذكر
الله. فإن قلت: روى ابن أبي شيبة أيضاً، عن أبي أسامة، عن الأعمش، عن جامع بن شداد،
عن الأسود بن هلال قال: كان معاذ يقول لرجل من إخوانه: اجلس بنا فلنؤمن ساعة،
فيجلسان يتذاكران الله ويحمدانه. انتهى. فهذا يدل على أن الذي قال له معاذ: إجلس بنا
نؤمن ساعة غير الأسود بن هلال. قلت: يجوز أن يكون قال له مرة، وقال لغيره مرة أخرى.
فافهم.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ.
هو عبد الله بن مسعود بن غافل، بالغين المعجمة والفاء، ابن حبيب بن شمخ بن
مخزوم، ويقال: ابن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن
سعد بن هزيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أبو عبد الرحمن
الهذلي، وأمه أم عبد بنت عبد ود بن سواء من هذيل أيضاً، لها صحبة، أسلم بمكة قديماً،
وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله عَ به، وهو صاحب نعل رسول
اللّه عٍَّ، كان يلبسه إياها فإذا جلس أدخلها في ذراعه. روي له عن رسول الله عَ له ثمانمائة
حديث وثمانية وأربعون حديثاً، اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين،
ومسلم بخمسة وثلاثين، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن بضع وستين سنة، وقيل:
بالكوفة، والأول أصح. وصلى عليه عثمان، وقيل: الزبير، وقيل: عمار بن ياسر. روى له

١٩٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
الجماعة، وأخرج هذا الأثر رسته بسند صحيح عن أبي زهير، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي
ظبيان، عن علقمة عنه قال: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. ثم قال: وحدثنا عبد
الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان بمثله، وأخرجه أبو نعيم في
(الحلية) والبيهقي في (الزهد) حديثه مرفوعاً ولا يثبت رفعه، وروى أحمد في كتاب (الزهد)
عن وكيع، عن شريك، عن هلال، عن عبد الله بن حكيم قال: سمعت ابن مسعود رضي الله
عنه، يقول في دعائه: اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً. قوله: ((اليقين)): هو العلم وزوال الشك،
يقال منه: يقنت الأمر بالكسر يقيناً، وأيقنت واستيقنت وتيقنت، كله بمعنى، وأنا على يقين
منه، وذلك عبارة عن التصديق، وهو أصل الإيمان، فعبر الأصل عن الجميع. كقوله: ((الحج
عرفة)) يعني: أصل الحج ومعظمه عرفة، وفيه دلالة على أن الإيمان يتبعض، لأن كلاً وأجمعاً
لا يؤكد بهما إلاّ ذو أجزاء يصح افتراقها حساً أو حكماً، فعلم أن للإيمان كلاً وبعضاً، فيقبل
الزيادة والنقصان. واعلم أن اليقين من الكيفيات النفسانية، وهو في الإدراكات الباطنة من قسم
التصديقات التي متعلقها الخارجي لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه، وهو علم بمعنى اليقين.
جواد
وقَالَ ابْنُّ عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ الَتَّقَوِى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ في الصَّدْرِ.
عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، القرشي العدوي المكي، وأمه وأم أخته
حفصة: زينب بنت مظعون، أخت عثمان بن مظعون. أسلم بمكة قديماً مع أبيه وهو صغير،
وهاجر معه، ولا يصح قول من قال: إنه أسلم قبل أبيه وهاجر قبله، واستصغر عن أحد، وشهد
الخندق وما بعدها، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، وأحد العبادلة الأربعة،
وثانيهم: ابن عباس، وثالثهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، ورابعهم: عبد الله بن الزبير. ووقع
في (مبهمات) النووي وغيرها: أن الجوهري أثبت ابن مسعود منهم، وحذف ابن عمرو،
ولیس کما ذكره كما ذكرناه فيما مضى، ووقع في (شرح الرافعي) في الجنايات: عد ابن
مسعود منهم، وحذف ابن الزبير وابن عمرو بن العاص، وهو غريب منه، روي له الفا حديث
وستمائة وثلاثون حديثاً، اتفقا منهما على مائة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأحد وثمانين،
ومسلم بأحد وثلاثين، وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة، مات بفخ، بالفاء والخاء
المعجمة، موضع بقرب مكة، وقيل: بذي طوى، سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين سنة، بعد
قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستة، عن أربع، وقيل: ست وثمانين سنة. قال يحيى بن
بكير: توفي بمكة بعد الحج، ودفن بالمحصب. وبعض الناس يقولون: بفخ، قلت: وقيل:
بسرف، وكلها مواضع بقرب مكة بعضها أقرب إلى مكة من بعض؛ قال الصغاني: فخ وادي
الزاهر؛ وصلى عليه الحجاج. وفي الصحابة أيضاً عبد الله بن عمر حرمي، يقال: إن له
صحبة، يروى عنه حديث في الوضوء وقد روى مسلم معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما،
من حديث النواس بن سمعان قال: ((سألت رسول الله عَ ل عن البر والإثم فقال: ((البر حسن
الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)). قوله: ((التقوى)) هي
الخشية. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا﴾ [لقمان: ٣٣] ومثله في أول
مدة القاري /ج١
٠٠٠

١٩٤
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١)
الحج والشعراء ﴿إِذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون﴾ [الشعراء: ١٠٦] يعني: ألا تخشون
الله؟ وكذلك قول هود وصالح ولوط وشعيب لقومهم، وفي العنكبوت: ﴿وإبراهيم إذ قال
لقومه اعبدوا الله واتقوه﴾ [العنكبوت: ١٦] يعني: اخشوه، و﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل
عمران: ١٠٢] ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس
عن نفس﴾ [البقرة: ٤٨ و١٢٣] وحقيقة التقوى أن يقي نفسه تعاطي ما تستحق به العقوبة
من فعلٍ أو ترك، وتأتي في القرآن على معان: الإيمان نحو قوله تعالى: ﴿وألزمهم كلمة
التقوى﴾ [الفتح: ٢٦] أي التوحيد، والتوبة نحو قوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا
واتقوا﴾ [الأعراف: ٩٦] أي تابوا؛ والطاعة نحو ﴿أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون﴾
[النحل: ٢] وترك المعصية نحو قوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله﴾ [البقرة:
١٨٩] أي: ولا تعصوه، والإخلاص نحو قوله تعالى: ﴿فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج:
٣٢] أي من إخلاص القلوب. فإن قلت: ما أصله؟ قلت: أصله من الوقاية، وهو فرط الصيانة،
ومنه المتقي: اسم فاعل من وقاه الله فاتقى، والتقوى والتقى واحد، والواو مبدلة من الياء،
والتاء مبدلة من الواو، إذ أصله: وقيا، قلبت الياء واواً فصار وقوى، ثم أبدلت من الواو تاء
فصار: تقوى، وإنما أبدلت من الياء واواً في نحو: تقوى، ولم تبدل في نحو: ريا، لأن ريا
صفة، وإنما يبدلون الياء في: فعلى، إذا كان اسما والياء موضع اللام: كشروى من شريت،
وتقوى لأنها من التقية، وإن كانت صفة تركوها على أصلها. قوله: ((حتى يدع)) أي: يترك،
قال الصرفيون: وأماتوا ماضي: يدع، ويذر، ولكن جاء ﴿ما ودعك ربك﴾ [الضحى: ٣]
بالتخفيف. قوله: ((حاك)) بالتخفيف من: حاك يحيك، ويقال: حك يحك، وأحاك يحيك،
يقال: ما يحيك فيه الملام، أي: ما يؤثر. وقال شمر: الحائك الراسخ في قلبك الذي يهمك.
وقال الجوهري: حاك السيف وأحاك بمعنى، يقال: ضربه فما حاك فيه السيف، إذا لم يعمل
فيه، فالحيك أخذ القول في القلب، وفي بعض نسخ المغاربة صوابه: ما حك، بتشديد
الكاف، وفي بعض نسخ العراقية: ما حاك، بالتشديد من المحاكة. وقال النووي: ما حاك،
بالتخفيف، هو ما يقع في القلب ولا ينشرح له صدره وخاف الإثم فيه. وقال التيمي: حاك
في الصدر أي: ثبت، فالذي يبلغ حقيقة التقوى تكون نفسه متيقنة للإيمان سالمة من
الشكوك. وقال الكرماني: حقيقة التقوى أي: الإيمان، لأن المراد من التقوى وقاية النفس عن
الشرك، وفيه إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغوا إلى كنه الإيمان، وبعضهم لا، فتجوز الزيادة
والنقصان، وفي بعض الروايات قال: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان بدل التقوى.
وقالَ مُجَاهِدٌ: شَرَعَ لَكُمْ: أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّهُ دِيناً واحِداً.
مجاهد: هو ابن جبر، بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وفي آخره راء، ويقال: جبير،
والأول أصح، المخزومي، مولى عبد الله بن السائب المخزومي وقيل غيره، سمع ابن عباس
وابن عمر وأبا هريرة وجابراً وعبد الله بن عمرو وغيرهم، قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن
عباس ثلاثين مرة، واتفقوا على توثيقه وجلالته، وهو إمام في الفقه والتفسير والحديث، مات

١٩٥
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢)
سنة مائة، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: أربع ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، بمكة،
وهو ساجد. روى له الجماعة، وأخرج أثره هذا عبد بن حميد في تفسيره بسند صحيح، عن
شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه. ورواه ابن المنذر بإسناده بلفظة: وصاه. قوله:
((وإياه) يعني نوحاً عليه السلام، أي: هذا الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة، من زيادة
الإيمان ونقصانه، هو شرع الأنبياء عليهم السلام، الذين قبل نبينا معَ له كما هو شرع نبينا، لأن
الله سبحانه وتعالى، قال: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما
وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى﴾ [الشورى: ١٣] ويقال: جاء نوح عليه السلام، بتحريم
الحرام وتحليل الحلال، وهو أول من جاء من الأنبياء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات،
ونوح أول نبي جاء بعد إدريس عليه السلام، وقد قيل: إن الذي وقع في أثر مجاهد
تصحيف، والصواب: أوصيناك يا محمد وأنبياءه، وكيف يقول مجاهد بإفراد الضمير لنوح
وحده، مع أن في السياق ذكر جماعة؟ قلت: ليس بتصحيف، بل هو صحيح، ونوح أفرد في
الآية، وبقية الأنبياء عليهم السلام، عطفت عليه وهم داخلون فيما وصى به نوحاً، وكلهم
مشتركون في هذه الوصية، فذكر واحد منهم يغني عن الكل، على أن نوحاً أقرب المذكورين
وهو أولى بعود الضمير إليه فافهم.
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجَا﴾ [المائدة: ٤٨] سَبِيلاً وَسُنَّةً.
يعني: عبد الله بن عباس، فسر قوله تعالى: ﴿شرعة ومنهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] بالسبيل
والسنة، وقال الجوهري: النهج: الطريق الواضح، وكذا المنهاج، والشرعة: الشريعة، ومنه قوله
تعالى: ﴿لِكُلِّ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا﴾ [المائدة: ٤٨] والشريعة ما شرعه الله لعباده من
الدين؛ وقد شرع لهم يشرع شرعاً أي: سن، فعلى هذا هو من باب اللف والنشر الغير
المرتب، وفي بعض النسخ سنة وسبيلاً فهو مرتب وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة
شرعة ومنهاجا قال الدين واحد والشريعة مختلفة قال بعضهم: الشرعة الدين والمنهاج الطريق،
وقيل: هما جميعاً الطريق، والطريق هنا الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ يؤكد بها
القصة. وقال محمد بن يزيد: شرعة: معناها ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق المستمر. واثر
ابن عباس هذا أخرجه الأزهري في (تهذيبه) عن ابن ماهك، عن حمزة، عن عبد الرزاق، عن
الثوري، عن أبي إسحاق، عن التميمي يعني أربدة (١)، عن ابن عباس رضي الله عنهما به. فإن
قلت: في الآيتين تعارض، لأن الآية الأولى تقتضي اتحاد شرعة الأنبياء، والثانية تقتضي أن
لكل نبي شرعة. قلت: لا تعارض، لأن الاتحاد في أصول الدين، والتعدد في فروعه، فعند
اختلاف المحل لا يثبت التعارض.
١ - باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ
يعني: فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ [الفرقان:
(١) هو بسكون الراء بعدها موحدة مكسورة ويقال: أريد التميمي المفسر.
١
i
i
i
i

١٩٦
..
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢)
٧٧] فقال: المراد من الدعاء الإيمان، فمعنى دعاؤكم إيمانكم. وأخرجه ابن المنذر بسنده إليه
أنه قال: لولا دعاؤكم، لولا إيمانكم، وقال ابن بطال: لولا دعاؤكم الذي هو زيادة في إيمانكم.
قال النووي: وهذا الذي قاله حسن، لأن أصل الدعاء النداء والاستغاثة، ففي (الجامع) سئل
ثعلب عنه فقال: هو النداء. ويقال: دعا الله فلان بدعوة فاستجاب له. وقال ابن سيده: هو
الرغبة إلى الله تعالى. دعاه دعاء ودعوى حكاها سيبويه. وفي (الغريبين): الدعاء الغوث، وقد
دعا أي: استغاث قال تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]، وقال بعض الشارحين:
قال البخاري: ومعنى الدعاء في اللغة الإيمان ينبغي أن يثبت فيه، فإني لم أره عند أحد من
أهل اللغة. وقال الكرماني: تفسيره في الآيتين يدل على أنه قابل للزيادة والنقصان. أو أنه
سمى الدعاء: إيماناً، والدعاء عمل. واعلم أن من قوله: وقال ابن مسعود، إلى هنا، غير ظاهر
الدلالة على الدعوى، وهو موضع بحث ونظر. وقال النووي: اعلم أنه يقع في كثير من نسخ
البخاري: هذا باب دعاؤكم إيمانكم إلى آخر الحديث بعده، وهذا غلط فاحش، وصوابه ما
ذكرناه أولاً، وهو: دعاؤكم إيمانكم. ولا يصح إدخال باب هنا لوجوه. منها: أنه ليس له تعلق
بما نحن فيه. ومنها: أنه ترجم أولاً بقوله عَ له: ((بني الإسلام))، ولم يذكره قبل هذا وإنما
ذكره بعده. ومنها: أنه ذكر الحديث بعده وليس هنا مطابقاً للترجمة. وقال الكرماني: وعندنا
نسخة مسموعة على الفربري، وعليها خطه، وهو هكذا: دعاؤ کم إیمانکم، بلا باب ولا واو.
قلت: رأيت نسخة عليها خط الشيخ قطب الدين الحلبي الشارح، وفيها: باب دعاؤكم
إيمانكم، وقال صاحب (التوضيح): وعليه مشى شيخنا في شرحه، وليس ذلك بجيد لأنه ليس
مطابقاً للترجمة.
٨/١ - حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قالَ: أخْبَرَنَا حَنْظَةُ بنُ أَبِي سُفْيَان عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ
خَالِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عنهما قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَ لِّ: ((بُنِيَّ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ:
شَهَادَةٍ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ والحجُّ وَصَوْمٍ
رَمَضَانَ)).
هذا الحديث هو ترجمة الباب، وقد ذكرنا أن الصحيح أنه ليس بينه وبين قوله: باب
قول النبي عَ له: ((بني الإسلام على خمس)) باب آخر، فافهم. وقال النووي: أدخل البخاري
هذا الحديث في هذا الباب لينبىء أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قد
یکون بمعنی واحد ..
بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: عبيد الله بن موسى بن باذام، بالباء الموحدة والذال
المعجمة، وهو لفظ فارسي، ومعناه: اللوز، العبسي، بفتح العين المهملة وتسكين الباء
الموحدة، مولاهم الكوفي الثقة، سمع الأعمش وخلقاً من التابعين، وعنه البخاري وأحمد
وغيرهما، وروى مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن رجل عنه، وكان عالماً بالقرآن رأساً فيه،
توفي بالاسكندرية سنة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة ومائتين. وقال ابن قتيبة في (المعارف):
كان عبيد الله يسمع ويروي أحاديث منكرة، فضعف بذلك عند كثير من الناس. وقال

1-
١٩٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢)
النووي: وقع في (الصحيحين) وغيرهما من كتب أئمة الحديث، الاحتجاج بكثير من
المبتدعة غير الدعاة إلى بدعتهم، ولم تزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم
والاستدلال بها والسماع منهم واسماعهم من غير إنكار.
الثاني: حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن
حذافة بن جمح الجمحي المكي القرشي الثقة الحجة، سمع عطاء وغيره من التابعين، وعنه
الثوري وغيره من الأعلام، مات سنة إحدى وخمسين ومائة، روی له الجماعة وقد قال قطب
الدين: إلاَّ ابن ماجة، وليس بصحيح، بل روى له ابن ماجة أيضاً، كما نبه عليه المزي.
الثالث: عكرمة بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن
مخزوم، القرشي المخزومي المكي، الثقة الجليل، سمع ابن عمر وابن عباس وغيرهما، روى
عن عمرو بن دينار وغيره من التابعين، مات بمكة بعد عطاء، ومات عطاء سنة أربع عشرة أو
خمس عشرة ومائة، والعاصي جده هو أخو أبي جهل، قتله عمر رضي الله عنه، بيدر كافراً،
وهو خال عمر على قول، وفي الصحابة عكرمة ثلاثة لا رابع لهم: ابن أبي جهل المخزومي،
وابن عامر العبدري، وابن عبيد الخولاني. وليس في (الصحيحين) من اسمه عكرمة إلاَّ هذا،
وعكرمة ابن عبد الرحمن، وعكرمة مولى ابن عباس، وروى مسلم للأخير مقروناً، وتكلم فيه
لرأيه. وعكرمة بن عمار أخرج له مسلم في الأصول، واستشهد به البخاري في كتاب البر
والصلة. قلت: وفي طبقة عكرمة بن خالد بن العاصي: عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام بن
المغيرة المخزومي، وهو ضعيف، ولم يخرج له البخاري، وهو لم يرو عن ابن عمر، وينبغي
التنبيه لهذا فإنه موضع الاشتباه. الرابع: عبد الله بن عمر، وقد ذکر عن قريب.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن أسناده كلهم
مكيون إلاَّ عبيد الله فإنه كوفي، وكله على شرط الستة، إلاّ عكرمة بن خالد، فإن ابن ماجة
لم يخرج له. ومنها: أنه من رباعيات البخاري، ولمسلم من الخماسيات، فعلا البخاري
برجل.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير، وقال فيه: وزاد
عثمان، عن ابن وهب، أخبرني: فلان وحیوة بن شریح، عن بکیر بن عبد الله بن الأشج، عن
نافع، عن ابن عمر. وأخرجه مسلم في الإيمان. عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن
حنظلة به؛ وعن ابن معاذ، عن أبيه، عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن
أبيه، عن جده، وعن ابن نمير، عن أبي خالد الأحمر، عن سعد بن طارق، عن سعد بن عبيد،
عن ابن عمر؛ وعن سهل بن عثمان، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن طارق به.
فوقع لمسلم من جميع طرقه خماسياً، وللبخاري رباعياً كما ذكرنا، وزاد في مسلم في روايته
عن حنظلة قال: سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوساً أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر: ألا
تغز؟ فقال: إني سمعت ... فذكر الحديث. وقال البيهقي: اسم الرجل السائل: حكيم.
٠٠٠٩
جود
i
i
i
حدة

.-.
١٩٨
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢)
بيان اللغات: قوله: ((بني) من بنى بيني بناء، يقال: بنى فلاناً بيتاً من البنيان، ويقال:
بنيته بناء وبني، بكسر الباء، وبني بالضم وبنية. قوله: ((وإقام الصلاة)) فعلة من: صلى،
كالزكاة من: زكى، قال الزمخشري: وكتبتها بالواو على لفظ المفخم، وحقيقة: صلى، حرك
الصلوين، لأن المصلي يفعل ذلك. قلت: الصلوان تثنية الصلا، وهو ما عن يمين الذنب
وشماله، هذا أحد معاني الصلاة، في اللغة. والثانية: الدعاء، قال الأعشى:
وقابلها الريح في دنها
وصلى على دنها وآرتسم
والثالثة: من صليت العصا بالنار إذا لينتها وقومتها، فالمصلي كأنه يسعى في تعديلها
وإقامتها. والرابعة: من صليت الرجل النار: إذا أدخلته النار، أو من: جعلته يصلاها، أي:
يلازمها؛ فالمصلي يدخل الصلاة ويلازمها. قوله: ((وإيتاء الزكاة)) أي: إعطائها من أتاه إيتاء.
وأما آتيته أتيا وإتياناً فمعناه: جئته، والزكاة في اللغة عبارة عن الطهارة، قال تعالى: ﴿قد أفلح
من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤] أي: تطهر، وعن النماء يقال: زكا الزرع إذا نما، قال الجوهري:
زكا الزرع يزكو زكاء، ممدوداً، أي، نما؛ وهذا الأمر لا يزكو بفلان، أي: لا يليق به. ويقال:
زكا الرجل يزكو زكواً: إذا تنعم وكان في خصب، وزكى ماله تزكية: إذا أدى عنه زكاته،
وتزكى أي: تصدق، وزكى نفسه تزكية: مدحها. وفي الشريعة: عبارة عن إيتاء جزء من
النصاب الحولي إلى فقير غير هاشمي، ويراعى فيها معانيها اللغوية، وذلك أن المال يطهر
بها، أو يطهره صاحبه، أو هي سبب نمائه وزيادته. قوله: ((والحج)) في اللغة: القصد، وأصله
من قولك: حججت فلاناً أحجه حجاً: إذا عدت إليه مرة بعد أخرى، فقيل: حج البيت، لأن
الناس يأتونه في كل سنة، ومنه قول المخبل السعدي:
وأشهد من عوف حؤولاً كثيرة
يحجون سِبَّ الزبرقان المزعفرا
یقول: یأتونه مرة بعد أخرى لسؤدده، والسب، بكسر السين المهملة وتشديد الباء
الموحدة: شقة من كتان رقيقة، وأراد به: العمامة ههنا، قال الصغاني: هذا الأصل، ثم تعورف
استعماله في القصد إلى مكة، حرسها الله تعالى، للنسك. حججت البيت أحجه حجاً فأنا
حاج، ويجمع على حجج، مثال: بازل وبزل، والحجج، بالكسر؛ الاسم، والحجة: المرة
الواحدة، وهذا من الشواذ، لأن القياس بالفتح. وفي الشريعة: هو قصد مخصوص في وقت
مخصوص إلى مكان مخصوص. قوله: ((وصوم رمضان)) الصوم في اللغة: الإمساك عن
الطعام، وقد صام الرجل صوماً وصياماً، وقوم صُوَّم بالتشديد، وصيم أيضاً، ورجل صومان،
أي: صائم. وصام الفرس صوماً، أي: قام على غير اعتلاف. قال النابغة:
خيل صيام، وخيل غير صائمة
تحت العجاج، وأخرى تعلك اللجما
وصام النهار صوماً إذا قام قائم الظهيرة واعتدل، والصوم: ركود الريح، والصوم:
السكوت قال تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ [مريم: ٢٦] قال ابن عباس: صمتا. وقال
أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم، والصوم: ذرق النعامة، والصوم:

١٩٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢)
البيعة، والصوم: شجر في لغة هذيل. وفي الشريعة: إمساك عن المفطرات الثلاث نهاراً مع
النية، وتفسير رمضان قد مر مرة.
بيان الصرف: قوله: ((بني)) فعل ماض مجهول. قوله: ((وإقام الصلاة)) أصله: إقوام،
لأنه من أقام يقيم، حذفت الواو فصار إقاماً، ولكن القاعدة أن يعوض عنها التاء فيقال إقامة،
وقال أهل الصرف: لزم الحذف والتعويض في نحو: إجارة واستجارة، فإن قلت: فلم لم
يعوض ههنا؟ قلت: المراد من التعويض هو أن يكون بالتاء وغيرها نحو الإضافة، فإن المضاف
إليه ههنا عوض عن المحذوف، وفي التنزيل: ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة﴾
[الأنبياء: ٧٣]. قوله: ((وإيتاء))من: آتى بالمد.
بيان الإعراب: قوله: ((الإسلام)) مرفوع لإسناد بني إليه، وقد ناب عن الفاعل. وقوله:
(على)) يتعلق بقوله: بني. قوله: ((خمس)) أي: خمس دعائم، وصرح به عبد الرزاق في روايته،
أو قواعد أو خصال، ويروى: خمسة، وهكذا رواية مسلم، والتقدير: خمسة أشياء، أو: أركان،
أو: أصول. ويقال: إنما حذف الهاء لكون الأشياء لم تذكر، كقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن
أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي عشرة أشياء، وكقوله عليه الصلاة والسلام: ((من صام
رمضان فأتبعه ستا)) ونحو ذلك: قلت: ذكر النحاة أن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء
وتأنيثها بسقوط التاء إذا كان المميز مذكوراً، أما إذا لم يذكر فيجوز الأمران. قوله:
«شهادة))، مجرور لأنه بدل من قوله: خمس، بدل الكل من الكل، ويجوز رفعه على أن
يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: وهي شهادة أن لا إله إلا الله، ويجوز نصبه على تقدير: أعني
شهادة أن لا إله إلا الله. قوله: ((أن)) بالفتح مخففة من المثقلة، ولهذا عطف عليه: وأن
محمداً رسول الله. قوله: ((وإقام) بالجر عطف على شهادة أن لا إله إلا الله، وما بعده عطف
عليه.
بيان المعاني والبيان: قوله: ((بني)) إنما طوى ذكر الفاعل لشهرته، وفيه: الاستعارة
بالكناية، لأنه شبه الإسلام بمبنى له دعائم، فذكر المشبه وطوى ذكر المشبه به، وذكر ما هو
من خواص المشبه به وهو البناء، ويسمى هذا: استعارة ترشيحية، ويجوز أن يكون: استعارة
تمثيلية، بأن تمثل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة،
وقطبها الذي تدور عليه الأركان هو شهادة أن لا إله إلا الله، وبقية شعب الإيمان كالأوتاد
للخباء؛ ويجوز أن تكون الاستعارة تبعية، بأن تقدر الاستعارة في بني، والقرينة الإسلام. شبه
ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثم تسري
الاستعارة من المصدر إلى الفعل، وقد علمت أن الاستعارة التبعية تقع أولاً في المصادر
ومتعلقات معاني الحروف، ثم تسري في الأفعال والصفات والحروف. والأظهر أن تكون:
استعارة مكنية، بأن تكون الاستعارة في الإسلام، والقرينة بني على التخييل بأن شبه الإسلام
بالبيت، ثم خيل كأنه بيت على المبالغة، ثم أطلق الإسلام على ذلك المخيل، ثم خيل له ما
يلازم البيت المشبه به من البناء، ثم أثبت له ما هو لازم البيت من البناء على الاستعارة
١

٠-
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢)
٢٠٠
التخييلية، ثم نسب إليه ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة. قوله: ((وإقام الصلاة)) كناية عن
الإتيان بها بشروطها وأركانها. قوله: ((وإيتاء الزكاة)) فيه شيئان: أحدهما: إطلاق الزكاة الذي
هو في الأصل مصدر، أو اسم مصدر على المال المخرج للمستحق. والآخر: حذف أحد
المفعولين للعلم به، لأن الإيتاء متعدٍ إلى مفعولين، والتقدير إيتاء الزكاة مستحقيها. قوله:
((والحج))، فيه حذف أيضاً، أي: وحج البيت، والألف واللام فيه بدل من المضاف إليه.
قوله: ((وصوم رمضان)) فيه حذف أيضاً أي: وصوم شهر رمضان، فإن قلت: ما الإضافة
فيهما؟ قلت: إضافة الحکم إلی سببه، لأن سبب الحج البیت، ولهذا لا یتکرر لعدم تکرر
البيت، والشهر يتكرر فيتكرر الصوم.
بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: يفهم من ظاهر الحديث أن الشخص
لا يكون مسلماً عند ترك شيء منها، لكن الإجماع منعقد على أن العبد لا يكفر بترك شيء
منها، وقتل تارك الصلاة عند الشافعي وأحمد إنما هو حداً لا كفراً، وإن كان روي عن أحمد،
وبعض المالكية كفراً. وقوله عليه السلام: ((من ترك صلاة متعمداً فقد كفر)) محمول على
الزجر والوعيد، أو مؤول، أي: إذا كان مستحلاً، أو المراد كفران النعمة. الثاني: إن هذه
الأشياء الخمسة من فروض الأعيان، لا تسقط بإقامة البعض عن الباقين. الثالث: فيه جواز
إطلاق رمضان من غير ذكر شهر خلافاً لمن منع ذلك على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
الأسئلة والأجوبة: الأول: ما قيل: ما وجه الحصر في هذه الخمسة؟ وأجيب: بأن
العبادة إما قولية وهي: الشهادة، أو غير قولية فهي إما تركي وهو: الصوم أو فعلي وهو: إما
بدني وهو: الصلاة، أو مالي وهو: الزكاة، أو مركب منهما وهو: الحج. الثاني: ما قيل: ما
وجه الترتيب بينها؟ وأجيب: بأن: الواو، لا تدل على التركيب، ولكن الحكمة في الذكر أن
الإيمان أصل للعبادات، فتعين تقديمه، ثم الصلاة لأنها عماد الدين، ثم الزكاة لأنها قرينة
الصلاة، ثم الحج للتغليظات الواردة فيه ونحوها، فبالضرورة يقع الصوم آخراً. الثالث: ما
قيل: الإسلام هو الكلمة فقط، ولهذا يحكم بإسلام من تلفظ بها، فلِمَ ذكر الأخوات معها؟
وأجيب: تعظيماً لأخواتها. وقال النووي: حكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما
أضيف إليهما: الصلاة ونحوها، لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم إسلامه،
وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله. الرابع: ما قيل: فعلى هذا التقدير الإسلام هو
هذه الخمسة، والمبني لا بد أن يكون غير المبني عليه، أجيب: بأن الإسلام عبارة عن
المجموع، والمجموع غير كل واحد من أركانه. الخامس: ما قيل: الأربعة الأخيرة مبنية
على الشهادة إذ لا يصح شيء منها إلاّ بعد الكلمة، فالأربعة مبنية والشهادة مبني عليها، فلا
يجوز إدخالها في سلك واحد؟ أجيب: بأنه لا محذور في أن يُبنى أمر على أمر، ثم الأمر أن
يكون عليهما شيء آخر، ويقال: لا نسلم أن الأربعة مبنية على الكلمة، بل صحتها موقوفة
عليها، وذلك غير معنى بناء الإسلام على الخمس، وقال التيمي: قوله: ((بني الإسلام على
خمس)) كان ظاهره أن الإسلام مبني على هذه، وإنما هذه الأشياء مبنية على الإسلام لأن
١٠