النص المفهرس
صفحات 121-140
!١٣٧ 199 ١٢١ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) استنباط الفوائد: منها: الدلالة على وجود الملائكة رداً على زنادقة الفلاسفة. ومنها: إظهار قدرة الله تعالى، إذ جعل الهواء للملائكة يتصرفون فيه كيف شاؤوا، كما جعل الأرض لبني آدم يتصرفون فيها كيف شاؤوا، فهو ممسكها بقدرته، ومنها: أنه عبر بقوله: «فحمي))، تتميماً للتمثيل الذي مثلت به عائشة أولاً، وهو كونها جعلت الرؤيا كمثل فلق الصبح، فإن الضوء لا يشتد إلاَّ مع قوة الحر، وألحق ذلك بتتابع لئلا يقع التمثيل بالشمس من كل الجهات، لأن الشمس يلحقها الأفول والكسوف ونحوهما، وشمس الشريعة باقية على حالها لا يلحقها نقص. وتابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح وتابعه هلال بن رداد عن الزهري وقال يونس ومعمر بوادره. تابعه فعل ومفعول. ((وعبد الله)) فاعله، والضمير يرجع إلى يحيى بن بكير شيخ البخاري المذكور في أول الحديث المذكور آنفاً، وقوله: ((أبو صالح)) عطف على عبد الله بن يوسف، وهو أيضاً تابع يحيى بن بكير، والحاصل: أن عبد الله بن يوسف، وأبا صالحاً تابعا يحيى بن بكير. فالرواية عن الليث بن سعد، فرواه عن الليث ثلاثة: يحيى بن بكير، وعبد الله بن یوسف، وأبو صالح، أما متابعة عبد الله بن یوسف لیحیی بن بکیر في روایته عن الليث بن سعد فأخرجها البخاري في: التفسير والأدب، وأخرجه مسلم في: الإيمان، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به. والترمذي في التفسير، عن عبد الله بن حميد، عن عبد الرزاق به. وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي في التفسير أيضاً، عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي به، وعن محمد بن رافع، عن محمد بن المثنی، عن الليث، عن ابن شهاب به. وأما رواية أبي صالح، عن الليث بهذا الحديث فأخرجها يعقوب بن سفيان في (تاريخه) عنه مقروناً بيحيى بن بكير. قوله: ((وتابعه هلال بن رداد)» أي: تابع عقيل بن خالد هلال بن رداد، عن محمد بن مسلم الزهري. فإن قلت: كيف أعید الضمير المنصوب في: وتابعه، إلى عقيل، وربما يتوهم أنه عائد إلى أبي صالح، أو إلى عبد الله بن يوسف لكونهما قريبين منه؟ قلت: قوله: ((عند الزهري)) هو الذي عين عود الضمير إلى عقيل، ودفع التوهم المذكور لأن الذي روى عن الزهري في الحديث المذكور هو عقيل، والحاصل أن هلال بن رداد روی الحدیث المذکور عن الزهري، کما رواه عقيل بن خالد عنه، وحديثه في (الزهريات) للذهلي، وهذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة. والفرق بين المتابعتين: أن المتابعة الأولى أقوى لأنها متابعة تامة، والمتابعة الثانية أدنى من الأولى لأنها متابعة ناقصة، فإذا كان أحد الراويين رفيقاً للآخر من أول الإسناد إلى آخره تسمى: بالمتابعة التامة، وإذا كان رفيقاً له لا من الأول، يسمى: بالمتابعة الناقصة. ثم النوعان ربما يسمى المتابع عليه فيهما، وربما لا يسمى، ففي المتابعة الأولى لم يسم المتابع عليه: وهو الليث، وفي الثانية يسمى المتابع عليه: وهو الزهري؛ فقد وقع في هذا الحديث المتابعة التامة، والمتابعة الناقصة، ولم يسم المتابع عليه في الأولى وسماه في الثانية على ما لا يخفى. وقال ١٢٢ باب ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) النووي: ومما يحتاج إليه المعتني (بصحيح البخاري). فائدة: ننبه عليها وهي أنه: تارة يقول تابعه مالك عن أيوب، وتارة يقول تابعه مالك ولا يزيد، فإذا قال: مالك عن أيوب فهذا ظاهر، وأما إذا اقتصر على: تابعه مالك، فلا يعرف لمن المتابعة إلاَّ من يعرف طبقات الرواة ومراتبهم؛ وقال الكرماني: فعلى هذا لا يعلم أن عبد الله يروي عن الليث أو عن غيره. قلت: الطريقة في هذا أن تنظر طبقة المتابع، بكسر الباء، فتجعله متابعاً لمن هو في طبقته بحیث یکون صالحاً لذلك، ألا ترى كيف لم يسم البخاري المتابع عليه في المتابعة الأولى وسماه في الثانية؟ فافهم. ٠٠٠ قوله: ((وقال يونس ومعمر: بوادره)» مراده: أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذه اللفظة، فروى عقيل عن الزهري في الحديث: ((يرجف فؤاده))، كما مضى، وتابعه على هذه اللفظة هلال بن رداد، وخالفه يونس ومعمر، فروى عن الزهري: ((يرجف فؤاده)). بيان رجاله: وهم ستة. الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي، شيخ البخاري، وقد ذكر. الثاني: أبو صالح، قال أکثر الشراح: هو عبد الغفار بن داود بن مهران بن زیاد بن داود بن ربيعة بن سليمان بن عمير البكري الحراني ولد بأفريقية سنة أربعين ومائة، وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة، وكانت أمه من أهلها فنشأ بها وتفقه، وسمع الحديث من حماد بن سلمة، ثم رجع إلى مصر مع أبيه، وسمع من الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهما، وسمع بالشام إسماعيل بن عياش، وبالجزيرة موسى بن أعين، واستوطن مصر وحدث بها، وكان يكره أن يقال له: الحراني، وإنما قيل له: الحراني، لأن أخويه عبد الله وعبد الرحمن ولدا بها ولم يزالا بها، وحران، مدينة بالجزيرة من ديار بكر، واليوم خراب، سميت: بحران بن آزر، أخي إبراهیم، عليه الصلاة والسلام؛ روى عنه: یحیی بن معین، والبخاري، وروى أبو داود عن رجل عنه، وخرج له النسائي، وابن ماجة. ومات بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين، وقال بعضهم: هذا وهم، وإنما هو أبو صالح عبد الله بن صالح، كاتب الليث المصري، ولم يتبين لي وجهه في الترجيح، لأن البخاري روى عن كليهما. الثالث: هلال بن رداد، براء ثم دالين مهملتين الأولى منهما مشددة، وهو طائي حمصي، أخرج البخاري هنا متابعة لعقيل، وليس له ذكر في البخاري إلاّ في هذا الموضع، ولم يخرج له باقي الكتب الستة، روى عن الزهري، وعنه ابنه أبو القاسم محمد، قال الذهلي: كان كاتباً لهشام، ولم يذكره البخاري في (تاريخه) ولا ابن أبي حاتم في كتابه، وإنما ذكر ابن أبي حاتم، ثم ولده محمداً، إذ ليس له ذكر في الكتب الستة. قال ابن أبي حاتم: هلال بن رداد مجهول، ولم يذكره الكلاباذي في (رجال الصحيح) رأساً. الرابع: محمد بن مسلم الزهري، وقد مر ذكره. الخامس: يونس بن يزيد بن مشكان بن أبي النجاد، بكسر النون، الأيلي، بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف، القرشي، مولى معاوية بن أبي سفيان، سمع خلقاً من التابعين. منهم: القاسم وعكرمة وسالم ونافع والزهري وغيرهم، وعنه الأعلام: جرير بن حازم، وهو تابعي، فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والأوزاعي والليث وخلق. مات سنة تسع وخمسين ومائة بمصر، روى له الجماعة. ١٣٠ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) ١٢٣ وفي: يونس، ستة أوجه: ضم النون، وكسرها، وفتحها مع الهمزة، وتركها؛ والضم بلا همزة أفصح. السادس: أبو عروة معمر بن أبي عمرو بن راشد الأزدي الحراني، مولاهم، عالم اليمن، شهد جنازة الحسن البصري، وسمع خلقاً من التابيعن منهم: عمرو بن دينار، وأيوب، وقتادة، وعنه جماعة من التابعين منهم: عمرو بن دينار، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب، ويحيى بن أبي كثير، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ قال عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومائة، عن ثمان وخمسين سنة، وله أوهام كثيرة احتملت له. قال أبو حاتم: صالح الحديث، وما حدث به بالبصرة ففيه أغاليط، وضعفه يحيى بن معين في روايته عن ثابت، ومعمر، بفتح الميمين وسكون العين، وليس في الصحيحين: معمر بن راشد، غير هذا، بل ليس فيهما من اسمه معمر، غيره. نعم في (صحيح البخاري) معمر بن يحيى بن سام الضبي، وقيل: إنه بتشديد الميم، روی له البخاري حديثاً واحداً في الغسل، وفي الصحابة معمر ثلاثة عشر، وفي الرواة معمر في الكتب الأربعة ستة، وفيها معمر بالتشديد بخلف خمسة، وفي غيرها خلق: معمر بن بكار شيخ لمطين، في حديثه وهم، ومعمر بن أبي سرح مجهول، ومعمر بن الحسن الهذلي مجهول وحديثه منكر، ومعمر بن زائدة لا يتابع على حديثه، ومعمر بن زيد مجهول، ومعمر بن أبي سرح مجهول، ومعمر بن عبد الله عن شعبة لا يتابع على حديثه؛ والله أعلم. فائدة: أبو صالح في الرواة في مجموع الكتب الستة أربعة عشر: أبو صالح عبد الغفار. أبو صالح عبد الله بن صالح وقد ذكرناهما. أبو صالح الأشعري الشامي. أبو صالح الأشعري أيضاً، ويقال الأنصاري. أبو صالح الحارثي. أبو صالح الحنفي، اسمه عبد الرحمن بن قيس، ويقال إنه ماهان. أبو صالح الحوري، لا يعرف اسمه. أبو صالح السمان، اسمه ذکوان. أبو صالح الغفاري سعید بن عبد الرحمن. أبو صالح المكي، محمد بن زنبور، روى عن عيسى بن يونس. أبو صالح مولی طلحة بن عبد الله القرشي التیمي. أبو صالح، مولى عثمان بن عفان. أبو صالح، مولى ضباعة، اسمه مينا. أبو صالح مولى أم هانىء، اسمه باذان - وكلهم تابعيون خلا ابن زنبور وكاتب الليث - وبعضهم عد الأخير صحابياً، وله حديث رواه الحسن بن سفيان في مسنده، وليس في الصحابة على تقدير صحته من يكنى بهذه الكنية غيره، وأما في غير الكتب الستة فإنهم جماعة فوق العشرة بينهم: الرامهرمزي في فاصله. i ے i قوله: ((بوادره))، بفتح الباء الموحدة، جمع: بادرة وهي: اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان. وقال أبو عبيدة: تكون من الإنسان وغيره، وقال الأصمعي: الفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد من الدابة، وجمعها فرائص. وقال ابن سيده في (المخصص): البادرتان من الإنسان لحمتان فوق الرغثاوين وأسفل التندوة، وقيل: هما جانبا الكركرة، وقيل: عرقان يكتنفانها. قال: والبادرة من الإنسان وغيره، وقال الهجري في (أماليه): ليست للشاة بادرة، ومكانها مردغة للشاة، وهما الأرتبان تحت ٠ جوة ١٢٤ .** 7 ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٤) صليفي العنق لا عظم فيهما، وادعى الداودي أن البوادر والفؤاد واحد. قلت: الرغثاوان بضم الراء وسكون الغين المعجمة بعدها ثاء مثلثة، قال الليث: الرغثاوان: مضيفتان بين التندوة والمنكب بجانبي الصدر، وقال شهر: الرغثاء، ما بين الإبط إلى أسفل الثدي مما يلي الإبط، وكذلك قاله ابن الأعرابي، قوله: مردغة بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة والغين المعجمة، وهي واحدة المرادغ. قال أبو عمر: وهي ما بين العنق إلى الترقوة، قوله: صليفي العنق، بفتح الصاد المهملة وكسر اللام وبالفاء، قال أبو زيد: الصليفان رأسا الفقرة التي تلي الرأس من شقيهما. ٤ - بابٌ ٥/٤ - حدّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حدّثنا أبُو عَوَانَةً قَالَ: حدّثنا مُوسَى بنُ أبي عَائِشَةَ قال: حدثنا سَعِيد بنْ جُبَير عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى ﴿لاَ تُحَرَّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلّ • [القيامة: ١٦ - ١٧] قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّه يُعَالِجُ مِنَ التَّزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ ممَّا يُحَرَّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ ابْنُ عَّاسٍ فَأَنَا أَحَرَّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِعََّلِ يُحَرَّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أَحَرَّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يُحَرِّكَهُمَا فَحَوَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تُحَرَّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنُهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧] قَالَ جَمْعَهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرأهُ ﴿فَإِذَا قَرَّأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أنْ تَقْرَأْهُ. فَكَانَ رَسُولُ الله عَ لَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَةُ النَّبِيُّ عَ لَلِ كَمَا قَرَأَ. [الحديث - ٥ أطرافه في: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤]. المناسبة بين الحديثين ظاهرة، لأن المذكور فيما مضى هو ذات بعض القرآن، وههنا التعرض إلى بيان كيفية التلقين والتلقن، وقدم ذلك لأن الصفات تابعة للذوات. بيان رجاله: وهم خسمة. الأول: أبو سلمة، موسى بن إسماعيل المنقري، بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، نسبه إلى منقر، ابن عبيد بن مقاعس، البصري الحافظ الكبير المكثر الثبت الثقة التبوذكي، بفتح التاء المثناة من فوق وضم الباء الموحدة ثم واو ساكنة ثم ذال معجمة مفتوحة، نسبة إلى تبوذك، نسب إليه لأنه نزل دار قوم من أهل تبوذك، قاله ابن أبي خيثمة. وقال أبو حاتم: لأنه اشترى داراً بتبوذك، وقال السمعاني: نسبة إلى بيع السماد، بفتح السين المهملة، وهو السرجين يوضع في الأرض ليجود نباته، وقال ابن ناصر: نسبة إلى بيع ما في بطون الدجاج من الكبد والقلب والقانصة. توفي في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين بالبصرة، روى عنه: يحيى بن معين والبخاري وأبو داود وغيرهم من الأعلام، وروى له مسلم والترمذي عن رجل عنه، والذي رواه مسلم حديث واحد، حديث أم زرع، رواه عن الحسن الحلوانى عنه، قال الداودي: كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. ١٢٥ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٤) الثاني: أبو عوانة، بفتح العين المهملة والنون، واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري، بضم الكاف، ويقال: الكندي الواسطي، مولى يزيد بن عطاء البزار الواسطي، وقيل: مولى عطاء بن عبد الله الواسطي، كان من سبي جرجان، رأى الحسن وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثاً واحداً، وسمع خلقاً بعدهم من التابعين وأتباعهم، وروى عنه الأعلام منهم: شعبة ووكيع وابن مهدي: قال عفان: كان صحيح الكتاب ثبتاً، وقال ابن أبي حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيراً، وهو صدوق، مات سنة ست وسبعين ومائة، وقيل: سنة خمس وسبعين. جدة •جرة الثالث: موسى بن أبي عائشة، أبو الحسن الكوفي الهمداني، بالميم الساكنة والدال المهملة، مولى آل جعدة، بفتح الجيم، ابن أبي هبيرة، بضم الهاء، روى عن كثير من التابعين، وعنه الأعلام: الثوري وغيره، ووثقه السفيانان ويحيى والبخاري، وابن حبان، وأبو عائشة لا يعرف اسمه. الرابع: سعيد بن جبير، بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، ابن هشام الكوفي الأسدي الوالبي، بكسر اللام وبالباء الموحدة، منسوب إلى بني والبة بالولاء، ووالبة هو: ابن الحارث بن ثعلبة بن دودان، بدالين مهملتين وضم الأولى، ابن أسد بن خزيمة، إمام مجمع عليه بالجلالة والعلو في العلم، والعظم في العبادة، قتله الحجاج صبراً في شعبان سنة خمس وتسعين، ولم يعش الحجاج بعده، إلا أياماً، ولم يقتل أحداً بعده، سمع خلقاً من الصحابة منهم: العبادلة غير عبد الله بن عمرو، وعنه خلق من التابعين منهم: الزهري. وكان يقال له: جهبذ العلماء. الخامس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف، أبو العباس الهاشمي، ابن عم رسول الله عَليه، وأمه أم الفضل: لبابة الكبرى بنت الحارث، أخت ميمونة أم المؤمنين، كان يقال له: الحبر والبحر، لكثرة علمه، وترجمان القرآن، وهو واحد الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص. وقول الجوهري في (الصحاح): بدل ابن العاص ابن مسعود، مردود عليه، لأنه منابذ لما قال أعلام المحدثين كالإمام أحمد وغيره، وقال أحمد: ستة من الصحابة أكثروا الرواية عن رسول الله عَّله: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمرو، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس رضي الله تعالى عنهم، وأبو هريرة أكثرهم حديثاً. روى ابن عباس عن النبي عَّ ألف حديث وستمائة وستين حديثاً، اتفقا منها على خمسة وتسعين حديثاً، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي عَّلِ وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقال أحمد: خمس عشرة سنة، والأول هو المشهور، مات بالطائف سنة ثمان وستين، وهو ابن إحدى وسبعين سنة على الصحيح، في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد ابن الحنفية وقد عمي في آخر عمره، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده: منها: أنه كله على شرط الستة. ومنها: أن رواته ما بين مكي i ٠ i ١٢٦ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٤) وكوفي وبصري ووسطي. ومنها: أنهم كلهم من الأفراد، لا أعلم من شاركهم في اسمهم مع اسم أبيهم. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهما: موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير. بيان تعدد الحديث ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن موسى بن إسماعيل وأبي عوانة، وفي التفسير وفضائل القرآن عن قتيبة عن جرير، كلهم عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير، وأخرجه مسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم وقتيبة وغيرهما عن جرير، وعن قتيبة عن أبي عوانة كلاهما عن موسى بن أبي عائشة به، ولمسلم: فإذا ذهب قرأه كما وعد الله، وللبخاري في التفسير، ووصف سفيان: يريد أن يحفظه، وفي أخرى: يخشى أن ينفلت منه، ولمسلم في الصلاة: ﴿لتعجل﴾ به أخذه: ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧] إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرأه، فإذا أقرأناه فاتبع قرآنه. قال: أنزلناه فاستمع له إن علينا أن نبينه بلسانك)) راوه الترمذي من حديث سفيان بن عيينة، عن موسى، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله عَ ليه إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ [القيامة: ١٦] قال: فكان يحرك به شفتيه، وحرك سفيان شفتيه)). ثم قال: حديث حسن صحيح. بيان اللغات: قوله: ((يعالج)) أي: يحاول من تنزيل القرآن عليه شدة، ومنه ما جاء في حديث آخر: ولي حره وعلاجه، أي: عمله وتعبه. ومنه قوله: (من كسبه وعلاجه)). أي: من محاولته وملاطفته في اكتسابه، ومنه معالجة المريض، وهي: ملاطفته بالدواء حتى يقبل عليه. والمعالجة الملاطفة في المراودة بالقول والفعل، ويقال: محاولة الشيء بمشقة. قوله: ((فأنزل الله تعالى: ﴿لا تحرك به﴾)) [القيامة: ١٦] أي: بالقرآن. وقال الزمخشري رحمه الله: وكان رسول الله عَّ إذا لقن الوحي نازع جبريل - عليه السلام - القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها، مسارعة إلى الحفظ، وخوفاً من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت له ملقياً إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضي إليه وحيه، ثم يعقبه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه، والمعنى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ [القيامة: ١٦] بقراءة الوحي ما دام جبريل عليه السلام، يقرؤه ﴿التعجل به﴾: لتأخذ به على عجلة، ولئلا يتفلت منه، ثم علل النهي عن العجلة بقوله: ﴿إن علينا جمعه﴾ [القيامة: ١٧] في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك. قال الزمخشري: ﴿فإذا قرأناه﴾ [القيامة: ١٨] جعل قراءة جبريل قراءته، والقرآن القراءة ﴿فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨]. فكن معقباً له فيه، ولا تراسله، وطمعن نفسك أنه لا یبقی غیر محفوظ، فنحن في ضمان تحفيظه، ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٩] إذا أشكل عليك شيء من معانيه، كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعاً. كما ترى بعض الحراص على العلم ونحوه: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه). قوله: ((قال)) أي: ابن عباس في تفسير جمعه، أي: جمع الله لك في صدرك، وقال في تفسير وقرآنه، أي: تقرأه، يعني المراد بالقرآن: القراءة لا الكتاب المنزل على محمد عَه للإعجاز بسورة منه، أي: أنه مصدر لا علم للكتاب. قوله: ((فاستمع)) هو ١٣٥٠ ١٢٧ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٤) تفسير: فاتبع يعني قراءتك لا تكون مع قراءته، بل تابعة لها متأخرة عنها، فتكون أنت في حال قراءته ساكتاً، والفرق بين السماع والاستماع أنه لا بد في باب: الافتعال، من التصرف والسعي في ذلك الفعل، ولهذا ورد في القرآن: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] بلفظ الاكتساب في الشر لأنه لا بد فيه من السعي، بخلاف الخير؛ فالمستمع هو المصغي القاصد للسماع، وقال الكرماني عقيب هذا الكلام: وقال الفقهاء تسن سجدة التلاوة للمستمع لا للسامع. قلت: هذا لا يمشي على مذهب الحنفية، فإن قصد السماع ليس بشرط في وجوب السجدة، مع أن هذا يخالف ما جاء في الحديث: (السجدة على من تلاها وعلى من سمعها)). قوله: ((وأنصت)) همزته همزة القطع، قال تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وفيه لغتان: أنصت بكسر الهمزة وفتحها، فالأولى: من نصت ينصت نصتاً، والثانية: من أنصت ينصت إنصاتً إذا سكت واستمع للحديث، يقال: انصتوه وانصتوا له، وانصت فلان فلاناً: إذا أسكثُه، وانتصت: سكت، وذكر الأزهري في: نصت وانصت وانتصت: الكل بمعنى واحد. قوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٩] فسره بقوله: ثم إن علينا أن تقرأ، وفي مسلم: ((أن تبينه بلسانك))، وقيل: بحفظك إياه، وقيل: بيان ما وقع فيه من حلال وحرام، حكاه القاضي. قوله: ((جبريل عليه السلام) هو ملك الوحي إلى الرسل، عليهم الصلاة والسلام، الموكل بإنزال العذاب والزلازل والدمادم، ومعناه: عبد الله، بالسريانية لأن جبر: عبد بالسريانية، وايل: اسم من أسماء الله تعالى. وروى عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة: إن اسم جبريل: عبد الله، واسم میکائيل: عبد الله، وقال السهيلي: جبريل سرياني ومعناه: عبد الرحمن، أو عبد العزيز، كما جاء عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً. والموقوف أصح، وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذه الأسماء مقلوبة، فايل هو العبد، وأوله اسم من أسماء الله تعالى، والجبر عند العجم هو: إصلاح ما فسد، وهي توافق معناه من جهة العربية، فإن في الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وَهَى من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفاً بمكة ولا بأرض العرب، ولهذا إنه، عليه الصلاة والسلام، لما ذكره لخديجة، رضي الله عنها، انطلقت لتسأل من عنده علم من الكتاب: كعداس، ونسطور الراهب فقالا: قدوس قدوس، ومن أين هذا الاسم بهذه البلاد؟ ورأيت في أثناء مطالعتي في الكتب أن اسم جبريل، عليه الصلاة والسلام، عبد الجليل، وكنيته أبو الفتوح، واسم مكيائيل: عبد الرزاق، وكنيته: أبو الغنائم، واسم إسرافيل: عبد الخالق، وكنيته: أبو المنافخ، واسم عزرائيل: عبد الجبار، وكنيته: أبو يحيى. وقال الزمخشري: قرىء جبرئيل فعليل، وجبرئل بحذف الياء، وجبريل بحذف الهمزة، وجبريل بوزن قنديل، وجبرال بلام مشددة، وجبرائيل بوزن جبراعيل، وجبرايل بوزن جبراعل، ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة. قلت: هذه سبع لغات؛ وذكر فيه ابن الأنباري تسع لغات، منها سبعة هذه، والثامنة: جبرين بفتح الجيم وبالنون بدل اللام، والتاسعة: جبرين بكسر الجيم وبالنون أيضاً. وقرأ ابن كثير: جبريل بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر، عن عاصم، بفتح الجيم والراء مهموزاً، والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز. ٤٠ جم. ١ i ١٢٨ .١٧٩ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٤) بيان الإعراب: قوله: ((يعالج)): في محل النصب لأنه خبر كان. قوله: ((شدة))، بالنصب مفعول: يعالج. وقال الكرماني: يجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً له، أي: يعالج معالجة شديدة. قلت: فعلى هذا يحتاج إلى شيئين: أحدهما: تقدير المفعول به ليعالج، والثاني: تأويل الشدة بالشديدة، وتقدير الموصوف لها، فافهم. قوله: ((وكان مما يحرك شفتيه)). اختلفوا في معنى هذا الكلام وتقديره، فقال القاضي: معناه: كثيراً ما كان يفعل ذلك. قال: وقيل: معناه هذا من شأنه ودأبه، فجعل: ما، كناية عن ذلك، ومثله قوله في كتاب الرؤيا: «كان مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا؟)) أي: هذا من شأنه، وأدغم النون في ميم: ما؛ وقال بعضهم: معناه: ربما لأن: من، إذا وقع بعدها: ما، كانت بمعنى ربما، قاله الشيرازي، وابن خروف، وابن طاهر، والأعلم، وأخرجوا عليه قول سيبويه، وأعلم أنهم مما يحذفون كذا، وأنشدوا قول الشاعر: على رأسه نلقي اللسان من الفم وإنا لمما نضرب الكبش ضربة وقال الكرماني: أي: كان العلاج ناشئاً من تحريك الشفتين، أي: مبدأ العلاج منه، أو بمعنى: من، إذ قد تجيء للعقلاء أيضاً، أي: وكان ممن يحرك شفتيه. وقال بعضهم: فيه نظر، لأن الشدة حاصلة له قبل التحريك. قلت: في نظره نظر، لأن الشدة، وإن كانت حاصلة له قبل التحريك، ولكنها ما ظهرت إلاَّ بتحريك الشفتين، لأن هذا أمر مبطن، ولم يقف عليه الراوي إلا بالتحريك، ثم استصوب ما نقل من هؤلاء من المعنى المذكور، ومع هذا فيه خدش، لأن: من، في البيت، وفي كلام سبيويه ابتدائية، وما، فيهما مصدرية، وإنهم جعلوا: كأنهم خلقوا من الضرب والحذف، مثل: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧] ثم الضمير في: كان، على قولهم يرجع إلى النبي صَ لّه، وعلى تأويل الكرماني، يرجع إلى العلاج الذي يدل عليه قوله: يعالج، والأصوب أن يكون الضمير للرسول. ويجوز هنا تأويلان آخران: أحدهما: أن تكون كلمة: من، للتعليل: وما، مصدرية وفيه حذف. والتقدير: وكان يعالج أيضاً من أجل تحريك شفتيه ولسانه، كما جاء في رواية أخرى للبخاري في التفسير من طريق جرير عن موسى ابن أبي عائشة لفظة: ((كان رسول الله صَ لّد، إذا نزل جبريل بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه)). وتحريك اللسان مع الشفتين، مع طول القراءة، لا يخلو عن معالجة الشدة. والآخر: أن يكون كان بمعنى وجد بمعنى ظهر، وفيه ضمير يرجع إلى العلاج، والتقدير: وظهر علاجه الشدة من تحريك شفتيه. قوله: ((فأنزل الله)) عطف على قوله: ((كان يعالج)). قوله: ((قال)) أي: ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير جمعه، أي: جمع الله لك في صدرك، وقال في تفسير: وقرآنه. أي: تقرأه، يعني المراد من القرآن القراءة كما ذكرناه، عن قريب، وفي أكثر الروايات: جمعه لك في صدرك، وفي رواية كريمة والحموي ((جمعه لك في صدرك)). قال القاضي: رواه الأصيلي بسكون الميم مع ضم العين ورفع الراء من صدرك، ولأبي ذر: ((جمعه لك في صدرك))، وعند النسفي: جمعه لك صدرك، فإن قلت: إذا رفع الصدر بالجمع ما وجهه؟ قلت: تكون مجازاً لملابسة الظرفية، إذ: الصدر ٠٠٠ .١٣ ١٢٩ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٤) ظرف الجمع، فيكون مثل أنبت الربيع البقل، فالتقدير: جمع الله في صدرك. بيان المعاني: قوله: ((كان رسول الله عَّل﴾)) لفظة: كان، في مثل هذا التركيب تفيد الاستمرار، وإعادة في قوله: ((وكان مما يحرك))، مع تقدمه في قوله: ((كان يعالج))، وهو جائز إذا طال الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿أيعد كم أنكم إذا متم وكنتم تراباً﴾ [المؤمنون: ٣٥] الآية، وغيرها قوله: ((فأنا أحركهما لك)) وفي بعض النسخ: ((لكم)) وتقديم فاعل الفعل يشعر بتقوية الفعل ووقوعه لا محالة. قوله: ((فقال ابن عباس، رضي الله عنه)) إلى قوله: ((فأنزل الله)) جملة معترضة بالفاء، وذلك جائز كما قال الشاعر: أن سوف يأتي كل ما قدرا واعلم، فعلم المرء ينفعه فإن قلت: ما فائدة الاعتراض؟ قلت: زيادة البيان بالوصف على القول، فإن قلت: كيف قال في الأول كان يحركهما وفي الثاني بلفظ: رأيت؟ قلت: العبارة الأولى أعم من أنه رأى بنفسه تحريك رسول الله عَ ليه، أم سمع أنه حركهما، كذا قال الكرماني، ولا حاجة إلى ذلك، لأن ابن عباس، رضي الله عنهما، لم ير النبي عَّه في تلك الحالة، لأن سورة القيامة مكية باتفاق، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك ولد، لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، والظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، ولكن يجوز أن يكون النبي عَ﴾ أخبره بذلك بعد، أو أخبره بعض الصحابة أنه شاهد النبي عَّله. وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا 8 خلاف، ومثل هذا الحديث يسمى بالمسلسل بتحريك الشفة، لكن لم يتصل بسلسلة، وقل في المسلسل الصحيح. وقال الكرماني: فإن قلت: القرآن يدل على تحريك رسول الله عَّه لسانه لا شفتيه، فلا تطابق بين الوارد والمورود فيه. قلت: التطابق حاصل لأن التحريكين متلازمان غالباً، أو لأنه كان يحرك الفم المشتمل على اللسان والشفتين، فيصدق كل منهما، وتبعه بعض الشراح على هذا، وهذا تكلف وتعسف، بل إنما هو من باب الاكتفاء، والتقدير في التفسير من طريق جرير، فكان مما يحرك شفتيه ولسانه كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، ويدل عليه رواية البخاري في التفسير من طريق جرير: فكان مما يحرك لسانه وشفتيه، والملازمة بين التحريكين ممنوعة على ما لا يخفى. وتحريك الفم مستبعد بل مستحيل، لأن الفم اسم لما يشتمل عليه الشفتان، وعند الإطلاق لا يشتمل على الشفتين ولا على اللسان، لا لغة ولا عرفاً، فافهم. قوله: ((كما كان قرأ) وفي بعض النسخ: ((كما كان قرأه)) بضمير المفعول، أي: كما كان قرأ القرآن، وفي بعضها: كما قرأ، بدون لفظة: كان. P i i i الأسئلة والأجوبة: منها: ما قيل: ما كان سبب معالجة الشدة؟ وأجيب: بأنه ما كان يلاقيه من الكد العظيم، ومن هيبة الوحي الكريم، قال تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥] ومنها: ما قيل: ما كان سبب تحريك لسانه وشفتيه؟ وأجيب: بأنه كان يفعل ذلك لئلا ينسى، وقال تعالى: ﴿سنقرؤك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦]. وقال الشعبي: إنما كان ذلك من حبه له، وحلاوته في لسانه، فنهي عن ذلك حتى يجتمع، لأن بعضه مرتبط ببعضه. ـدة القد ١٣٢ ١٣٠ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٥) ومنها: ما قيل: ما فائدة المسلسل من الأحاديث؟ وأجيب: بأن فائدته اشتماله على زيادة الضبط، واتصال السماع، وعدم التدليس، ومثله حديث المصافحة ونحوها. استنباط الأحكام منه: الاستحباب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل، ويريه الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول، ومنه أن أحداً لا يحفظ القرآن، إلاَّ بعون الله تعالى ومنّه وفضله، قال تعالى؛ ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر﴾ [القمر: ١٧ و ٢٢] ومنه فيه دلالة على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو مذهب أهل السنة، وذلك لأن: ثم، تدل على التراخي، كذا قاله الكرماني. قلت: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع عند الكل إلاَّ عند من جوز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فاختلفوا فيه، فذهب الأكثرون إلى جوازه، واختاره ابن الحاجب؛ وقال الصيرفي والحنابلة: ممتنع؛ وقال الكرخي بالتفصيل، وهو: أن تأخيره عن وقت الخطاب ممتنع في غير المجمل؛ كبيان التخصيص والتقييد والنسخ إلى غير ذلك، وجائز في المجمل، كالمشترك. وقال الجبائي: تأخير البيان عن وقت الخطاب ممتنع في غير النسخ، وجائز في النسخ. ٥ - بابٌ ٦/٥ - حدثنا عَبْدَان قالَ: أُخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحَدَّثَنَا بِشْوُبْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ. كانَ رسول الله عَ لِ أَجْوَدَ النَّاس وكانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وكانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ عَ لَّهِ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. [الحديث ٦ - أطرافه في: ١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧]. وجه مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب هو أن فيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، فكان جبريل - عليه السلام - يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين، كما ثبت في الصحيح عن فاطمة، رضي الله عنها، وعن زوجها، وصلى الله على أبيها، وكان هذا من أحكام الوحي، والباب في الوحي. بيان رجاله: وهم ثمانية، تقدم منهم: ابن عباس، والزهري، ومعمر، ويونس، فبقيت أربعة. الأول: عبدان بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبالدال المهملة، وهو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد ميمون، وقيل: أيمن العتكي، بالعين المهملة المفتوحة وبالتاء المثناة من فوق، أبو عبد الرحمن المروزي، مولى المهلب، بفتح اللام المشددة، ابن أبي صفرة، بضم الصاد المهملة. سمع مالكاً وحماد بن زيد وغيرهما من الأعلام، روى عنه الذهلي والبخاري وغيرهما، وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن رجل عنه، مات سنة إحدى ١٣١ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٥) أو اثنتين وعشرين أو عشرين ومائتين، عن ست وسبعين سنة. وعبدان لقب جماعة أكبرهم هذا، وعبدان أيضاً ابن بنت عبد العزيز بن أبي رواد، وقال ابن طاهر: إنما قيل له ذلك لأن کنیته أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله، فاجتمع من اسمه و کنیته عبدان. وقال بعض الشارحين: وهذا لا يصح، بل ذاك من تغيير العامة للأسامي وكسرهم لها في زمن صغر المسمى أو نحو ذلك، كما قالوا في علي: علان، وفي أحمد بن يوسف السلمي وغيره: حمدان، وفي وهب بن بقية الواسطي: وهبان. قلت: الذي قاله ابن طاهر هو الأوجه، لأن عبدان تثنية عبد، ولما كان أول اسمه عبد، وأول كنيته عبد قيل: عبدان. الثاني: عبد الله، هو: ابن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، مولاهم؛ المروزي الإمام المتفق على جلالته وإمامته وورعه وسخائه وعبادته، الثقة الحجة الثبت، وهو من تابعي التابعين، وكان أبوه تركيا مملوكاً لرجل من همدان، وأمه خوارزمية، ولد سنة ثمان عشرة ومائة، ومات في رمضان سنة أحدى وثمانين بهيت في العراق منصرفاً من الغزو. وهيت: بكسر الهاء وفي آخره تاء مثناة من فوق، مدينة على شاطىء الفرات، سميت بذلك لأنها في هوة. وعبد الله بن المبارك هذا من أفراد الكتب الستة، ليس فيها من يسمى بهذا الاسم، نعم في الرواة غيره خمسة: أحدهم: بغدادي حدث عن همام. الثاني: خراساني وليس بالمعروف. الثالث: شيخ روى عنه الأثرم. الرابع: جوهري روى عن أبي الوليد الطيالسي. الخامس: بزار، روى عنه سهل البخاري. الثالث: بشر، بكسر الباء الموحدة والشين المعجمة الساكنة، ابن محمد، أبو محمد المروزي السختياني، روى عنه البخاري منفرداً به عن باقي الكتب الستة هنا وفي التوحيد وفي الصلاة وغيرها، ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: كان مرجعاً. مات سنة أربع وعشرين ومائتين. الرابع: عبيد الله، بلفظ التصغير في عبد، ابن عبد الله بن عتبة، بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة، ابن مسعود بن غافل، بالغين المعجمة، ابن حبيب بن شمخ بن فار، بالفاء وتخفيف الراء ابن مخزوم ابن طاهلة بن كاهل، بكسر الهاء ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر، الهذلي المدني، الإمام الجليل، التابعي أحد الفقهاء السبعة، سمع خلقاً من الصحابة منهم: ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، وعنه: جمع من التابعين، وهو معلم عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، وكان قد ذهب بصره، توفي سنة تسع أو ثمان أو خمس أو أربع وتسعين. i i i i ٠ بيان تعدد الحديث ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في خمسة مواضع: هنا كما ترى. وفي صفة النبي عليه، عن عبدان أيضاً عن ابن المبارك عن يونس، وفي الصوم، عن موسى بن إبراهيم، وفي فضائل القرآن عن يحيى بن قزعة عن إبراهيم، وفي بدء الخلق عن ابن مقاتل عن عبد الله بن يونس عن الزهري. وأخرجه مسلم في فضائل النبي صَّهُ عن أربعة عن منصور بن أبي مزاحم، وأبي عمران محمد بن جعفر عن إبراهيم، وعن أبي كريب عن ابن المبارك عن يونس، وعن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر ثلاثتهم عن الزهري به. بيان لطائف إسناده: منها: أنه اجتمع فيه عدة مراوزة: ابن المبارك وراوياه. ومنها: أن i P ١٠٠ ١٣٢ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٥) البخاري حدث الحديث هذا عن الشيخين عبدان وبشر كليهما عن عبد الله بن المبارك، والشيخ الأول ذكر لعبد الله شيخاً واحداً وهو يونس، والثاني ذكر له الشيخين: يونس ومعمراً، أشار إليه بقوله: ومعمر نحوه، أي: نحو حدیث يونس، نحوه باللفظ، وعن معمر بالمعنى، ولأجل هذا زاد فيه لفظ نحوه. ومنها: زيادة الواو في قوله: وحدثنا بشر، وهذا يسمى: واو التحويل من إسناد إلى آخر، ويعبر عنها غالباً بصورة (ح) مهملة مفردة، وهكذا وقع في بعض النسخ. وقال النووي: وهذه الحاء كثيرة في صحيح مسلم، قليلة في (صحيح البخاري). انتهى. وعادتهم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ذلك مسمى: (ح). أي حرف الحاء، فقيل: إنها مأخوذة من التحول، لتحوله من إسناد إلى إسناد، وإنه يقول القارىء إذا انتهى إليها: حاء مقصورة، ويستمر في قراءة ما بعده وفائدته أن لا يركب الإسناد الثاني مع الإسناد الأول، فيجعلا إسناداً واحداً. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالة بين الإسنادين، وإنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث، فأهل المغرب يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث، وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها (صح)، فيشعر بأنها رمز: صح، لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول. بيان اللغات: قوله: ((أجود الناس)) هو أفعل التفضيل من الجود، وهو العطاء، أي أعطى ما ينبغي لمن ينبغي، ومعناه: هو أسخى الناس لما كانت نفسه أشرف النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة، لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال، وشكله أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شك بكونه أجود، وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات؟ قوله: ((في رمضان))، أي: شهر رمضان. قال الزمخشري: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر، وجعل علماً ومنع من الصرف للتعريف، والألف والنون، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته. قوله: ((فيدارسه))، من المدارسة، من باب المفاعلة من الدرس، وهو القراءة على سرعة وقدرة عليه من: درست الكتاب أدرسه وأدرسه، وقرأ أبو حيوة: ﴿وبما كنتم تدرسون﴾ [آل عمران: ٧٩] مثال: تجلسون، درساً ودراسة. قال الله تعالى: ﴿ودرسوا ما فيه﴾ [الأعراف: ١٦٩] وأدرس الكتاب قرأه مثل درسه وقرأ أبو حيوة ﴿وبما كنتم تدرسون﴾ [آل عمران: ٧٩] من الأدراس ودرس الكتب تدريساً شدد للمبالغة ومنه مدرس المدرسة، والمدارسة المقارأة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿وليقولوا درست﴾ [الأنعام: ١٠٥] أي: قرأت على اليهود وقرأوا عليك، وههنا لما كان النبي وجبريل - عليه السلام - يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ مثلاً هذا عشراً والآخر عشراً، أتى بلفظة المدارسة، أو أنهما كانا يشاركان في القراءة، أي يقرآن معاً، وقد علم أن باب المفاعلة لمشاركة اثنين نحو: ضاربت زيداً، وخاصمت عمراً. قوله: ((الربح المرسلة))، بفتح السين أي المبعوثة لنفع الناس، هذا إذا جعلنا اللام في: الريح، للجنس، وإن جعلناه للعهد يكون المعنى: من الريح المرسلة للرحمة، قال تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح ١٣٣ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٥) نشرا بين يدي رحمته﴾ [الأعراف: ٥٧] وقال تعالى: ﴿والمرسلات عرفا﴾ [المرسلات: ١] أي: الرياح المرسلات للمعروف، على أحد التفاسير. بيان الإعراب: قوله: ((أجود الناس)) كلام إضافي منصوب، لأنه خبر كان. قوله: ((وكان أجود ما يكون)) يجوز في أجود: الرفع والنصب. أما الرفع فهو أكثر الروايات، ووجهه أن يكون اسم كان وخبره محذوف حذفاً واجباً لأنه نحو قولك: أخطب ما يكون الأمير قائماً، ولفظه: ما مصدرية أي: أجود أكوان الرسول. وقوله: ((في رمضان)) في محل النصب على الحال، واقع موقع الخبر الذي هو حاصل أو واقع. وقوله: ((حين يلقاه)) حال من الضمير الذي في حاصل المقدر فهو حال عن حال، ومثلهما يسمى بالحالين المتداخلتين، والتقدير: كان أجود أکوانه حاصلاً في رمضان حال الملاقاة. ووجه آخر: أن يكون في: كان، ضمير الشأن وأجود ما يكون أيضاً كلام إضافي مبتدأ، وخبره في رمضان، والتقدير كان الشأن أجود أكوان رسول الله عَّ في رمضان أي: حاصل في رمضان عند الملاقاة. ووجه آخر: أن يكون الوقت فيه مقدراً كما في مقدم الحاج، والتقدير: كان أجود أوقات كونه وقت كونه في رمضان، وإسناد الجود إلى أوقاته، عليه الصلاة والسلام، على سبيل المبالغة كإسناد الصوم إلى النهار في نحو نهاره صائم. وأما النصب: فهو رواية الأصيلي، ووجهه أن يكون خبر كان، واعترض عليه بأنه يلزم من ذلك أن يكون خبرها هو اسمها. وأجاب بعضهم عن ذلك بأن يجعل اسم كان ضمير النبي عَّ له، وأجود خبرها، والتقدير: وكان رسول الله عَّ له مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره. قلت: هذا لا يصح، لأن: كان إذا كان فيه ضمير النبي عَّ له لا يصح أن يكون أجود، خبراً لكان لأنه مضاف إلى الكون، ولا يخبر بكون عما ليس بكون، فيجب أن يجعل مبتدأ وخبره: في رمضان، والجملة خبر كان، وإن استتر فيه ضمير الشأن فظاهر، فافهم. وقال النووي: الرفع أشهر، ويجوز فيه النصب. قلت: من جملة مؤكدات الرفع وروده بدون كان في (صحيح البخاري) في باب الصوم. قوله: ((وكان يلقاه)) قال الكرماني. يحتمل كون الضمير المرفوع لجبريل - عليه السلام - والمنصوب للرسول وبالعكس. قلت: الراجح أن يكون الضمير المرفوع لجبريل - عليه السلام - بقرينة قوله: ((حين يلقاه جبريل)). قوله: ((فيدارسه)) عطف على قوله: ((يلقاه). وقوله: ((القرآن)) بالنصب لأنه المفعول الثاني للمدارسة إذ الفعل المتعدي إذا نقل إلى باب المفاعلة يصير متعدياً إلى اثنين، نحو: جاذبته الثوب. قوله: ((فالرسول الله عَّلْ)) مبتدأ، وخبره قوله: ((أجود))، واللام فيه مفتوحة لأنه لام الابتداء، زيد على المبتدأ للتأكيد. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: إن ههنا أربع جمل، فما الجهة الجامعة بينها؟ وأجيب: بأن المناسبة بين الجمل الثلاث وهي قوله: كان أجود الناس. وكان أجود ما يكون في رمضان، و: فلرسول الله. الخ ظاهرة، لأنه أشار بالجملة الأولى إلى أنه عَ لـ أجود الناس مطلقاً، وأشار بالثانية إلى أن جوده في رمضان يفضل على جوده في سائر أوقاته، وأشار بالثالثة إلى أن جوده في عموم النفع والإسراع فيه كالريح المرسلة، وشبه عمومه وسرعة ٠ + جوة i i ١٣٤ ١ - کتاب بدء الوحي / باب (٥) وصوله إلى الناس بالريح المنتشرة، وشتان ما بين الأمرين، فإن أحدهما يحيي القلب بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها. وأما المناسبة بين الجملة الرابعة وهي قوله: ((وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن))، وبين الجملة الباقية فهي: أن جوده الذي في رمضان الذي فضل على جوده في غيره إنما كان بأمرين، أحدهما: بكونه في رمضان، والآخر: بملاقاة جبريل، عليه الصلاة والسلام، ومدارسته معه القرآن. ولما كان ابن عباس، رضي الله عنهما، في صدد بيان أقسام جوده على سبيل تفضيل بعضه على بعض، أشار فيه إلى بيان السبب الموجب لا على جوده، وهو كونه في رمضان، وملاقاته جبريل. فإن قلت: ما وجه كون هذين الأمرين سبباً موجباً لأعلى جوده، عليه الصلاة والسلام؟ قلت: أما رمضان، فإنه شهر عظيم، وفيه الصوم، وفيه ليلة القدر، وهو من أشرف العبادات. فلذلك قال: ((الصوم لي وأنا أجزي به)) فلا جرم يتضاعف ثواب الصدقة والخير فيه، وكذلك العبادات، وعن هذا قال الزهري: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره. وقد جاء في الحديث: ((أنه يعتق فيه كل ليلة ألف ألف عتيق من النار)). وأما ملاقاة جبريل - عليه السلام - فإن فيها زيادة ترقيه في المقامات، وزيادة اطلاعه على علوم الله، سبحانه وتعالى. ولا سيما عند مدارسته القرآن معه مع نزوله إليه في كل ليلة، ولم ينزل إلى غيره من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ما نزل إليه. فهذا كله من الفيض الإلهي الذي فتح لي في هذا المقام الذي لم يفتح لغيري من الشراح، فلله الحمد والمنة. ومنها: ما قيل: ما الحكمة في مدارسته القرآن في رمضان؟ وأجيب: بأنها كانت لتجديد العهد واليقين، وقال الكرماني: وفائدة درس جبريل، عليه الصلاة والسلام، تعليم الرسول، عليه الصلاة والسلام، بتجويد لفظه وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وليكون سنة في هذه الأمة كتجويد التلامذة على الشيوخ قراءتهم، وأما تخصيصه رمضان فلكونه موسم الخيرات. لأن نعم الله تعالى على عباده فيه زائدة على غيره. وقيل: الحكمة في المدارسة أن الله تعالى ضمن لنبيه أن لا ينساه فأقره بها، وخص بذلك رمضان، لأن الله تعالى أنزل القرآن فيه إلى سماء الدنيا جملة من اللوح المحفوظ، ثم نزل بعد ذلك على حسب الأسباب في عشرين سنة. وقيل: نزلت صحف إبراهيم - عليه السلام - أول ليلة منه. والتوراة لست، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين. ومنها: ما قيل: المفهوم منه أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، كان ينزل على النبي عَّةٍ في كل ليلة من رمضان، وهذا يعارضه ما روي في (صحيح مسلم): في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ. وأجيب: بأن المحفوظ في مسلم أيضاً مثل ما في البخاري، ولئن سلمنا صحة الرواية المذكورة فلا تعارض، لأن معناه بمعنى الأول، لأن قوله: ((حتى ينسلخ)) بمعنى كل ليلة. بيان استنباط الفوائد: منها: الحث على الجود والإفضال في كل الأوقات، والزيادة منها في رمضان، وعند الاجتماع بالصالحين. ومنها: زيارة الصلحاء وأهل الفضل ومجالستهم، وتكرير زيارتهم ومواصلتها، إذا كان المزور لا يكره ذلك. ومنها: استحباب :١٥٣ ١٣٥ ١ - كتاب بدء الوحي / باب ٦) استكثار القراءة فى رمضان. ومنها: استحباب مدارسة القرآن وغيره من العلوم الشرعية. ومنها: أنه لا بأس بأن يقال: رمضان، من غير ذكر شهر على الصحيح، على ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ومنها: أن القراءة أفضل من التسبيح وسائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساوياً لفعلاه دائماً أو في أوقات مع تكرر اجتماعهما. فإن قلت: المقصود تجويد الحفظ. قلت: إن الحفظ كان حاصلاً، والزيادة فيه تحصل ببعض هذه المجالس. ٦ - باب ٧/٦ - حدّثنا أبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعِ قَالَ: أخبرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أُخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُثْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أَنَّ تُبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أبا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ أُخْبَرَهُ أنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ في رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وكانُوا تِجَاراً بِالشَّأَمِ فِي الْمِدَّةِ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ مَّ ◌َلِ مَادَّ فِيهَا أبا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وهُمْ بِإِيِلِيَاءَ فَدَعاهُمْ فِي مَجْلِهِ وَحَوْلَهُ عُظماءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعاهُمْ وَدَعا بِتَرْجُمانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَباً بِهَذَا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبيَّ فَقال أَبُو سُفّيَانَ: فَقُلْتُ: أنا أقرَبُّهُمْ نَسَباً. فَقال: أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرَّبُوا أَصْحَابَهُ فاجْعلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثمّ قالَ لِتَرْمجمانِهِ: قُلْ لهمْ إِنّي سائِلٌ هذَا عِنْ هذَا الرَّجُلِ فإِنْ كَذَبَنِي فَكَذّبوهُ، فَوَاللَّهِ لؤلاً الْحِياءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِباً لَكَذَبْتُ عنْهُ، ثمّ كانَ أوَّلَ ما سألَنِي عنهُ أن قال: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلتُ: هوَ فينَا ذُو نَسبٍ. قال: فَهَلْ قال هذَا القَوْلَ مِنكُمْ أحَدَّ قَطْ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لاَ. قالَ: فهلْ كان من آبائِهِ مِن ملِكِ؟ قُلتُ: لا. قال: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَبِعُونَهُ أم ضعفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفاؤُهُمْ. قال: أَزِيدُونَ أَم يَتْقُصُونَ؟ قُلتُ: بَلْ تَزِيدُونَ. قالَ: فَهَلْ يَوْتَدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أن يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلتُ: لاَ. قال: فَهِلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قال: قُلتُ: لاَ. قال: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلتُ: لاَ، ونحنُ منهُ في مُدَّةٍ لا نَذْرِي ما هوَ فاعِلٌ فِيهَا. قالَ: ولَمْ ◌ُمكِّنِي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فيهَا شَيْئاً غِيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ. قال: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلتُ: نَعَمْ. قال: فَكَيْفَ كان قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلتُ: الْحَرْبُ بَيْتَنَا وَبِيْنَهُ سِجَالٌ يَتَالُ مِنا ونَتَال منهُ. قال: ماذَا يَأْمُرُكُم؟ قُلتُ: يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وحدَهُ ولاَ تُشرِكُوا بِهِ شَيئاً، واتؤُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُم، ويَأْمُنا بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ والصَّلةِ. فقال لِلتَّرْجُمانِ: قُل لَهُ: سألتُكَ عنْ نَسَبِهِ فَذَكَرَتِ أَنَّهُ فيكُم ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعثُ في نَسَبٍ قَوْمِهِا. وسَألتُكَ هلْ قَال أحدٌ مِنكُم هَذا القَوْلَ؟ فَذَكَرَتَ أن لاَ. فقُلتُ لَو كان أحدٌ قالَ هَذَا القَوَلَ قَبلَهُ لَقُلتُ: رَبُجُلٌ يَأْتَسِي بِقَول قِيلَ قَبلَهُ. وسَألْتُكَ: هَلْ كان مِن آبائِهِ مِن مَلِكِ؟ فَذَكَْتَ أن لا. قُلتُ: فَلو كان مِنْ آبَائِهِ مِن مَلِكِ قُلتُ: رمجُلٌ يَطلُبُ مُلكَ أبِيهِ. وِسَألْتُكَ: هلِ كُنتُم تَنَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبَل أن يقُولَ ما قال؟ فَذَكَرَت أن لاَ، فَقَدْ أعْرِفُ أَنَّهُ لم يكُنْ لِيَذَرَ الكَذبَ عَلَى النَّاسِ ويَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسألتكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبِعُوهُ أم ضُعفاؤُهُم؟ فَذَكَرْتَ أنَّ ضُعفاءَهُمُ اتَّبِعُوهُ، وهُمْ أَتْباُ الرَّسُلِ. وسَألْتُكَ: أَيَزِيدونَ أم يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَّرْتَ أَنَّهُمْ تَزِيدونَ، وكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حتَّى بِمَّ، وَسألتُكَ: أَيَرْتَدُ أحدٌ سَخْطَةً لدِينِهِ بعدَ أن يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرَت أنْ لاَ، وكَذلِكَ الإِيمانُ حِينَ تُخالِطُ بَشَاشتُهُ القُلوبَ. وسألتُكَ: هلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أن لاَ، وكذلِكَ الرَّسُلُ لاَ تَغْدِرُ. وسألتُكَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرتَ i i - جدة جدة ا حدرة FOR i i i i i i i 119 ١٣٦ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦) أنَّهُ يأمُرُكُمْ أن تعبدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً وَيَنْهاكُمْ عَنِ عِبَادَةِ الأُوثَانِ ويأمُرُكُم بِالصَّلاَةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ؛ فإِن كان ما تقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوضِعَ قَدَمَيَّ هاتَيْنٍ، وقدْ كُنتُ أعلَمُ أَنَّهُ خارجٌ، لَم أكُنْ أُنُّ أَنَّهُ مِنكُم، فَلوْ آنِّي أعَلَمُ أَنّي أخلُصُ إِليهِ لَتَجشَّمْتُ لِقَاءَهُ. ولَو كُنتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِيهِ. ثمّ دَعا بِكتابٍ رسول الله عَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِخْيَةُ إِلى عَظيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، من مُحمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلى هِرَقْلَ عَظِيم الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى. أُمَّا بَعْدُ. فإِنّي أَدْعُوَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ أسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتِيْنٍ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيكَ إِثْمَ الأَرِبِيِّينَ، و ﴿يا أهلَ الكِتَابِ تَعَالُوا إِلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَا وَبَينَكُمْ أن لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِك بِهِ شَيئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضنَا بَعْضاً أُزْباباً مِن دُونِ اللَّهِ فإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بأَنَّا مُسِلمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] قالَ أبوِ سُفيانَ: فلمّا قالَ ما قالَ وفَرغَ من قِرَاءَةِ الكِتَابِ كَثُرَ عندَهُ الصَّخَبُ وارتَفَعتِ الأَصوَاتُ وِأُخْرِجْنَا، فَقُلتُ لِأَضْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابنٍ أبي كَبِشَةَ، إِنَّهُ يخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فما زِلْتُ مُوقِنَاً أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخِلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ. وكان ابنُ النَُّورِ صاحِبُ إِلِيَاءَ ومِرَقْلَ سُقُفًا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، يُحِدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْماً خَبِيثَ النَّفْسِ فَقال بَغْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكِرْنا هَيقَتَكَ. قالَ ابنُّ النَُّورِ، وكان هِرَقْلَ حَزَّاءٌ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فقال لَهُمْ حِينَ سألُوهُ: إنّي رأيتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ في النَّجومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَد ◌َظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَقِنُ مِن هَذِهِ الأَمَّةِ؟ قالوا: لَيْسَ يَخْتَكِنُ إِلَّ الْيَهُودُ، فَلاَ يُهِمَّنَّكَ شأنهُمْ، واكتُبْ إِلى مَدَائِنَ مُلكِكَ فَيَقْتُلُوا مَن فِيهِم مِنَ اليَهُودِ، فَبَيْتَمَا هُم عَلَى أَمْرِهِمْ أَتِيَّ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عن خَبَرِ رسولِ اللَّهِ عَ لِ فِلمًا اسْتَخْبَرهُ مِرَقْلُ قال: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنَّ هوَ أَمْ لاَ؟ فَتَظَرُوا إِليهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَيِنِ. وسألُهُ عنِ الْعَرَبِ فَقال: هُمْ يَخْتَيِئُونَ! فقال مِرَقْلُ: هَذا مُلْكُ هَذِهِ الأَمَّةِ قَدْ ظَهَّرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلى صاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةً، وكان نَظِيرَةُ فِي العِلْمِ، وسارَ هرَقْلُ إِلى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ عَّ ◌َهِ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِمُظَماءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَّهُ بِحِمْصَ ثمّ أُمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثمّ اطَلَعَ فقال: يا مَعْشَرَ الرُّومِ! هلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاَحِ والرُّشْدِ وأن يَثْبُتَ مُلْكِكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةً محُمُرٍ الْوَخْشِ إِلى الأَبْوَابِ فَوَجَدُّوها قَدْ غُلّقَتْ، فَلَمَا رَأَى مِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وأيِسَ مِنَ الإِيمَانِ، قال: رُدُّوهُمْ عَليَّ. وقال: إِنِّي قُلتُ مقالَتِي آنِفاً أُخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأنٍ مِرَقْلَ. [الحديث ٧ - أطرافه في: ٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١]. وجه مناسبة ذكر هذا الحديث فى هذا الباب هو أنه مشتمل على ذكر جمل من أوصاف من يوحى إليهم، والباب في كيفية بدء الوحي، وأيضاً فإن قصة هرقل متضمنة كيفية حال النبي ◌َّ له، في ابتداء الأمر، وأيضاً فإن الآية المكتوبة إلى هرقل، والآية التي صدر بها الباب مشتملتان على أن الله تعالى أوحى إلى الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بإقامة الدين وإعلان كلمة التوحيد، يظهر ذلك بالتأمل. ١٣٧ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦) بيان رجاله: وهم ستة، وقد ذكر: الزهري، وعبيد الله بن عبد الله، وابن عباس وبقيت ثلاثة. الأول: أبو اليمان، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميم، واسمه: الحكم، بفتح الحاء المهملة والكاف، ابن نافع، بالنون والفاء، الحمصي البهراني، مولى امرأة من بهراء، بفتح الباء الموحدة وبالمد، يقال لها: أم سلمة، روى عن خلق منهم: إسماعيل بن عياش، وعنه خلائق منهم: أحمد، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، والذهلي. ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، وتوفي سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين، وليس في الكتب الستة من اسمه الحكم بن نافع غير هذا، وفي الرواة: الحكم بن نافع آخر، روى عنه الطبراني، وهو قاضي القلزم. والثاني: شعيب بن أبي حمزة، بالحاء المهملة والزاي، دينار القرشي الأموي، مولاهم، أبو بشر الحمصي، سمع خلقاً من التابعين، منهم الزهري، وعنه خلق. وهو ثقة حافظ متقن، مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وستين ومائة، وقد جاوز السبعين، وهذا الاسم مع أبيه من أفراد الكتب الستة، ليس فيها سواء. الثالث: أبو سفيان، واسمه: صخر، بالمهملة ثم بالمعجمة، ابن حرب، بالمهملة والراء وبالباء الموحدة، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، القرشي الأموي المكي، ويكنى بأبي حنظلة أيضاً، ولد قبل الفيل بعشر، وأسلم ليلة الفتح، وشهد الطائف وحنيناً، وأعطاه النبي عَّ له من غنائم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية، وفقئت عينه الواحدة يوم الطائف، والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد، فنزل بالمدينة ومات بها سنة إحدى وثلاثين وقيل: سنة أربع، وهو ابن ثمان وثمانين سنة؛ وصلى عليه عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وهو والد معاوية، وأخته صفية بنت حزن بن بحير بن الهدم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، وهي عمة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، روى عنه ابن عباس، وابنه معاوية وأبو سفيان في الصحابة جماعة، لكن أبو سفيان بن حرب من الأفراد. بيان الأسماء الواقعة فيه: منهم: هرقل، بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة إسكان الراء وكسر القاف: كخندف، منهم الجوهري، ولم يذكر القزاز غيره، وكذا صاحب (المرغب) ولما أنشد صاحب (المحكم) بيت لبيد بن ربيعة: وكما فعلن بتبع وبهرقل غلب الليالي خلف آل محرق بكسر الهاء وسكون الراء، قال: أراد هرقلاً، بفتح الراء، فاضطر فغير، والهرقل: المنخل، ودل هذا أن تسكين الراء ضرورة ليست بلغة، وجاء في الشعر أيضاً على المشهور. کدینار الهرقلي أصغرا واحتج بعضهم في تسكين الراء بما أنشده أبو الفرج لدعبل بن علي الخزاعي في ابن عباد وزير المأمون: أمر يدبره أبو عباد أولى الأمور بضيعة وفساد وكأنه من دير هرقل مفلت فرد يجر سلاسل الأقياد i i i i i i i جدة i ١٣٠٠ ١ - کتاب بدء الوحي / باب (٦) ١٣٨ قلت: لا يحتج بدعبل في مثل هذا، ولئن سلمنا يكون هذا أيضاً للضرورة. وزعم الجواليقي أنه عجمي تكلمت به العرب، وهو اسم علم له غير منصرف للعلمية والعجمة، ملك إحدى وثلاثين سنة، ففي ملكه مات النبي عَّله، ولقبه قيصر، كما أن كل من ملك الفرس يقال له: كسرى، والترك يقال له: خاقان. والحبشة: النجاشي، والقبط: فرعون، ومصر: العزيز، وحمير: تبع، والهند: دهمي، والصين: فغفور، والزنج: غانة، واليونان: بطلميوس، واليهود: قيطون، أو ماتح، والبربر: جالوت، والصابئة: نمرود، واليمن: تبعا، وفرعانة: أخشيد، والعرب من قبل العجم: النعمان، وافريقية: جرجير، وخلاط: شهرمان، والسندفور والحزز: رتبيل، والنوبة: كابل، والصقالبة: ماجداً، والأرمن: تقفور، والأجات: خدواند كار، وأشروشنه: أفشين، وخوارزم: خوارزم شاه، وجرجان: صول، وآذربيجان: اصبهيذ، وطبرستان سالار، وإقليم خلاط: شهرمان، ونيابة ملك الروم: مشق، واسكندرية: ملك مقوقس. وهرقل أول من ضرب الدينار وأحدث البيعة. فإن قلت: ما معنى الحديث الصحيح: ((إذا هلك قيصر فلا قیصر بعده، وإذا هلك کسری فلا کسری بعده)»؟ قلت: معناه لا قيصر بعده بالشام، ولا كسرى بعده بالعراق، قاله الشافعي في (المختصر). وسبب الحديث أن قريشاً كانت تأتي الشام والعراق كثيراً للتجارة في الجاهلية، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: لا قیصر ولا کسری، أي: بعدهما في هذين الإقلیمین، ولا ضرر عليكم، فلم يكن قيصر بعده بالشام، ولا کسری بعده بالعراق ولا يكون. ومعنى قيصر: التبقير، والقاف على لغتهم غير صافية، وذلك أن أمه لما أتاها الطلق به ماتت، فبقر بطنها عنه، فخرج حياً، وكان يفخر بذلك، لأنه لم يخرج من فرج، واسم قيصر في لغتهم مشتق من القطع، لأن أحشاء أمه قطعت حتى أخرج منها، وكان شجاعاً جباراً مقداماً في الحروب. ومنهم: دحية، بفتح الدال و کسرها، ابن خلیفة بن فروة بن فضالة بن زید بن امرىء القيس ابن الخزرج، بخاء مفتوحة معجمة، ثم زاي ساكنة ثم جيم، وهو العظيم، واسمه زيد مناة، سمي بذلك لعظم بطنه، ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف، وهو زيد اللات، وقيل: ابن عامر الأكبر بن بكر بن زيد اللات، وهو ما ساقه المزي أولاً، قال: وقيل: عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن عبد زيد اللات بن رفيدة، بضم الراء وفتح الفاء ابن ثور بن كلب بن وبرة، بفتح الباء، ابن تغلب، بالغين المعجمة، ابن حلوان بن عمران بن الحاف، بالحاء المهملة والفاء، ابن قضاعة بن معد بن عدنان، وقيل: قضاعة إنما هو ابن مالك بن حمير بن سبأ، كان من أجلّ الصحابة وجهاً، ومن كبارهم، وكان جبريل، عليه الصلاة والسلام، يأتي النبي ◌َّلُ في صورته. وذكر السهيلي عن ابن سلام في قوله تعالى: ﴿أو لهواً انفضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١] قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، وروي أنه كان إذا قدم الشام لم تبق معصر إلاَّ خرجت للنظر إليه. قال ابن سعد: أسلم قديماً ولم يشهد بدراً، وشهد المشاهد بعدها، وبقي إلى خلافة معاوية، وقال غيره: شهد اليرموك، ١٣٩ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦) وسكن المزة قرية بقرب دمشق، ومزة، بكسر الميم وتشديد الزاي المعجمة، وليس في الصحابة من اسمه دحية سواه، ولم يخرج من الستة حديثه إلاّ السجستاني في سننه وهو من أصحاب المحدثين، قاله ابن البرقي. وقال البزار، لما ساق الحديث من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد عنه: لم يحدث عن النبي ◌ٍَّ إلاَّ هذا الحديث. ومنهم: أبو كبشة، رجل من خزاعة كان يعبد الشعرى العبور، ولم يوافقه أحد من العرب على ذلك، قاله الخطابي. وفي (المختلف والمؤتلف) للدارقطني: إن اسمه وجز بن غالب، من بني غبشان، ثم من بني خزاعة. وقال أبو الحسن الجرجاني النسابة، في معنى نسبة الجاهلية إلى النبي عَّدٍ لأبي كبشة: إنما ذلك عداوة له، ودعوة إلى غير نسبه المعلوم المشهور، وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو آمنة يكنى بأبي كبشة، وكذلك عمرو بن زيد بن أسد النجاري أبو سلمى أم عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، وهو خزاعي، وكان وجز بن غالب بن حارث، أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف بن زهرة أبو أم جده لأمه يكنى أبا كبشة، وهو خزاعي، وكان أبوه من الرضاعة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي یکنی بذلك أيضاً. وقيل: إنه والد حليمة مرضعته، حكاه ابن ماكولا، وذكر الكلبي في (كتاب الدفائن): أن أبا كبشة هو حاضن النبي عَّهِ، زوج حليمة ظئر النبي عَّه، واسمه الحارث كما سلف، وقد روى عن النبي عَّ حديثاً، ونقل ابن التين في الجهاد، عن الشيخ أبي الحسن: أن أبا كبشة جد ظئر النبي عَّله، فقيل له: قيل: إن في أجداده ستة يسمون أبا كبشة، فأنكر ذلك. بيان الأسماء المبهمة: منها: ابن الناطور، قال القاضي: هو بطاء المهملة، وعند الحموي بالمعجمة. قال أهل اللغة: فلان ناطور بني فلان، وناظرهم، بالمعجمة المنظور إليه منهم. والناطور، بالمهملة: الحافظ النخل، عجمي تكلمت به العرب. قال الأصمعي: هو من النظر، والنبط يجعلون الظاء طاء، وفي (العباب) في فصل الطاء المهملة: الناطر والناطور: حافظ الكرم، والجمع: النواطير. وقال ابن دريد: الناطور ليس بعربي. فافهم. ومنها: ملك غسان، وهو الحارث بن أبي شمر، أراد حزب النبي صَّةٍ. وخرج إليهم في غزوة، ونزل قبيل بن كندة ماء يقال له غسان بالمشلل فسموا به، وقال الجوهري: غسان اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد، فنسبوا إليه، منهم: بنو جفنة رهط الملوك، ويقال: غسان اسم قبيلة، وقال ابن هشام: غسان ماء بسد مأرب، ويقال له: ماء بالمشلل قريب من الجحفة. وحكى المسعودي: إن غسان ما بين زبيد وزمع بأرض اليمن، والمشلل: بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد اللام المفتوحة، قال في (العباب): جبل يهبط منه إلى قدید. وقال صاحب (المطالع): المشلل قديد من ناحية البحر، وهو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد. ومنها: بنو الأصفر، وهم: الروم، سموا بذلك لأن حبشياً غلب على ناحيتهم في بعض الدهور فوطىء نساءهم، فولدت أولاداً فيهم بياض الروم وسواد الحبشة، فكانوا صفراً، فنسب الروم إلى الأصفر لذلك، قاله ابن الأنباري. وقال الحربي: نسبة إلى الأصفر بن الروم بن ٠٠٦ i i ١ i ١٣٧٤ ٠٣٠ ١٤٠ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦) عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، قال القاضي عياض: وهو الأشبه، وعبارة القزاز: قال قوم بنو الأصفر من الروم، وهم ملوكهم، ولذلك قال علي بن زيد: وبنو الأصفر الكرام ملوك الــ روم لم يبق منهُمُ مذكور قال: ويقال: إنما سموا بذلك لأن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، عليهما السلام، كان رجلاً أحمر، أشعر الجلد، كان عليه خواتيم من شعر، وهو أبو الروم، وكان الروم رجلاً أصفر في بياض شديد الصفرة، فمن أجل ذلك سموا به، وتزوج عيصو بنت عمه إسماعيل بن إسحاق، عليهما السلام، فولدت له الروم بن عيصو، وخمسة أخرى فكل من في الروم فهو من نسل هؤلاء الرهط. وفي (المغيث): تزوج الروم بن عيصو إلى الأصفر ملك الحبشة، فاجتمع في ولده بياض الروم وسواد الحبشة، فأعطوا جمالاً، وسموا: ببني الأصفر. وفي (تاريخ دمشق) لابن عساكر: تزوج بها طيل الرومي إلى النوبة، فولد له الأصفر. وفي (التيجان) لابن هشام: إنما قيل لعيصو بن إسحاق الأصفر لأن جدته سارة حلته بالذهب، فقيل له ذلك الصفرة الذهب. قال: وقال بعض الرواة: إنه كان أصفر، أي أسمر إلى صفرة، وذلك موجود في ذريته إلى اليوم، فإنهم سمر كحل الأعين. وفي (خطف البارق): كانت امرأة ملكت على الروم فخطبها كبار دولتها واختصموا فيها، فرضوا بأول داخل عليهم يتزوجها، فدخل رجل حبشي فتزوجها، فولدت منه ولداً سمته أصفر لصفرته، فبنو الأصفر من نسله. ومنها: الروم، وهم هذا الجيل المعروف. قال الجوهري: هم من ولد الروم بن عيصو، واحدهم: رومي، كزنجي وزنج، وليس بين الواحد والجمع إلاّ الياء المشددة، كما قالوا: تمرة وتمر، ولم يكن بين الواحد والجمع إلاَّ الهاء، وقال الواحدي: ھم جيل من ولد إرم بن عيص بن إسحاق، غلب عليهم فصار كالاسم للقبيلة، وقال الرشاطي: الروم منسوبون إلى رومي بن النبطي بن يونان بن يافث بن نوح - عليه السلام - فهؤلاء الروم من اليونانيين، وقوم من الروم يزعمون أنهم من قضاعة من تنوخ وبهراء وسليخ، وكانت تنوخ أكثرها على دين النصارى، وكل هذه القبائل خرجوا مع هرقل عند خروجهم من الشام فتفرقوا في بلاد الروم. ومنها: قريش وهم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسمه عامر دون سائر ولد كنانة، وهم: مالك وملكان ومويلك وغزوان وعمر وعامر أخوة النضر لأبيه وأمه، وأمهم مرة بنت مر، أخت تميم بن مر، وهذا قول: الشعبي، وابن هشام، وأبي عبيدة، ومعمر بن المثنى، وهو الذي ذكره الجوهري، ورجحه السمعاني، وغيره. قال النووي: وهو قول الجمهور؛ وقال الرافعي: قال الأستاذ أبو منصور: هو قول أكثر النسابين، وبه قال الشافعي وأصحابه. وهو أصح ما قيل. وقيل: إن قريشاً بنو فهر بن مالك، وفهر جماع قريش، ولا يقال لمن فوقه قرشي، وإنما يقال له كناني، رجحه الزبيدي بن بكار وحكاه عن عمه مصعب بن عبد الله، قال: وهو قول من أدركت من نساب قريش، ونحن أعلم بأمورنا وأنسابنا. وذكر الرافعي وجهين غريبين، قال: ومنهم من قال: هم ولد الياس بن مضر، ومنهم من قال: هم ولد مضر بن نزار، وفي (العباب): قريش قبيلة، وأبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وكل ١٠/١