النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
ههنا، وهو الصحيح، لأنه ابن عمها، ووقع في رواية لمسلم: ((يا عم))، وقال بعضهم: هذا
وهم، لأنه وإن كان صحيحاً لإرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد، فلا يحمل
على أنها قالت ذلك مرتين، فتعين الحمل على الحقيقة. قلت: هذا ليس بوهم بل هو
صحيح لأنها سمته عمها مجازاً، وهذا عادة العرب يخاطب الصغير الكبير: بيا عم! احتراماً له
ورفعاً لمرتبته، ولا يحصل هذا الغرض بقولها: يا ابن عم، فعلى هذا تكون تكلمت باللفظين،
وكون القصة متحدة لا تنافي التكلم باللفظين. قوله: ((الذي نزل الله)) وفي رواية الكشميهني:
(أنزل الله))، وفي التفسير: (أنزل)) على ما لم يسم فاعله. والفرق بين: أنزل ونزل: أن الأول
يستعمل في إنزال الشيء دفعة واحدة، والثاني يستعمل في تنزيل الشيء دفعة بعد دفعة، وقتاً
بعد وقت. ولهذا قال الله تعالى في حق القرآن: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾ [آل عمران:
٣]، وفي حق التوراة والإنجيل: ﴿وأنزل التوراة والإنجيل﴾ [آل عمران: ٣] فإن قلت: قال:
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] قلت: معناه: أنزلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت
العزة في السماء الدنيا دفعة واحدة، ثم نزل على الرسول - عليه السلام - من بيت العزة في
عشرين سنة، بحسب الوقائع والحوادث.
قوله: (على موسى، عليه السلام)) هكذا هو في (الصحيحين). وجاء في غير
(الصحيحين): نزل الله على عيسى، وكلاهما صحيح، أما عيسى فلقرب زمنه، وأما موسى
فلأن كتابه مشتمل على الأحكام، بخلاف كتاب عيسى فإنه كان أمثالاً ومواعظ، ولم يكن
فيه حكم. وقال بعضهم: لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى،
وكذلك وقعت النقمة على يد النبي، عليه الصلاة والسلام، بفرعون هذه الأمة وهو أبو
جهل بن هشام، ومن معه. قلت: هذا بعيد، لأن ورقة ما كان يعلم بوقوع النقمة على أبي
جهل في ذلك الوقت، كما كان في علمه بوقوع النقمة على فرعون على يد موسى - عليه
السلام - حتى يذكر موسى ويترك عيسى. وقال آخرون: ذكر موسى تحقيقاً للرسالة، لأن
نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى، بخلاف عيسى فإن بعض اليهود ينكرون
نبوته. وقال السهيلي: إن ورقة كان تنصر، والنصارى لا يقولون في عيسى إنه نبي يأتيه جبريل
- عليه السلام - وإنما يقولون: إن أقنوماً من الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح على
اختلاف بينهم في ذلك الحلول، وهو أقنوم الكلمة، والكلمة عندهم عبارة عن العلم، فلذلك
كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب ويخبر بما في الغد في زعمهم الكاذب، فلما كان هذا
مذهب النصارى عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى، لعلمه ولاعتقاده أن جبريل - عليه
السلام - كان ينزل على موسى - عليه السلام - ثم قال: لكن ورقة قد ثبت إيمانه بمحمد
عَّ له: قلت: لا يحتاج إلى هذا التمحل، فإنه روى عنه مرة ناموس موسى ومرة ناموس عيسى،
فقد روى أبو نعيم في (دلائل النبوة) بإسناد حسن إلى هشام بن عروة، عن أبيه في هذه
القصة: ((أن خديجة أولاً أتت ابن عمها ورقة فأخبرته، فقال: لئن كنت صدقت أنه ليأتيه
ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل)) وروى الزبير بن بكار أيضاً من طريق عبد الله بن
١
i
2001
. جوة

١٠٢
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
معاذ، عن الزهري في هذه القصة. ((أن ورقة قال: ناموس عيسى)). وعبد الله بن معاذ ضعيف.
فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها: ناموس عيسى بحسب ما هو فيه من النصرانية، وعند
إخبار النبي، عليه الصلاة والسلام، له قال له: ناموس موسى، والكل صحيح. فافهم.
قوله: (يا ليتني فيها جذعا)) هكذا رواية الجمهور، وفي رواية الأصيلي: جذع،
بالرفع، وكذا وقع لابن ماهان، بالرفع في (صحيح مسلم)، والأكثرون فيه أيضاً على النصب.
قوله: ((إذ يخرجك)) وفي رواية للبخاري في التعبير: ((حين يخرجك)). قوله: ((إِلاَّ عُودي)).
وذكر البخاري في التفسير: ((إلاَّ أوذي)) من الأذى، وهو رواية يونس. قوله: ((وإن يدركني
یومك))، وزاد في رواية يونس: ((حيا))، وفي (سيرة ابن إسحاق): ((إن أدركت ذلك اليوم)).
يعني: يوم الإخراج، وفي (سيرة ابن هشام): ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً
يعلمه، ثم أدنى رأسه منه يقبل يافوخه. وقيل: ما في البخاري هو القياس. لأن ورقة سابق
بالوجود، والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء: ((أشقى الناس من أدركته الساعة
وهو حي)) ثم قيل: ولرواية ابن إسحاق وجه، لأن المعنى: إن أَرَ ذلك اليوم، فسمى رؤيته
إدراكاً. وفي التنزيل: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي: لا تراه، على أحد القولين.
قلت: هذا تأويل بعيد، فلا يحتاج إليه، لأنه لا فرق بين: إن يدركني، وبين: إن أدركت، في
المعنى، لأن: إن، تقرب معنى الماضي من المستقبل، وهو ظاهر لا يخفى. قوله: ((وفتر
الوحي)) وزاد البخاري بعد هذا في التعبير: ((وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي، عليه الصلاة
والسلام، فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل
لكي يلقي منه نفسه يتراءى له جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً،
فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه، حتى يرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك،
فإِذا أوفى بذروة جبل يتراءى له جبريل، فقال له مثل ذلك)). وهذا من بلاغات معمر، ولم
يسنده، ولا ذكر راويه، ولا أنه - عليه السلام - قاله. ولا يعرف هذا من النبي عَّ له، مع أنه قد
يحمل على أنه كان أول الأمر قبل رؤية جبريل، عليه الصلاة والسلام، كما جاء مبيناً عن ابن
إسحاق عن بعضهم، أو أنه فعل ذلك لما أحرجه تكذيب قومه، كما قال تعالى: ﴿فلعلك
باخع نفسك﴾ [الكهف: ٦] أو خاف أن الفترة لأمرٍ أو سببٍ، فخشي أن يكون عقوبة من
ربه، ففعل ذلك بنفسه، ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذلك فیعترض به، ونحو هذا فرار يونس
- عليه السلام - حين تكذيب قومه، والله أعلم.
بيان الصرف: قوله: ((يحيي) فعل مضارع في الأصل، فوضع علماً. قوله: (بكير))
تصغير: بكر، بفتح الباء، وهو من الإبل بمنزلة الفتى من الناس، والبكرة بمنزلة الفتاة، والليث،
اسم من أسماء الأسد، والجمع: الليوث، وفلان أليث من فلان، أي: أشد وأشجع، وعقيل،
تصغير عقل المعروف، أو عقل بمعنى الدية، وشهاب، بكسر الشين المعجمة شعلة نار ساطعة.
والجمع: شهب وشهبان، بالضم، عن الأخفش، مثال: حساب وحسبان، وشهبان، بالكسر عن
غيره، وإن فلاناً لشهاب حرب إذا كان ماضياً فيها شجاعاً، وجمعه شهبان، والشهاب، بالفتح:

١٠٣
١ - كتاب بدء الوحى / باب (٣)
اللبن الممزوج بالماء، وعروة، في الأصل: عروة الكوز والقميص، والعروة أيضاً من الشجر
الذي لا يزال باقياً في الأرض لا يذهب، وجمعه: عرى، والعروة: الأسد أيضاً، وبه سمي
الرجل: عروة. والزبير: تصغير زبر وهو: العقل، والزبر: الزجر، والمنع أيضاً، والزبر: الكتابة.
وعائشة، من العيش، وهو ظاهر. قوله: ((بدىء به)) على صيغة المجهول. قوله: ((الرؤيا))
مصدر، كالرجعى مصدر رجع، ويختص برؤيا المنام كما اختص: الرأي بالقلب، والرؤية
بالعين. قوله: ((ثم حبب)) على صيغة المجهول أيضاً، والخلاء مصدر بمعنى الخلوة. قوله:
((فيتحنث)) من باب: التفعل، وهو للتكلف ههنا، كتشجع إذا استعمل الشجاعة، وكلف نفسه
إياها لتحصل، وكذلك قوله: ((وهو التعبد)) من هذا الباب، وهو استعمال العبادة لتكليف نفسه
إياه، وكذلك قوله: ((ويتزود)) من هذا الباب، وكذلك قوله: ((تنصر)) من هذا الباب. قوله:
((أو مخرجي؟)) أصله: مخرجون، جمع اسم الفاعل، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نونه
للإضافة، فانقلبت واوهُ ياءً، وأدغمت في ياء المتكلم.
بيان الإعراب: قوله: ((أول ما بدى)) كلام إضافي مرفوع بالابتداء، وخبره. قوله:
(الرؤيا الصالحة)) وكلمة: من، في قوله: (من الوحي)) لبيان الجنس، قاله القزاز، كأنها
قالت: من جنس الوحي، وليست الرؤيا من الوحي حتی تکون للتبعیض وهذا مردود، بل جوز
أن يكون للتبعيض، لأن الرؤيا من الوحي، كما جاء في الحديث: ((إنها جزء من النبوة)).
قوله: ((الصالحة)) صفة للرؤيا، إما صفة موضحة للرؤيا، لأن غير الصالحة تسمى بالحلم كما
ورد: ((الرؤيا من اله والخّلم من الشيطان))، وإما مخصصة، أي: الرؤيا الصالحة لا الرؤيا
السيئة، أو لا الكاذبة المسماة بأضغاث الأحلام، والصلاح إما باعتبار صورتها، وإما باعتبار
تعبيرها. قال القاضي: يحتمل أن يكون معنى الرؤيا الصالحة والحسنة حسن ظاهرها، ويحتمل
أن المراد صحتها، ورؤيا السوء تحتمل الوجهين أيضاً: سوء الظاهر وسوء التأويل. قوله: ((في
النوم)) لزيادة الإيضاح والبيان، وإن كانت الرؤيا مخصوصة بالنوم كما ذكرنا عن قريب، أو
ذکر لدفع وهم من یتوهم أن الرؤیا تطلق على رؤية العین. قوله: ((و کان لا يرى رؤيا)) بلا
تنوين، لأنه كحبلى. قوله: ((مثل)) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إلاّ
جاءت مجيئاً مثل فلق الصبح، أي: شبيهة لضياء الصبح، وقال أكثر الشراح: إنه منصوب على
الحال، وما قلنا أولى، لأن الحال مقيدة، وما ذكرنا مطلق، فهو أولى على ما يخفى على
النابغة من التراكيب. قوله: ((الخلاء)) مرفوع بقوله: محبب. لأنه فاعل ناب عن المفعول،
والنكتة فيه التنبيه على أن ذلك من وحي الإلهام، وليس من باعث البشر. قوله: ((حراء)»
بالتنوين والجر بالإضافة، كما ذكرنا. قوله: ((فيتحنث)) عطف على قوله: ((يخلو)) ولا يخلو
عن معنى السببية لأن اختلاءه هو السبب للتحنث. قوله: ((فيه)) أي: في الغار، محله النصب
على الحال. قوله: ((وهو التعبد)): الضمير يرجع إلى التحنث الذي يدل عليه قوله:
(فيتحنث)) كما في قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨] أي: العدل أقرب
للتقوى، وهذه جملة معترضة بين قوله: ((فيتحنث فيه) وبين قوله: ((الليالي))، لأن الليالي
جدة
i
١
i

١٠٤
١ - کتاب بدء الوحي / باب (٣)
منصوب على الظرف والعامل فيه: ((يتحنث))، لا قوله: ((التعبد))، وإلاَّ يفسد المعنى: فإن
التحنث لا يشترط فيه الليالي، بل هو مطلق التعبد، وأشار الطيبي بأن هذه الجملة مدرجة من
قول الزهري، لأن مثل ذلك من دأبه، ويدل عليه ما رواه البخاري في التفسير من طريق
يونس، عن الزهري. قوله: ((ذوات العدد)) منصوب لأنه صفة الليالي، وعلامة النصب كسر
التاء، وأراد بها الليالي مع أيامهن على سبيل التغليب، لأنها أنسب للخلوة. قال الطيبي:
وذوات العدد عبارة عن القلة، نحو: ﴿دراهم معدودة﴾ [يوسف: ٢٠] وقال الكرماني، يحتمل
أن يراد بها الكثرة. إذ الكثير يحتاج إلى العدد لا القليل، وهو المناسب للمقام. قلت: أصل
مدة الخلوة معلوم وكان شهراً، وهو شهر رمضان كما رواه ابن إسحاق في (السيرة)، وإنما
أبهمت عائشة، رضي الله عنها، العدد ههنا لاختلافه بالنسبة إلى المدة التي يتخللها مجيئه
إلى أهله. قوله: ((ويتزود)» بالرفع عطف على قوله: ((يتحنث)) وليس هو بعطف على ((أن
ينزع)) لفساد المعنى. قوله: ((لذلك)) أي: للخلو، أو: للتعبد. قوله: ((لمثلها)) أي لمثل الليالي.
قوله: ((حتى جاءه الحق)) كلمة: حتى، ههنا للغاية وههنا محذوف، والتقدير: حتى جاءه
الأمر الحق وهو الوحي الكريم. قوله: ((فجاءه الملك)) الألف واللام فيه للعهد، أي: جبريل -
عليه السلام - وهذه الفاء ههنا: الفاء التفسيرية، نحو قوله تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا
أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] إذ القتل نفس التوبة على أحد التفاسير، وتسمى: بالفاء التفصيلية،
أيضاً، لأن مجيء الملك تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق، ولا شك أن المفصل نفس
المجمل، ولا يقال: إنه تفسير الشيء بنفسه. لأن التفسير، وإن كان عين المفسر به من جهة
الإجمال، فهو غيره من جهة التفصيل، ولا يجوز أن تكون الغاء هنا: الفاء التعقيبية، لأن
مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقب به، بل مجيء الملك هو نفس الوحي،
هكذا قالت الشراح، وفيه بحث، لأنه يجوز أن يكون المراد من قوله: ((حتى جاءه الحق)):
الإلهام أو سماع هاتف، ويكون مجيء الملك بعد ذلك بالوحي، فحينئذٍ يصح أن تكون الفاء
للتعقيب. قوله: ((فقال اقرأ)) الغاء هنا: للتعقيب. قوله: (ما أنا بقارئء)) قالت الشراح: كلمة:
ما، نافية، واسمها هو قوله: (أنا)) وخبرها هو قوله: ((بقارئ)). ثم الباء فيه زائدة لتأكيد النفي،
أي: ما أحسن القراءة، وغلطوا من قال: إنها استفهامية لدخول الباء في الخبر. وهي تدخل
على ما الاستفهامية، ومنعوا استنادهم بما جاء في رواية: ((ما أقرأ)) بقولهم: يجوز أن يكون:
ما، ههنا أيضاً نافية. قلت: تغليطهم ومنعهم ممنوعان، أما قولهم: إن الباء لا تدخل على: ما،
الاستفهامية فهو ممنوع، لأن الأخفش جوز ذلك، أما قولهم: يجوز أن يكون: ما، في رواية:
(ما أقرأ))، نافية فاحتمال بعيد، بل الظاهر أنها استفهامية تدل على ذلك رواية أبي الأسود في
(مغازيه) عن عروة أنه قال: ((كيف أقرأ))؟ والعجب من شارح أنه ذكر هذه الرواية في شرحه
وهي تصرح بأن: ما استفهامية، ثم غلط من قال: إنها استفهامية. قوله: ((الجهد))، بالرفع
والنصب. أما الرفع فعلى كونه فاعلاً لبلغ، يعني: بلغ الجهد مبلغه، فحذف: مبلغه، وأما
النصب فعلى كونه مفعولاً، والفاعل محذوف. يجوز أن يكون التقدير: بلغ مني الجهد
١٢٠٠

١٣٧٢
١٠٥
١ - کتاب بدء الوحي / باب (٣)
الملك، أو بلغ الغطُ مني الجهدَ، أي: غاية وسعي، وقال التوربشتي: لا أرى الذي يروي
بنصب الدال إلاّ قد وَهَم فيه، أو جوزه بطريق الاحتمال، فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى
أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطه، وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد، وقال الكرماني:
وهذا قول غير سديد، فإن البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوة الملكية، لا سيما في مبدأ
الأمر، وقد دلت القصة على أنه اشمأز من ذلك وتداخله الرعب. وقال الطيبي: لا شك أن
جبريل - عليه السلام - في حالة الغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند
سدرة المنتهى، وعندما رآه مستوياً على الكرسي، فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي
تجلى له وغطه، وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد. قوله: ((فرجع بها)) أي: بالآيات وهي
قوله: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [الفلق: ١] إلى آخرهن، وقال بعضهم: أي بالآيات أو: بالقصة.
فقوله: ((أو بالقصة)) لا وجه له أصلاً على ما لا يخفى. قوله: ((يرجف فؤاده)) جملة في محل
النصب على الحال، وقد علم أن المضارع إذا كان مثبتاً ووقع حالاً لا يحتاج إلى الواو.
قوله: ((وأخبرها الخبر)) جملة حالية أيضاً. قوله: ((لقد خشيت)) اللام فيه: جواب القسم
المحذوف، أي: والله لقد خشيت، وهو مقول قال. قوله: ((فانطلقت به خديجة)) أي: انطلقا
إلى ورقة، لأن الفعل اللازم إذا عدي بالباء يلزم منه المصاحبة، فيلزم ذهابهما، بخلاف ما
عدي بالهمزة نحو: أذهبته، فإنه لا يلزم ذلك. قوله: ((ابن عم خديجة)) قال النووي: هو
بنصب: ابن، ويكتب بالألف لأنه بدل من ورقة. فإنه: ابن عم خديجة، لأنها بنت خويلد بن
أسد، وهو ورقة بن نوفل بن أسد، ولا يجوز جر: ابن، ولا كتابته بغير الألف، لأنه يصير صفة
لعبد العزى، فيكون عبد العزى ابن عم خديجة وهو باطل. وقال الكرماني: كتابة الألف
وعدمها لا تتعلق بكونه متعلقاً بورقة وبعبد العزى، بل علة إثبات الألف عدم وقوعه بين
العلمين، لأن العم ليس علماً. ثم الحكم بكونه: بدلاً، غير لازم لجواز أن يكون صفة، أو
بياناً له قلت: ما ادعى النووي لزوم البدل حتى يخدش في كلامه، فإنه وجه ذكره، ومثل
ذلك عبد الله بن مالك ابن بحينة، ومحمد بن علي ابن الحنفية والمقداد بن عمرو ابن
الأسود، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علیة، وإسحاق بن إبراهيم ابن راهويه، وأبو عبد الله بن یزید
ابن ماجه، فبحينة أم عبد الله، والحنفية أم محمد والأسود ليس بجد المقداد، وإنما هو قد
تبناه، وعلية أم إسماعيل، وراهويه لقب إبراهيم، وماجه لقب يزيد، وكل ذلك يكتب بالألف
ویعرب یإعراب الأول، ومثل ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول بتنوین أبي، ویکتب ابن سلول
بالألف ويعرب إعراب عبد الله، في الأصح. قوله: ((ما شاء الله)) كلمة: ما، موصولة، وشاء،
صلتها، والعائد محذوف، وإن، مصدرية مفعول شاء، والتقدير: ما شاء الله كتابته. قوله: ((قد
عمي) حال. قوله: ((اسمع من ابن أخيك)) إنما أطلقت الأخوة: لأن الأب الثالث لورقة، هو
الأخ للأب الرابع لرسول الله عَ له، كأنه قال: ابن أخي جدك، على سبيل الإضمار، وفي ذكر
لفظ الأخ استعطاف. أو جعلته عمّاً لرسول الله، عليه الصلاة والسلام، أيضاً احتراماً له على
سبيل التجوز. قوله: ((ماذا ترى)) في إعرابه أوجه. الأول: أن يكون: ما استفهاماً، و: ذا،
■ جوز
٠٠٠٠
• هوة
i
٠٠٥٦
١
١
i
١

١٠٦
١ - کتاب بدء الوحي / باب (٣)
إشارة نحو ماذا التداني ماذا الوقوف. الثاني: أن يكون ما، استفهاماً: وذا، موصولة كما في
قول لبید:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول
فما مبتدأ بدليل إبداله المرفوع منها، وذا، موصول بدليل افتقاره للجملة بعده، وهو
أرجح الوجهين في: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾ [البقرة: ٢١٩]. الثالث: أن يكون ماذا، كله
استفهاماً على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟ الرابع: أن يكون: ماذا كله اسم جنس، بمعنى:
شيء، أو موصولاً. الخامس: أن يكون: ما، زائدة، و: ذا للإشارة. السادس: أن يكون: ما،
استفهاماً و: ذا، زائدة، أجازه جماعة منهم ابن مالك في نحو: ماذا صنعت؟. قوله: ((يا ليتني
فيها)) أي: في أيام النبوة، أو: في الدعوة. وقال أبو البقاء العكبري: المنادى ههنا محذوف
تقديره: يا محمد ليتني كنت حياً، نحو: ﴿يا ليتني كنت معهم﴾ [النساء: ٧٣] تقدیرہ: یا
قوم ليتني، والأصل فيه أن: يا، إذا وليها: ما، لا يصلح للنداء كالفعل في نحو: (ألا يا
اسجدوا) والحرف في نحو: يا ليتني، والجملة الاسمية نحو:
يا لعنة الله والأقوام كلهم
فقيل: هي للنداء، والمنادى محذوف، وقيل: لمجرد التنبيه لئلا يلزم الإجحاف
بحذف الجملة كلها، وقال ابن مالك في ((الشواهد)): ظن أكثر الناس أن: يا، التي تليها:
ليت، حرف نداء، والمنادى محذوف، وهو عندي ضعيف، لأن قائل: ليتني، قد يكون
وحده، فلا يكون معه منادى. كقول مريم: ﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾ [مريم: ٢٣] وكأن
الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه مستعملاً فيه ثبوته، کحذف
المنادى قبل أمر أو دعاء، فإنه يجوز حذفه لكثرة ثبوته ثمة، فمن ثبوته قبل الأمر: ﴿یا يحيى
خذ الكتاب﴾ [مريم: ١٢] وقبل الدعاء: ﴿يا موسى ادع لنا ربك﴾ [الأعراف: ١٣٤] ومن
حذفه قبل الأمر: ((ألا يا اسجدوا)) في قراءة الكسائي أي: يا هؤلاء اسجدوا، قبل الدعاء قول
الشاعر:
ولا زال منهلاً بجرعاتك القطر
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى
أي: يا دار اسلمي، فحسن حذف المنادى قبلها اعتياد ثبوته، بخلاف: ليت، فإن
المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتاً، فادعاء حذفه باطل، فتعين كون: يا هذه، لمجرد التنبيه
مثل: ألاَ، في نحو:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
قلت: دعواه ببطلان الحذف غير سديدة، لأن دليله لم يساعده، أما قوله: لأن قائل:
ليتني، قد يكون وحده ... الخ، فظاهر الفساد لأنه يجوز أن يقدر فيه نفسي، فيخاطب نفسه
على سبيل التجريد، فالتقدير في الآية: يا نفسي ليتني مت قبل هذا، وههنا أيضاً يكون
التقدير: يا نفسي ليتني كنت فيها جذعاً، وأما قوله: ولأن الشيء إنما يجوز حذفه، فظاهر البعد
لأنه لا ملازمة بين جواز الحذف وبين ثبوت استعماله فيه، فافهم. قوله: ((جذعاً) بالنصب

٠٠٠
١٠٧
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
والرفع. وجه النصب: أن يكون خبر كان المقدر، تقديره: ليتني أكون جذعاً. وإليه مال
الكسائي، وقال القاضي عياض: هو منصوب على الحال، وهو منقول عن النحاة البصرية،
وخبر: ليت، حينئذٍ قوله: ((فيها)). والتقدير: ليتني كائن فيها حال شبيبة وصحة وقوة
لنصرتك، وقال الكوفيون: ليت أعملت عمل: تمنيت، فنصب الجزأين كما في قول الشاعر:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
وجه الرفع ظاهر، وهو كونه خبر: ليت. قوله: ((إذ يخرجك قومك)) قال ابن مالك:
استعمل فيه: إذ في المستقبل، كإذا، وهو استعمال صحيح، وغفل عنه أكثر النحويين، ومنه
قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ [مريم: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم
الآزفة إذ القلوب﴾ [غافر: ١٨] وقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر:
٧١] قال: وقد استعمل كل منهما في موضع الآخر، ومن استعمال: إذا، موضع: إذ، نحو
قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١] لأن الانفضاض واقع فيما
مضى، وقال بعضهم: هذا الذي ذكره ابن مالك قد أقره عليه غير واحد، وتعقبه شيخنا بأن
النحاة لم يغفلوا عنه، بل منعوا وروده، وأولوا ما ظاهره ذلك، وقالوا في مثل هذا: استعمل
الصيغة الدالة على المضي لتحقق وقوعه، فأنزلوه منزلته، ويقوي ذلك هنا أن في رواية
البخاري، في التعبير: حين يخرجك قومك، وعند التحقيق ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب
مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولى لما يبتني عليه من أن إيقاع
المستقبل في صورة الماضي تحقيقاً لوقوعه أو استحضاراً للصورة الآتية في هذه دون تلك.
قلت: بل غفلوا عنه، لأن التنبيه على مثل هذا ليس من وظيفتهم، وإنما هو من وظيفة أهل
المعاني. وقوله: بل منعوا وروده؛ كيف يصح وقد ورد في القرآن في غير ما موضع؟ وقوله:
وأولوا ما ظاهره ينافي قوله: منعوا وروده وكيف نسب التأويل إليهم وهو ليس إليهم، وإنما هو
إلى أهل المعاني؟ قوله: ومجازهم أولى. الخ بعيد عن الأولوية، لأن التعليل الذي علله لهم
هو عين ما علله ابن مالك في قوله: استعمل: إذ، في المستقبل كإذا، وبالعكس. فمن أين
الأولوية؟ قوله: ((أَوَمخرجيَّ هم؟)): جملة إسمية، لأن: هم، مبتدأ و: مخرجي، مقدماً خبره،
ولا يجوز العكس، لأن مخرجي نكرة، فإن إضافته لفظية إذ هو اسم فعل بمعنى الاستقبال، وقد
قلنا إن أصله: مخرجون، جمع: مخرج من الإخراج، فلما أضيفت إلى ياء المتكلم سقطت
النون وأدغمت الياء في الياء، فصار مخرجي بتشديد الياء، ويجوز أن يكون: مخرجي مبتدأ
وهم فاعلاً سد مسد الخبر على لغة: أکلوني البراغيث، ولو روى مخرجي، بسكون الياء أو
فتحها مخففة على أنه مفرد يصح جعله مبتدأ، وما بعده فاعلاً سد مسد الخبر، كما تقول:
أومخرجي بنو فلان؟ لاعتماده على حرف الاستفهام، لقوله، عليه الصلاة ولاسلام: ((أحيَّ
والداك))؟ والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر، ومنه قول الشاعر:
أم اقتفيتم جميعاً نهج عرقوب
أمنجزّ أَنْتُمُ وعداً وثقت به
وقال ابن مالك: الأصل في أمثال هذا تقديم حرف العطف على الهمزة، كما تقدم
!
وحدة
i
i

١٠٨
.-.
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
على غيرها من أدوات الاستفهام، نحو: ﴿وكيف تكفرون﴾ [آل عمران: ١٠١] و﴿فأنى
تؤفكون﴾ [الأنعام: ٩٥، ويونس: ٣٤، وفاطر: ٣، وغافر: ٦٢] و﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير:
٢٦]، والأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كهذا المثال، وكان ينبغي أن يقال: وأمخرجي،
فالواو للعطف على ما قبلها من الجمل، والهمزة للاستفهام، لأن أداة الاستفهام جزء من جملة
الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من الجمل، والعاطف لا يتقدم عليه جزء ما عطف
عليه، ولكن خصت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهاً على أنه أصل أدوات الاستفهام، لأن
الاستفهام له صدر الكلام، وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة فأرادوا التنبيه عليه، وكانت
الهمزة بذلك أولى لأصالتها، وقد غفل الزمخشري عن هذا المعنى، فادعى أن بين الهمزة
وحرف العطف جملة محذوفة معطوفاً عليها بالعاطف ما بعده. قلت: لم يغفل الزمخشري
عن ذلك، وإنما ادعى هذه الدعوى لدقة نظر فيه، وذلك لأن قوله: ((أومخرجي هم)) جواب
ورد على ((إذ يخرجك)» على سبيل الاستبعاد والتعجب، فكيف يجوز أن يقدر فيه تقديم
حرف العطف على الهمزة؟ ولأن هذه إنشائيه وتلك خبرية. فلأجل ذلك قدمت الهمزة، على
أن أصلها: أمخرجي هم، بدون حرف العطف، ولكن لما أريد مزيد استبعاد وتعجب جيء
بحرف العطف على مقدر تقديره: أمعاديَّ هم ومخرجيَّ هم؟ وأما إنكار الحذف في مثل هذه
المواضع فمستبعد. لأن مثل هذه الحذوف من حلية البلاغة لا سيما حيث الأمارة قائمة
عليها، والدليل عليها هنا وجود العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور، فيجب أن يقدر
بعد الهمزة ما يوافق المعطوف تقريراً للاستبعاد. قوله: ((وإن يدركني)) كلمة: إن للشرط،
ويدركني، مجزوم بها، ويومك، مرفوع لأنه فاعل: يدركني، والمضاف فيه محذوف أي:
يوم إخراجك، أو: يوم انتشار نبوتك. قوله: ((أنصرك))، مجزوم لأنه جواب الشرط، ونصراً
منصوب على المصدرية، ومؤزراً، صفته. قوله: ((ورقة)) بالرفع فاعل لقوله: ((لم ينشب))
وكلمة: أن في قوله: ((أن توفي)) مفتوحة مخففة، وهي بدل اشتمال من: ورقة، أي: لم تلبث
وفاته.
بيان المعاني: قوله: ((الصالحة)) صفة موضحة عند النحاة، وصفة فارقة عند أهل
المعاني. وقوله: ((في النوم)) من قبيل أمس الدابر كان يوماً عظيماً لأنه ليس للكشف ولا
للتخصيص، ولا للمدح ولا للذم، فتعين أن يكون للتأكيد. قوله: ((ما أنا بقارئء)) قيل: إن مثل
هذا يفيد الاختصاص. قلت: قال الطيبي: مثل هذا التركيب لا يلزم أن يفيد الاختصاص، بل
قد يكون للتقوية والتوكيد، أي: لست بقارىء ألبتة لا محالة، وهو الظاهر ههنا، والمناسب
للمقام. قوله: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] قدم الفعل الذي هو متعلق الباء، وإن كان تأخيره
للاختصاص كما في قوله عز وجل: ﴿بسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١] لكون الأمر
بالقراءة أهم، وتقديم الفعل أوقع لذلك. وقوله: ((اقرأ)) أمر بإيجاد القراءة مطلقاً لا تختص بمقروء
دون مقروء، وقوله: ((باسم ربك)) حال: أي: اقرأ مفتتحاً (باسم ربك)) أي: قل: بسم الله
الرحمن الرحيم، ثم اقرأ، وقال الطيبي: وهذا يدل على أن البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء

١٣٢
١٠٩
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
كل قراءة، فتكون قراءتها مأمورة في ابتداء هذه السورة أيضاً. قلت: هذا التقدير خلاف
الظاهر، فإن جبريل، عليه الصلاة والسلام، لم يقل له إلا أن يقول: (اقرأ باسم ربك الذي
خلق . خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم﴾ [العلق: ١ - ٣] قال الواحدي: أخبرنا
الحسن بن محمد الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل التاجر، قال: أخبرنا
محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدثنا محمد بن یحیی، قال: حدثنا محمد بن صالح، قال:
حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني
محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول: كان أول ما نزل الله عز
وجل على رسوله عَّةٍ، ﴿اقرأ باسم ربك الذي﴾ [العلق: ١] إلى قوله: ﴿ما لم يعلم﴾
[العلق: ٥]، قال: هذا صدر ما أنزل على رسول الله عَ ليه يوم حراء، ثم أنزل آخرها بعد ذلك
وما شاء الله، ولئن سلمنا أن البسملة مأمور بها في القراءة فلا يلزم من ذلك الوجوب، لأنه
يجوز أن يكون الأمر على وجه الندب والاستحباب لأجل التبرك في ابتداء القراءة. قوله:
(ربك الذي خلق) وصف مناسب مشعر بعلية الحكم بالقراءة، والإطلاق في: خلق، أولاً
على منوال يعطي ويمنع، وجعله توطئة لقوله: ((خلق الإنسان)) إيذاناً بأن الإنسان أشرف
المخلوقات، ثم الامتنان عليه بقوله: ﴿علم الإنسان﴾ [العلق: ٥] يدل على أن العلم أجلٌ
النعم، قوله: ﴿علم بالقلم﴾ [العلق: ٥] إشارة إلى العلم التعليمي و﴿علم الإنسان ما لم
يعلم﴾ [العلق: ٢] إشارة إلى العلم اللدني. قوله: ((لقد خشيت على نفسي)) أشار في تأكيد
كلامه باللام، وقد، إلى تمكن الخشية في قلبه وخوفه على نفسه، حتى روى صاحب
(الغريبين) في باب العين والدال والميم: (إن رسول الله عَ لُه قال لخديجة، رضي الله عنها:
(أظن أنه عرض لي شبه جنون)). فقالت: كلا إنك تكسب المعدوم، وتحمل الكَلِّ)). انتهى
فأجابت خديجة أيضاً بكلام فيه قسم وتأكيد بأن واللام في الخبر في صورة الجملة الإسمية،
وذلك إزالة لحيرته ودهشته، وذلك من قبيل قوله تعالى: ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس الأمارة
بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣] لأن قوله: ﴿وما أُبرىءٍ﴾ [يوسف: ٥٣] ما أزكي نفسي، أورث
المخاطب حيرة في أنه: كيف لا ينزه نفسه عن السوء مع كونها مطمئنة زكية؟ فأزال تلك
الحيرة بقوله: ﴿إِن النفس الأمارة بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣] في جميع الأشخاص، أي: بالشهوة
والرذيلة، إِلاَّ من عصمه الله تعالى، وكذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة
الساعة شيء عظيم﴾ [الحج: ١] وقوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾
[التوبة: ١٠٣] وأمثال ذلك في التنزيل كثيرة، وكل هذا من إخراج الكلام على خلاف
مقتضى الظاهر. قوله: ((يا ليتني)) كلمة: ليت، للتمني، تتعلق بالمستحيل غالباً، وبالممكن
قليلاً، وتمنى ورقة أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شاباً ليكون أمكن إلى نصره، وإنما
قال ذلك على وجه التحسر لأنه كان يتحقق أنه لا يعود شاباً. قوله: ((أو مخرجي هم؟)) قد
ذكرنا أن الهمزة فيه للاستفهام، وإنما كان ذلك على وجه الإنكار والتفجع لذلك والتألم منه،
لأنه استبعد إخراجه من غير سبب، لأنها حرم الله تعالى، وبلد أبيه إسماعيل، ولم يكن منه
P
F
i

م
١١٠
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
فيما مضى ولا فيما يأتي سبب يقتضي ذلك، بل كان من أنواع المحاسن والكرامات
المقتضية لإكرامه وإنزاله ما هو لائق بمحله، والعادة أن كل ما أتى للنفوس بغير ما تحب
وتألف، وإن كان ممن يحب ويعتقد، يعافه ويطرده، وقد قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿فإنهم
لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ [الأنعام: ٣٣].
بيان البيان قوله: ((مثل فلق الصبح)) فيه تشبيه، وقد علم أن أداة التشبيه: الكاف،
وكأن ومثل ونحو وما يشتق من: مثل وشبه ونحوهما، والمشبه ههنا الرؤيا، والمشبه به فلق
الصبح، ووجه الشبه هو الظهور البين الواضح الذي لا يشك فيه. قوله: ((يا ليتني فيها
جذعاً) فيه استعارة الحيوان للإنسان، ومبناه على التشبيه حيث أطلق الجذع الذي هو
الحيوان المنتهي إلى القوة، وأراد به الشباب الذي فيه قوة الرجل وتمكنه من الأمور.
الأسئلة والأجوبة: وهي على وجوه: الأول: ما قيل: ابتدىء، عليه الصلاة والسلام،
بالرؤيا أولاً؟ وأجيب: بأنه إنما ابتدىء بها لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة ولا تحتملها
القوى البشرية، فبدىء بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة: من صدق الرؤيا مع سماع
الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ورؤية الضوء، ثم أكمل الله له النبوة بإرسال
الملك في اليقظة، وكشف له عن الحقيقة كرامة له.
الثاني: ما قيل: ما حقيقة الرؤيا الصادقة؟ أجيب: بأن الله تعالى يخلق في قلب
النائم، أو في حواسه، الأشياء كما يخلقها في اليقظان، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، لا
يمنعه نوم ولا غيره عنه، فربما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام، وربما جعل ما رآه علماً
على أمور أخر يخلقها الله في ثاني الحال. أو كان قد خلقها. فتقع تلك، كما جعل الله
تعالى الغيم علامة للمطر.
الثالث: ما قيل: لم حبب إليه الخلوة؟ أجيب: بأن معها فراغ القلب وهي معينة على
التفكر، والبشر لا ينتقل عن طبعه إلاّ بالرياضة البليغة، فحبب إليه الخلوة لينقطع عن مخالطة
البشر، فينسى المألوفات من عادته، فيجد الوحي منه مراداً، سهلاً لا حزناً، ولمثل هذا المعنى
كانت مطالبة الملك له بالقراءة والضغطة، ويقال: كان ذلك اعتباراً وفكرة، كاعتبار إبراهيم،
عليه الصلاة والسلام، لمناجاة ربه والضراعة إليه ليريه السبيل إلى عبادته على صحة إرادته.
وقال الخطابي: حبب العزلة إليه لأن فيها سكون القلب، وهي معينة على التفكر وبها ينقطع
عن مألوفات البشر ويخشع قلبه، وهي من جملة المقدمات التي أرهصت لنبوته وجعلت
مبادي لظهورها.
الرابع: ما قيل: إن عبادته، عليه الصلاة والسلام، قبل البعث، هل كانت شريعة أحد أم
لا؟ فيه قولان لأهل العلم، وعزى الثاني إلى الجمهور، إنما كان يتعبد بما يلقى إليه من نور
المعرفة، واختار ابن الحاجب والبيضاوي: أنه كلف التعبد بشرع، واختلف القائلون بالثاني:
هل ينتفي ذلك عنه عقلاً أم نقلاً؟ فقيل: بالأول، لأن في ذلك تنفيراً عنه، ومن كان تابعاً
مے

/١٣٤
١١١
١ - کتاب بدء الوحي / باب (٣)
فبعيد منه أن يكون متبوعاً، وهذا خطأ منه، كما قال المازري. فالعقل لا يحيل ذلك. وقال
حذاق أهل السنة بالثاني، لأنه لو فعل لنقل، لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله، ولافتخر به
أهل تلك الشريعة. والقائل بالأول اختلف فيه على ثمانية أقوال:
أحدها: أنه كان يتعبد بشريعة إبراهيم. الثاني: بشريعة موسى. الثالث: بشريعة عيسى.
الرابع: بشريعة نوح، حكاه الآمدي. الخامس: بشريعة آدم، حكي عن ابن برهان. السادس:
أنه كان يتعبد بشريعة من قبله من غير تعيين. السابع: إن جميع الشرائع شرع له، حكاه بعض
شراح (المحصول) من المالكية. الثامن: الوقف في ذلك، وهو مذهب أبي المعالي الإمام،
واختاره الآمدي. فإن قلت: قد قال الله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم﴾
[النحل: ١٢٣] قلت: المراد في توحيد الله وصفاته، أو المراد اتباعه في المناسك، كما علم
جبريل - عليه السلام - إبراهيم، عليه السلام.
الخامس: ما قيل: ما كأن صفة تعبده؟ أجيب: بأن ذلك كان بالتفكر والاعتبار
كاعتبار أبيه إبراهيم، عليه الصلاة والسلام.
السادس: ما قيل: هل كلف النبي بعد النبوة بشرع أحد من الأنبياء، عليهم الصلاة
والسلام؟ أجيب: بأن الأصوليين اختلفوا فيه، والأكثرون على المنع، واختاره الإمام والآمدي
وغيرهما. وقيل: بل كان مأموراً بأخذ الأحكام من كتبهم، ويعبر عنه بأن شرع من قبلنا شرع
لنا: واختاره ابن الحاجب، وللشافعي فيه قولان، أصحهما الأول واختاره الجمهور.
السابع: ما قيل: متى كان نزول الملك عليه؟ أجيب: بأن ابن سعد روى بإسناده: أن
نزول الملك عليه بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، ورسول الله عَ ل يومئذٍ
ابن أربعين سنة.
الثامن: ما قيل: ما الحكمة في غطه ثلاث مرات؟ قلت: ليظهر في ذلك الشدة
والاجتهاد في الأمور، وأن يأخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة، فإنه أمر ليس بالهوينا، وكرره ثلاثاً
مبالغة في التثبت.
التاسع: ما قيل: ما الحكمة فيه على رواية ابن إسحاق أن الغط كان في النوم؟
أجيب: بأن يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل بثلاث شدائد يبتلى بها أولاً، ثم يأتي
الفرح والسرور: الأولى: ما لقيه، عليه الصلاة والسلام، هو وأصحابه من شدة الجوع في
الشعب حتى تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم ولا يصلوا إليهم. والثانية: ما لقوا من الخوف
والإيعاد بالقتل. والثالثة: ما لقيه، عليه الصلاة والسلام، من الإجلاء عن الوطن، والهجرة من
حرم إبراهيم، عليه الصلاة والسلام.
العاشر: ما قيل: ما الخشية التي خشيها رسول الله عَ ليه حيث قال: لقد خشيت على
نفسي؟ أجيب: بأن العلماء اختلفوا فيها على اثني عشر قولاً. الأول: أنه خاف من الجنون،
وأن يكون ما رآه من أمر الكهانة، وجاء ذلك في عدة طرق، وأبطله أبو بكر بن العربي، وأنه
i
i
i
i

١١٢
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
لجدير بالإبطال. الثاني: خاف أن يكون هاجساً، وهو الخاطر بالبال، وهو أن يحدث نفسه
ويجد في صدره مثل الوسواس، وأبطلوا هذا أيضاً، لأنه لا يستقر، وهذا استقر وحصلت
بينهما المراجعة. الثالث: خاف من الموت من شدة الرعب. الرابع: خاف أن لا يقوى على
مقاومة هذا الأمر ولا يطيق حمل أعباء الوحي. الخامس: العجز عن النظر إلى الملك، وخاف
أن تزهق نفسه وينخلع قلبه لشدة ما لقيه عند لقائه. السادس: خاف من عدم الصبر على
أذى قومه. السابع: خاف من قومه أن يقتلوه، حكاه السهيلي، ولا غرو أنه بشر يخشى من
القتل والأذى، ثم يهون عليه الصبر في ذات الله تعالى كل خشية، ويجلب إلى قلبه كل
شجاعة وقوة. الثامن: خاف مفارقة الوطن بسبب ذلك. التاسع: ما ذهب إليه أبو بكر
الإسماعيلي أنها كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند
الله تعالى، وكان أشق شيء عليه أن يقال عنه شيء. العاشر: خاف من وقوع الناس فيه.
الحادي عشر: ما قاله ابن أبي جمرة: إن خشيته كانت من الوعك الذي أصابه من قبل
الملك. الثاني عشر: هو إخبار عن الخشية التي حصلت له على غير مواطئة بغتة كما
يحصل للبشر إذا دهمه أمر لم يعهده؛ وقال القاضي عياض: هذا أول بادىء التباشير في النوم
واليقظة، وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحقق رسالة ربه، فقد خاف أن يكون من الشيطان،
فأما بعد أن جاءه الملك بالرسالة فلا يجوز الشك عليه فيه، ولا يخشى تسلط الشيطان عليه،
وقال النووي: هذا ضعيف لأنه خلاف تصريح الحديث، فإن هذا كان بعد غط الملك وإتيانه
بـ ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] قال: قلت: إلاّ أن يكون معنى: خشيت على نفسي أن
يخبرها بما حصل له أولاً من الخوف، لا أنه خائف في حال الإخبار، فلا يكون ضعيفاً.
الحادي عشر: من الأسئلة. ما قيل: من أين علم رسول الله عَّله أن الجائي إليه
جبريل، عليه الصلاة والسلام، لا الشيطان؟ وبم عرف أنه حق لا باطل؟ أجيب: بأنه كما
نصب الله لنا الدليل على أن الرسول - عليه السلام - صادق لا كاذب، وهو المعجزة. كذلك
نصب للنبي عَّ دليلاً على أن الجائي إليه ملك لا شيطان، وأنه من عند الله لا من غيره.
الثاني عشر: ما قيل: ما الحكمة في فتور الوحي مدة؟ أجيب: بأنه إنما كان كذلك
ليذهب ما كان، عليه الصلاة والسلام، وجده من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود.
الثالث عشر: ما قيل: ما كان مدة الفترة؟ أجيب: بأنه وقع في (تاريخ أحمد بن حنبل)
عن الشعبي: أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكى البيهقي
أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع في شهر مولده، وهو ربيع
الأول، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان. وليس فترة الوحي المقدرة بثلاث سنين وهو ما
بين نزول: ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١] و﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١] عدم مجيء جبريل - عليه
السلام - إليه بل تأخر نزول القرآن عليه فقط.
الرابع عشر: ما قيل: ما الحكمة في تخصيصه، عليه الصلاة والسلام، التعبد بحراء
من بين سائر الجبال؟ أجيب: بأن حراء هو الذي نادى رسول الله عَّ حين قال له ثبير:

١١٣
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
إهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فاعذرني يا رسول الله، فلعل هذا هو السر في
تخصيصه به، وقال أبو عبد الله بن أبي جمرة: لأنه يرى بيت ربه منه، وهو عبادة، وكان
منزوياً مجموعاً لتحتثه.
الخامس عشر: ما قيل: إن قوله: ((ثم لم ينشب ورقة أن توفي) يعارضه ما روي في
سيرة ابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب لما أسلم، وهذا يقتضي أنه تأخر إلى
زمن من الدعوة، وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام. أجيب: بأنا لا نسلم المعارضة، فإن
شرط التعارض المساواة وما روي في السيرة لا يقاوم الذي في الصحيح، ولئن سلمنا فلعل
الراوي لما في الصحيح لم يحفظ لورقة بعد ذلك شيئاً من الأمور، فلذلك جعل هذه القصة
انتهاء أمره بالنسبة إلى ما علمه منه، لا بالنسبة إلى ما في نفس الأمر.
السادس عشر: ما وجه تخصيص ورقة بن نوفل ناموس النبي بالناموس الذي أنزل على
موسى، عليه الصلاة والسلام، دون سائر الأنبياء مع أن لكل نبي ناموساً؟ أجيب: بأن الناموس
الذي أنزل على موسى ليس كناموس الأنبياء، فإنه أنزل عليه كتاب بخلاف سائر الأنبياء،
فمنهم من نزل عليه صحف، ومنهم من نبىء بإخبار جبريل - عليه السلام - ومنهم من نبىء
یاخبار ملك الرصاف.
استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه تصريح من عائشة رضي الله تعالى
عنها، بأن رؤيا النبي عَ له، من جملة أقسام الوحي، وهو محل وفاق. الثاني: فيه مشروعية
اتخاذ الزاد ولا ينافي التوكل، فقد اتخذه سيد المتوكلين. الثالث: فيه الحض على التعليم
ثلاثاً بما فيه مشقة، كما فتل الشارع أذن ابن عباس في إدارته على يمينه في الصلاة، وانتزع
شريح القاضي من هذا الحديث: أن لا يضرب الصبي إلاَّ ثلاثاً على القرآن، كما غط جبريل
محمداً، عليهما الصلاة والسلام، ثلاثاً. الرابع: فيه دليل للجمهور أن سورة: ﴿اقرأ باسم
ربك﴾ [العلق: ١] أول ما نزل، وقول من قال: إن أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر:
١] عملاً بالرواية الآتية في الباب. فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١] محمول
على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي، وأبعد من قال: إن أول ما نزل الفاتحة، بل هو شاذ،
وجمع بعضهم بين القولين الأولين بأن قال: يمكن أن يقال: أول ما نزل من التنزيل في تنبيه
الله على صفة خلقه: ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١] وأول ما نزل من الأمر بالإنذار: ﴿يا أيها المدثر﴾
[المدثر: ١]. وذکر ابن العربي، عن کریب، قال: وجدنا في کتاب ابن عباس: أول ما نزل
من القرآن بمكة: ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١] و﴿الليل﴾ و﴿نون﴾ و﴿يا أيها المزمل﴾ و﴿يا أيها
المدثر﴾ و﴿تبت﴾ و﴿إذا الشمس﴾ و﴿الأعلى﴾ و﴿الضحى﴾ و﴿ألم نشرح لك﴾
و﴿العصر﴾ و﴿العاديات﴾ و﴿الكوثر﴾ و﴿التكاثر﴾ و﴿الدين﴾ ثم ﴿الفلق﴾ ثم ﴿الناس﴾ ثم
ذ کر سوراً كثيرة ونزل بالمدينة ثمانية وعشرون سورة وسائرها بمكة، و کذلك یروی عن ابن
الزبير. وقال السخاوي: ذهبت عائشة، رضي الله عنها، والأكثرون إلى أن أول ما نزل: ﴿اقرأ
باسم ربك﴾ [العلق: ١] إلى قوله: ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥] ثم ﴿ن والقلم﴾ إلى قوله:
i
i
i
i
i

١١٤
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
﴿ويبصرون﴾ [نون: ١ - ٥] و﴿يا أيها المدثر﴾ و﴿الضحى﴾ ثم نزل باقي سورة ﴿اقرأ﴾
بعد ﴿يا أيها المدثر﴾. الخامس: قال السهيلي: في قوله: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١]
دليل من الفقه على وجوب استفتاح القراءة ببسم الله، غير أنه أمر مبهم لم يتبين له بأي اسم
من أسمائه يستفتح حتى جاء البيان بعد في قوله ﴿بسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١]
ثم في قوله: ﴿وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النحل: ٣٠] ثم بعد ذلك كان ينزل جبريل:
ببسم الله الرحمن الرحيم، مع كل سورة، وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصحابة
على ذلك، وحين نزلت: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ سبحت الجبال، فقال قريش: سحر
محمد الجبال، ذکره النقاش. قلت: دعوی الوجوب تحتاج إلی دلیل، و کذلك دعوى نزول
جبريل - عليه السلام - ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة، وثبوتها في سواد المصحف
لا يدل على وجوب قراءتها، وما ذكره النقاش في تفسيره فقد تكلموا فيه. السادس: فيه أن
الفازع لا ينبغي أن يسأل عن شيء حتى يزول عنه فزعه، حتى قال مالك: إن المذعور لا
يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره. السابع: فيه أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة
من مصارع الشر والمكاره، فمن کثر خیره حسنت عاقبته ورجی له سلامة الدين والدنيا.
الثامن: فيه جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة، ولا يعارضه قوله، عليه الصلاة والسلام:
((احثوا في وجوه المداحين التراب)) لأن هذا فيما يمدح بباطل، أو يؤدي إلى باطل. التاسع:
فيه أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة، وتبشيره وذكر أسباب السلامة له. العاشر: فيه أبلغ
دليل على كمال خديجة، رضي الله تعالى عنها، وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وعظم فقهها،
وقد جمعت جميع أنواع أصول المكارم وأمهاتها فيه، عليه السلام؛ لأن الإحسان إما إلى
الأقارب وإما إلى الأجانب، وإما بالبدن وإما بالمال، وإما على من يستقل بأمره وإما على
غيره. الحادي عشر: فيه جواز ذكر العاهة التي بالشخص ولا يكون ذلك غيبة. قلت: ينبغي
أن يكون هذا على التفصيل، فإن كان لبيان الواقع أو للتعريف أو نحو ذلك فلا بأس، ولا
يكون غيبة. وإن كان لأجل استنقاصه أو لأجل تعبيره، فإن ذلك لا يجوز. الثاني عشر: فيه
أن من نزل به أمر يستحب له أن يطلع عليه من يثق بنصحه وصحة رأيه. الثالث عشر: فيه
دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام.
فوائد:
الأولى: خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أم المؤمنين،
تزوجها رسول الله عَّالله وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي أم أولاده كلهم خلا إبراهيم فمن
مارية، ولم يتزوج غيرها قبلها ولا عليها حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح،
وقيل: بخمس، وقيل: بأربع؛ فأقامت معه أربعاً وعشرين سنة وستة أشهر، ثم توفيت، وكانت
وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام واسم أمها: فاطمة بنت زائدة بن الأصم، من بني
عامر بن لؤي، وهي أول من آمن من النساء باتفاق، بل أول من آمن مطلقاً على قول، ووقع
في كتاب الزبير بن بكار، عن عبد الرحمن بن زيد، قال آدم، عليه السلام: مما فضل الله به

١١٥
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
ابني علي أنَّ زوجته خديجة كانت عوناً له على تبليغ أمر الله عز وجل، وأن زوجتي كانت
عوناً لي على المعصية.
الثانية: ورقة بفتح الراء، بن نوفل، بفتح النون والفاء بن أسد بن عبد العزى. وقال
الكرماني: فإن قلت: ما قولك في ورقة أيحكم بإيمانه؟ قلت: لا شك أنه كان مؤمناً بعيسى -
عليه السلام - وأما الإيمان بنبينا - عليه السلام - فلم يعلم أن دين عيسى قد نسخ عند وفاته أم
لا، ولئن ثبت أنه كان منسوخاً في ذلك الوقت، فالأصح أن الإيمان: التصديق، وهو قد صدقه
من غير أن يذكر ما ينافيه. قلت: قال ابن منده: اختلف في إسلام ورقة، وظاهر هذا
الحديث، وهو قوله فيه: ((يا ليتني كنت فيها جذعاً) وما ذكر بعده من قوله يدل على
إسلامه؛ وذكر ابن إسحاق أن النبي عَّه، لما أخبره، قال له ورقة بن نوفل: والذي نفسي بيده
إنك لنبي هذه الأمة. وفي (مستدرك الحاكم) من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((أن
النبي عَّ قال: لا تسبوا ورقة فإنه كان له جنة أو جنتان)) ثم قال: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين. وروى الترمذي، من حديث عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة قالت: ((سئل رسول الله عَّله عن ورقة، فقالت له خديجة: إنه كان صدقك، ولكنه
مات قبل أن تظهر، فقال النبي عَّةٍ: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل
النار لکان علیه لباس غير ذلك» ثم قال: هذا حديث غريب، وعثمان بن عبد الرحمن ليس
عند أهل الحديث بالقوي؟ وقال السهيلي: في إسناده ضعف لأنه يدور على عثمان هذا،
ولكن يقويه قوله، عليه الصلاة والسلام: ((رأيت الفتى)) يعني: ورقة: ((وعليه ثياب حرير لأنه
أول من آمن بي وصدقني)، ذكره ابن إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل؛ وقال
المرزباني: كان ورقة من علماء قريش وشعرائهم، وكان يدعى القس، وقال النبي عَّهُ: ((رأيته
وعليه حلة خضراء يرفل في الجنة)). وكان يذكر الله في شعره في الجاهلية، ويسبحه فمن
ذلك قوله:
أنا النذير فلا يغرزكم أحد
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم
فإن دعوكم فقولوا: بيننا جدد
لا تعبدنَّ إلها غير خالقكم
سبحان ذي العرش سبحاناً نعود له
مسخّر كل ما تحت السماء له
وقبله سبح الجودي والجَمَّدُ
لا ينبغي أن ينادى ملكه أُحدٌ
يبقى الإله ويغنى المال والولدُ
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه
ولا سليمان إذ تجري الرياح له
أين الملوك التي كانت لعزتها
حوض هنالك مورود بلا كدر
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
والأنس والجن فيما بينها برد
من كل أوب إليها وافد يفد؟
لا بد من ورده يوماً كما وردوا
١٣٠
i.

١١٦
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
نسبه أبو الفرج إلى ورقة، وفيه أبيات تنسب إلى أمية بن أبي الصلت. ومن شعره قوله:
حديثك إيانا: فأحمد مرسلُ
فإن يك حقاً يا خديجة فاعلمي
من الله وحي يشرح الصدر منزلُ
وجبريل يأتيه، وميكال معهما
الثالثة: أنه قد عرفت أن خديجة هي التي انطلقت بالنبي عَّه إلى ورقة، وقد جاء في
السيرة من حديث عمرو بن شرحبيل: ((إن الصديق، رضي الله عنه، دخل على خديجة وليس
رسول الله عَّ ﴾ عندها، ثم ذكرت خديجة له ما رآه، فقالت: يا عتيق! إذهب مع محمد إلى
ورقة. فلما دخل - عليه السلام - أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة. فقال: ومن
أخبرك؟ فقال: خديجة. فانطلقا إليه، فقصا عليه، فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداءً
خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هارباً في الأرض، فقال له: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى
تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين﴾ حتى بلغ ﴿ولا الضالين﴾ قل: لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر ذلك
له، فقال له ورقة: أبشر، ثم أبشر، فأنا أشهد بأنك الذي بشر به عيسى ابن مريم، وأنك على
مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني
ذاك لأجاهدنَ معك. فلما توفي ورقة قال، عليه الصلاة والسلام: ((لقد رأيت القس في
الجنة وعليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني)، يعني: ورقة. وفي (سير) سليمان بن
طرحان التيمي: أنها ركبت إلى بحيرا بالشام، فسألته عن جبريل - عليه السلام - فقال لها:
قدوس يا سيدة قريش، أنَّى لك بهذا الاسم، فقالت: بعلي وابن عمي أخبرني أنه يأتيه، فقال:
ما علم به إلاَّ نبي، فإنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يجترى أن يتمثل به، ولا
أن یتسمی باسمه. وفي (الأوائل) لأبي هلال، من حديث سوید بن سعید: حدثنا الوليد بن
محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: ((أن خديجة رضي الله عنها، خرجت إلى الراهب
ورقة وعداس، فقال ورقة: أخشى أن یکون أحدٌ شبه بجبريل عليه السلام، فرجعت وقد نزل:
﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ [نون: ١] فلما قرأ عليه، الصلاة والسلام، هذا على ورقة قال:
أشهد أن هذا كلام الله تعالى)). فإن قلت: ما التوفيق بين هذه الأخبار؟ قوله: قلت: بأن تكون
خديجة قد ذهبت به مرة، وأرسلته مع الصديق أخرى، وسافرت إلى بحيرا أو غيره مرة أخرى،
وهذا من شدة اعتنائها بسيد المرسلين، عليه الصلاة والسلام.
قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري
رضي الله تعالى عنه قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه بينا أنا أمشي إذ سمعت
صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين
السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت زملوني زملوني فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها المدثر قم
فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر﴾ فحمى الوحي وتتابع) إتماماً للفائدة ذکرنا
الحديث بتمامه فيما سبق محرك الكلمات وقطعه الشارح فذكرنا هنا بقيته مرة أخرى بدون
شكل والله أعلم.
٠٠٠٠

١١٧
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
بيان رجاله: وهم ثلاثة: ابن شهاب: هو محمد بن مسلم الزهري، وقد مر. وأبو
سلمة: بفتحتين، اسمه عبد الله أو إسماعيل أو اسمه كنيته ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد
العشرة المبشرة بالجنة، القرشي الزهري المدني التابعي الإمام الجليل المتفق على إمامته
وجلالته وثقته، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، سمع جماعة من الصحابة
والتابعين، وعنه خلائق من التابعين، منهم: الشعبي، فمن بعدهم. وتزوج أبوه تماضر، بضم التاء
المثناة من فوق وكسر المعجمة، بنت الأصبع، بفتح الهمزة وسكون المهملة وفي آخره عين
غير معجمة، وهي الكلبية، من أهل دومة الجندل، ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة، توفي
بالمدينة سنة أربع وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة في خلافة الوليد. وجابر بن عبد الله بن
عمرو بن حرام، بالمهملة والراء، ابن عمرو بن سواد، بتخفيف الواو، ابن سلمة، بكسر اللام،
ابن سعد بن علي بن أسد بن ساردة ابن تريد، بالتاء المثناة من فوق، ابن جشم، بضم الجيم
وفتح الشين المعجمة، ابن الخزرج الأنصاري السلمي، بفتح السين واللام، وحكي في لغة
كسرها، المدني أبو عبد الله، أو عبد الرحمن أو أبو محمد؛ أحد الستة المكثرين، روي له
عن النبي صَّهُ ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثاً، أخرجا له مائتي حديث
وعشرة أحاديث، اتفقا منها على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة
وستة وعشرين، وأمه: نسيبة بنت عقبة بن عدي. مات بعد أن عمي سنة ثمان أو ثلاث أو
أربع أو تسع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وكان عمره أربعاً وتسعين سنة، وصلى عليه
أبان بن عثمان والي المدينة، وهو آخر الصحابة موتا بالمدينة. وجابر بن عبد الله في الصحابة
ثلاثة. جابر بن عبد الله هذا. وجابر بن عبد الله بن رباب بن النعمان بن سنان. وجابر بن عبد
الله الراسبي، نزيل البصرة. وأما جابر في الصحابة: فأربعة وعشرون نفراً. وجابر بن عبد الله
في غير الصحابة خمسة: الأول: سلمي يروي عن أبيه عن كعب الأحبار. الثاني: محاربي،
عنه الأوزاعي: الثالث: غطفاني، يروي عن عبد الله بن الحسن العلوي. الرابع: مصري عنه
يونس بن عبد الأعلى. الخامس: يروي عن الحسن البصري، وكان كذاباً. وجابر يشتبه
بجاثر، بالثاء المثلثة موضع الباء الموحدة؛ وبخاتر، بالخاء المعجمة ثم ألف ثم تاء مثناة من
فوق، ثم راء، فالأول: أبو القبيلة التي بعث الله منها صالحاً، عليه الصلاة والسلام، وهو
ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح - عليه السلام - وأخوه جدیس بن جاثر. والثاني: معن،
له أخبار وحكايات مشهورة.
حكم الحديث: قال الكرماني: مثل هذا: أي ما لم يذكر من أول الإسناد واحداً أو
أكثر يسمى تعليقاً، ولا يذكره البخاري إلاّ إذا كان مسنداً عنده إما بالإسناد المتقدم، كأنه
قال: حدثنا یحیی بن بکیر، حدثنا الليث، عن عقیل أنه قال: قال ابن شهاب. أو پاسناد آخر،
وقد ترك الإسناد ههنا لغرض من الأغراض المتعلقة بالتعليق لكون الحديث معروفاً من جهة
الثقات، أو لكونه مذكوراً في موضع آخر، أو نحوه. قال بعضهم: وأخطأ من زعم أن هذا
معلق. قوله: قلت: يعرض بذلك للكرماني، ولا معنى للتعريض، لأن الحديث صورته في
٠٠٠٠
صرة
i

١١٨
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
الظاهر من التعليق، وإن كان مسنداً عنده في موضع آخر، فإنه أخرجه أيضاً في: الأدب، وفي
التفسير أتم من هذا، وأوله: ((عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن
أول ما نزل، من القرآن قال: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١] قلت: يقولون: ﴿اقرأ باسم ربك
الذي خلق﴾ [العلق: ١]؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن
ذلك، قلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله عَّم قال:
((جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري ... )). ثم ذكر نحوه وقال في التفسير: حدثنا
یحیی بن بکیر، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب (ح) وحدثني عبد الله بن محمد،
حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني، فذكره. وأخرجه مسلم بألفاظه.
ومن لطائف إسناده: أن كلهم مدنيون. وفيه تابعي عن تابعي. فإن قلت: لِمَ قال: قال
ابن شهاب؛ ولم يقل: وروى، أو: وعن ابن شهاب، ونحو ذلك؟ قلت: قالوا: إذا كان
الحديث ضعيفاً لا يقال فيه: قال، لأنه من صيغ الجزم، بل يقال: حكي، أو: قيل، أو: يقال،
بصيغة التمريض؛ وقد اعتنى البخاري بهذا الفرق في (صحيحه) كما سترى، وذلك من غاية
إتقانه، فإن قيل: ما كان مراده من إخراجه بهذه الصورة، مع أنه أخرجه مسنداً في (صحيحه)
في موضع آخر؟ قلت: لعله وضعه على هذه الصورة قبل أن وقف عليه مسنداً، فلما وقف
عليه مسنداً ذكره وترك الأول على حاله لعدم خلوه عن فائدة.
بيان اللغات: قوله: ((عن فترة الوحي)) وهو: احتباسه، وقد مر الكلام فيه مستوفى.
قوله: «علی کرسي): هو بضم الکاف و کسرها والضم أفصح، وجمعه کراسي بتشديد الياء
وتخفيفها. قال ابن السكيت: كل ما كان من هذا النحو مفرده مشدد: كعارية وسرية، جاز
في جمعه التشديد والتخفيف؛ وقال الماوردي في (تفسيره): أصل الكرسي: العلم، ومنه قيل
لصحيفة يكون فيها علم: كراسة. وقال الزمخشري: الكرسي ما يجلس عليه، ولا يفضل عن
مقعد القاعد. وفي (العباب): الكرسي من قولهم: كرس الرجل، بالكسر، إذا ازدحم علمه
على قلبه. فإن قلت: ما هذه الياء فيه؟ قلت: ليست ياء النسبة، وإنما هو موضوع على هذه
الصيغة، فإذا أريد النسبة إليه تحذف الياء منه ويؤتى بياء النسبة فيقال: كرسي أيضاً، فافهم.
قوله: ((فرعبت منه))، بضم الراء وكسر العين، على ما لم يسم فاعله، ورواية الأصيلي: بفتح
الراء وبضم العين، وهما صحيحان حكاهما الجوهري وغيره، قال يعقوب: رعب ورعب؛
واقتصر النووي في (شرحه) الذي لم يكمله على الأول، وقال بعضهم: الرواية بضم العين،
واللغة بفتحها، حكاه السفاقسي. والرعب: الخوف، يقال: رعبته فهو مرعوب إذا أفزعته، ولا
يقال: أرعبته. تقول: رعب الرجل على وزن فعل كضرب بمعنى خوفه، هذا إذا عديته، فإن
ضممت العين قلت: رعبت منه، وإن بنيته على ما لم يسم فاعله ضممت الراء فقلت: رعبت
منه، وفي البخاري في التفسير ومسلم هنا: ((فجئثت منه))، بضم الجيم وكسر الهمزة وسكون
الثاء المثلثة، من: جثث الرجل أي: أفزع، فهو مجؤوث أي: مذعور، ومادته: جيم ثم همزة
ثم ثاء مثلثة، قال القاضي: كذا هو للكافة في الصحيحين، وروي: ((فجثثت)) بضم الجيم

٠٠٠
٠٣
١١٩
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
وكسر الثاء المثلثة الأولى وسكون الثانية، وهو بمعنى الأول، ومادته: جيم ثم ثاءآن مثلثتان،
وفي بعض الروايات: ((حتى هويت إلى الأرض)) أي: سقطت. أخرجها مسلم، وهو بفتح
الواو، وفي بعضها ((فأخذتني رجفة)) وهي كثرة الاضطراب. قوله: ((زملوني)) في أكثر
الأصول: ((زملوني زملوني)) مرتين، وفي رواية كريمة مرة واحدة، وللبخاري في التفسير،
ولمسلم أيضاً (دثروني)، وهو هو كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قوله: ((﴿يا أيها المدثر)))
[المدثر: ١] أصله: المتدثر، وكذلك المزمل أصله: المتزمل. والمدثر والمزمل والمتلفف
والمشتمل بمعنى، وسماه الله تعالى بذلك، إيناساً له وتلطفاً. ثم الجمهور على أن معناه
المتدثر بثيابه. وحكى الماوردي، عن عكرمة أن معناه: المتدثر بالنبوة وأعبائها. قوله: (
فأنذر﴾)) [المدثر: ٢] أي حذّر العذاب من لم يؤمن بالله، وفيه دلالة على أنه أمر بالإنذار
عقيب نزول الوحي للإتيان بالفاء التعقيبية. فإن قلت: النبي عَ﴾﴾ أرسل بشيراً ونذيراً، فكيف
أمر بالإنذار دون البشارة؟ قلت: البشارة إنما تكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من
دخل فيه. قوله: (﴿وربك فكبُر﴾)) [المدثر: ٣] أي: عظمه ونزهه عما لا يليق به، وقيل:
أراد به تكبيرة الافتتاح للصلاة، وفيه نظر. قوله: ((﴿وثيابك فطهر))) [المدثر: ٤] أي: من
النجاسات، على مذهب الفقهاء؛ وقيل: أي: فقصر، وقيل: المراد بالثياب النفس، أي: طهرها
من كل نقص، أي: اجتنب النقائص. قوله: ((﴿والرجز))) [المدثر: ٥] بكسر الراء في قراءة
الأكثر، وقرأ حفص عن عاصم بضمها، وهي: الأوثان في قول الأكثرين. وفي مسلم:
التصريح به، وفي التفسير عن أبي سلمة: التصريح به، وقيل: الشرك، وقيل: الذنب، وقيل:
الظلم. وأصل الرجز في اللغة: العذاب، ويسمى عبادة الأوثان وغيرها من أنواع الكفر رجزاً
لأنه سبب العذاب. قوله: ((فحمي)) بفتح الحاء وكسر الميم، معناه: كثر نزوله، من قولهم:
حميت النار والشمس، أي: كثرت حرارتها. ومنه قولهم: حمي الوطيس، والوطيس: التنور،
استعير للحرب. قوله: ((وتتابع)) تفاعل من التتابع. قالت الشراح كلهم: ومعناهما واحد، فأكد
أحدهما بالآخر. قلت: ليس معناهما واحداً، فإن معنى: حمي النهار: اشتد حره، ومعنى
تتابع: تواتر. وأراد بحمي الوحي: اشتداده وهجومه. وبقوله: ((تتابع)): تواتره وعدم انقطاعه،
وإنما لم يكتف بحمي وحده لأنه لا يستلزم الاستمرار والدوام والتواتر، فلذلك زاد قوله:
((وتتابع)): فافهم فإنه من الأسرار الربانية، والأفكار الرحمانية، ويؤيد ما ذكرنا رواية
الكشميهني: وتواتر، موضع: وتتابع، والتواتر مجيء الشيء يتلو بعضه بعضاً من غير خلل،
ولقد أبعد من قال: وتتابع توكيد معنوي، لأن التأكيد المعنوي له ألفاظ مخصوصة، كما
عرف في موضعه. فإن قال: ما أردت به التأكيد الاصطلاحي. يقال له: هذا إنما يكون بين
لفظين معناهما واحد، وقد بينا المغايرة بين: حمي وتتابع، والرجوع إلى الحق من جملة
الدین.
بيان الإعراب: قوله: ((قال ابن شهاب)) فعل وفاعل، قوله: ((وأخبرني)): معطوف على
محذوف هو مقول القول تقديره: قال ابن شهاب أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة
بوط

١٢٠
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣)
بكذا، فلأجل قصده بيان الإخبار عن عروة بن الزبير، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أتى
بواو العطف، وإلاَّ فمقول القول لا يكون بالواو ونحوه، فافهم. قوله: ((أن جابر بن عبد اله)
بفتح أن لأنها في محل النصب على المفعولية. قوله: ((وهو يحدث)) جملة إسمية وقعت
حالاً، أي: قال في حالة التحديث عن احتباس الوحي عن النزول؛ أو: قال جابر في حالة
التحديث إن رسول الله عَ ﴾. قوله: ((بينا)) أصله: بين، بلا ألف فأشبعت الفتحة فصارت ألفاً،
ويزاد عليها ما، فيصير: بينما، ومعناهما واحد، وهو من الظروف الزمانية اللازمة للإضافة إلى
الجملة الإسمية، والعامل فيه الجواب إذا كان مجرداً من كلمة المفاجأة، وإلاَّ فمعنى
المفاجأة المتضمنة هي إياها، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى. وقيل: اقتضى جواباً لأنه
ظرف يتضمن المجازاة، والأفصح في جوابه: إذ، وإذا، خلافاً للأصمعي. والمعنى: أن في
أثناء أوقات المشي فاجأني السماع؛ قوله: ((إذ سمعت)) جواب: بينا، على ما ذكرنا. قوله:
((فإذا الملك)) كلمة: إذا، ههنا للمفاجأة، وهي تختص بالجمل الإسمية، ولا تحتاج إلى
الجواب ولا يقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب،
وهي حرف عند الأخفش، واختاره ابن مالك؛ وظرف مكان عند المبرد، واختاره ابن عصفور،
وظرف زمان عند الزجاج، واختاره الزمخشري. فإن قلت: ما الفاء في: فإذا؟ قلت: زائدة
لازمة عند الفارسي والمازني وجماعة، وعاطفة عند أبي الفتح، وللسببية المحضة عند أبي
إسحاق. قوله: ((جالس)) بالرفع كذا في البخاري، وفي مسلم: ((جالساً)، بالنصب. قال النووي
كذا هو في الأصول، وجاء في رواية: ((فإذا الملك الذي جاءني بحراء واقف بين السماء
والأرض)). وفي طريق آخر: ((على عرش بين السماء والأرض))، ولمسلم: ((فإذا هو على العرش
في الهواء)؛ وفي رواية: ((على كرسي))، وهو تفسير العرش المذكور. قال أهل اللغة: العرش:
السرير، فإن قلت: وجه الرفع ظاهر لأنه خبر عن الملك الذي هو مبتدأ، وقوله: ((الذي
جاءني بحراء))، صفته. فما وجه النصب؟ قلت: على الجملة الحالية من الملك. فإن قلت:
إذا نصب جالساً على الحال، فماذا يكون خبر المبتدأ، وقد قلت: إن إذا المفاجأة تختص
بالإسمية؟ قلت: حينئذٍ يكون الخبر محذوفاً مقدراً، ويكون التقدير: فإذا الملك الذي جاءني
بحراء، شاهدته حال كونه جالساً على كرسي، أو نحو ذلك. قوله: ((بين السماء والأرض»:
ظرف، ولكنه في محل الجر لأنه صفة لكرسي، والفاء في: ((فرعبت))، تصلح للسببية وكذا
في ((فرجعت)). لأن رؤية الملك على هذه الحالة سبب لرعبه، ورعبه سبب لرجوعه، والفاء
في: ((فقلت)) وفي ((فأنزل الله)) على أصلها للتعقيب. قوله: ((وربك)) منصوب بقوله: ((فكبر
وثيابك)) بقوله: ((فطهر والرجز)) بقوله: ((فاهجر)). فإن قلت: ما الفاءات في الآية؟ قلت: الفاء
في ﴿فانذر﴾ تعقيبية، وبقية الفاءات كالفاء في قوله تعالى: ﴿بل الله فاعبد﴾ [الزمر: ٦٦]
فقيل: جواب: لا، ما مقدرة، وقيل: زائدة، وإليه مال الفارسي، وعند الأكثرين عاطفة،
والأصل: تنبه فاعبد الله، ثم حذف: تنبه، وقدم المنصوب على الفاء إصلاحاً للفظ لئلا تقع
الفاء صدراً. قوله: ((فحمى))، الغاء فيه عاطفة، والتقدير: فبعد إنزال الله هذه الآية حمي الوحي.