النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب التفسير/ باب ٣٩ من سورة ص
[المعجم ٤ - التحفة تابع ٣٩]
٣٢٣٥ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُّ هَانِىءٍ؛ أَبُو هَانِىءِ اليَشْكُرِيُّ.
حَدَّثَنَا جَهْضَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلاَّمٍ عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشِ الحَضْرَمِيِّ، أنَّهُ حَدْثَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ السَّكْسَكِيِّ عَنْ مُعَاذٍ بْنٍ
جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: اخْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ِ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ حتى
كِذْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثَوَّبَ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ وَتَجَوَّزْ في
صَلاَتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ قَالَ لَّنَا: ((على مَصَافْكُمْ كَمَا أَنْتُمْ)) ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا ثمَّ قَالَ:
((أمَّا إِنِّي سَأَحَدْتُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ
لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلاَتِي حتى اسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلتُ: لاَ أدْرِي))، قَالَها
ثَلاثًا، قَالَ: ((فَرَأيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كِتِفَيَّ حتى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيِيَّ، فَتَجَلَّى لِي كلِّ
شّيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبِّيَكَ رَبِّ، قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ:
الفوائد والأحكام: في ثمان مسائل:
الأولى: قوله: (أخر الرسول ◌َ﴾ صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس). قال ابن
العربي: ثبت أن النبي ◌َ# أخر الفراغ من صلاة الصبح إلى طلوع الشمس في الصحيح مرتين:
إحداهما: مع السائل عن الأوقات مفسّرًا، والثانية: في صلاة جبريل به مجملاً، وهذه مرة ثالثة
صححها أبو عيسى.
الثانية: قوله: (وتجوّز في صلاته) إنما يطول الصلاة بحسب وجود الوقت، فإذا ذهب
الوقت فالتجوّز ترك فضل، والوقت فرض، والفرض أوكد من الفضل.
الثالثة: قوله: (فنعست في صلاتي، كان هذا شيء غلبه ولم يتعمده، فإنه قد قال *: (لا
يصلين أحدكم وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه).
الرابعة: قوله: (فتجلى لي كل شيء وعرفته) يريد خلق الله له العالم بما في السموات
والأرض وما بين المشرق والمغرب، كما جاء في الحديث، ثم سأله عما يختصم فيه الملأ
الأعلى، فقال له: نعم، لأنه قد علمه في جملة ما علم بتعليمه، وكان قبل ذلك لا يعلمه.
الخامسة: قال بعضهم: اختصم الملأ الأعلى في خلق آدم، وهذا ضعيف، لأن الكلام في
خلق آدم لم يكن بين الملائكة وإنما كان بين الرب تعالى وبينهم، وإنما اختصاصهم فيما أخبر
الله عنهم.

٨٢
كتاب التفسير/ باب ٣٩ من سورة صّ
في الكَفَّارَاتِ، قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأَقْدَام إلى الحَسَّنَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ
بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ حِينَ الكَرِيهَاتِ، قَالَ فِيمَ قُلْتُ: إطْعَامُ الطَّعامِ، وَلِينُ
الكّلاَمِ، وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ؟ قَالَ: سَلْ، قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ،
وتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً قَوْمٍ فَتَوَفْنِي
غَيْرَ مَفْتُونٍ، أسْألُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إلى حُبِّكَ، قَالُّ رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ: إِنَّهَا حَقِّ فَاذْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. سَألْتُ مُحمّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هذا
الحَدِيثِ، فَقَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ: هذا أصَحُ مِنْ حَدِيثِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَسْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَذْثَنَا خَالِدُ بْنُ اللَّجْلَاَجِ حَدَّثَنِي
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشِ الحَضْرَمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَذَكَرَ الحَدِيثَ وهذا غَيْرُ
مَحْفُوظِ. هَكَذَا ذَكَرَ الوَلِيدُ في حَدِيثِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَ*ُ. وَرَوَى بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرِ هذا الحَدِيثَ بهذا
الإِسْتَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ عَنِ النَّبِيِّ بَهَ. وهذا أصَحُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشٍ
لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النّبِيِّ ◌َِِّ.
السادسة: ففسّر المعنى الذي يختلفون فيه، فقال: هو الكفّارات والدرجات، فأما الكفّارات
فالمشي على الأقدام إلى الجماعات، والمكث في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء في
الكريهات، يعني: السبرات، وهي الأوقات الباردة، فهذه كلها كفّارات للذنوب كما قال في
الحديث الصحيح، فإن لم تجد ذنوبًا كانت ذخرًا، فأما الدرجات فهي بين الكلام، فالمؤمن هيّن
ليّن، وإطعام الطعام في الصدقات، والكرامات، والضيافات، وإنشاء السلام على من عرفت ومَن
لم تعرف، وصلاة الليل إذا رقد الناس.
السابعة: الدعاء الذي علمه في الصلاة في حديث ابن عباس، ومطلقًا في حديث معاذ،
وهو خصال فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وذلك يدل على خلوص القلب
عن الكبر والحقد والحسد والمغفرة في إسقاط ما وجب عليه من حق بالذنب، والرحمة في
صلاح الحال دينًا ودنيا، وفي قبول الأمر واجتناب النهي، ثم الخلاص من الفتنة لعظيم هرجها
وعسر فرجها، ثم علمه سؤال حبّ الله، وقد بيّنّاه في التفسير وغيره، وحب الله هو العمل
بطاعته، وعلمه حبّ مَن يحبّه بفرض حبّ المطيعين بالإخلاص لهم والإحسان إليهم والتوقير
لهم، وحبّ العمل الذي يقربه إلى حبه، وهو اليقين، ويحتمل أن يريد بقوله: حبك، أي: محبة
الله له، وهي إرادته له التوفيق والطاعة والتوبة، وقد كان الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني شيخ

٨٣
كتاب التفسير/ باب ٤٠ من سورة الزمر
٤٠ - باب ((ومن سورة الزمر))
[المعجم ١ - التحفة ٤٠]
٣٢٣٦ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمْنِ الرَّحيمِ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ
عَنْ أبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ِثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] قَالَ
الزُّبَيْرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكْرَّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْئَنَا فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ))،
فَقَّالَ: إِنَّ الأمْرَ إِذَا لَشَدِيدٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٤٠]
٣٢٣٧ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ وَسُلَیْمَانُ بْنُ خَرْبٍ
وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالُوا: حَدِّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمّةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرٍ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ
بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقْرَأُ ﴿يَا عِبَادِيّ الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لاَ
تَقْتَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وَلاَ يُبَالِي.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ
حَوْشَبٍ. قَالَ: وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ يَرْوِي عَنِ أُمْ سَلَمَةَ الأَنْصَارِيَّةِ، وَأُمُّ سَلَمَةَ الأنْصَارِيَّةُ هِيَ
أسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ.
[المعجم ٣ - التحفة تابع ٤٠]
٣٢٣٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنِي
مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٍّ إلى النَّبِيِّ وَلـ
العلماء والزهاد رأى الباري في المنام فقال له: ربّ أسألك التوبة منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة
ولم تستجب لي بعد، فقال له: يا أبا إسحاق إنك سألت في عظيم، إنما سألت حبّنا، هذا معنى
الحديث. والإشارة به إلى آيات وأحاديث، منها: قوله: ﴿إن الله يحبّ التوابين ويحبّ
المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢].
الثامنة: قوله : (فادرسوها) يريد كزروا قراءتها حتى تعلموها.
سورة الزمر
ذكر حديث (عبيدة عن عبد الله في كلام اليهود بأن الله يمسك السموات على

٨٤
كتاب التفسير / باب ٤٠ من سورة الزمر
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمْوَاتِ على إصْبَعِ وَالأَرَضِينَ على إصْبَعِ وَالجِبَالَ على
إِضْبَعِ، وَالخَلاَئِقّ على إصْبَعِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ! قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َلْ حتى بَدَتْ
نَوَاجِذُهُ، قَالَ: ﴿وَمّا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧](١) .
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَچیحْ.
٣٢٣٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيّاضِ
عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ: ﴿ تَعَجُّبًا
وَتَصْدِيقًا(١).
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
[المعجم ٤ - التحفة تابع ٤٠]
٣٢٤٠ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ حَدَّثَنَا أَبُو
إصبع)، ونزول الآية، وذكر حديث ابن عباس بنحوه، وكلاهما حسن صحيح، وحديث ابن
عباس غريب.
الأصول: في ست مسائل:
الأولى: قال ابن العربي: هذا حديث صحيح قد بيّنًا معانيه في كتب الأصول المتوسط
والعواصم وغيرهما، وذكرنا اختلاف الناس في تأويله، وأن مَن وقف فيه، ونفى التشبيه
والتمثيل، وأطلق اللفظ لوروده في الشرع، وقدّس الذات الكريمة عن الجارحة، فهو معذور،
ومَن تجاوز هذا فهو كافر مغرور، وحقّقنا أن مَن تأوّل فهو مصيب وتأويله بيِّن، فإن الله خلق
العبد ووهب له القدرة على التصرف، وجعل له اليد والكف والأصابع أصلاً في تصريف أفعاله،
فضرب له المثل في نفسه به، وهو القائل سبحانه: ﴿ضرب لكم مثلاً من أنفسكم﴾
[الروم: ٢٨] وأن العبد يصرف متعلقات قدرته في ما آربه بكفّه وأصابعه، فأخبر الباري تعالى
على لسان نبيه في تصديقه لقائله بأنه مصرّف للمخلوقات، وأوضح كيفية تصريفها، فهو الذي
يمسك السماء والأرض والماء والجبال والخلق، وضرب مثلاً لإمساك هذه الخمس يد العبد
بأصابعه الخمس.
(١) (البخاري) التفسير: باب تفسير ﴿وما قدروا الله حقّ قدره﴾ من سورة الزمر. والتوحيد: باب قول
الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ وباب كلام الرب عزّ وجلّ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. (مسلم)
صفات المنافقين وأحكامهم باب صفة القيامة والجنة والنار.

٨٥
كتاب التفسير/ باب ٤٠ من سورة الزمر
كُدَيْنَةً عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ يَهُودِيِّ بِالنَّبِيِّ وَّـ
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهُ: (يَا يَهُودِيُّ حَذْثَنَا»، فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُ يَا أَبَا القَاسِم إذَا وَضّعَ اللَّهُ
السَّمْوَاتِ على ذِهِ، وَالأرْضَ على ذِهِ، وَالمَاءَ على ذِهِ، وَالجِبّالَ على ذِهِ، وَسَائِرَ الخَلْقِ
على ذِهِ، وَأَشَارَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ بِخِنْصَرِهِ أوّلاً، ثمَّ تَابَعَ حتى بَلَغَ الإِنْهَامَ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ صَحِيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إلاَّ
مِنْ هذا الوَجْهِ. وَأَبُو كُدَيْنَةَ اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ المُهَلَّبِ قَالَ: رَأيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ رَوَى
هذا الحَدِيثَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ شُجَاعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ.
الثانية: قول اليهودي: (على ذه) وأشار إلى أصبعه، مما أباه العلماء وأنكره جملة عظيمة
منهم، وقد قال بعضهم: ﴿تجلى ربه للجبل﴾ [الأعراف: ١٤٣] تجلى منه مقدار هذا، وأشار
إلى خنصره، ولم يرد الذات ولا الجارحة، وإنما ضرب المثل بالقدر اليسير من نور الله الذي هو
حجابه في الحديث الصحيح. ورُوِيّ عن مالك وغيره أنه إذا روى هذه الأحاديث أحد ومثّل
بجارحة قطعت، وهذا إعياء، وقد أشار اليهودي إلى أصبعه وضحك النبي عليه السلام تصديقًا
له، ولا يضحك إلا في الحق والصدق، والإشارة بالجارحة ليست على التمثيل، كما أن ذكرها
ليس على التمثيل باللسان ولا بالكتاب بالقلم. وفي الصحيح واللفظ للبخاري عن نافع عن
عبد الله قال: ذكر الدجال عند رسول الله فقال: ((إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور)»،
وأشار بيده إلى عينه، ((وإن المسيح الدجال أعور العين، كأن عينه عنبة طافية)).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١]، يقال: قدرت الشيء أقدره
قدرًا، إذا عرفت مقداره، والمقدار على قسمين: مقدار الكمية ومقدار الشرف، فمقدار الكمية
مختص بالمخلوق ومقدار الشرف بالحقيقة، والكمال للخالق سبحانه، فلما نفى الله عن اليهود
معرفة الله حق معرفته توهّم قوم إن ذلك إنما هو لما أرادوه من التمثيل والتشبيه بالمخلوق، وأن
أكثر اليهود متجسمة مشبهة ممثلة، ولكن هذا الخبر لم يقصد التشبيه، ولو قصده وأراده لما
ضحك النبي ولا صدقه في الحديث المطلق وبعضه كفر، إنما أخبر الله عنهم أنهم وإن قالوا هذا
من قدرته وعظمته فالذي فاتهم أعظم مما اعترفوا به.
الرابعة: أخبر الله سحانه أن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، كما أخبر الصادق عنه أن
الأرض تكون درمكة بيضاء كخبزة النقى، يكفؤها الجبار كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر.
الخامسة: قوله: ﴿والسموات مطويّات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] للباري تعالى يدان، وكلاهما
يمين، أي: كاملة لا نقص فيها، إذ لا يجوز النقص على صفاته العلا، وقد قال بعضهم: إن

٨٦
كتاب التفسير/ باب ٤٠ من سورة الزمر
[المعجم ٥ - التحفة تابع ٤٠]
٣٢٤١ - عقلنا سُوَيْدُ بْنُ ن٢صرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ
عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أبِي عَمْرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَدْرِي مَا سَعَةُ جَهَنَّمَ؟ قُلْتُ:
لا، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ مَا تَدْرِي. حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ لَّه عَنْ قَوْلِهِ:
﴿وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] قَالَ:
قُلْتُ: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((على جِسْرٍ جَهَنَّمَ)). وفي الحَدِيثِ قِصَّةٌ(١).
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
[المعجم ٦ - التحفة تابع ٤٠]
٣٢٤٢ - حقثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنْ
مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ
وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَأَيْنَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((على الصِّرَاطِ يَا
عَائِشَةُ))(٢).
هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[المعجم ٧ - التحفة تابع ٤٠]
٣٢٤٣ - حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي
سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ التَّقَّمَ صَاحِبُ القَرْنِ القَرْنّ
معناه بقسمه، وهو ضعيف، وإنما يطوي السماء كطي السجل للكتاب بالقدرة التي محلها في
العادة الیمین، فعبّر بها عنه.
السادسة: قال في هذا الحديث إن سائر الخلق على أصبع، وهي الإبهام، وقال في
الحديث الصحيح وذكره أبو عيسى: (إن المؤمنين يومئذ على الصراط) فيحتمل ثلاثة معانٍ:
أحدها: أن يكونوا على الصراط، والصراط بما عليه على الأصبع. ثانيها: أن تكون حالتان،
إحداهما: يكونون على الصراط. ثالثها: أن يكون المؤمنون خاصة على الصراط دون سائر
الخلق. وثانيها أقواها.
(١) (النسائي في الكبرى) التفسير.
(٢) انظر رقم (٣١٢١).

٨٧
كتاب التفسير/ باب ٤٠ من سورة الزمر
وَحَتَى جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ أنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَنْفُخَ فَيَنْفُخَ))! قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَكَيْفَ نَقُولُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ تَوَكَّلْنَا على اللَّهِ رَبِّنَا»، وَرُبَّمَا قَالَ
سُفْيَانُ: على اللَّهِ تَوَكَّلْنَا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَاهُ الأعْمَشُ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي
سَعِيدٍ.
[المعجم ٨ _ التحفة تابع ٤٠]
٣٢٤٤ - حدثنا أخْمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ
عَنْ أسْلَمَ العِجْلِيَّ عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالّ
أَغْرَابِيَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الصُّورُ؟ قَالَ: ((قَرْنْ يُنْفَخُ فِيهِ»(١) .
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنَّ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ سُليْمانَ التَّيْمِيِّ.
٣٢٤٥ - حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍوٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ يَهُودِيُّ بِسُوقِ المَدِينَةِ: لاَ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى
على البَشَرِ قَالَ: فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يَدَهُ فَصَكَّ بِهَا وَجْهَهُ قَالَ: تَقُولُ هذا وَفِينَا نَبِيُّ
اللَّهِ﴿ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في
الأَرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَأَكُونُ
أوَّلَ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ فَلاَ أذْرِي أَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أوْ
كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟ وَمَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ))(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
حديث: ذكر عن أبي هريرة تفضيل موسى ويونس بن متى، حسن صحيح.
الإسناد: زويّ في الصحيح (فلا أدري أفاق قبلي أو كان ممّن استثنى الله)؟ ورُوِيَ (أو
جُوزِيَ بصعقة الطور).
(١) (أبو داود) السُّنَّة: باب في ذكر البعث والصور. (النسائي في الكبرى) التفسير. وقد مرّ في الزهد
(٢٤٣٠).
(٢) (ابن ماجه) الزهد: باب ذكر البعث.

٨٨
كتاب التفسير/ باب ٤٠ من سورة الزمر
[المعجم ١٠ - التحفة تابع ٤٠]
٣٢٤٦ - حقدنا محمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أُخْبَرَنَا
الثّوْرِيُّ. أخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَقَ أنَّ الأغَرَّ أَبَا مُسْلِم حَدَّثَهُ عَنْ أبي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنٍ
النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((يُنَادِي مُنَادٍ: إنَّ لَكُمْ أنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُوا فَلاَ
تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْأْسُوا أَبَدًا)).
فَذْلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُوْرِ ثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣] (١).
الأصول: في خمس مسائل:
الأولى: توقف النبي عليه السلام في تعيين وجه سبق موسى بالإفاقة مع تطريق الاحتمال
إليه دليل على أنه يجوز التكلم بالاجتهاد في غير الأحكام المعمول بها في مصالح الدنيا
ونظامها، من أمور الآخرة وما والاها، وقد صرّح علماؤنا بأن الاجتهاد إنما يكون في أحكام
العمل، وهذا نص في الرد عليهم.
الثانية: قوله: (مَن قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب)، قيل ضمير (أنا) يرجع إلى
قول من قال، وهذا ضعيف، وإنما هو راجع إلى النبي 1983.
الثالثة: كان هذا كله من عدم تفضيله نفسه على الأنبياء كان قبل أن يعرف شريف منزلته
ويخبر بعلى درجته، وقيل: منع الناس من هذا الإطلاق، وأذِنَ له في أن يخبر عن نفسه بحقيقة
حاله وعلى مرتبته بوجوب علم ذلك والإيمان به، وقد قيل ذلك منه على رسم التواضع، والأول
أصح.
الرابعة: فوله: (أو كان ممّن استثنى الله) بيان أن الصعق لا يعمّ الخلق، ولكنه لا تعلم
أعيان المستثنین).
الخامسة: أخبر الله أن الصعقة الأولى فيها يموت الخلق وأن الثانية يحيون فيها، وبيّن
بذلك أن الأسباب التي تتعلق بها المسببات لا يكون ذلك لذواتها ولا من جهة أعيانها، لكن
الباري يخلق الأضداد والمختلفات عند الأسباب المتماثلات، ليبيّن أن ذلك فعله كله لا حظّ
للأسباب فيه ولا عمل ولا تعلق إلا كونها علامة على الوجود خاصة .
حديث: (أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: ينادي مُنادٍ يا أهل الجنة إن
لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا الحديث، إلى قوله: ((وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم
تعملون﴾)، أسند تارة وأوقف أخرى، ووقفه كإسناده لأنه ليس مما يعلم بنظر، وقد بيّنّاه في
أصول الفقه.
(١) (مسلم) الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب في دوام نعيم أهل الجنة وقوله تعالى: ﴿ونودوا أن تلكم=

٨٩
كتاب التفسير/ باب ٤١ من سورة غافر
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرَوَى ابْنُ المُبَارَكِ وَغَيْرُهُ هذا الحَدِيثَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
٤١ - باب ((ومن سورة المؤمن))(١)
[المعجم ١ - التحفة ٤١]
٣٢٤٧ - بِسْم اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأعْمَشِ عَنْ ذَرَّ عَنْ يُسَيْعِ الحَضْرَمِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ
بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَ﴿ يَقُولُ: ((الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ)) ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبِّكُمُ ادْعُونِي
أُسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الْذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠](٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الأصول: في الأولى: قوله: ﴿أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الأعراف: ٤٣]. فأخبر في
القرآن في عدة مواضع أن الجنة تُنال بالعمل، وقال في الحديث الصحيح: (لن يدخل أحد الجنة
بعمله) وقد بيّنًا ذلك في غير موضع، وحقّقنا رجوع ذلك إلى قوله: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا
الحزن﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿الذي أحلنا دار المقامة من فضله﴾ [فاطر: ٣٥]، فأنبأ أن ذلك فضل
منه، وهو الحقيقة، وذلك لأنهم إن دخلوها ونالوا النعيم الذي فيها بعملهم فإن ذلك فضله فيهم
ونعماءه عليهم، فالكل فضل أوله فضل وآخره، وإن كان أوسطه عملاً.
سورة المؤمن(١)
حديث (النعمان بن بشير (الدعاء هو العبادة ثم قرأ الآية ﴿إن الذين يستكبرون عن
عبادتي﴾) إلى قوله: (﴿داخرين﴾) حسن صحيح.
الأصول: في ست مسائل:
الأولى: قد بيّنًا حقيقة العبادة في كتاب السراج وغيره، وأراد قوم أن يفرّقوا بينها وبين
العبودية من طريق المعنى، ولم يصح ذلك لهم إلا من طريق الاصطلاح خاصة، فإن بناء
الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾. (النسائي في الكبرى) التفسير.
=
(١) هي سورة غافر حسب تسمية السور في المصحف العثماني: والتسمية المثبتة في الكتاب أتت من
قوله تعالى في السورة: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي
الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربكم وإن يكُ كاذبًا فعليه كذبه وإن يكُ صادقًا يصبكم بعض الذي
يعدكم إن الله لا يهدي مَن هو مسرف كذّاب﴾ [غافر: ٢٨].
(٢) (أبو داود) الصلاة: باب الدعاء. (النسائي في الكبرى) في التفسير. (ابن ماجه) الدعاء: باب فضل
الدعاء. وقد مرّ (٢٩٦٩) وسيأتي في الدعاء (٣٣٧٢).

٩٠
كتاب التفسير/ باب ٤٢ من سورة فضّلت
٤٢ - باب ((ومن سورة حَمّ السجدة))(١)
[المعجم ١ - التحفة ٤٢]
٣٢٤٨ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم. حَدِّثْنَا ابْنُ أَبِي عُمّرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ
عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اخْتَصَمَ عِنْدَ البَيْتِ ثَلاثَةُ نَفَرِ قُرَشِيَّانِ
ع ب د في هذا الباب موضوع للتذلّل الله والخضوع له والإقرار بأن كل شيء خلقه وملكه، ولا
عمل إلا ما يكون له مقصودا به.
الثانية: وجه تسمية الدعاء عبادة بيِّن، لأن فيه الإقرار بالعجز من العبد والقدرة لله، وذلك
غاية الذلّة والخضوع، وذلّ السؤال عنده لا يقوم به بذل النوال، وكل سؤال منقصة إلا سؤال
الخالق سبحانه، وقد قالوا في الحديث الحسن (إن السؤال لا يجوز إلا من سلطان) وقد بيّاه في
موضعه.
الثالثة: مطلق القول يقتضي أن الدعاء جملة العبادة، كما يقال: المال الإبل، و: الناس
العلماء، ويصح هذا فيه من وجهين: أحدهما: أن كل طاعة سؤل، لأنها لطلب العوض.
والثاني: أنه لا بدّ من الذكر في الأغلب مع الدعاء في الطاعات، فحمل على الأكثر.
الرابعة: قوله: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] تقدم بيانه، وأن معناه: إن شئت،
أو: إن قمت بشرط الدعاء أجبت بإحدى ثلاث: نفس المطلوب، أو خير منه في الدنيا، أو
العوض منه في الآخرة.
الخامسة: الكافر ليست له دعوة لأنه إنما يدعو مَن له شريك، والباري لا شريك له،
والآية مخصوصة بالمؤمنين على الوجه المتقدم.
السادسة: قوله: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ [غافر: ٦٠]. قد بيّنًا أن الكبر على
أنواع، منه كفر وهو التكبر على الله وعلى الأنبياء، وهو المراد هاهنا، وقي قوله: (لا يدخل
الجنة من في قلبه مثقال حبة خردل من کبر) يعني به الذي یکون به صاحبه كافرًا.
سورة السجدة (١)
ذكر حديث أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن عبد الله بن مسعود (اختصم عند البيت ثلاثة
نفر)، وذكره عن طريق أخرى، حسن صحيح.
(١) هي سورة فصّلت. وتسمى أيضًا حم السجدة لأنها الوحيدة من بين الحواميم (وهي السور في القرآن
العظيم التي تبتدأ بـ: حم) التي فيها سجدة.

٩١
كتاب التفسير/ باب ٤٢ من سورة فضلت
وَثَقَفِيٍّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٍّ، قَلِيلاً فِقْهُ قُلُوبِهِمْ كَثِيرًا شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أنَّ
اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ، فَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا وَلاَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا. وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ
كانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزِّلَ اللَّهُ ﴿وَمَّا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ
عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾ [فصّلت: ٢٢](١) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٤٢]
٣٢٤٩ - حدثنا هَنَّادٌ. حَدْثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عِمَارَةً بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الكَّعْبَةِ فَجَاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ .
شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، قُرَشِيٍّ وَخْتَنَاهُ ثَقَّفِيَّانِ ثَقَفِيٍّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ، فَتَكُلِّمُوا بِكَلامٍ
لَمْ أقْهَمْهُ فَقَالَ أحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلاَمَنَا هذا؟ فَقَالَ الآخَرُ: إنّا إذَا رَفَعْنَا
الأصول: في هذا الحديث إثبات السمع للباري سبحانه، فإن ابن مسعود خبّرّ النبي ◌َ﴿﴿ بما
سمع فلم ينكر عليهم أن الباري لا يسمع، وذلك لما كان من الحجة في قول الواحد: (إن كان
يسمع إذا جهرنا أنه يسمع إذا أخفينا)، ونزلت الآية التي تقتضي أن الجلود من الأبدان والآذان
والآعين تشهد عليه بما يعلمها الله له، فكيف يعلم ما لم يعلم؟ وقد ورد ذكر السمع في الحديث
من طرق صحيحة. قال النبي وَّير: (إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا،
إنه بينكم وبين رؤوس رحالكم).
وفيه (أن عائشة قالت: إن جبريل نادى؟ قال: إن الله قد سمع قول قومك وما رذوا
عليك). وقال البخاري: قال الأعمش عن تميم عن عروة عن عائشة: (الحمد لله الذي وسع
سمعه الأصوات). وأنكرت القدرية والمعتزلة إثبات السمع والبصر للباري، وردّت ذلك إلى
العلم لاعتقادها أن الرؤية باتصال الأشعة، والسمع باصطكاك الصوت، وبدليل العقل لا تختصّ
الرؤية بالألوان ولا السمع بالأصوات إلا عادة، وكل موجود يجوز أن يسمع ويرى. وبنته على
أصولها الفاسدة لتبني على ذلك نفي صفات الباري ورؤيته سبحانه عن قولهم.
(١) (البخاري) التفسير: باب تفسير ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا
جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾. وباب تفسير ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم
بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾ من سورة حمّ السجدة. والتوحيد: باب قول الله تعالى:
﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم
كثيرًا مما تعملون﴾. (مسلم) صفات المنافقين وأحكامهم. في فاتحته.

٩٢
كتاب التفسير/ باب ٤٢ من سورة فضّلت
أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ، وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ أصْوَاتْنَا لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقَالَ الآخَرُ: إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا سَمِعَهُ
كُلَّهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَمَّا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ
عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ، وَلَ أبْصَارُكُمْ، وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾
[فصلت: ٢٢، ٢٣].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
حَذْثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدْثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ
عُمَيْرٍ عَنْ وَهْبٍ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ نَحْوَهُ.
[المعجم ٣ - التحفة تابع ٤٢]
٣٢٥٠ - حدثنا أَبُو حَقْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيَّ الفلاَّسُ. حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْيَةَ مُسْلِمُ بْنُ قُتِيَةً.
حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمِ القُطَيْعِيُّ. حَدْثَتَا ثَابِتْ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ قَرَّأْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمْ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قَالَ: قَدْ قَالَ النَّاسُ
ثمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ. لاَ تَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ .
سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: رَوَى عَفَّانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيِّ حَدِيثًا، وَيُرْوَى فِي هذِهِ الْآيَةِ
عَنِ النّبِيِّ ◌ََّ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعْنَى اسْتَقَّامُوا.
حديث: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [الأحقاف: ١٣] قال رسول الله * في
رواية أنس عنه: (قد قال الناس ثم كفر أكثرهم فمَن مات عليها فهو ممن استقام) حديث
غريب.
العربية: استقام هو استفعل، من قام على الشيء إذا دام عليه، فأراد وهو في الأصول أن
من آمن دام على الإيمان إلى أن مات فهو الذي وفى المطلوب منه. قال علماؤنا: ويدلّ على
ذلك قوله: ﴿ثم استقاموا﴾ وكلمة (ثم) للتراضي، فدل ذلك على أن المعنى: استقاموا في
الحال، ثم داموا إلى المآل، إذ الأعمال بخواتيمها.

٩٣
كتاب التفسير/ باب ٤٣ من سورة الشورى
٤٣ - باب ((ومن سورة حَمّ عَسَقَ)(١)
[المعجم ١ - التحفة ٤٣]
٣٢٥١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم. حَدْثَنَا بُنْدَارٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةً قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسِ عَنْ هذِهِ الآيَةِ
﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ المَوَدَّةَ في الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:
قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ بَّهَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَعَجَلْتَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ
قُرَيْشٍ إِلاَّ كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ: ((إِلاَّ أنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ))(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
سورة حمعسق (١)
ذكر حديث طاوس عن ابن عباس (أنه قال في قوله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودّة
في القربى﴾ عن سعيد بن جبير أنه قال قربى آل محمد فقال له ابن عباس أعجلت إنه لم يكن
بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة). حسن
صحیح .
الأصول: لم يكن رسول الله إلا محرم عليه أن يأخذ أجره عن تبليغ رسالته، أو يطلبها من
طريق الشرع لا من طريق العقل، إذ العقل لا يحرم شيئًا ولا يوجبه على ما ثبت في الدين،
وقزّرناه في الدواوين.
الثانية: قوله تعالى: ﴿إلا المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣] ظن بعضهم أنه استثناء
منقطع، إذ ليست الموذة من الأجرة، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه ليس يمتنع من وجه
أن تكون المودة أجرة، الثاني: أنه ليس في العربية استثناء منقطع على رأيهم، بل هو كله استثناء
من الجنس، على ما بيّنّاه في كتب الأصول، فلينظر هناك.
الثالثة: محبة مَن يحب الله ويحبه الله فرض على كل أحد. وقد اختلف الناس في المودة
في القربي على ثلاثة أقوال: الأول: حجته قرابة محمد وهم أهل بيته من بني هاشم، فمَن
(١) هي سورة الشورى.
(٢) (البخاري) المناقب: باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. والتفسير: باب تفسير ﴿إلا المودّة في القربى﴾
من سورة ﴿حَمّ عَسَقَ﴾. (النسائي في الكبرى) التفسير.

٩٤
كتاب التفسير/ باب ٤٤ من سورة الزخرف
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٤٣]
٣٢٥٢ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
الوَازِعِ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ بَنِي مُرَّةً قَالَ: قَدِمْتُ الكُوفَّةً فَأُخْبِرْتُ عَنْ بِلاَلٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةً
فَقُلْتُ: إِنَّ فِيهِ لَمُعْتَبَرًا، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ مَخْبُوسٌ فِي دَارِهِ الَّتِي قَدْ كَانَ بَنَّى قَالَ: وَإِذَا كُلُّ
شَيْءٍ مِنْهُ قَدْ تَغَيَّرَ مِنَ العَذَابِ وَالضَّرْبِ، وَإِذَا هُوَ في قُشَاشٍ فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَا
بِلاَلُ، لَقَدْ رَأيْتُكَ وَأَنْتَ تَمُرُّ بِنَا تُمْسِكُ بِأَتْفِكَ مِنْ غَيْرِ غُبَارٍ وَأنْتَ فِي حَالِكَ هذا اليَومَ
فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عِبَادٍ، فَقَالَ: ألاَ أُحَدْتُكَ حَدِيثًا عَسى اللَّهُ أنْ
يَنْفَعَكَ بِهِ؟ قُلْتُ: هَاتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَبُو بُرْدَةً عَنْ أبِيهِ أبِي مُوسَى أنَّ رَسُولَ
اللَّهِ مَ﴿ قَالَ: ((لاَ يُصِيبُ عَبْدَا نَكْبَةٌ فَمَّا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إلاَّ بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ
أَكْثَرُ))، قَالَ: وَقَرَّأَ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
[الشورى: ٣٠].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ تَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ.
٤٤ - باب ((ومن سورة الزخرف))
[المعجم ١ - التحفة ٤٤]
٣٢٥٣ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم. حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَذْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ
وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ:
يختصّ بعدهم إلى أهل البيت. الثاني: مودة قريش، وبه قال ابن عباس. الثالث: موذة من
يتقرّب إلى الله، وهو رأي الصوفية، وليس يبعد أن يكون الكل معنيًّا بالآية، إلا إن كان المراد
بذلك مودّة قربى آل محمد عليه السلام، فيكون ذلك من باب الاعتقاد، وتعود المسألة إلى فن
من الأصول. وإن كان المراد بذلك مودّة مَن يتقرّب إلى الله تعالى فتكون المسألة من باب
الأحكام، فإنه إن لم يفعل ذلك فعلاً محظورًا ارتكبه كسائر المعاصي.
سورة الزخرف
ذكر حديث حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة. وأبو غالب اسمه حزور
كما قال أبو عيسى، وأبو أمامة اسمه صدي بن عجلان (قال رسول الله (خ):

٩٥
كتاب التفسير/ باب ٤٤ من سورة الزخرف
(مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدَّى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَ أُوتُوا الجَدَلَ))، ثُمَّ ثَلاَ رَسُولَ اللَّهِع ◌َهْ هذِهِ الآيَةَ:
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨](١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ حَجَّاجٍ بْنِ دِينَارٍ،
وَحَجَّاجْ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الحَدِيثِ، وَأَبُو غَالِبِ اسْمُهُ حَزَوَّرُ.
(«ما ضلّ قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل، ثم تلا ﴿ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون﴾)
حسن صحيح، مع أن حجاج بن دينار مقارب الحديث.
العربية: الجدل يحتمل أن يكون من الفتل وهو شدّ الحبل بغيره، فكأنه يجمع أطراف
الكلام ليقوى على بيان المراد، ويحتمل أن يكون من الجدالة وهي الأرض، كأنه يلقى صاحبه
إذا غلبه بأرض الغلبة كما يلقى المصارع صاحبه إذا غلبه بالجدالة، ويحتمل أن يكون من الأجدل
وهو طائر يغلب غيره، فيعود إلى ما تقدم.
الأصول: في أربع: الأول: كانت المجادلة مأمورًا بها عند محاولة الشيء لإقامة الحجة
عند البعثة، ثم نسخ الله ذلك بعد بيان الحجج وظهور الحق بالإلجاء إلى القبول أو السيف.
الثانية: ضرب الله عيسى مثلاً أنه خلق بلا أب كآدم في خلقه دون أبوين، فجحدوا بذلك
وأنكروه بعد ظهور الحجة فيه، وقيل هو قوله: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم
أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨] فقالوا: رضينا أن نكون مع عيسى وعزير في النار.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم
خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]، وذلك أنه إن قال: آلهتكم خير، فقد أقرّ بأنها معبودة، وإن قال:
إن عيسى خير، فقد أقرّ بأنه يصلح أن يعبد، وإن قال: ليس في واحد منهم خير، فقد نفى
عيسى، فجادلوه ولم يسألوه.
الفائدة: والجواب أن عيسى خير من آلهتكم، وليس يصح أن يعبد، إذ ليس يلزم فيما هو
خير من الأصنام أن يكون معبودًا، فهو أجدل منهم، ولكن جدل النبي عليه السلام لهم حسن،
كما قال سبحانه: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥]، وذلك بخمسة شروط: أن
يكون للخصم منك تمكّن، وفي خطابك لين وقبول للحق، واعتقاد النصرة بإقامة الحجة، وترك
الميل إلى شيء بالشهوة.
الرابعة: الخصم الذي يأخذ في خصم مرّ القول، وهو كل باب يجده مفتوحًا إلى شهواته،
سواء كان من حجة أو من غير حجة.
(١) (ابن ماجه) المقدمة: باب اجتناب البدع والجدل.
عارضة الأحوذي/ ج ١٢ / م ٢١

٩٦
كتاب التفسير / باب ٤٥ من سورة الدخان
٤٥ - باب ((ومن سورة الدخان))
[المعجم ١ - التحفة ٤٥]
٣٢٥٤ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الجُدِيُّ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأعْمَشِ وَمَنْصُورٍ سَمِعًا أَبَا الضُّحَى
يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ قَاصَّا يَقُصُّ يَقُولُ: إنَّهُ يَخْرُجُ
مِنَ الأرْضِ الدُّخَانُ فَأْخُذُ بِمَسَامِعِ الْكُفَّارِ وَيَأْخُذُ المُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ قَالَ: فَغَضِبُّ وَكَانَ
مُتَكِنًا فَجَلَسَ ثمَّ قَالَ: إِذَا سُئِلَ أَخَذُكُمْ عَمَّا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ بِهِ، قَالَ مَنْصُورٌ: فَلْيُخْبِرْ بِهِ، وَإِذَا
سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ عِلْمِ الرَّجُلِ إذَا سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ أنْ يَقُولَ
اللَّهُ أعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِّهِ: ﴿قُلْ مَا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾
[صّ: ٨٦] إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾﴿ لَمَّا رَأَى قُرَيْشًا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ
بِسَبْعٍ كَسَبْعٍ يُوسُفَ))، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كلِّ شَيْءٍ حتى أُكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ، وَقَالَ
أَحَدُهُمَا: الْعِظَامَ، قَالَ: وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ: إِنَّ
قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادِعُ اللَّهَ لَهُمْ، قَالَ: فهذا لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى
النَّاسَ هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] قَالَ مَنْصُورٌ: هذا لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا
الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فَهَلْ يُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟ قَدْ مَضَى البَطْشَةُ،
وَاللَّزَامُ: الدُّخَانُ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: القَمَرُ، وَقَالَ الآخَرُ: الرُّومُ(١).
سورة الدخان
ذكر حديث ابن مسعود (اللَّهمَّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف) حسن صحيح.
الأصول: هذا حديث متفق عليه، وهو من آيات النبي ومعجزاته، فإن قريشًا استعصت عليه
في الإيمان، فدعا الله في نصرته بما قد سبق مثله في أخوته، فقال: (اللَّهمَّ أعنّي عليهم بسبع
كسبع يوسف) دعا عليهم بالجوع لوجهين: أحدهما: لأنه يطفىء نار الفتن ويُسكِن هيجان
(١) (البخاري) التفسير: باب تفسير ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت
لك﴾ من سورة يوسف وباب تفسير ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ من سورة ص. وباب تفسير ﴿يغشى
الناس هذا عذاب أليم﴾ وباب تفسير ﴿ربنا اكشف عنّا العذاب إنَّا مؤمنون﴾ وباب تفسير ﴿أنّ لهم
الذكرى وقد جاءهم رسول مبين﴾ وباب تفسير ﴿ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون﴾ من سورة حمّ
الدخان. والاستسقاء: باب دعاء النبي# ((اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)). وباب إذا استشفع
المشركون بالمسلمين عند القحط. (مسلم) صفات المنافقين وأحكامهم. باب الدخان.

٩٧
كتاب التفسير / باب ٤٥ من سورة الدخان
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَاللَّزَامُ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٤٥]
٣٢٥٥ - حدّثنا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنَ
أُبَانٍ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ لَهُ بَابَانٍ، بَابٌ يَصْعَدُ
مِنْهُ عَمَلُهُ، وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ»، فَذلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَا بَكَثْ
عَلَيْهِمُ السَّمّاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ، وَمُوسَى بْنُ
عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبَانِ الرُّقَاشِيِّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ.
الهرج، وهو المقصود في التشبيه بسبع يوسف: أن تظهر براءته بها ويتبيّن بها صدقه، ويظهر
على عدوّه كما كانت سنو ليوسف صلى الله عليهما. وأما الدخان فكان يخرج من الأرض في
شدة القحط كهيأة الدخان، فينعقد بين السماء والأرض، وأما البطشة فكانت يوم بدر، وأما اللزام
فقال أبو عيسى: إنه يوم بدر، والذي عندي أن المراد به الانتقام منهم بظهوره عليهم حتى يؤمنوا
أو يهلكوا. وقال البخاري في حديث مسروق عن عبد الله: إن البطشة الكبرى يوم بدر، وهو
الصحيح، أقوى من كلام أبي عيسى عن نفسه.
حديث
ذكر حديث يزيد بن أبان الرقاشي (عن أنس أن رسول الله ول# قال: ((ما من مؤمن إلا له
بابان: باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه وذلك قوله: ﴿فما بكت
عليهم السماء والأرض)). قال أبو عيسى: الرقاشي ضعيف. قال ابن العربي: إن كان هذا
الحديث ضعيفًا فإن في الصحيح أن العبد الفاجر يستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب،
ومن يستريح من الباطل يبكي على ذهاب الحق، وقد بيًّا في غير موضع وجه إضافة هذه الألفاظ
المعقولة إلى الجمادات التي لا تعقل، فإن ذلك لا يحتمل المجاز، ويحتمل الحقيقة، فإن كان
المجاز فوجهه ظاهر، فإن ذلك كثير في لسان العرب كقوله:
يشكو إلى جملي طول السرى
وكقولهم:
وتشكو بعين ما أكل ركابها
:

٩٨
كتاب التفسير/ باب ٤٦ من سورة الأحقاف
٤٦ - باب ((ومن سورة الأحقاف))
[المعجم ١ - التحفة ٤٦]
٣٢٥٦ - بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ الكِنْدِيّ. حَدَّثَنَا أَبُو مُحَيَّةً
عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَّيْرٍ عَنِ ابْنِ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمَ لَمَّا أُرِيدَ عُثْمَانُ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
سَلَاَمِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ فيَ نَصْرِكَ، قَالَ: أَخْرُجْ إلى النَّاسِ
فَاطْرُذْهُمْ عَنِّي فَإِنَّكَ خَارِجٌ خَيْرٌ لِي مِنْكَ دَاخِلٌ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا
النَّاسُ، إِنَّهُ كانَ اسْمِي فِي الجَاهِلِيَّةِ فُلَانْ فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ عَبْدَ اللَّهِ وَنَزَلَ فِيَّ آيَاتٌ
مِنْ كِتَابِ اللَّهِ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ
لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] وَنَزَّلَتْ فِيَّ ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] إنَّ لِلَّهِ سَيْفًا مَغْمُودًا عَنْكُمْ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ قَدْ
جَاوَرَتْكُمْ فِي بَلَدِكُمْ هذا الْذِي نَزَلَ فِيهِ نَبِيُّكُمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ في هذا الرَّجُلِ أنْ تَقْتُلُوهُ، فَوَ اللَّهِ
إِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَطْرُدُنُّ جِيرَانَكُمُ المَلاَئِكَةَ وَلَتَسُلُّنَّ سَيْفَ اللَّهِ الْمَغْمُودَ عَنْكُمْ فَلاَ يُغْمَدُ إِلَى يَوْمٍ
القِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالُوا: اقْتُلُوا الْيَهُودِيِّ وَاقْتُلُوا عُثْمانَ(١).
وأما الحقيقة فلا بدّ من وجود الحياة أولاً والعقل ثانيًا وما يرتبط بهما، وذلك بالتفصيل
بيّن. تأويل قوله: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤] على ما بيّاه في التفسير.
سورة الأحقاف
ذكر حديث عبد الله بن سلام مع عثمان في مكالمته له في نصره. قال (ونزلت فيّ آيات
من كتاب الله، نزلت فيّ ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ [الأحقاف: ١٠] وقوله:
﴿قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومَن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣]). حسن غريب.
فوائده المطلقة: الأولى: قوله: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾ [الأحقاف: ١٠] وهذا
يدل على أن شهادة الشاهد الواحد موجبة حكمًا، مثيرة نفعًا في إثبات الحق. وقد أكد الله ذلك
بقوله: ﴿قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومَن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] واختلف في
ذلك الرجل الواحد، فروى الترمذي أنه عبد الله بن سلام ولم يصححه، وقد قرىء في الشاذ
(ومن عنده علم الكتاب) بخفض الميم، من قوله: (ومن) وبرفع العين من قوله: (علم)، وقد
يحتمل على بعد أن يكون المراد بقوله: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾، يعني: اليهود الذين
(١) سيأتي في المناقب.

٩٩
كتاب التفسير/ باب ٤٦ من سورة الأحقاف
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنٍ مُحَمَّدٍ بْنٍ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ .
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٤٦]
٣٢٥٧ - حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةً
عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً
أقْبَلَ وَأَذْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ قَالَتْ: فَقُلْتُ لَّهُ: فَقَالَ: وَمَا أدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ:
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هذا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
كانوا يبشّرون بالنبي عليه السلام قبل مبعثه ينتظرونه في بلدته، فآمن منهم مَن آمن وكفر مَن كفر،
وسابقهم وأولهم عبد الله بن سلام في الإيمان والشهادة بالإسلام، فأتاه الله أجره مرتين، وأقام
شهادته مقام شاهدين، ولو لم تكن شهادته قائمة ما اشتشهد الله بها ولا كان يحتج على مَن كفر
بإقامتها، وقد بيّنًا صفة إسلامه في الكتاب الكبير.
حديث عطاء
(عن عائشة كان النبي وقر إذا رأى مخيلة في السماء) حديث حسن.
الإسناد: هذا حديث حسن صحيح، ونصّ البخاري فيه: رُوِيّ عن سليمان بن يسار عن
عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله# ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت:
وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه، قالت: يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا
رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرِفَ في وجهك الكراهية، فقال: ((يا عائشة ما
يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى القوم العذاب فقالوا: هذا عارض
ممطرنا»).
العربية: المخيلة السحابة التي يظن فيها المطر، وهي موصوفة في كتب العربية مشهورة
عند العرب.
(١) (البخاري) بدء الخلق: باب ما جاء في قوله: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بُشرًا بين يدي رحمته﴾.
(النسائي في الكبرى) التفسير، والصلاة: باب ما يقول عند المطر.

١٠٠
كتاب التفسير/ باب ٤٦ من سورة الأحقاف
[المعجم ٣ - التحقة ٤٦]
٣٢٥٨ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّغْبِيِّ
عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لايْنٍ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهِ: هَلْ صَحِبَ النَّبِيِّ ◌َ لَيْلَةَ الجِنَّ مِنْكُمْ
أحَدٌ؟ قَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ وَلكِنْ قَدِ افْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَقُلْنَا: اغْتِيلَ أوٍ
اسْتُطِيرَ مَا فُعِلَ بِهِ؟ فَبِتْنَا بِشَرٌّ لَيْلَةِ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، حتى إذا أصْبَحْنَا أَوْ كانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ،
إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ، قَالَ: فَذَكَرُوا لَهُ الَّذِي كانُوا فِيهِ، فَقَالَ: ((أَتَانِي دَاعِي
الجِنَّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ، فَانْطَلَقَ فَأْرَانًا أَثَرَهُمْ وَأَثَرَ نِيرَانِهِمْ. قَالَ الشَّغْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ
الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنَّ الجَزِيرَةِ فَقَالَ: ((كُلُّ عَظُمٍ يُذْكّرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا
الأصول: قوله: (عرف في وجهه الكراهية) والكراهية من أفعال القلوب التي لا ترى في
الوجه، ولكنه إذا فرح القلب تبلج الجبين وإذا حزن القلب أريد الوجه، فعبّرت عن التغير الظاهر
في الوجه بالكراهية لأنه ثمرتها، كما يعبّر عن الشيء بفائدته وثمرته، وهذا أحد قسمي المجاز.
الثانية: قوله : (ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب) وقد قال الله عزّ وجل: ﴿وما كان الله
ليعذبهم وإنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣] فكيف يخبره سبحانه بأنه لا يعذبهم ويخاف هو عذابهم؟
والجواب: أن الآية قبل الحديث، لأن الآية كرامة للنبي عليه السلام ودرجة رفيعة لا تحطّ بعد
أن رفعت، وخطة لا تنقض بعد أن عقدت، وأن الله لم يعذب أسلافهم لأن النبي عليه السلام
في أصلابهم، ولم يعذبهم لحرمة وجوده فيهم، ولم يعذبهم وهم يستغفرون بعد ذهاب نبيهم.
قالت الصوفية: وكما أن كون النبي عليه السلام بين أظهرهم منع من عذابهم في حرمته، فيكون
الإيمان في قلوبهم يمنع من عذاب أبدانهم، ثم قال: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله﴾ يعني في الآخرة
﴿وهم يصدّون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه﴾ [الأنفال: ٣٤] فبيّن أن عدم احترام الحق
والعون عليه ينفي الولاية ويوجب العذاب، وعكسه يثبت الولاية ويمنع من العذاب.
حديث
ذكر عن علقمة عن ابن مسعود قال: (قلت لابن مسعود هل صحب النبي أحد منكم ليلة
الجن قال ما صحبه منّا أحد) وذكر الحديث، حسن صحيح.
قال الإمام ابن العربي: قد بيّنًا في النيرين شرح هذا الحديث بالتطويل على الجملة
والتفصيل.
العارضة: في فصوله مسائل:
الأولى: الإسناد. روى هذا الحديث عامر الشعبي عن علقمة، فأسنده إلى قوله: (وسألوه
الزاد وكانوا من جن الجزيرة) فإنه من كلام الشعبي مفصولاً في الحديث مقطوعًا، بيّن ذلك آبو