النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب التفسير/ باب ٢٣ من سورة الحج
كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِلِيَّةٌ»، قَالَ: فَيُؤْخَذُ العَدَدُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ فَإِنْ تَمَّتْ وَإلاَّ كَمُلَتْ مِنَ
المُنَافِقِينَ وَمَا مَثَلُكُمْ وَالأُمَمَ إلاَّ كَمَّثَلِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الذَّابَةِ أوْ كالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ،
ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجَنَّةِ)) فَكَبِّرُوا، ثُم قَالَ: ((إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا
ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ) فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: ((إنِّي لأَرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبِّرُوا،
قَالَ: لاَ أَذْرِي؟ قَالَ الثُلْثَيْنِ أَمْ لاَ؟
قَال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنٍ
النَّبِيِّ ◌ِرُ.
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٢٣]
٣١٦٩ - هقشنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثْنَا مِشَامُ بْنُ أبِي
عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتَادَةً عَنِ الحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ فِي سَفَرٍ
فَتَفَّاوَتَ بَيْنَ أَصْحَابِهٍ في السِّيْرِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِلْ صَوْتَهُ بِهَاتَيْنِ الآيَتَينِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]
فَلَّمَّا سَمِعَ ذلِكَ أصْحَابُهُ حَثُّوا الْمَطِيَّ وَعَرَفُوا أَنَّهُ عِنْدَ قَوْلٍ يَقُولُهُ، فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ أَّ
يَوْمِ ذلِكَ))؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ يُنَادِي اللَّهُ فِيهِ آدَمَ فَيُنَادِيهِ رَبُّهُ
فَيَقُولُ: يَا آدَمُ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؟ وَمَا بَعْتُ النَّارِ، فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ
تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ في الجَنَّةِ، فَيَئِسَ القَوْمُ حتى مَا أَبْدَوْا بِضَاحِكَةٍ
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ الَّذِي بِأَصْحَابِهِ، قَالَ: ((اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ
إِنْكُمْ لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا مَعَ شَيْءٍ إِلاَّ كَثِّرَتَاهُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَمَنْ مَّاتَ مِنْ بَنِي آدَمْ
وَبَنِي إِبْلِيسَ)) قَالَ: فَسُرِّيَ عَنِ القَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ فَقَالَ: ((اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا فَوَ الَّذِي
نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ في النّاسِ إلاْ كَالشَّامَةٍ فِي جَنْبِ البَعِيرِ» أوْ «كالرَّقْعَةِ فِي ذِرَاعِ
الدَّابّةِ))(١).
لا يؤمن به إلا أهل السُّنة، ثم مسح ظهر آدم حين خلقه وقبض منه قبضتين كما تقدم، فجعل
قبضة للجنة وقبضة للنار، فذلك الذي جرى فيه وعمل معه تعالى (٢).
(١) (النسائي في الكبرى) التفسير.
(٢) بياض بالأصول وقد ترك له مقدار صفحة في الكتانية.

٢٢
كتاب التفسير/ باب ٢٣ من سورة الحج
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[المعجم ٣ - التحفة تابع ٢٣]
٣١٧٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ
قَالَ: حَدْثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُزْوَةٌ بْنِ
الزََّيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا سُمْيَ البَيْتَ العَتِيقَ لأَنَّهُ لَمْ
يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ)) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ
النّبِيِّ وَلِ مُرْسَلاً.
حَدِّثَنَا قُتِيَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْتُ عَنْ عَقِيلٍ عَنِ الزُّهْرِيَّ عَنِ النَّبِيَِِّّ نَحْوَهُ.
[المعجم ٤ _ التحفة تابع ٢٣]
٣١٧١ - حدثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع. حَدَّثَنَا أَبِي وَإِسْحَقُ بْنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ عَنْ سُفْيَانَ
عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ البَطِينٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ
النّبِيُّ ◌َ﴿ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ لَيَهْلِكُنَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ
حديث عروة بن الزبير
(عن عبد الله بن الزبير قال رسول الله ﴾: إنما سُمّي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه
جبار) حسن صحيح.
الغريب: قوله: (البيت العتيق) فعيل من عتق، أي: قدم وجوده، ويقال سيف عتيق إذا
تقدم صنعته، وهو قول المفسرين. وهو إن احتمله الاشتقاق فتفسير النبي وقر أصح، وفي
الحديث الصحيح: أيّ مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام). فهذا نص في
تقدمه فهو عتيق بالوجهين، وتفسير النبي ولي أخص به، وقد صح أن النبي والتر قال: (يخرب
الكعبة ذو السويقتين من الحبشة فيهدمها حجرًا حجرًا ويرمي بها في البحر وذلك عند انقضاء
الزمان ووجوب الساعة والخروج من الدنيا).
حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس
(عن ابن عباس لما أخرج النبي عليه السلام) إلى قوله: (﴿أذن للذين يقاتلون﴾) الحديث.
قال ابن العربي: قد بيّنًا في الأحكام وغيرها حكم القتال بآياته ومراتبه، والمقدار الذي يقتضي

٢٣
كتاب التفسير/ باب ٢٣ من سورة الحج
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ﴾ [الحج: ٣٩] الآيَةَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ عَلِمْتُ
أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ(١).
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ البَطِينِ
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلاً لَيْسَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَيَّاسٍ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ. حَدْثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ
مُسْلِمِ البَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلاً لَيْسَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[المعجم ٥ - التحفة تابع ٢٣]
٣١٧٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزَّبَيْرِيُّ. حَذْثَنَا سُفْيَانُ عَنِ
الأعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ البَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُِّنَّهُ مِنْ مَكّةَ قَالَ
رَجُلٌ: أخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، فَتَزَّلَتْ: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ على
الآن فيه هاهنا أن القول في هذه الآية اختلف هل نزلت بمكة أو بالمدينة؟ فهذا الحديث يقتضي
أنها نزلت بعد الخروج، إلا أن أبا عيسى قال صحيحًا مرسلاً عن ابن جبير، فذكره ولم يذكر ابن
عباس، وفي رواية محمد بن إسحاق وغيره في ذكر بيعة العقبة واشتراط الحماية له بما يحمون
أنفسهم وأهليهم، وذلك يكون بالمدافعة والقتال، والله يدافع عن الذين آمنوا ويمهل الذين كفروا
رويدًا حتى يقضي فيهم بحكمه.
ومدافعته عنهم أو دفعه يكون من أربعة أوجه: أحدهما: أهوال القيامة. وأدفع أحق بهذه
القراءة وأقوى فيها، وليدافع فيها وجه، بيانه في التفسير. الثاني: يدفع عنهم بالإذن لهم في
القتال والدفع عن أنفسهم، وقد كانوا قبل ذلك مأمورين بالصبر مرفهين عن الانتقام والانتصاب.
الثالثة: يعذب الله الكَفَرَة بأيدي المؤمنين ويخزهم، وتلك عاجل بشرى المؤمن. الرابع: يدافع
عن الذين آمنوا نزغات الشيطان. الخامس: يدافع عنهم أسباب النسيان بإقبالهم على طاعة
الرحمن.
حديث: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (لما خرج النبي عليه السلام من مكة قال
أبو بكر أخرجوا بينهم ليهلكن فنزلت ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ قال أبو بكر فقلت إنه سيكون قتال).
(١) (النسائي) الجهاد: باب وجوب الجهاد، و(الكبرى) التفسير.

٢٤
كتاب التفسير/ باب ٢٤ من سورة المؤمنون
نَصْرِهِمْ لَقْدِيرٌ الْذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٌّ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠] النَّبِيُّ ◌َ﴾
وَأَصْحَابُهُ (١).
٢٤ - باب ((ومن سورة المؤمنون)»
[المعجم ١ - ٢٤]
٣١٧٣ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُ
وَاحِدِ المَعْنَى وَاحِدٌ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدَّ الرَّزَّاقِ عَنْ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ
عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القَارِي قَالَ: سَمِعْتُ عُمَّرَ بْنّ الخَطَّابِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيِّ وَ﴿ إِذَا أَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحِيُّ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيٌّ النَّحْلِ، فَأَنْزِلَ
عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنَا سَاعَةٌ فَسُرِّيَّ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ القِيْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلاَ تَنْقُصْنَا
وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وَأعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وَآئِرْنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَارْضِنَا وَارْضَ عَنَّا))، ثُمَّ
قَالَ ﴿َ: ((أَنْزِلَ عَلَيْ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ»، ثُمْ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحْ
الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حتى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ(٢).
قال ابن العربي: قول أبي بكر: (أخرجوا نبيّهم ليهلكن) استدلال بسيرة الله في الأمم وسُنّته في
الخلائق الماضية، فاستدلّ بعادة ما مضى على ما يأتي، والاستدلال بالعادة أصل من أصول
الدين والأحكام، وقد بيّا ذلك في مواضعه. ومن هذا المعنى على أحد القولين ما تقدم من
قوله : (لتركبن سُنّة من كان قبلكم حتى لو دخلوا حجر ضب خرب لدخلتموه) وفيه (حتى
لو كان فيهم مَن يأتي أُمه علانية لفعلتموه).
ومن سورة المؤمنون
حديث عبد الرحمن بن عبد عن عمر (أن النبي عليه السلام كان إذا نزل عليه الوحي سمع
عند وجهه كدوي النحل) إلى آخره. علّله أبو عيسى بأنه تارة يُروَى عن يونس بن سليم عن
الزهري، وتارة يُروَى عن يونس بن سليم عن يونس بن يزيد. وفيه من الفوائد الأصولية فائدتان:
الأولى: اختلاف نزول الوحي على النبي وَل #. جاء أنه على أربعة أوجه: يأتيه الملك في صورة
الرجل وبمثل كلامه، وأحيانًا يأتيه في مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليه، يعني: من الأول،
وأحيانًا يأتيه جبريل في صورة له ستمائة جناح قد ملأ الأفق وهو أشد من الآخر، وأحيانًا يسمعه
(١) انظر ما قبله.
(٢) (النسائي في الكبرى) قيام الليل وتطوع النهار: باب رفع اليدين في الدعاء.

٢٥
كتاب التفسير/ باب ٢٤ من سورة المؤمنون
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٢٤]
حَفْقَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أُبَانٍ. حَدِّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ
عَنِ الزُّهْرِيّ بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
كدويّ النحل. والثلاثة الأول في الصحيح، وانفرد أبو عيسى بهذا الرابع. الثانية: أن إدراك
الأشخاص بالأبصار والأصوات والآذان ليس بطبيعة في البصر والسمع، وإنما يخلق الله ذلك
فيهما إذا شاء كيف شاء، فقد يكون بحضرة الرجل أشخاص كالفيلة، وأصوات كالرعد ولا يخلق
له الإدراك بهما، فلا يراها ولا يسمعها وإن كان بحضرته من يراها ويسمعها بمثل جارحته، ولا
حاجب بينها وبينه من بعد ولا قرب مفرطين، ولا حجاب كثيف، وإنما الحجاب عدم الإدراك.
الفوائد المطلقة: في تسع مسائل:
الأولى: ذكر الآيات العشر. فاتحة سورة المؤمنين. قوله: ﴿قد أفلح﴾ الفلاح وما تصرف
من بناء فى ل ح يختلف وروده في اللغة، والمراد منه هاهنا البقاء في الحياة الطيبة، أما في
الدنيا فبلزوم الطاعات. وأما في الآخرة فبعدم الآفات.
الثانية: قوله: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ٢] قيدت فيها ثمانية أقوال:
الأول: لا يعرف مَن على يمينه ولا مّن على شماله. الثاني: أن لا يلتفت. قد قيل لابن عمر إن
ابن الزبير إذا صلّى لا يقول هكذا ولا هكذا، قال: لكنّا نقول هكذا وهكذا، ونكون مثل الناس.
الثالث: لا يلتفت بمكة. الرابع: أن لا يرفع بصره إلى السماء. الخامس: ساكتون. السادس:
ساكنون. السابع: أن لا يلتفت بقلبه إلى شيء سوى الله. الثامن: أن يرمي ببصره نحو مسجده.
الثالثة: أما من قال إنه لا يلتفت عن يمينه ولا عن شماله، فقد بيّنًا أن الخشوع الحقيقي أو التام
هو الذي يسكن قلبه عن الخواطر وبدنه عن الحركات إلا فيما لا بد له منه. وقد قال البخاري:
(باب الالتفات في الصلاة لأمر ينزل به)، وذكر حديث مرض النبي عليه السلام وخروجه إلى
الصلاة والتفت أبو بكر حين حسّ به، وقد بيّنًا حكم الالتفات في الصلاة فيما تقدم، وهذه
حقيقة. وأما ترك الالتفات بمكة فلأنه إذا التفت بها عن القبلة فإنها أضيق في المسجد، وإنما
يتسع بالبعد عنها. وقد كنت أرى الناس بمكة يدورون بالكعبة ويستقبلونها ويكبّرونها، ثم تطرأ
عليهم القبلة فيلتفت المرء، فإذا به قد خرج عن القبلة وانقطعت صلاته فيجدد التكبير ويستأنف
الصلاة، فيقتضي هذا أن يكون الالتفات عليه بمكة أشد. وأما من قال: لا يرفع بصره، فذلك
حرام في الصلاة بإجماع، وفي الصحيح (أما يخشى الذي يرفع بصره إلى السماء أن تختطف
أبصارهم). قال علماؤنا: يعني يصرف عن الاعتبار في الدين والارتفاع في المنظر. وأما مّن
قال: إنه السكوت فتكون الآية على هذا ناسخة للكلام في الصلاة، وقد تكلمنا عليه في التفسير
كله. وأما الثامن فرُويَ في التفسير عن سفيان الثوري أن النبي - 18 كان يرفع بصره في الصلاة،
فنزلت ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ فرمى ببصره إلى مسجده. وفي كتاب التفسير عن

٢٦
كتاب التفسير/ باب ٢٤ من سورة المؤمنون
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا أصَحُّ مِنَ الحَدِيثِ الأوَّلِ، سَمِعْتُ إسْحَقَ بْنَ مَنْصُورٍ يَقُولُ:
رَوّى أَحْمّدُ بْنُ حَتْبَلٍ وَعَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ وَإِسْحَقُ بْنُّ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ
يُونُسَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ هذا الحَدِيثَ.
مالك أنه أراد به: ساكنون، ولئن قيل: مقطوع مالك، لتقولنّ: مقطوع سفيان. ومذهب الشافعي
أن يرمي ببصره إلى مسجده، ومذهب مالك أن ينظر أمامه، وقد بيّنًا ذلك في مسائل الفقه،
وذكرنا احتجاج الفريقين ورجحنا الصحيح، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ [المؤمنون: ٣] فيه أقوال
كثيرة في التفسير ترجع إلى قولين: أحدهما: ما لا يفيد، والثاني: ما يضرّ في الدين من الوجهين
في عدم الإفادة وفي حصول المضرّة. وقد بسطناه في الأنوار ومختصرها.
الخامسة: قوله: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ [المؤمنون: ٤] قالت الصوفية: زكاة
أنفسهم، وقال أهل الظاهر: يؤذون الزكاة، ويدخل ذلك في قول الصوفية لأنه مَن لم يؤدّ الزكاة
لم يتزك.
السادسة: قوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم﴾ الآية [المؤمنون:
٦,٥] الآية. قيل: هو الزنا، وقال مالك: هو ألا يجلد عميرة ففاعل ذلك عاد آثم. وقال
أحمد بن حنبل: جائز، والصحيح ما قال مالك، وقد بيّنّاه في مسائل الخلاف. ومعنى هذا أنه
إذا كان عليه حرامًا أن ينكح يد فغيره أعظم تحريمًا.
السابعة: قوله: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ [المؤمنون: ٨] قد بيّناه في
السراج وغيره، وفي ذكر الأمانة عشرون قولاً، وقد أوعيناها في التفسير، ويرجع ذلك كله إلى
كل أمر يلتزمه العبد لله أو لغيره كان سرًّا أو جهرًا، ومراعاتها: النظر إليها بعين الحفظ
والاعتبار. وعند المتزهدين أن أول الأمانة الإقرار بالوحدانية في صلب آدم، وآخرها الموت على
ذلك، وبينهما من التمادي على ذلك والأسباب المرتبطة به.
الثامنة: قوله: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾ [المؤمنون: ٩] يحفظها في نفسها
عن الآفات ويؤدّيها بشروطها في الأوقات. وقال الفقراء: هو أن لا يصادفه الوقت غير مستعد
لها، ولا يدعوه المنادي وهو غافل عنها، بل يصادفه بالباب واقفًا وفي الصف الأول قائمًا.
التاسعة: ﴿أولئك هم الوارثون﴾ [المؤمنون: ١٠] الوارث هو الموجود الباقي بعد فناء
الآخر، ونصه في كتاب الأمد الأقصى، ومن خصائصه وتكميلاته أن ينتقل إليه ما كان للموجود
الفاني، ويكون الفناء حقيقة في ذاته وفي حالاته، والوراثة هاهنا هي الحالة والمنزلة والانتفاع في
قوله: ﴿الذين يرثون الفردوس﴾ [المؤمنون: ١١]، وهي:

٢٧
كتاب التفسير/ باب ٢٤ من سورة المؤمنون
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمَنْ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَدِيمًا فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَذْكُرُونَ فِيهِ عَنْ
يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَبَعْضُهُمْ لاَ يَذْكُرُ فِيهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَمَنْ ذَكَرَ فِيهِ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ فَهُوَ
أصّحُّ، وَكَانَ عَبْدُ الرِّزَّاقِ رُبَّمَا ذَكَّرَ في هذا الحَدِيثِ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ وَرُيَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ، وَإِذَا
لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ يُونُسَ فَهُوَ مُرْسَلٌ.
[المعجم ٣ - التحفة تابع ٢٤]
٣١٧٤ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ
أَنَّسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ الرَّبَيِّعَ بِئْتَ النَّصْرِ أَتَتِ النَّبِيِّ وَهِ وَكَانَ ابْنُهَا الَحَرِثُ بْنُ
سُرّاقَةَ أَصِيبَ يَوْمَ بَذْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرَبٌ، فَأَتَثْ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ فَقَالَتْ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَارِثَةَ
العاشرة: وتحقيقه أن الميراث يكون بسبب أو نسب، ويرجع إلى السبب، وهو في هذا
الموضع الإيمان أصلاً ثم الطاعات بعده، وفي استحقاق الإرث تفاوت بين السهمين بقوة
الأسباب وضعفها. ورُويّ أن كل نفس لها منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن يقال له:
هذا منزلك في النار أنزلك به هذا في الجنة، ويقال للكافر بعكسه، فيبادلون هكذا وهي الوراثة،
وخصّ بها المؤمن كأن حياة الجنة ببقاء ونعيم وحياة النار هلكة، فهي موت أو شيء من الموت
وهلاك محض.
حديث حارثة
(أن الربيع بنت النضر) حسن صحيح.
الغريب: قوله: (أصابه سهم غرب) بفتح الغين والراء يعني لا يدري راميه. وقوله:
(الفردوس) قال الفرّاء هو البستان الذي فيه العنب بلغة العرب، وقد فسّره النبي 18 في الحديث
آنفًا .
الأصول: أخبر ﴾ في هذا الحديث أنها جنان كثيرة في جنة، وقد بيّنًا عددها وأوضحنا
فساد قول من قال إنها سبع جنات.
الفوائد: في ثلاث مسائل:
الأولى: في غير رواية أبي عيسى (أوَهبلت)؟ المعنى: أذهلك الحزن عن معرفة الحق
(أوّجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإن ابنك في الفردوس الأعلى منها).
الثانية: حمل أُم حارثة كثرة الإشفاق على الخوف عليه وقد مات مجاهدًا مسلمًا، فلم تقنع
بهذا الظاهر مخافة من العذاب بذنوبه، فأعطاها النبي عليه السلام اليقين بنجاته وعلى مكانته.

٢٨
كتاب التفسير/ باب ٢٤ من سورة المؤمنون
لَيْنْ كَانَ أصَابَ خَيْرًا احْتَسَبْتُ وَصَبَرْتُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبِ الخَيْرَ اجْتَهَدْتُ في الدُّعَاءِ، فَقَالَ
النّبِيِّ وَّرَ: ((يَا أُمَّ حَارِثَةً إِنَّهَا جَنَّةٌ فِي جَنَّةٍ، وَإِنَّ ابْنَكِ أصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأعْلَى، وَالْفِرْدَوْسُ
رَبْوَةُ الجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُها» .
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
[المعجم ٤ - التحفة تابع ٢٤]
٣١٧٥ - حقثنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. حَدِّثَنَا سُفْيَانُ. حَدْثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبِ الهَمَدَانِيِّ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَتْ: سَأَلْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنْ هذِهِ الآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]
قَالَتْ عَائِشَةُ: هُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ، قَالَ: ((لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلكِنَّهُمُ
الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أنْ لاَ يُقْبَلَّ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ
يُسَارِعُونَ في الخَيْرَاتِ))(١).
الثالثة: قوله: (وإن لم يصب الخير اجتهدت له في الدعاء) نص قاطع على أن الميت ينتفع
بدعاء الحي، ولذلك شرع له في الصلاة عليه.
حديث
(قالت عائشة سألت رسول الله ) عن هذه الآية ﴿والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة﴾).
الإسناد: هذا الحديث كما ذكره أبو عيسى مقطوع من طريق، موصول من آخر، ولكنه
صحيح والله أعلم.
الأصول: في ست مسائل:
الأولى: أن الله سبحانه وإن كان أمر العبد بالطاعة ونهاه عن المعصية ووفّقه للامتثال
للأمور، والاجتناب للنهي، ومات على ذلك فهاهنا حكمان: إما حكمه في نفسه لنفسه في الجنة
قطعًا لا يرتاب في ذلك ولا تدخل عليه مرية، وإما حكم غيره عليه فإنما هو في الظاهر، ولكن
الغير يقطع أنه إذا استوى الظاهر والباطن فإنه في الجنة قطعًا.
الثانية أن العبد مدة عمله في حياته وإن استقام امتثالاً للأوامر واجتنابًا للمناهي، فإنه طول
المدة وطول المدى ومهل العيش مع التمادي على صالح العمل لا يثق بالقبول لعمله، ولا
(١) (ابن ماجه) الزهد: باب التوقّي على العمل.

٢٩
كتاب التفسير/ باب ٢٤ من سورة المؤمنون
قَالَ: وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أبي
هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ نَحْوَ هذا.
[المعجم ٥ - التحفة ٢٤]
٣١٧٦ - حدثنا سُوَيْدٌ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَزِيدَ أبِي شُجَاعَةً
عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ عَنِ النّبِيَِِّرِ قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا
كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ: ((تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلِّصُ شَفَتُهُ العَالِيَةُ حتى تَبْلُغَ وَسَطَ
رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حتى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
بالنجاة من مخاوفه لجهله بالخاتمة، فإنه لا يدري هل يرد عليه ما يحبط عمله أو يعارضه
فينقصه، فالأول كالكفر، والثاني: كالمعصية على اختلاف الأصول والأقوال فيهما. وقد بيّنًا
ذلك في كتاب التفسير ونحوه، فهو أبدًا خائف من ذلك، راج فضل الله في إدامة العمل له
كذلك حتى يخلص بحسن الخاتمة .
الثالثة: وأما الذي يأتي المعاصي فإما أن يكون غفولاً آمنًا فهو الهالك، وإما أن يكون
مقدّمًا عليها بحكم الشهوة وجلاً منها تقية العقوبة، فهي النفس اللّامة التي هي ممدوحة شرعًا
من جهة لومها لنفسها، وقد أقسم الله بها. وقيل: النفس اللّامة هي التي إذا لامت لم تعد إلى
ما لامت نفسها عليه، ولست أرى ذلك، فإنها لو لم تعد لكانت مطمئنة.
الرابعة: أن قول النبي عليه السلام لعائشة: (ليس الذين يعصون وإنما هم الذين يطيعون)
إنما كان كذلك لوصفه لهم بعد ذلك بقوله: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾
[المؤمنون: ٦١] والذين يسارعون في الخيرات هم الذين يجتنبون السيئات.
الخامسة: قال الفقراء: إنما وصف الله قومًا يطيعون فلا يعصون، ولا يقصرون، ولا
يكسلون، ولا يترخصون، يخافون الاستحالة وعدم الإخلاص في النيّة، ويستصغرون ما عملوا
ويستحقرون ويرون كأنهم يقصرون ولا يطيعون، كما قال بعضهم:
يتجنب الآثام ثم يخافها فكأنما حسناته آثام
ألا ترى إلى سيد البشر وإلى ما كان يأتي به من العمل ثم يقول: (إني لأتوب إلى الله في
اليوم مائة مرة).
(١) مزّ في صفة جهنم (٢٥٨٧).

٣٠
كتاب التفسير/ باب ٢٥ من سورة النور
٢٥ - باب ((ومن سورة النور))
[المعجم ١ - التحفة ٢٥]
٣١٧٧ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم. حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأخْتَسِ، أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ
يُقَالُ لَهُ مَرْتَدُ بْنُ أَبِي مَرْتَدٍ، وَكَانَ رَجُلاً يَحْمِلُ الأسْرَى مِنْ مَكَّةَ حتى يَأْتِيَ بِهِمُ المَدِينَةَ،
قَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيُّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقٌ وَكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ، وَإِنَّهُ كَانَ وَعَدَ رَجُلاً مِنْ
أُسَارَى مَكّةً يَحْمِلُهُ، قَالَ: فَجِئْتُ حتى انْتَهَيْتُ إلى ظِلٌّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ
مُقْمِرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَتْ عَنَاقُ فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلّى بِجَنْبِ الحَائِطِ فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْهُ
فَقَالَتْ: مَرْتَدُ؟ فَقُلْتُ: مَرْتَدُ. فَقَالَتْ: مَرْحِّبًا وَأَهْلاً هَلُمَّ فِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ، قَالَ: قُلْتُ:
حَرَّمَ اللَّهُ الزَّنَا، قَالَتْ: يَا أَهْلَ الخِيَامِ هذا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أَسْرَاكُمْ، قَالَ: فَتَبِعَنِي ثَمَانِيَةٌ
وَسَلَكْتُ الخَتْدَمَةَ فَانْتَهَيْتُ إلى كَهْفٍ أَوْ غَارٍ فَدَخَلْتُ فَجَاؤُوا حتى قَامُوا على رَأْسِي فَبَالُوا
فَطَلّ بَوْلُهُمْ على رَأْسِي وَأَعْمَاهُمُ اللَّهُ عَنِّي، قَالَ: ثمَّ رَجَعُوا وَرَجَعْتُ إِلى صَاحِبِي فَحَمَلْتُهُ
وَكَانَ رَجُلاً ثَقِيلاً حتى انْتَهَيْتُ إلى الإِذْخِرِ فَفَكَكْتُ عَنْهُ كُبْلَهُ فَجَعَلْتُ أُحْمِلُهُ وَيُعِينُنِي حتى
قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عَنَاقًا؟ فَأَمْسَكَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهُ، فَلَمْ يَرُدُّ عَلَيَّ شَيْئًا حتى نَزَلَتْ ﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ
السادسة: فهم مسارعون بالطاعات، سابقون إلى الخيرات، مسارعون إلى الندم بتجرّع
الحسرات، مسارعون بالهِمَم إلى أعلى الدرجات.
ومن سورة النور
ذكر حديث مرثد وهو حسن صحيح جدًّا، وإن كان أبو عيسى قد أغربه وحسّنه.
الأحكام: في مسألتين:
الأولى: قوله في الحديث: (فقالت هلمّ بت عندنا الليلة فقلت إن الله حرّم الزنا) ففهم منها
في المبيت بالتعريض ما صرّح به من الزنا، وهذا دليل على أن التعريض كالتصريح في الفاحشة
فيوجب الحدّ، وبه قال مالك وقد تقدم ذلك.
الثانية: قوله: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ [النور: ٣] قد بيناه في التفسير، ونكتته العظمى
إذ هي من المسائل البهمى، وهي:

٣١
كتاب التفسير/ باب ٢٥ من سورة النور
يَنْكِحُهَا إلَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ على المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّل:
(يَا مَرْثَدُ الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةٌ وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، فَلاَ
تنكحھَا»(١) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ.
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٢٥]
٣١٧٨ - حدثنا هَنَّدٌ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلْتُ عَنِ المُتَلاعِتَيْنِ في إمّارَةٍ مُصْعَبٍ بْنِ الزُّبَيْرِ أَيْفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَمَا
دَرَيْتُ مَا أقُولُ؟ فَقُمْتُ مَكَانِي إلى مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لِي: إنَّهُ
قَائِلٌ فَسَمِعَ كَلاَمِي فَقَالَ لِي: ابْنُ جُبَيْرٍ، ادْخُلْ، مَا جَاءَ بِكَ إلاَّ حَاجَةٌ؟ قَالَ: فَدَخَلْتُ فإذا
هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْدَعَةَ رَحْلٍ لَّهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، المُتَلاَعِنَانِ أَيُفْرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ:
سُبْحَانَ اللَّهِ نَعَمْ، إنَّ أَوَّلَ مَنْ سَألَ عَنْ ذلِكَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ أَتَى النَّبيِّ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ أَرَأيْتَ لَو أنَّ أحَدَنَا رَأَى امْرَأَتَهُ على فَاحِشَةٍ ◌َيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكُلِّمَ تَكَلِّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ،
وَإِنْ سَكَتَ، سَكْتَ على أمْرٍ عَظِيمٍ، قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كان بَعْدَ
ذلِكَ أَتِى النَّبِيَّ ◌ََّ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِيَّ سَألْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيْتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذِهِ الآيَاتِ في
سُورَةِ النُّورِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكِنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] حتى
الثالثة: أن الآية فيها ستة أقوال: منها قول ابن عباس أن المراد به الوطء، فالزاني لا يطأ
إلا زانية، وبذلك يكون زانيًا وتكون هي زانية، ويكون الوطء زنًا، ومنها: أن مَن حُدَّ في الزنا لا
يُمَكَّنُ إلا من زواج من حُدٍّ. ورُوِيّ عن ابن مسعود والحسن والذين صاروا إلى أن المراد به
الوطء، قال: إنه خبر فلا يكون صدقًا كما يجب إلا في الوطء، لأن العقد من الزاني قد يوجد
على العفيفة، ويجوز عندنا أن يراد به العقد ويكون معنى الآية: الزاني لا يعقد النكاح إلا على
زانية، وكذلك عكه، وتفسيره أن تزويج الزانية يكون على وجهين: أحدهما: ورحمهما مشغولة
فيكون زنّا بلا كلام، وإن عقد وقد استبرأت فذلك جائز إجماعًا، وقد روى مالك عن يحيى بن
سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: نسخت هذه الآية قوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾
[النور: ٣٢] الآية. وقد بيّنًا في الأحكام والناسخ والمنسوخ أن هذا نسخ وليس بتخصيص.
(١) (أبو داود) النكاح: باب في قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾. (النسائي) النكاح: باب
تزويج الزانية .
عارضة الأحوذي/ ج ١٢ / م ١٧

٣٢
كتاب التفسير / باب ٢٥ من سورة النور
خَتَمَ الآيَاتِ قَالَ: فَدَعَا الرَّجُلَ فَتَلاَهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ
مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَقَالَ: لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرْأَةِ وَوَعَظَهَا
وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرَةِ، فَقَالَتْ: لاَ وَالْذِي بَعَثَكَ
بِالحَقِّ مَا صَدَقَ، فَبَدَأْ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالخَامِسَةُ أنَّ
لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
الكّاذِبِينَ، وَالخَامِسَةُ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُما (١).
وفي البّابِ: عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ سَعِيدٍ.
قَالَ: وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[المعجم ٣ - التحفة تابع ٢٥]
٣١٧٩ - هذثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أبي عَدِيٍّ. حَدْثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ.
حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةً قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ بِشَرِيكِ بْنِ
السّحْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((البَيْنَةَ وَإلاَّ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ))، قَالَ: فَقَالَ هِلاَلٌ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ إِذَا رَأى أحَدُنَا رَجُلاً على امْرَأْتِهِ أَيَلْتَمِسُ البَيْنَةَ؟ فَجَعْلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((الْبَيْئَةُ
وَإِلاَّ فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ))، قَالَ: فَقَالَ هِلالٌ: وَالَّذِي بَعْئَكَ بِالحَقُّ إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيَنْزِلَنَّ في
أمْرِي مَا يُبَرِّىُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاّ
أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرَأَ حتى بَلَغَ ﴿وَالخَامِسَةُ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ
الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٧] قَالَ: فَانْصَرَفَ النَّبِيَِِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَجَاءَا فَقَامَ هِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةً
فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ◌َ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ))؟ ثُمَّ قَامَتْ
فَشّهِدَتْ، فَلَمَّا كانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
[النور: ٩] قَالُوا لَهَا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَتَلَكَأَتْ وَنَكَسَتْ حتى ظَنَنَّا أنْ
حديث اللعان
قد تقدم في هذا الكتاب وغيره.
(١) (البخاري) الطلاق: باب صداق الملاعنة. وباب قول الإمام للمتلاعنين إن أحدكما كاذب فهل منكما
من تائب وباب المهر للمدخول عليها وكيف الدخول أو طلقها قبل الدخول والمسيس. (مسلم)
اللعان: في فاتحته.

٣٣
كتاب التفسير / باب ٦٥ س سورة النور
سَتَرْجِعُ، فَقَالَتْ: لاَ أفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهُ: ((أبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ
أُكْحَلّ العَيْنَيْنِ سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلْجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ»، فَجَاءَتْ بِهِ كَذلِكَ،
فَقَّالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: (لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزْ وَجَلَّ لَكَانَ لَّنَا وَلَهَا شَأْنٌ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثٍ هِشَامٍ بْنِ
حَسَّانَ، وَهَكَذَا رَوَى عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ هذا الحَدِيثَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ
النِِّيَّ ◌َ﴿ وَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[المعجم ٤ - التحفة تابع ٢٥]
٣١٨٠ - حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدْثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةً أَخْبَرَنِي أَبِي
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ فِيَّ خَطِيبًا
فَتَشَهِّدَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوّ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: ((أمَّا بَعْدُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أَنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي
حديث الإفك
هي نازلة عظيمة ومصيبة شنيعة، شاء الله كونها لتهلك بها أمة، وتظهر الدفائن، ويكشف
النفاق، وقد بيتاها في جزء منفرد.
وفوائدها في خمس وثلاثين مسألة:
الأولى: أن الله سبحانه ابتلى الأولياء بالمحنة، ومن جملتهم عائشة، وهذه سُنّة هي في
التحقيق منه، لأنه يجلب بها الأخر، ويرفع القدر، ويمتحن قلوب الخلق وألسنتهم بالإخلاص
والكفّ.
الثانية: لمّا كانت عائشة إلى رسول الله 8# أحب وإلى قلبه أقرب خصّت بالمحنة،
ولمكان النبي ﴾ أيضًا من الجلالة، فلما التقى الأمران على أمر قد قدّر جاءت المحنة على
مقتضى تلك.
الثالثة: أن هذا الأمر النازل بالنبي * والألسنة التي انبسطت على أهله من المنافقين
وبعض المؤمنين أهمه، وانتظر جبريل فأبطأ عنه، فأراد أن يعلم ما عند الناس فخطب وقال:
(أشيروا عليّ في أناس أبنوا أهلي) فقالوا ما قال واضطربوا، وعلم النبي وير أنها حالة مشكلة
(١) (البخاري) الشهادات: باب إذا ادعى أو قذف فله أن يتلمس البيّنة وينطلق لطلب البيّنة. والتفسير:
باب تفسير ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين﴾ من سورة النور.
والطلاق: باب اللعان ومَن طلق بعد اللعان. (أبو داود) الطلاق: باب في اللعان. (ابن ماجه)
الطلاق: باب اللعان .

٣٤
كتاب التفسير/ باب ٢٥ من سورة النور
واللّهِ مَا عَلِمْتُ على أهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُ وَأَبَنُوا بِمَنْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطْ
وَلاَ دَخَلَ بَيْتِي قَطُ إِلاَّ وَأَنَا حَاضِرٌ وَلاَ غِبْتُ فِي سَفَرٍ إلاَّ غَابَ مَعِي))، فَقَامَ سعْدُ بْنُ
مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَتَذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أنْ أَضْرِبَ أعْتَاقَهُمْ وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ
بَنِي الخَزْرَجِ وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: كَذَبْتَ أمّا وَاللّهِ
أنْ لَوْ كانُوا مِنَ الأوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أنْ تُضْرَبَ أغْنَاقُهُمْ حتى كادَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ الأوْسِ
والخَزْرَجٍ شَرِّ في المُسْجِدِ وَمَا عَلِمتُ بِهِ، فَلَمَّا كانَ مَسَاءُ ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجْتُ لِبعْضٍ
حَاجَتِي وَمّعِي أُمُّ مِسطَحِ فَعَثَرَتْ، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحْ، فَقُلْتُ لَهَا: أَّ أُمَّ تَسُبِّينَ ابْتَكِ؟
فَسَكَثَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَّةَ فَقَالَتْ: تعِسٌ مِسْطَحْ، فَقُلْتُ لَهَا: أيّ أُمُّ تَسُبِينَ ابْتَكِ؟
فَسَكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحْ فَانْتَهَرْتُهَا، فَقُلْتُ لَّهَا: أيَّ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟
فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أسُبُّهُ إلاَّ فِيكِ، فَقُلْتُ: في أيِّ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَبَقَرَتْ لِيَ الحَدِيثَ، قُلْتُ:
وَقَدْ كانَ هذا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَجَعْتُ إلى بَيْتِي وَكَأنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَمْ أَخْرُجْ
لاَّ أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلاً وَلاَ كَثِيرًا، وَوُعِكْتُ، فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ لَّهِ: أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أبِي،
فتوقف ينتظر الوحي، فإنه النص الذي لا يحكم مع وجوده، أو رجاء وجوده بغيره.
الرابعة: قوله في الحديث: سعد بن معاذ، وهم اتفق فيه الرواة، وقد كان مات قبل
الإفك، ولكنه لمّا كان هذا الوهم في غير الأحكام التي تحتاج إليها لم يحتفل به.
الخامسة: قوله: (أبنوا أهلي) أي: عابوهم، وهي الأبنة، وأصلها عقد العود، وكلما كثرت
عابت فإذا قلت حسنت العصا وجادت.
السادسة: قوله: (تعس مسطح) أي: أقام على الحالة المكروهة، إن وقع لم يقم وإن عاج
عليه أمر لم يستقم.
السابعة: قوله: (فبقرت لي الحديث)، أي: أخبرت به مبينًا مكشوفًا.
الثامنة: قوله: (وعكت) أي: أصابتها الحمى من الهمّ، وانقلبت حالها فزالت عنها حاجة
الإنسان بعد أن كانت جاءت.
التاسعة: قولها: (أرسلني إلى بيت أبي) دليل على أن المرأة لا تخرج إلى شيء حتى إلى
أبويها إلا بإذن زوجها، وذلك لعموم حاجة الزوج إليها، وأنها على الدوام، فربما احتاج إليها
ولا يجدها، وهي لو كانت حاضرة فدعاها إلى حاجته ولم تأته لعنتها الملائكة، فإذا غابت كان
الأمر كذلك أو أشد.

٣٥
كتاب التفسير/ باب ٢٥ من سورة النور
فَأَرْسَلَ مْعِيَ الغُلاَمَ، فَدَخَلْتُ الدَّارَ، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ في السُّفْلِ وَأَبُو بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ
يَقْرَأُ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جاءَّ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرْتُهَا، وَذَكَرْتُ لهَا الحَدِيثَ، فَإِذَا هُوَ
لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي، قَالَتْ: يَا بُنَيَّةَ خَفِّفِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَإِنَّهُ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ
عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إلَّ حَسَدْنَهَا، وَقِيلَ فِيهَا، فَإِذَا هِيَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي،
قَالَتْ: قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهَ؟ قَالَتْ: نَعْمْ
وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهُوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ فَنَزَلَ فَقَالَ لِأُمّي: مَا
شَأْتُهَا؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ يَا بُنَيَّةُ إِلاَّ
رَجَعْتٍ إلى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بَيْتِي فَسَأْلَ عَنِّي خَادِمَتِي فَقَالَتْ: لاَ
العاشرة: فإذا استأذنته في ذلك فيأذن لها في بعض الأحايين، وليس لذلك حد وإنما يكون
بحكم العادة والعرف.
الحادية عشرة: وكذلك لا يمنع الزوج زوجه من تعهد القرابة والجيران، فقد كانت عادة
السلف حتى اتّصف بالخلف الخلف، فوجب لزوم المرأة قعر بيتها.
الثانية عشرة: إن شرطت ذلك، وقد بيّنّاه في المسائل.
الثالثة عشرة قولها: (فأرسل معي الغلام) دليل على أن المرأة لا تخرج وحدها، وهي
سُنّة، حتى يبعث معها صبي صغير أو امرأة، وفي غيرها يقال: النساء لحم على وضم إلا ما ذب
عنه، وجعل هذا في الأبرار الفواضل سُنّة ليقتدي بذلك سائر الأمة.
الرابعة عشرة: قول أم رومان (خفضي عليك) إلى آخر كلامها، صادر عن وفور عقل وقلة
مبالاة بما لا أصل له من الأحاديث التي تقولها الحسدة، وصار ذلك أصلاً لجميع الخلق.
الخامسة عشرة: ردّها أبو بكر إلى بيتها تسكينًا لنفرتها وحملاً على الواجب عليها لها.
السادسة عشرة: قولها: (أقسمت عليك) حين كانت مصلحة عظيمة وحقًا واجبًا، يخرج
عن نوع ما قاله فيه سبحانه: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين
الناس﴾ [البقرة: ٢٢٤] لأنها نازلة لسيد البشر.
السابعة عشرة: قوله: (فسأل عني خادمي) فيه دليل على جواز سؤال أهل البيت كالخدم
والداخلة عن حال بعض الأهل، لا للحكم به ولكن ليتخذ أمارة موصلة إلى الخبر، إلا أن يكثر
حتى يصير في حدّ السماع الفاشي، فذلك حكم مبيّن في كتب المسائل.
الثامنة عشرة: تحرّي الجارية في الخبر حتى عابتها بفعل الصغر من الغفلة عن حاج البيت
حتی تذهب بها دواجنه.

٣٦
كتاب التفسير/ باب ٢٥ من سورة النُور
وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حتى تَدْخُلَ الشّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَتَهَا أَوٍَّ
عَجِينَتْهَا، وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَصْدِقِي رَسُولَ اللَّهِ مَِّ حتى أسْقَطُوا لِهَابِهِ،
فقَالَت: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِعُ عَلى تِبْرِ الذَّهَبِ
الأخمَرِ، فَبَلَغَ الأمْرُ ذلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ
كَتَفَ أُنْثَى قَطْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَتْ: وأصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي
فَلَمْ يَزَالاً حتى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ وَقَدْ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَقَدِ اكْتَنَفَّنِي
أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَتَشَهَّدَ النَّبِيُّ ◌َهَ؛ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ،
ثُمَّ قَالَ: ((أمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا أوْ ظُلِمْتِ فَتُوبي إلى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ»، قَالَتْ: وَقَدْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ وَهِيَ جَالِسَةٌ بِالْبَابِ،
فَقُلْتُ: ألاَ تَسْتَحِي مِنْ هذِهِ المَرْأةِ أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا، فَوَعَظَ رَسُولُ اللَّهِ وَه، فَالْتَّفْتُّ إلى
التاسعة عشرة: قوله: (وانتهرها بعض أصحابه وقال لها اصدقي) فسكت النبي ◌َ الت، دليل
على جواز التهديد للبحث عن الأحوال عند مَن يرجى عنده معرفة أسرارها.
الموفية عشرين: قوله: (والله ما كشفت كنف أنثى قطّ) قيل كان حصورًا، وقيل: إنه لم
يكن بعد قارف. قالت عائشة: وقتل شهيدًا، إخبارًا عن حُسْن الخاتمة له بجميل أفعاله السابقة،
وما أدلّ البدايات في العنايات على النهايات، وادعى بعض الناس ممن لم يعلم أنه لم يقتل
شهيدًا، وذكر عنه من لم يحصل، وعائشة أعلم. وكان قتله في غزو الروم بأرمينية مع عثمان بن
أبي العاصي وهو أمير.
الحادية والعشرون: قوله: (وأصبح أبواي عندي) فيه افتقاد الأبوين للولد والابنة عند نزول
أمر أو ألم، ودخولهما بغير حضور الزوج ولا بإذته، مع قوله: (فدخل رسول الله (صل﴾).
الثانية والعشرون: قول النبي (18: ريا عائشة إن كنت قارفت أو ظلمت) لم يرد به
النبي ﴿ قطّ أنه الفاحشة، ومَن قال ذلك فقد كفر كفرانًا مبينًا، فإنه ما بغت امرأة نبي قطّ، وما
كان الله ليسلّط على فراش رسوله مّن يلطخه، وهو قد صانه من أن تنكح أزواجه من بعده فكيف
من أن يتمكن من الفاحشة فيهن.
الثالثة والعشرون: قوله: (إنها قالت للنبي عليه السلام ألا تستحي أن تذكر شيئًا) يعني:
وتسمعك الأنصارية القائمة بالباب، يعني: فتعيبني وتعيّرني بذلك، وستر القول السيء خير من
إظهاره .
الرابعة والعشرون: قوله: (فوعظ رسول الله) يعني ما قال من الحثّ على التوبة والحضّ
على الاستغفار.

٣٧
كتاب التفسير/ باب ٢٥ من سورة النور
أبِي فَقُلْتُ: أجِبْهُ، قَالَ: فَمَاذَا أقُولُ؟ فَالْتَقَتُّ إلى أَمِّي فَقُلْتُ: أَجِيبِيهِ، قَالَتْ: أَقُولَ مَاذَا؟
قَالَتْ: فَلَمَّا لَمْ يُجِيبًا تَشَهَدْتُ فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أهْلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ، أَمَا وَاللَّهِ
لَعِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ أَنِّي لَصَادِقَةٌ مَا ذَاكَ بِنَافِي عِنْدَكُمْ لِي لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ
وَأُشْرِبَتْ قُلُوبُكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُ إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ لَتَقُولُنَّ إِنَّهَا قَدْ بَاءَتْ
بِهِ على نَفْسِهَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً، قَالَتْ: وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ
أَقْدِزْ عَلَيْهِ إلاَّ أبًا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ على مَا تَصِفُونَ﴾
[يوسف: ١٨] قَالَت: وَأَنْزِلَ على رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكَثْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ وَإِنِّي
لِأَتْبَيْنُ السُّرُورَ في وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ: ((البُشْرَى يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ
بَرَاءَتَكِ))، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَشّدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا، فقَالَ لِي أَبَوَايَ: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: لاَ
وَاللَّهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أخْمَدُهُ وَلاَ أَخْمَدُكُمَا، وَلَكِنْ أحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، لَقَدْ
سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلاَ غَيِّرْتُمُوهُ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا
الخامسة والعشرون: قوله: (إن أبا بكرو ، حبه وقالت لأمها أجببيه قالا لها نقول
ماذا) لم يكن عند أحدهما علم من مقصد في الجواب فأسلماها إليه، فتشهدت وكانت أفصح
النساء، وكانت قد ابتليت بأعظم البلاء فقسمت الكلام أوفى التقسيم، وجاءت بالفصل المبين
وقالت إن الأمر لا يخلو من أنه كان أو لم يكن فإن قلت لم يكن لم تقبلو ذلك مني) فإنه قد
تكلم به وداخل القلوب (وإن قلت إني قد فعلت ولم أفعل لتصدقوني ما أجد لي ولكم مثلاً إلا
أن أقتدي بيعقوب في بلائه وقوله فصبر جميل والله المستعان على ما نصفون).
السادسة والعشرون: قوله عنها: (إلا أبا يوسف) ولم تقل: # كما يقول الناس اليوم،
فإنهم يرون أنهم إن لم يقرنوا بذكر الأنبياء الصلاة عليهم فقد عصوا، وإنما يكون التعظيم لهم
بالاقتداء بهم، نعم وبالصلاة عليهم في المواضع المشروعة، وقد تكلمنا عليه في التفسير بتفصيله
ففيه الشفاء عن كل ما يعترض من الأسئلة على هذا الإشكال.
السابعة والعشرون: قول أبويها لها (قومي الم، ذلك لحقوق، منها: حق النبوة، والزوجية،
والتوسط في البشرى، وکونها على يديه، وسروره بها.
الثامنة والعشرون: قولها: (ولا أحمد إلا الله) قالت العلماء: ولّت الحمد أهله، ولم يرد
عليها رسول الله لأنها قالت الحق، ولو حمدته لجاءت بالحق.
التاسعة والعشرون: سأل النبي عن عائشة زينب، وهي التي كانت تساميها أي تطلب
الظهور عليها وتنازعها في المنزلة، ولكنها قالت: (ألجم سمعي وبصري)، يعني: أن أقول
بلساني سمعت ما لم أسمع أو أبصرت ما لم أبصر.

٣٨
كتاب التفسير/ باب ٢٥ من سورة النور
اللَّهُ بِدِينِهَا فَلَمْ تَقُلْ إِلاَّ خَيْرًا، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ
مِسْطَحْ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَالمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسُوسُهُ
وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ، قَالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أنْ لاَ يَنْفَّعَ
مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أبدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾
[النور: ٢٢] إلى آخِرِ الآيَةِ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ
في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢] يَعْنِي مِسْطَحًا إلى قَوْلِهِ: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى واللَّهِ يَا رَبَّنَا، إنَّا لَنُحِبُّ أنْ تَغْفِرَ لَنَا وَعَادَ لَهُ
بِمَّا كَانَ يَصْنَعُ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ بْنِ عُزْوَةً.
وَقَدْ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمَعْمَرْ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبٍ وعَلْقَمَةَ بْنٍ وَقَاصِ اللَّيْثِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ هذا
الحَدِيثَ أَطْوَلَ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً وَأَتَّمَّ.
الثلاثون: قالت عائشة: فعصمها الله بدينها، وفي الصحيح: فعصمها الله بالورع، فبيّنت أن
الورع ترك المحظور لا كما يقال عن بعض الناس أنه ترك الشبهات.
الواحد والثلاثون: قوله: (وهو الذي كان يسوسه ويستوشيه) أما يسوسه فمعناه: يذكره
بأكمل الطرق وأشبهها بالحق، ويستوشيه يعني: يزينه، من الوشي وهو ثوب مزين بألوان.
الثانية والثلاثون: حلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحًا فأنزل الله فيه ﴿ولا يأتل أُولوا الفضل
والسعة منكم﴾ [النور: ٢٢] الآية، فأمره الله بترك اليمين والعفو والمغفرة ممّن يحب أن يغفر
له، فأجابه أبو بكر إلى ما ندبه الله إليه وعاد إلى نفقته عليه.
الثالثة والثلاثون: هذا يعضده صحيح الحديث (مَن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها
فليكفّر عن يمينه وليأت الذي هو خير) وفيه (لأن يلخّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من
أن يخرج عنها كفّارة).
الرابعة والثلاثون: قال قوم لم يذكر كفّارة في هذا الحديث ولا في حديث الضيف، حتى
قال: والله لا أطعمه، وليس يدفع الكفّارة أمر ولا نظر، لأنها قد وجبت بأدلة القرآن والسُّنّة. قال
(١) (البخاري تعليقًا) التفسير: باب تفسير ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب
أليم﴾ الآية من سورة النور. (مسلم) التوبة: باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف.

٣٩
كتاب التفسير/ باب ٢٦ من سورة الفرقان
[المعجم ٥ - التحفة تابع ٢٥]
٣١٨١ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أبي عَدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بَكْرٍ عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِص ◌َلَّ على
المِنْرِ، فَذَكّرَ ذلِكَ وَتَلاَ القُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ مُحمَّدِ بْنِ
إِسْحَقَ.
٢٦ - بلب ((ومن سورة الفرقان))
[المعجم ١ - التحفة ٢٦]
٣١٨٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ. حَدْثَنَا سُفْيَانُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذِّئْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ: ((أنْ تَجْعَلٌ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ))، قَالَ:
سبحانه: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقال *: (لا أحلف على يمين
فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني) وقد كان حلف أن لا يحملهم
وهي حسنة وقربة، فلما حملهم أوجب على نفسه الكفّارة.
الخامسة والثلاثون: الذي تولّى كبره هم: حمنة، وحسان بن ثابت، والمنافق عبد الله بن
أبي سلول، فلما نزل عذرها خطب رسول الله ﴿ على المنبر وقرأ الآيات وأمر برجلين وامرأة
فضربوا حدّهم، وهو العذاب القديم في أحد القولين، لأنه إذاية وخزي وتكذيب، وقيل العذاب
العظيم عذاب الآخرة، ولكنه لم يثبت. وقد قالت عائشة في حسان: وأيّ عذاب أشد من
العمى، فأشارت إلى أنه جوزِيّ في الدنيا بذهاب بصره، يعني: الذي شهد به، وأخبر عمّا لم
يّ، وهذا الكلام على ما عرض. وفي التفسير وغيره تمام الحديث.
ومن سورة الفرقان
حديث الكبائر قد تقدم.
(١) (أبو داود) الحدود: باب في حدّ القذف. (النسائي في الكبرى) الرجم: باب حدّ القذف. (ابن
ماجه) الحدود: باب حد القذف.

٤٠
كتاب التفسير / باب ٢٦ من سورة الفرقان
قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:
((أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةٍ جَارِكَ))(١) .
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
حَذْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِنْدَارٍ. حَدْثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَذْثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ
وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ وَّ بِمِثْلِهِ.
قَالَ آبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
[المعجم ٢ - التحفة تابع ٢٦]
٣١٨٣ - حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ أَبُو زَيْدٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
وَاصِلِ الأَحْذَبِ عَنْ أَبِي وَائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَيُّ الذِّئْبِ أَعْظَمُ؟
قَالَ: ((أنْ تَجْعَلَ لِلْهِ نِذَا وَهُوَ خَلَقَّكَ، وَأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أنْ يَأْكُلَ مَّعَكَ أَوْ مِنْ
طَعَامِكَ، وَأنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ)). قَالَ: وَثَلاَ هذِهِ الآيَةَ ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذُلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨](٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأعْمَشِ أَصَحُ مِنْ حَدِيثٍ وَاصِلٍ لأَنَّهُ
زَادَ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلاً.
حَدَّثْنَا مُحَمِّدُ بْنُ المُثَنِى. حَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَِّيِّ ◌َِ نَخْوَهُ.
قَالَ: وَهِكَذَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ
عَمْرَو بْنَ شُرَخپِيلَ.
(١) (البخاري) التفسير: باب قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ وباب تفسير ﴿والذين
لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلقّ
أثامًا﴾. (مسلم) الإيمان: باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده.