النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة [المعجم ١٦ - التحفة تابع ١٠] ٣١٠١ - حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدِّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ أبِي الخَلِيلِ كُوفِيٌّ عَنْ عَلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ وهُمّا مُشْرِكَانٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْكَ وَهُما مُشْرِكَانٍ؟ فَقَالَ: أَوَلَيْسَ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َ﴿ فَنَزِلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣](١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ. قال مستغفرًا، فقال: (إني استأذنت ربي في زيارة قبر أُمي فأذِنَ لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي)، فما رُؤِيَ باكيًا أكثر من يومئذ. ورُوِيَ أنه وقف عند قبرها حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها، حتى نزلت ﴿ما كان للنبي﴾ إلى قوله: ﴿تبرأ منه﴾. الرابعة: روى ابن عباس أن رجالاً من أصحاب النبي # قالوا له: يا رسول الله، إن من آبائنا مَن كان يُحسن الجوار ويصل الأرحام، أفلا نستغفر لهم؟ فأنزل الله ﴿ما كان للنبي﴾ الآية. الخامسة: رُوِيّ (عن عليّ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه، فقلت: تستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أوَلم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرته لرسول الله ﴿﴿، فنزلت ﴿ما كان للنبي﴾ الآية)، وهذه أضعف الروايات. المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ دليل على أحد أمرين: إما أن تكون الرواية الثانية صحيحة، فنهى الله النبي والمؤمنين، وإما أن تكون الرواية الأولى هي الصحيحة، ويخبر به عمّا فعل النبي وينهى المؤمنين أن يفعلوا مثله تأكيدًا للخبر، وسائر الروايات محتملات . المسألة الثالثة: منع الله ورسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين لأنه قد قدر أن لا تكون، وأخبر عن ذلك، وسؤال ما قدر أنه لا يفعله، وأخبر عنه عناء. فإن قيل: فقد قال النبي * حين كسروا رباعيته وشجّوا وجهه: (اللّهمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) فسأل المغفرة لهم، قلنا عنه أربعة أجوبة: الأول: أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل النهي وجاء النهي بعده، الثاني: أنه يحتمل أن يكون ذلك سؤالاً في إسقاط حقه عندهم لا لسؤال إسقاط حقوق الله، وللمرء أن يسقط حقه عند المسلم والكافرين، الثالث: أنه يحتمل أن يطلب المغفرة لهم لأنهم (١) (النسائي) الجنائز: باب النهي عن الاستغفار للمشركين. ١٨٢ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة [المعجم ١٧ - التحفة تابع ١٠] ٣١٠٢ - هقائنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرِّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لِ﴿ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا حتى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ إلاَّ بَدْرًا وَلَمْ يُعَاتِبِ النَّبِيُّ ◌َهِ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ إنَّما خَرَجَ يُرِيدُ العِيرَ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مُغْوِئِينَ لِعِيرِهِمْ فَالْتَّقَوْا عَنْ غَيْرِ مَوْعِدٍ كَمّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَعَمْرِي إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي النَّاسِ لَبَذْرٌ، وَمَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْتُ شَهِدْتُهَا مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ العَقَبَةِ حَيْثُ تَوَاثَقْنَا على الإسْلاَمِ، ثُمَّ لَمْ أَتَخَلَّفْ بَعْدُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ حتى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَهِيَ آَخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا وَأَذَنَ النَّبِيُّ وَّرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ فَذَكَّرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﴿، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَحَوْلَهُ أحياء مرجو إيمانهم يمكن تألفهم بالقول الجميل وترغيبهم في الدين بالعفو عنه، فأما مَن مات فقد انقطع منه الرجاء، الرابع: أنه يحتمل أن يطلب لهم المغفرة في الدنيا برفع العقوبة عنهم حتى إلى الآخرة، كما قال الله: ﴿وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون﴾ [الأنفال: ٣٣]. المسألة الرابعة: قوله: ﴿ولو كانوا أولي قربى﴾ [التوبة: ١١٣] بيان أن القرابة الموجبة للشفقة جبلّة، وللصلة مروءة تمنع من سؤال المغفرة ما تبين لهم أنهم من أهل النار. قال القاضي الإمام: هذا إن صحّ الخبر، وإلا فالصحيح فيه أن النبي * ذكر نبيًّا قبله شجّه قومه فجعل النبي * يخبر عنه بأنه قال: اللَّهمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، خرّجه البخاري وغيره. المسألة الخامسة: قال الله تعالى مخبرًا عن إبراهيم ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًّا﴾ [مريم: ٤٧] فتعلق بذلك النبي في الاستغفار لأبي طالب، إما اعتقادًا وإما نطقًا بذلك كما ورد في الرواية الثانية، فأخبره الله أن استغفار إبراهيم لأبيه كان عن وعد قبل تبيّن الكفر منه، فلما تبيّن الكفر منه تبرأ منه، فكيف تستغفر أنت يا محمد لعمك وقد شاهدت موته كافرًا؟ وهي: المسألة السادسة: وظاهر حال المرء عند الموت يحكم عليه به في الباطن، فإن مات على الإيمان حكم له بالإيمان، وإن مات على الكفر حكم له بالكفر، وربك أعلم بباطن حاله، بيد أن النبي* قال له العباس: يا رسول الله هل تفعت عمك بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويحميك، قال: (سألت ربّي له فجعله في ضحضاح من النار تغلي منه دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل)، وهذه شفاعة في تخفيف العذاب، وهي الشفاعة الثانية، وهذا هو أحد القولين في قوله: ﴿فلما تبيّن له أنه عدو الله﴾ [التوبة: ١١٤] يعني بموته كافرًا ﴿تبرأ منه﴾، وقيل: تبيّن له في الآخرة، والأولى أظهر. وقد قال عطاء: ما كنت لأمتنع من الصلاة على أمة حبشية حبلى من الزنا، فإني رأيت الله لم يحجب الصلاة إلا عن المشركين، فقال: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا ١٨٣ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة المُسْلِمُونَ وَهُوَ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارَةِ القَمَرِ، وَكَانَ إِذَا سُرَّ بالأمْرِ اسْتَنَارَ، فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ((أبْشِرْ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكِ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ))، فَقُلْتُ: يَا نَبِيِّ اللَّهِ، أمِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِكَ؟ قَالَ: ((بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»، ثُمَّ ثَلاَ هَؤُلاءِ الآيَاتِ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ على النّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ - حتى أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣]، وصدق عطاء لأنه تبيّن من ذلك أن المغفرة جائزة لكل مذنب، فالصلاة عليهم والاستغفار لهم حسنة، وفي هذا رد على القدرية لأنهم لا يرون الصلاة على العصاة، ولا يجوز عندهم أن يغفر الله لهم، فلم يصلُ عليهم، وهذا ما لا جواب لهم عنه. ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين﴾ الآية فيها خمس مسائل : المسألة الأولى: توبة الله على النبي ردّه من حالة الغفلة إلى حالة الذكر، وتوبة المهاجرين والأنصار رجوعهم من حالة المعصية إلى حالة الطاعة، وانتقالهم من حالة الكسل إلى حالة النشاط، وخروجهم عن صفة الإقامة والقعود إلى حالة السفر والجهاد. المسألة الثانية: وتوبة الله تكون على ثلاثة أقسام: دعاؤه إلى التوبة، يقال: تاب الله على فلان، أي: دعاه، ويقال: تاب الله عليه، يسّره للتوبة، وقد يكون خبرًا وقد يكون دعاء، ويقال: تاب عليه ثبته عليها، ويقال: تاب عليه قبل توبته، وذلك كله صحيح قد جمع لهؤلاء ذلك كله، ويفترق في سائر الناس، فمنهم من يدعوه إلى التوبة لإقامة الحجة عليه ولا يبسّرها له، ومنهم من يدعوه إليها ويبسرها لهم ولا يديمها، فإن دامت إلى الموت فهي مقبولة قطعًا. المسألة الثالثة: قوله: (﴿في ساعة العسرة﴾) [التوبة: ١١٧] يعني جيش تبوك، خرج الناس إليها في جهد وحرّ ورجلة وعري وحفاء، حتى قد رُوِيّ في قوله: ﴿ما على المحسنين من سبيل ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ [التوبة: ٩١، ٩٢] أنهم طلبوا نعالاً، وفي الحديث (لا يزال الرجل راكبًا ما انتعل). المسألة الرابعة: قوله: ﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾ [التوبة: ١١٧] أما هذا فليس للنبي فيه مدخل باتفاق من الموحدين، أما أنه قد قيل إنه يدخل في التوبة من إذنه للمنافقين في التخلّف، فقدّره الله في إذنه لهم وتاب عليه وعذره، وبيّن للمؤمنين صواب فعله بقوله: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاّ خبالاً﴾ [التوبة: ٤٧] إلى ﴿الفتنة﴾. وأما غير النبي فكاد تزيغ قلوب فريق منهم ببقائهم بعده، كأبي حثمة وغيره، وبإرادتهم الرجوع من الطريق حين أصابهم الجهد واشتد عليهم العطش، حتى نحروا إبلهم وعصروا كروشها، فاستسقى رسول الله فنزل المطر، ولهذا جاز للإمام وهي: ١٨٤ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة بَلَغَ - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ هُوَ التّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] قَالَ: وَفِينَا أَنْزِلَتْ أيْضًا: ﴿اتّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيِّ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدْثَ إلاَّ صِدْقًا وَأنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كَلَّهِ صَدَقَةً إلى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيِّ ◌َله: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، فقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ، قَالَ: فَمَا أَتْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ نِعْمَةً بَعْدَ الإسْلاَمِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِع ◌ِ لْ حِينَ صَدَقْتُهُ المسألة الخامسة: أن يأذن لمَن اعتذر إليه أخذًا بظاهر الحال ورفقًا بالخلق اقتداء بالنبي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الصادقين. وفيه ثمانية أقوال: الأول: أنهم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم، الثاني: أنهم الذين قال الله فيهم: ﴿ليس البرّ أن تولوا وجوهكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿المتقون﴾ [البقرة: ١٧٧]، الثالث: أنهم المهاجرون. وقد رُوِيّ كما قدمنا أن أبا بكر قال للأنصاري يوم سقيفة بني ساعدة: إن الله أسمانا الصادقين، فقال: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هم الصادقون﴾ [الحشر: ٨]، ثم سمّاكم المفلحين، فقال: ﴿والذين تبوؤوا الدار﴾ [الحشر ٩] الآية، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا حيث كنا، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩]. الرابع: أن الصادقين هم المسلمون، والمخاطبون هم المؤمنون من أهل الكتاب. الخامس: الصادقون هم الموفون بما عاهدوا، وذلك بقوله تعالى: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣]. السادس: هم النبي ﴾. وأصحابه، يعني: أبا بكر وعمر، أو السابقون الأولون، وهو: السابع. الثامن: هم الثلاثة الذين خلفوا. المسألة الثانية: في تحقيق هذه الأقوال. أما الأول فهو الحقيقة والغاية التي إليها المنتهى في هذه الصفة، وبها يرتفع النفاق في العقيدة والمخالفة في الفعل، وصاحبها يقال له صديق، وهي في أبي بكر وعمر ومَن دونهما على منازلهم وأزمانهم، وأما مَن قال بالثاني فهو معظم الصدق، ومَن أتى المعظم فيوشك أن يتبعه الأقل، وهو معنى الخامس لأنه بعضه، وقد دخل فيه ذكره، وأما تفسير أبي بكر الصديق فهو الذي يعمّ الأقوال كلها، لأن جميع الصفات موجودة فيهم، وأما القول الرابع: فصحيح وهو بعضه أيضًا، ويكون المخاطب أهل الكتاب والمنافقين. والسادس: تقدم معناه، والسابع: يكون المخاطب الثمانين رجلاً الذين تخلفوا واعتذروا وكذبوا، أُمروا أن يكونوا مع الثلاثة الصادقين، ويدخل هذا في جملة الصدق. ١٨٥ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة أَنَا وَصَاحِبَايَ لاَ تَكُونُ كَذِّبْنَا فَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا، وَإِنِّي لِأَرْجُو أَنْ لاَ يَكُونَ اللَّهُ أَبْلَى أَحَدًا في الصِّدْقٍ مِثْلَ الَّذِي أَبَلانِي مَا تَعَمَّدْتُ لِكَذِيَةٍ بَعْدُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ هذا الحَدِيثُ بِخِلاَفِ هذا الإِسْنَادِ، وَقَدْ قِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَمْهِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ كَعْبٍ، وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ هذا. وَرَوَى يُونُسُ هذا الحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ أنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾. قد تقدمت حقيقة التقوى وذكر المفسرون هاهنا فيها قولين: أحدهما: اختلقوا الكذب، والثاني: في ترك الجهاد، وهما بعض التقوى، والصحيح عمومها. المسألة الرابعة: في هذا دليل على أنه لا يقبل خبر الكاذب ولا شهادته، قال مالك: لا يقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق في حديث رسول الله وتوفيقه. وقال غيره: يقبل حديثه، والقبول فيه مرتبة عظيمة وولاية لا تكون إلا لمّن كرمت خصاله، ولا خصلة هي أشرّ من الكذب، فهي تعزل الولايات وتبطل الشهادات. قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ الآية فيها تسع مسائل: المسألة الأولى: في ثبوتها. اعلموا وفقكم الله أن هذه مسألة عظيمة القدر، وذلك أن الرافضة كادت الإسلام بآيات وحروف نسبتها إلى القرآن لا يخفى على ذي بصيرة أنها من البهتان الذي نزغ به الشيطان، وادعوا أنهم نقلوها وأظهروها حتى كتمناها نحن، وقالوا إن الواحد يكفي في نقل الآية والحروف كما فعلتم، فإنكم أثبتم آية بقول رجل واحد وهو خزيمة بن ثابت، وهي قوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨] وقوله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عيه﴾ [الأحزاب: ٢٣] قلنا: إن القرآن لا يثبت إلا بنقل التواتر، بخلاف السّنّة فإنها تثبت بنقل الآحاد، والمعنى فيه أن القرآن معجزة النبي في الشاهدة بصدقه الدالّة على نبوّته، فأبقاها الله على أمته وتولى حفظها بفضله، حتى لا يُزاد فيها ولا ينقص منها، والمعجزات إما أن تكون معاينة إن كانت فعلاً، وإما أن تثبت تواترًا إن كانت قولاً ليقع العلم بها، أو تنقل صورة الفعل فيها أيضًا نقلاً متواترًا حتى يقع العلم بها، كأن السامع لها قد شاهدها، حتى تنبني الرسالة على أمر مقطوع به بخلاف السُّنّة، فإن الأحكام يعمل فيها على خبر الواحد إذ ليس فيها معنى أكثر من التعبّد، وقد كان النبي 9 يرسل كتبه مع الواحد، ويأمر الواحد أيضًا بتبليغ كلامه، ويبعث الأمراء إلى البلاد وعلى السرايا، وذلك لأن الأمر لو وقف فيها على التواتر لما حصل علم ولا تمّ حكم، وقد بيًّا ذلك في أصول الفقه والدين. ١٨٦ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة [المعجم ١٨ - التحفة تابع ١٠] ٣١٠٣ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدِّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصُّدِّيقُ مَقْتَلَ أهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ فَقَالَ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَدْ آتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ يَوْمَ اليَمَامَةِ وَإِنِّي لَأَخْشَى أنْ يَسْتَجِرَّ القَتْلُ بِالْقُرَّاءِ في المَوَاطِنِ كُلَّهَا فَيَذْهَبُ قُرْآنْ كَثِيرٌ، وَإِنِي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَّرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ، فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي في ذلِكَ حتى شَرَحَ اللَّهُ صَذْرِي لِلَّذِي شَرَحَ صَدْرَ عُمَرَ وَرَأيْتُ فِيهِ الَّذِي رَأى، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ شَابٌ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ فَتَتَبْعِ القُرْآنَ، قَالَ: فَوّاللَّهِ لَوْ كَلَّقُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَّ الجِبالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ﴾؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَّلْ يُرَاجِعُنِي في ذلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ حتى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ صَدْرَهُما صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ العُسْبِ وَالنَّجافِ (وَيُرْوَى النَّحَافُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَالنِّجَافُ: مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ) وَصُدُورِ الرِّجَالِ فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةٍ بَرَاءَةً مَعَ خُزَيْمَةً بْنِ ثَابِتٍ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ المسألة الثانية: فيما رُوِيّ فيها. ثبت أن (زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال: إن عمر بن الخطاب قد أتاني فقال: إن القتل قد استحز بقرّاء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت فيه الذي رأى، قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن، قال: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ من ذلك، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله 19؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر حتى شرح الله صدري الذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب، وذكر بكلمة مشكلة تركناها (١)، قال زيد فوجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ إلى ﴿العظيم﴾ (١) هي النحاف أو النجاف وقد ذكرا أبو عيسى في الحديث. ١٨٧ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلِّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكِّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التوة: ١٢٨](١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [المعجم ١٩ _ التحفة تابع ١٠] ٣١٠٤ - حقثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أنَّ حُذَيْفَةٌ قَدِمَ على عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَكانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّام في فَتْحِ أزْمِينِيَّةَ وَأذْرِبِيجَانَ مَعَ أهْلِ العِرَاقِ فَرَأى حُذَيْفَةُ اخْتَلاَفَهُمْ في القُرْآنِ فَقَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أدْرِكُ هذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتَابِ كما اخْتَلَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ إلى حَفْصَةً أنْ أرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصَّحُفِ نَنْسَخُهَا في المّصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ حَفْصَةُ إلى عُثْمَانَ بِالصُّحُفِ فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إلى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَعِيدِ بْنِ العَاصِي وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَرِثِ بْنِ هِشّامٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنِ انْسَخُوا الصّحُفَ في المَصَاحِفِ وَقَالَ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: مَا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانٍ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزّلَ بِلِسَانِهِمْ حتى نَسَخُوا الصَّحُفَ في المَصَاحِفِ بَعَثَ عُثْمانُ إلى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ المَصَاحِفِ التي نّسَخُوا(٢). [التوبة: ٢٨]) انتهى الحديث. فبقيت الصحف عند أبي بكر، ثم تناولها بعده عمر، ثم صارت عند حفصة رضي الله عنهم، فلما كان زمن عثمان حسبما ثبت في الصحيح (قَدِمَ حذيفة ابن اليمان على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف فتنسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاصي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الزبير: أن انسخوا الصحف في المصاحف، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، حتى نسخوا الصحف في المصاحف، بعث عثمان إلى كل أُفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا). (١) (البخاري) التفسير: باب تفسير ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ من سورة براءة. وفضائل القرآن: باب جمع القرآن، وباب كاتب النبي *. (النسائي في الكبرى) فضائل القرآن. (٢) (البخاري) فضائل القرآن: باب جمع القرآن. وباب نزل القرآن بلسان قريش والعرب ﴿قرآنًا عربيًا - ١٨٨ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةٌ مِنْ سُورَةِ الأخْزَابِ كُنْتُ أسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقْرَؤُهَا ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَالْتَمَسْتُهَا فَوَجَدْتُهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنٍ ثَابِتٍ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا . قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ، فَقَالَ القُرّشِيُّونَ: النَّبُوتُ، وقَالَ زَيْدٌ: التَّابُوهُ فَرُفِعَ اخْتِلاَفُهُمْ إلى عُثْمَانَ فَقَالَ: اكْتُبُوهُ النَّبُوتُ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانٍ قُرَيْشٍ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُثْبَةً أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهِ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ المَصَاحِفِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ المُصْحَفِ وَيَتَوَلاَهَا رَجُلٌ وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبٍ رَجُلٍ كَافِرٍ يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَلِذلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَهْلَ العِرَاقِ اكْتُمُوا المَصَاحِفَ التي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] فَالْقُوا اللَّهَ بِالمَصَاحِفِ. قَالَ الزُّهْرِيّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابٍ التِّيِّ ◌ِ﴾. (قال الزهري: وحدثني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت قال: فقدت آية من سورة كنت أسمع رسول الله ## يقرؤها ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه﴾ [الأحزاب: ٢٣] فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة فألحقتها في سورتها). (قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه، فقال القرشيون: التابوت، وقال زيد: التابوه، فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوه التابوت، فإنه نزل بلسان قريش. قال الزهري: فأخبرني عبد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ كتابة المصحف ويتولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر، يريد: زيد بن ثابت، ولذلك قال عبد الله بن مسعود: يا أهل القرآن اكتموا المصاحف التي تكون عندكم وغلوها، فإن الله يقول: ﴿ومَن يغلل يأتِ بما غلّ يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١] فالقوا الله بالمصاحف. قال الزهري: فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله (18)، وهذا حديث صحيح لا يعرف إلا من حديث الزهري . بلسان عربي مبين﴾. (النسائي في الكبرى) فضائل القرآن: باب بلسان مَن نزل القرآن. = ١٨٩ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحْ. وَهُوَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ لاَ نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثِهِ. المسألة الثالثة: إذا ثبت هذا، فقد تبيّن في أثناء الحديث أن هاتين الآيتين في براءة وآية الأحزاب لم تثبت بواحد، وإنما كانت مَنسيّة، فلما ذكرها مَن ذكرها أو تذكّرها مَن تذكّرها عرفها الخلق، كالرجل تنساه، فإذا رأيت وجهه عرفته، أو تنسى اسمه وتراه ولا يجتمع لك العين والاسم، فإذا انتسب عرفته. المسألة الرابعة: من غريب المعاني أن القاضي أبا بكر بن الطيب سيف السُّنّة ولسان الأمة تكلم بجهالات على هذا الحديث لا تشبه منصبه، فانتصبنا لها لنوقفكم على الحقيقة فيها: أولها: قال القاضي أبو الطيب: هذا حديث مضطرب، وذكر اختلاف روايات فيه منها صحيحة ومنها باطلة، فأما الروايات الباطلة فلا نشتغل بها، وأما الصحيحة فمنها أنه قال: رُوِيّ أن هذا جرى في عهد أبي بكر، وفي رواية أنه جرى في عهد عثمان، وبين التاريخين كثير من المدة، وكيف يصح أن نقول هذا كان في عهد أبي بكر ثم نقول كان هذا في عهد عثمان، ولو اختلف تاريخ الحديث في يوم من أوله وآخره لوجب ردّه فكيف أن يختلف بين هاتين المدتين الطويلتين؟ قال القاضي أبو بكر بن العربي: يقال للسيف: هذه كهمة من طول الضراب! هذا أمر لم يخف وجه الحق فيه، إنما جمع زيد القرآن مرتين: إحداهما لأبي بكر في زمانه، والثانية لعثمان في زمانه، وكان هذا في مرتين لسببين ولمعنيين مختلفين، أما الأول: فكان لئلا يذهب القرآن بذهاب القرّاء كما أخبر النبي #8# أنه يذهب العلم في آخر الزمان بذهاب العلماء، فلما تحصل مكتوبًا صار عدة لما يتوقع عليه، وأما جمعه في زمان عثمان فكان لأجل الاختلاف الواقع بين الناس في القراءة، فجمع في المصاحف ليرسل إلى الآفاق حتى يرفع الاختلاف الواقع بين الناس في زمن عثمان. ثانيها: قال ابن الطيب: من اضطراب هذا الحديث أن زيدًا تارة قال: وجدت هؤلاء الآيات الساقطة، وتارة لم يذكره، وتارة ذكر قصة براءة، وتارة قصة الأحزاب أيضًا بعينها. قال القاضي ابن العربي: يقال للسان: هذه عثرة! وما الذي يمنع عقلاً أو عادة أن يكون عند الراوي حديث مفصل يذكر جميعه مرة، ويذكر أكثره أخرى، ويذكر أقله ثالثة؟ ثالثها: قال ابن الطيب: يشبه أن يكون هذا الخبر موضوعًا، لأنه قال فيه: إن زيدًا وجد الضائع من القرآن عند رجلين، وهذا بعيد أن يكون الله قد وكّل حفظ ما سقط وذهب عن الأجلة الأماثل من القرآن برجلين: خزيمة وأبي خزيمة. قال القاضي: قد بيّنًا أنه يجوز أن ينسى الرجل الشيء ثم يذكره له آخر فيعود علمه إليه، وليس في نسيان الصحابة كلهم له إلاّ رجل واحد استحالة عقلاً لأن ذلك جائز، ولا شرعًا لأن الله ضمن حفظه، ومن حفظه البديع أن تذهب منه آية أو سورة إلا عن واحد فيذكرها ذلك الواحد فيتذكرها الجميع، فيكون ذلك من بديع حفظ الله لها، ويقال له أيضًا: هذا حديث صحيح متفق عليه من الأئمة، فكيد تدعي عليه الوضع وقد ١٩٠ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة رواه العدل عن العدل، وتدّعي فيه الاضطراب وهو في سلك الصواب منتظم، وتقول أخرى إنه من أخبار الآحاد، وما الذي تضمن من الاستحالة أو الجهالة حتى يُعاب بأنه خبر واحد؟ وأما ما ذكرته في معارضته عن بعض رواته أو عن رأي فهو المضطرب الموضوع الذي لم يروه أحد من الأئمة، فكيف يعارض الأحاديث الصحاح بالضعاف والثقات بالموضوعات؟ المسألة الخامسة: فإن قيل: فما كانت هذه المراجعة بين الصحابة؟ قلنا: هذا مما لا سبيل إلى معرفته إلا بالرواية، وقد عدمت لولاهم إلا أن القاضي أبا بكر قد ذكر في ذلك وجوهًا، أجودها خمسة: الأول: أن رسول الله* ترك ذلك مصلحة وفعله أبو بكر للحاجة. الثاني: أن الله أخبر أنه في الصحف الأولى، وأنه عند محمد في مثلها بقوله: ﴿يتلو صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة﴾ [البينة: ٢، ٣] فهذا اقتداء بالله ورسوله. الثالث: أنهم قصدوا بذلك تحقيق قول الله: ﴿إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] فقد كان عنده محفوظًا، وأخبرنا أنه يحفظه بعد نزوله، ومن حفظه تيسير الصحابة لجمعه واتفاقهم على تقييده وضبطه. الرابع: أن النبي ولين كان يكتبه كتبته بإملائه إياه عليهم، وهل يخفى على متصوّر معنًى صحيحًا في قلبه أن ذلك كان تنبيهًا على كتبه وضبطه بالتقييد في الصحف؟ ولو كان ما ضمنه الله من حفظه لا عمل للأمة فيه لم يكتبه رسول الله و بعد إخبار الله له بضمان حفظه، ولكن علم أن حفظه من الله يحفظنا، وتيسيره ذلك لنا، وتعليمه لكتابته وضبطه في الصحف بيننا. الخامس: أنه ثبت أن النبي 1583 نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، وهذا تنبيه على أنه بين الأمة مكتوب مستصحب في الأسفار، وهذا من أبين الوجوه عند النظّار. المسألة السادسة: فأما كتابة عثمان للمصاحف التي أرسلت إلى الكوفة والشام والحجاز، فإنما كان ذلك لأجل اختلاف الناس في القراءات، فأراد ضبط الأمر لئلا ينتشر إلى حد التفرق والاختلاف في القرآن كما اختلف أهل الكتاب في كتبهم، وكان جمع أبي بكر له لئلا يذهب أصله، فكانا أمرين مختلفين لسببين متباينين، وقد كان وقع مثل هذا الاختلاف في زمان النبي * بين هشام بن حكيم بن حزام وبين عمر بن الخطاب، فاختلفوا في القراءة في سورة الفرقان، فاحتمل عمر هشامًا إلى رسول الله ) حملاً حتى قرأ كل واحد منهما ما قرأ بخلاف قراءة صاحبه، فصوّب النبي 8 الكل وأنبأهم أنه ليس باختلاف، إذ الكل من عند الله، بأمره نزل، وبفضله توسع في حروفه حتى جعلها سبعة، فاختار عثمان والصحابة من تلك الحروف ما رأوه ظاهرًا مشهورًا متفقًا عليه مذكورًا، وجمعوه في مصاحف، وجعلت أمهات في البلدان ترجع إليها بنات الخلاف. المسألة السابعة: فأما حال عبد الله بن مسعود وإنكاره على زيد أن يتولى كتب المصاحف وهو أقدم قراءة، قلنا: يا معشر الطالبين للعلم، ما نقم قطّ على عثمان شيء إلا خرج منه ١٩١ كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة كالشهاب، وأنبأ أنه أتاه بعلم، وقد بيّنا ذلك في كتاب المقسط، وعند قول ابن مسعود ما قال وبلغ عثمان قال عثمان: مَّن يعذرني من ابن مسعود؟ يدعو الناس إلى الخلاف والشبهة، ويغضب عليّ أن لم أُولِه نسخ القرآن، وقدّمت زيدًا عليه، فهلاً غضب على أبي بكر وعمر حين قدما زيدًا لكتابته وتركاه، إنما اتبعت أنا أمرهما، فما بقي أحد من الصحابة إلا حسن قول عثمان وعاب ابن مسعود، وهذا بيِّن جدًّا، وقد أبى الله أن يُبقي لابن مسعود في ذلك أثرًا، على أنه قد رُوِيّ عنه أنه رجع عن ذلك وراجع أصحابه في الاتباع لمصحف عثمان والقراءة به. المسألة الثامنة: فأما سبب اختلاف القرّاء بعد ربط الأمر بالثبات وضبط القرآن بالتقييد، قلنا: إنما كان ذلك للتوسعة التي أذِنَ الله فيها ورحم بها من قراءة القرآن على سبعة أحرف، فأقرأ النبي وَليق بها، وأخذ كل صاحب من أصحابه حرفًا أو جملة منها، وقد بيّنَاه في تفسير الحديث تارة في جزء مفرد وتارة في شرح الصحيحين، ولا شك في أن الاختلاف في القراءة كان أكثر مما في ألسنة الناس اليوم، ولكن الصحابة ضبطت الأمر إلى حدٍّ يفيد مكتوبًا، وخرج ما بعده عن أن يكون معلومًا حتى أن ما تحتمله الحروف المقيدة في القرآن قد خرج أكثره عن أن يكون معلومًا، وقد انحصر الأمر إلى ما نقله القرّاء السبعة بالأمصار الخمسة، وقد رُوِيّ أن عثمان أرسل ثلاثة مصاحف، ورُوِيَ أنه احتبس مصحفًا وأرسل إلى الشام والعراق واليمن ثلاثة مصاحف، ورُويَ أنه أرسل أربعة إلى الشام والحجاز والكوفة والبصرة، ورُويّ أنه كانت سبعة مصاحف فبعث مصحفًا إلى مكة، وإلى الكوفة آخر، ومصحفًا إلى البصرة، ومصحفًا إلى الشام، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين، ومصحفًا عنده. فأما مصحف اليمن والبحرين فلم يسمع لهما خبر، قال القاضي: وهذه المصاحف إنما كانت تذكر لئلا يضيع القرآن، فأما القراءة فإنما أخذت بالرواية لا من المصاحف، أما إنهم كانوا إذا اختلفوا رجعوا إليها، فما كان فيها عوّلوا عليه، ولذلك اختلفت المصاحف بالزيادة والنقصان، فإن الصحابة أثبتت ذلك في بعض المصاحف وأسقطته في البعض ليحفظ القرآن على الأمة وتجتمع أشتات الرواية ويتبين وجه الرخصة والتوسعة، فانتهت الزيادة والنقصان أربعين حرفًا في هذه المصاحف، وقد زيدت عليها أحرف يسيرة لم يقرأ بها أحد من القرّاء المشهورين تركت، فهذا منتهى الحاضر من القول الذي يحتمله الفن الذي تصدّينا له من الأحكام. المسألة التاسعة: إذا ثبتت القراءات وتقيدت الحروف فليس يلزم أحدًا أن يقرأ بقراءة شخص واحد، كنافع مثلاً، أو عاصم، بل يجوز له أن يقرأ الفاتحة فيتلو حروفها على ثلاث قراءات مختلفات، لأن الكل قرآن ولا يلزم جمعه، إذ لم ينظمه الباري لرسوله ولا قام دليل على التعبّد فيه، وإنما لزم الخلق بالدليل أن لا يتعدّوا الثابت إلى ما لم يثبت، فأما تعيين الثابت في التلاوة فمسترسل على الثابت كله، والله أعلم. ١٩٢ كتاب التفسير/ باب ١١ من سورة يونس ١١ - باب ((ومن سورة يونس)) [المعجم ١ - التحفة ١١] ٣١٠٥ - بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتِ الْبُنَائِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿َ في قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ: إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، قَالُوا: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُتَجِّنَا مِنَ النَّارِ وَتُدْخِلْنَا الجَنَّةَ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الحِجَابُ. قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا أعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ»(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ هِكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنٍ سَلَمَةً مَرْفُوعًا. وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ هذَا الحَدِيثَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّيْ ◌ِّ. [المعجم ٢ - التحفة تابع ١١] ٣١٠٦ - عقثنا ابْنُ أبي عُمَّرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ عَطَّاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أهْلٍ مِصْرَ قَالَ: سَألْتُ أَبَا الذِّرْدَاءِ عَنْ هذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى في الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قَالَ: مَا سَأَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَ عَنْهَا فَقَالَ: «مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ، فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ»(٢). حَدَّثْنَا ابْنُ أبي عُمَرَ. حَدْثَنَا سُفِيَانُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَّارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أهْلِ مِصْرَ عَنْ أبي الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ نَّحْوَهُ. سورة يونس ذكر أبو عيسى حديث يوسف بن مهران وسعيد بن جبير عن ابن عباس في دسّ جبريل (١) (مسلم) الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى. (النسائي في الكبرى) التفسير، والنعوت: باب المعافاة والعقوبة. (ابن ماجه) المقدمة: باب فيما أنكرت الجهمية. وقد مر في صفة الجنة (٢٥٥٣). (٢) مرّ في الرؤيا (٢٢٧٤). ١٩٣ كتاب التفسير/ باب ١١ من سورة يونس [المعجم ٣ - التحفة تابع ١١] حَدَّثَنَا أحمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أبي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الدِّزْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ وَهَ نَحْوَهُ وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ . قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. [المعجم ٤ - التحفة تابع ١١] ٣١٠٧ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ. حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبيَِِّ﴿ قَالَ: «لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ الْذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] فَقّالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأيْتَنِي وَأَنَا آَخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأَدُسُّهُ في فِيهِ مَخَافَةٌ أنْ تُذْرِكَهُ الرّحْمَةُ». قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [المعجم ٥ - التحفة تابع ١١] ٣١٠٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى الصَّنْعَانِيُّ. حَدِّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَرِثِ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكّرٌ أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ أَنَّهُ ذَكْرَ أنَّ جِبْرِيلَ وَهْ جَعَلَ يَدُسُ فِي فِيٌّ فِرْعَوْنَ الطِّينَ خَشْيَةً أَنْ يَقولَ: لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ أَوْ خَشِيَةً أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ. الطين في فم فرعون، وقال في حديث يوسف: حسن، وقال في حديث سعيد بن جبير: صحيح حسن. فأما حديث يوسف فهو موافق لنص القرآن (أن فرعون لما قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ [يوسف: ٩٠] جعلت آخذ من حال البحر، يعني: من الطين، فأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة) وفي حديث سعيد (خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله) أو (خشية أن يرحمه الله علي) الشك، فالأولى من شك حديث سعيد ما يوافق نفس حديث . يوسف الذي يوافق نص القرآن في أنه قال: ﴿لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ وبعد هذا (١) (النسائي في الكبرى) التفسير. ١٩٤ كتاب التفسير/ باب ١٢ من سورة هود ١٢ - باب ((ومن سورة هود)) [المعجم ١ - التحفة ١٢] ٣١٠٩ - بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. حَذْثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ. حَذْثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ وَكِيعِ بْنِ حَدَسٍ عَنْ عَمِّهِ أبِي رَزِينٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: ((كانَ فِي عَمَاءٍ فهاهنا أربعة أوجه. الأول: أن فرعون لم يقبل منه ما قال، لأنه عدل عن لفظ لا إله إلا الله وهو لفظ مخصوص بالإيمان لا يجوز غيره، وبه قال الشافعي. الثاني: أنه لم يقل: موسى رسول الله، ولا ينفع الإيمان بالله ما لم يقترن به تصديق رسول الله. الثالثة: أن فرعون لم ينفعه ذلك كله، لأنه كان بعد المعاينة ولا ينفع الإيمان إلا على الغيب حسبما تقرر في هذا الشرع، وما أعتقد أن فيه خلافًا في ملّة. الرابع: كان جبريل يدس في فمه الطين مخافة أن يتمّها كما يجب، إذ قد قالها وإنما أخر القبول أحد المعاني المتقدمة، وأصحها هو الثالث والله أعلم. سورة هود حديث أبي رزين العقيلي (قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه) الحديث إلى آخره حسن. قال ابن العربي: قد رويناه من طرقه، وهو صحيح سندًا ومتنًا، أصوله أربع مسائل: الأولى: قوله: (أين كان ربنا) فأقرّه النبي * على السؤال عن الله سبحانه وتعالى بأين، وهي كلمة موضوعة للسؤال عن المكان في عرف السؤال مشهورة، وقد سأل بها النبي السوداء في الصحيح من الصحيح وغيره، فقال لها: (أين الله؟)، والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة، فإن المكان يستحيل عليه، وهي أين مستعملة فيه، وقيل: إن استعمالها في المكان حقيقة وفي المكانة مجاز، وقيل هما حقيقتان، وكلُّ خارج على أصل التحقيق مستعمل على كل لسان وعند کل فریق. الثانية: قوله: (كان في عماء) ورويناه بالمد، ويحتمل القصر، وذكره بعضهم وقالوا فيه: إن العمى المقصور عبارة عن الجهل، أي: كان لا يعلم ولا يدرك، والعماء الممدود السحاب، ذكره أبو عبيد. وقال مّن لم يفهم المعنى: أين كان عرش ربنا؟ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قال ابن العربي: هذا ضعيف من الكلام لمَن قصر مرامه وخاس فهمه، إذا قلنا إنه كان في عماء ممدود فمعناه في حجاب، المعنى: كان لا يعلم إذ الحجاب يمنع العلم، فعبّر عن عدم العلم به هو والمعنى في قوله: (عمى) مقصور بعينه، وقد كان البارىء ولا شيء معه يعلم ذاته وصفاته، وذلك كله موجود، ويعلم الخلق كله وهو معدوم إذ العلم يتعلق بالموجود والمعدوم. ١٩٥ كتاب التفسير/ باب ١٢ من سورة هود مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ على المَاءِ)). قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ: العَمَاءُ أَيْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ (١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَكَذَا رَوَى حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَكِيعُ بْنُ حَدَسٍ وَيَقُولُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةً وَهُشَيْمٌ وَكِيعُ بْنُ عَدَسٍ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَأَبُو رَزِينٍ اسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ. قَالَ: وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [المعجم ٢ - التحفة تابع ١٢] ٣١١٠ - حدثنا أبُو كُرَيْبٍ. حَدْثَنَا أبو مُعَاوِيَةً عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أبِي مُوسَى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُمْلِي))، وَرُبَّمَا قَالَ: ((يُمْهِلُ لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأْ ﴿وَكَذلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى﴾ [هود: ١٠٢] الآيَةَ(٢). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةً عَنْ بُرَيْدٍ نَحْوَهُ، وَقَالَ: يُمْلِي. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعيدِ الجَوْهَرِيُّ عَنْ أَبِي أُسَامَةً عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةً عَنْ جَدِّهِ أبي بُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ◌َ نَحْوَهُ، وَقَالَ: يُمْلِي وَلَمْ يَشْكَّ فِيهِ. الثالثة: قوله: (ما فوقه هواء وما تحته هواء)، (ما) وقعت هاهنا نفيًا لأن يكون فوقه أو تحته شيء، إذ ليس له فوق ولا تحت، وحال الكلام ليس له فوق ولا تحت، وعبّر عنه بهذا المتشابه فصاحة واتكالاً على علم السامعين وقيام الأدلة على استحالة ذلك في رب العالمين. الرابعة: قوله: (وكان عرشه على الماء) هذه الكلمة قرآنية قال سبحانه: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]، والعرش هو المخلوق الثالث على الصحيح في الأثر، وفي قول: الرابع، والماء الخامس، وتترتب المخلوقات حسبما بيتاها في كتاب المشكلين، والله أعلم. (١) (ابن ماجه) المقدمة: باب فيما أنكرت الجهمية. (٢) (البخاري) التفسير: باب تفسير ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ من سورة هود. (مسلم) البرّ والصلة والآداب: باب تحريم الظلم. ١٩٦ كتاب التفسير/ باب ١٢ من سورة هود [المعجم ٣ - التحفة تابع ١٢] ٣١١١ - حقثنا بُنْدَارٌ. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٍّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] سألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَى مَا نَعْمَلُ؟ على شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، أَوْ على شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنْهُ؟ قَالَ: ((بَل على شَيْءٍ قَدْ فُرِغُ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأقْلاَمُ يَا عُمَرُ، وَلكِنْ كُلِّ مُيَسْرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)). هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن هذا الوَجْهِ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عمرو. [المعجم ٤ - التحفة تابع ١٢] ٣١١٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا أَبُو الأخْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةٌ في أقْصى المَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا وَأَنَا هذا فَاقْضٍ فِيَّ مَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ على نَفْسِكَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ِ شَيْئًا، فَانْطَلَقّ الرَّجُلُ فَأَتْبَعَهُ رَسُولُ اللّهِ وَلَ رَجُلاً، فَدَعَاهُ فَتَلاَ عَلَيْهِ ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلْفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِيْنَ السَّيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: هذا لَّهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: ((لاَ، بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً))(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ، وَمَكَذَا رَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةً وَالأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ْ نَخْوَهُ. حديث: (عالجت امرأة في أقصى المدينة، وهو حديث صحيح حسن، عليه ذكر أبو عيسى وغيره أن الرجل هو أبو اليسر كعب بن عمرو البدري، أو كانا رجلين، ولكنه ضعف قصة أبي اليسر، والحديث في جملته صحيح، رُوِيّ فيه: عالجت، ورُوِيَ (ليس يأتي الرجل شيئًا إلى امرأته إلا قد أتاه إليها إلا أنه لم يجامعها) وفي رواية: (أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة حرام) وهذا أصح الطرق. (١) (مسلم) التوبة: باب قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾. (أبو داود) الحدود: باب في الرجل يصيب من المرأة دون الجماع فيتوب قبل أن يأخذه الإمام. (النسائي في الكبرى) الرجم: باب ذكر مَن اعترف بما لا تجب فيه الحدود. ١٩٧ كتاب التفسير/ باب ١٢ من سورة هود وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ مِثْلَهُ، وَرِوَايَةٌ هَؤُلاَءِ أَصَحُ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ. وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنٍ النَّبِيِِّ ﴿ نَخْوَهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ. حَذْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنٍ الأعْمَشِ، وَسِمَاكُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نَخْوَهُ بِمَعْنَاهُ. حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَن سُفْيَانَ عَنْ سِمَّاكٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النّبِيِِّ ﴿ نَخْوَهُ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الأعْمَشَ. وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ التِّيمِيُّ هذا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ مُسْعُودٍ عَنِ النَّبيِّ وَله. الفوائد: في عشر مسائل: الأولى: مجيء الرجل إلى النبي عليه السلام يسأله عمّا أصاب من الذنب، ولم يعاقبه النبي. أصل في أن المستفتي لا عقاب عليه لما بيناه في كتاب الصيام، وذلك لما تقتضيه المصلحة من أنه لو أدب لكان ذلك مانعًا في الاستفتاء لمَن أخطأ، فيبقى في ظلمة الذنب وغيابة الجهل، وهذا مما لم یکن فيه حد مقدّر. الثانية: (قال له عمر: لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك) أصل في جواز السكوت على الذنب والاستغفار فيه مع الله، لكن إذا علم ما كفّارته، فأما إذا جهل فلا بدّ من السؤال وهو فرضه، بيد أنه لا يصرّح بنفسه، وليعرّض فيقول: رجل كان من أمره كذا، إلا في حق رسول الله فإنه يصرّح له بنفسه ولا يلبس عليه كما فعل كل مَن جاءه بمثله، إنما أخبر عن نفسه ولم یکنّ في سؤاله بغيره. الثالثة: قول رسول الله له: (أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا) حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار. الرابعة: قوله: (فلم يزد رسول الله شيئًا) وذلك لأنه لم يكن عنده جواب حتى جاء من عند الله سبحانه، وكذلك قال في الخبر الثاني: (فأطرق رسول الله 988 طويلاً حتى أوحى الله إليه). ١٩٨ كتاب التفسير/ باب ١٢ من سورة هود [المعجم ٥ - التحفة تابع ١٢] ٣١١٣ - عقدنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَثْنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةً عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ لَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأيْتَ رَجُلاً لَقِيَ امْرَأَةٌ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَّا مَعْرِفَةٌ فَلَيْسَ يَأْتِي الرَّجُلُ شَيْئًا إِلى امْرَأْتِهِ إِلاَّ قَدْ أَتَى هُوَّ إِلَيْهَا إِلاَّ أَنْهُ لَمْ يُجَامِعْهَا؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فَأَمَرَهُ أنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصْلِّيَ: قَالَ مُعَاذٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهِيَ لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: ((بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً»(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَاتَ في خِلاَقَةٍ عُمَّرَ، وَقُتِلَ عُمَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى غُلاَمٌ صَغِيرٌ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وَقَدْ رَوّى عَنْ عُمَرٌ. وَرَوّى شُعْبَةُ هذا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَّيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ مُرْسَلٌ. الخامسة: في رواية معاذ كما ذكر أبو عيسى (أن النبي عليه السلام قال له: ((توضأ وصلٌ))). السادسة: في رواية (أن النبي ﴿ قال له: ((أصليت معنا»؟ قال: نعم، فتلا عليه ﴿أقم الصلاة﴾ إلى ﴿للذاكرين﴾﴾. السابعة: اتفقوا على قوله: (فأنزل الله ﴿أقم الصلاة) الآية). الثامنة: اتفقوا وصحّ أن الرجل قال له: ألي خاصة؟ قال؛ (هي لمّن عمل بها من أُمتي) لفظ البخاري. التاسعة: أن الآية لما نزلت ودعاه النبي عليه السلام وقرأها عليه ورأى فيها خطاب الأفراد، سأل: هل قوله: ﴿أقم الصلاة﴾ على ظاهره من خطاب واحد يكون هو أم يكون خطاب الجنس؟ فأنبأه النبي أنها على العموم في الجنس. (١) (النسائي في الكبرى) الرجم: باب ذكر من اعترف بما لا تجب فيه الحدود. ١٩٩ كتاب التفسير/ باب ١٢ من سورة هود [المعجم ٦ - التحفة تابع ١٢] ٣١١٤ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلاً أصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً حَرَامٍ فَأتَى النَّبِيَّ ◌ِ ﴿ فَسَأْلَهُ عَنْ كَفَّارَتِهَا فَنَزَلَتْ ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فقَالَ الرَّجُلُ: ألِي هذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((لَكَ وَلِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ ◌ُمْتِي))(١) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. [المعجم ٧ - التحفة تابع ١٢] ٣١١٥ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ الرِّبِيعِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي البُسْرِ قَالَ: أَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا فَقُلْتُ: إِنَّ فِي البَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبٌ مِنْهُ فَدَخَلَتْ مَعِي فِي البَيْتِ فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ قَالَ: اسْتُرْ على نَفْسِكَ وَتُبْ وَلاَ تُخْبِرْ أَحَدًا، فَلَمْ أَصْبِرْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «أَخَلَفْتَ غَازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ في أهْلِهِ بِمِثْلِ هذا» حتى تَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُسْلَمَ إلاَّ تِلْكَ السَّاعَةَ حتى ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: وَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ طَوِيلاً حتى أوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَّيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: فَأَتَيْتُهُ فَقَرَأْهَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا خَاصَّةٌ أمْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ؟ قَالَ: ((بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً»(٢). العاشرة: لو لم يسأل الرجل النبي عن عموم هذه الآية لاقتضى وجه الهيأة فيها عمومها، لأنه من أن إقامة الصلاة حسنات تذهب أمثال تلك السيئات، فحيث وجدت الصلاة وجدت فائدتها . (١) (البخاري) مواقيت الصلاة: باب الصلاة كفّارة. والتفسير: باب تفسير ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ من سورة هود. (مسلم) التوبة: باب قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾. (٢) (النسائي في الكبرى) التفسير، والرجم: باب ذكر مَن اعترف بما لا تجب فيه الحدود. ٢٠٠ كتاب التفسير/ باب ١٣ من سورة يوسف وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ضَعَّفَهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ، وَأَبُو الْيُسْرِ هُوَ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ: وَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هذا الحَدِيثَ مِثْلَ رِوَايَةٍ قَيْسِ بْنِ الربيعِ. قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَوَائِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ. ١٣ - باب ((ومن سورة يوسف)) [المعجم ١ - التحفة ١٣] ٣١١٦ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حَدْثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ الخُزَاعِيُّ المَرْوَزِيُّ. حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلْمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: ((إنَّ الكَرِيمَ ابْنَ الكَرِيمِ ابْنَّ الکْرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْتَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ))، قَالَ: ((وَلَّوْ لَبِثْتُ فِي السَّجْنِ مَا لَبِثَ ثُمَّ جَاءَنِي الرَّسُولُ أَجَبْتُ ثُمَّ قَرَّأَ سورة يوسف عليه السلام حديث (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) قال: (أكرمهم عند الله أتقاهم) قالوا: ليس عن هذا نسألك(١) (فأكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله)، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألوني) قالوا: نعم، قال: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) إلى قوله: (في ذروة أو ثروة من قومه). قال ابن العربي: هذا حديث صحيح مليح يتضمن قواعد عظامًا الإشارة إلى جملتها في ثمان مسائل: الأولى: قوله: (الكريم بن الكريم) بيان لشرف يوسف، وأن ليس في الأنبياء صلوات الله عليهم مَن له مثل هذا الشرف في عموده، فإنهم أربعة أنبياء كابرًا عن كابر وأنبوب على أنبوب، وما من نبي إلا وهو حسيب شريف منجد في سلفه إلا أن هذا زاد في شرف الزيانة شرف المكانة، فكانت تلك خصيصة له. الثانية: قوله: (لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) تنبيه على أن يوسف خصّ في تلك النازلة بمزية صبر ولمزية جزالة ومرتبة تثبيت، قال النبي عليه السلام: (لو كنت فيها لما توقفت عن الخروج منها). (١) هذا بالأصل، والمفترض أن يكون هنا: قال.