النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال
(إلاَّ سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ)) قَالَ: وَنَزَلَ القُرْآنُ بِقَوْلٍ عُمَرَ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى
حَتَّى يُثْخِنَ في الأرضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى آخِرِ الآيَاتِ(١).
الله ): إلا سهيل بن بيضاء) رواه الترمذي مختصرًا عن أقوال أبي بكر وعمر وابن رواحة.
ورواه مسلم عن عمر بن الخطاب قال رسول الله* لما أسروا الأسرى لأبي بكر وعمر: (ما
ترون)؟ قال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العمّ والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فيكون لنا قوة
على الكفّار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﴿: (ما ترى يا ابن الخطاب)؟
قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكّننا فنضرب أعناقهم،
فتمكّن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكّنني من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه، فإن هؤلاء
أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله وَ﴿ ما قال أبو بكر ولم يهوّ ما قلت، فلما كان من الغد
جئت فإذا رسول الله* وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني، من أيّ شيء
تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت، فقال رسول الله وَله: (أبكي للذي
عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة) شجرة
قريبة من رسول الله *، فأنزل الله ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾
[الأنفال: ٦٧] إلى قوله: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبًا﴾ فأحلّ الله الغنيمة لهم، وأنزل الله ﴿ما
كان النبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا﴾ يعني الفداء ﴿والله
يريد الآخرة﴾ يعني إعزاز الدين وأهله وإذلال الكفر وأهله.
المسألة الثانية: روى عبيدة السلماني عن علي أن جبريل أتى رسول الله 8## يوم بدر،
فخيّره بين أن يقرّب الأسارى فيضرب أعناقهم، أو يقبلوا منهم الفداء ويقتل منكم في العام
المقبل بعدّتهم، فقال رسول الله ور: (هذا جبريل يخيّركم أن تقدموا الأسارى فتضربوا أعناقهم
أو تقبلوا منهم الفداء ويستشهد منكم في العام المقبل بعدّتهم) فقالوا: يا رسول الله بل نأخذ
الفداء فنقوى على عدونا، ويقتل منّا في العام المقبل بعذّتهم، ففعلوا.
المسألة الثالثة: قال ابن وهب وابن القاسم عن مالك: كان ببدر أسارى مشركين فأنزل الله
﴿ما كان النبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] وكانوا يومئذ مشركين،
وفادوا ورجعوا، ولو كانوا مسلمين وفادوا لأثابوا ولم يرجعوا، وكان عدة من قتل أربعة وأربعين
رجلاً، ومثلهم أسرى، وكان الشهداء قليلاً، وقال أبو عمرو بن العلاء: إن القتلى كانوا سبعين
والأسرى كذلك، وكذلك قال ابن عباس وابن المسيب، ويشهد له قوله: ﴿أُوَلما أصابتكم مصيبة
قد أصبتم مثليها﴾ [آل عمران: ١٦٥] وأنشد أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك:
سبعون عتبة منهم والأسود
فأقام بالعطن المعطن منهم
(١) مرّ مختصرًا (١٧١٦).
عارضة الأحوذي/ ج ١١ / م ١١
١٦٢
كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمّعْ مِنْ أَبِيهِ.
[المعجم ٧ _ التحفة تابع ٩]
٣٠٨٥ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَائِدَةً عَنِ الأعْمَشِ
عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: ((لَمْ تَحِلَّ الغَنَائِمُ لأَحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ
مِنْ قَبْلِكُمْ، كَأَنَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا))، قَالَ سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ: فَمَنْ يَقُولُ هذا إلاَّ
أَبُو هُرَيْرَةَ الآنَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَقَعُوا فِي الغَنَائِمِ قَبْلَ أنْ تَحِلَّ لَّهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابَ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨].
وإنما قال مالك: وكانوا مشركين ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا، لأن المفسرين
رووا أن العباس قال للنبي # *: إني مسلم، وفي رواية لهم أن الأسرى قالوا للنبي وَله: آمنا بك
وبما جئت به، ولننصحنّ لك على قومنا فنزلت ﴿يا أيها النبي قل لمَن في أیدیکم من الأسرى﴾
[الأنفال: ٧٠] الآية قال العباس: افتديت بأربعين أوقية، وقد أتاني الله أربعين عبدًا، وإني لأرجو
المغفرة. وهذا كله ضعّفه مالك واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم إلى موضعهم، وزيادة
علیه أنهم غزوه یوم أُحُد.
المسألة الرابعة: قال بعضهم: يدلّ قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في
الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] على تكليف الجهاد لسائر الأنبياء، قلنا: كان الجهاد واجبًا على أنبياء
قبل محمد، لكن لم يكن لهم أسرى ولا غنيمة، ومعنى قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له
أسرى﴾ ما كان لك يا محمد أن تكون لك أسرى حتى يغلظ قتلك في الأرض وتثبت هيبتك في
النفوس.
قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية
فيها سبع مسائل:
المسألة الأولى: في سبب نزولها. روى أبو هريرة وغيره قال رسول الله يطير: (غزا نبي من
الأنبياء فقال لأصحابه لا يتبعني رجل بنى دارًا ولم يسكنها أو تزوج امرأة ولم بين)، وقد مضى
ذكر هذا الحديث. قال الإمام رضي الله عنه: قد بيّنّا في غير موضع وجه هذه النعمة وفائدة ما
فيها من حكمة، وأن الله جعل رزق نبيه محمد وأمته من أفضل وجوه الكسب، وهي جهة النعمة
والاستعلاء. وقد روى (أبو هريرة عن النبي ﴿ أنه قال: لم تحلّ الغنائم لقوم سود الرؤوس من
قبلكم. كانت تنزل نار من السماء، فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم، فأنزل الله ﴿لولا
كتاب من الله سبق﴾ [الأنفال: ٦٨] إلى آخر الآيتين ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبًا﴾
[الأنفال: ٦٩]).
١٦٣
كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حِدِيثِ الأعْمَشِ.
المسألة الثانية: اختلف الناس في كتاب الله السابق على ثلاثة أقوال: الأول: سبق من الله
أن لا يعذب قومًا حتى يتقدم إليهم، الثاني: سبق منه أن لا يعذبهم ومحمد فيهم، الثالث: سبق
منه إحلال الغنائم لهم لكنهم استعجلوا قبل الإحلال، وهذا كله ممكن صحيح، لكن أقواه ما
سبق من إحلال الغنيمة، وقد كانوا غنموا أول غنيمة في الإسلام حين أرسل النبي وَله
عبد الله بن جحش في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس
فيهم من الأنصار أحد إلى نخلة ما بين مكة والطائف فيرصد بها قريشًا، فمضى ومضى أصحابه
معه حتى نزلوا بنخلة فمزّت عليهم عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة من تجارة قريش فيها
عمرو بن الحضرمي، فقتل عمرو وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسرى حتى قَدِموا
على رسول الله وَله، وعزل عبد الله لرسول الله ول# خمس الغنيمة، وقسم سائرها بين أصحابه،
وذلك قبل أن يفرض الله لرسوله الخمس، فأكلوا الغنيمة، ونزل بعد ذلك فرض الغنيمة كما كان
فعله عبد الله بن جحش من الخمس لرسول الله 18 والأربعة الأخماس للغانمين، والذي ثبت
من ذلك أكلهم الغنيمة التي غنموا وإحلال ما أخذ لهم، والنبي # ساكت عن ذلك مجيز له،
فکان وحيا بسكوته وإمضائه.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ [الأنفال: ٦٨] في إحلال الغنيمة
لعذّبتم بما اقتحمتم فيها مما ليس لكم إقحامه إلا بشرع، فكان هذا دليلاً على أن العبد إذا اقتحم
ما يعتقده حرامًا مما هو في علم الله حلال أنه لا عقوبة عليه، كالصائم إذا قال: هذا يوم نوبي
فأفطر الآن، أو هذا يوم حيضي فأفطر ففعلا ذلك، وكان النوب والحيض الموجبان للفطر، ففي
مشهور المذهب فيه الكفّارة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا كفّارة عليه، وهي الرواية
الأخرى، ولنا في إسقاط الكفّارة عمدة، فهو أن حرمة اليوم ساقطة عند الله فصادف الهتك محلاً
لا حرمة له في علم الله، فكان بمنزلة ما لو قصد وطء امرأة قد زفْت إليه وهو يعتقد أنها ليست
بزوجة، فإذا هي زوجة، وتعلق من أوجب الكفّارة بأن طرو الإباحة لا ينتصب عذرًا في عقوبة
التحريم عند الهتك، كما لو وطىء امرأة ثم نكحها، وهذا لا يلزم لأن علم الله تعالى مع علمنا
قد استوى في هذه المسألة بالتحريم. وفي المسألة التي اختلفنا فيها اختلف علمنا وعلم الله،
فكان المعوّل على علم الله في إسقاط العقوبة، كما قال: ﴿لولا كتاب من الله﴾ [الأنفال: ٦٨]
الآية.
المسألة الرابعة: قال النبي ## حين نزلت هذه الآية: (لو نزلت نار من السماء لأحرقتنا إلا
عمر)، وفي رواية: (لو نزل عذاب من السماء لم ينجُ منه إلا سعد بن معاذ، لقوله: يا نبي الله،
كان الإثخان في القتل أحبّ إليَّ من استبقاء الرجال)، وفي رواية: (لو عذبنا في هذا الأمر يا
عمر ما نجا غيرك)، وفي رواية: (لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة).
١٦٤
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
١٠ - باب ((ومن سورة التوبة))
[المعجم ١ - التحفة ١٠]
٣٠٨٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدِّثَنَا يَحْيِّى بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنُ أَبِي
المسألة الخامسة: في هذا كله دليل على أن الإثخان في القتل واجب قبل كل شيء حتى
إذا قوي المسلمون جاز الفداء للقوة على العدة لقتالهم أيضًا، فإنما يراعى الأنظر والأوكد، والله
أعلم.
المسألة السادسة: فإن قيل: تحقق لنا معصيتهم، قلنا: فيها ثلاثة أقوال: الأول: إسراعهم
في الغنيمة قبل الإحلال، الثاني: اختيارهم الفداء قبل الإثخان في القتل، الثالث: قوله لهم:
﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢] فأمروا بالقتل فاختاروا الفداء.
قلنا: أما القول الثالث فضعيف، لأنه يحتمل أن يكون نزل قبل أن يبرر، ويحتمل أن يكون نزل
بعده، ولا يحتج بمحتمل. وأما القول الأول والثاني فمحتمل أن يكون أحدهما ويحتمل أن
يكون مجموعهما، والأظهر أنه اختيار الفداء، فإن النبي # شاورهم فيه فمالوا إلى الفداء، وكان
الله قد عاتبهم على رأفتهم بالكفّار مع إغلاظهم عليهم بالقتل والإذاية والإخراج، وإلى تحقيق
المعصية إلى تأخيرهم القتل حتى نزل العفو، فإن قيل: وهي:
المسألة السابعة: فقد اختاره النبي وَ* معهم، فهل يكون ذلك ذنبًا منه؟ قلنا: كذلك توهّم
بعض الناس فقال إنه كان من النبي 8* فيه معصية غير معينة، وحاشا لله من هذا القول، إنما
كان من النبي ◌َّ توقف انتظار، ولم يكن القتل ليفوت مع أنهم كانوا قد قتلوا الصناديد وأثخنوا
في الأرض، فانتظر النبي * هل ذلك كافٍ فيه أم لا؟ وهذا بيِّن عند الإنصاف.
سورة التوبة
قال علماؤنا: هذه السورة من آخر ما نزل بالمدينة، ولذلك قلّ فيها المنسوخ ولها ستة
أسماء: التوبة، والمبعثرة، والمقشقشة، والفاضحة، وسورة البحوث، وسورة العذاب. فأما
تسميتها بسورة التوبة فلأن الله ذكر فيها توبة الثلاثة الذين خلفوا بتبوك، وأما تسميتها بالفاضحة
فلأنه نزل فيها ﴿ومنهم﴾ ﴿ومنهم﴾، قالت الصحابة: حتى ظننا أنها لا تُبقي أحدًا، وأما تسميتها
المبعثرة فمن هذا المعنى يقال: بعثرت المتاع إذا جعلت أعلاه أسفله، وقلبت جميعه وقلیته،
ومنه: ﴿وإذا القبور بعثرت﴾ [الانفطار: ٤]، وأما تسميتها المقشقشة فمن الجمع، فإنها جمعت
أوصاف المنافقين وكشفت أسرار الدين، وأما تسميتها سورة البحوث فمّن بحث إذا اختبر
واستقصى، وذلك لما تضمنت أيضًا من ذكر المنافقين والبحث عن أسرارهم، وأما تسميتها سورة
العذاب فقد رُوِيّ عن ثابت بن الحرث الأنصاري أنه قال: ما كانوا يدعون سورة التوبة إلا
المبعثرة، فإنها تبعثر أخبار المنافقين، ورُوِيّ عن ابن عمر أنه قال: ما كنّا ندعوها إلا المقشقشة،
ورُوِيَ عن قتادة أنه قال مثل براءة كمثل المرود، ما يدري أسفلاه من أعلاه.
١٦٥
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
عَدِيٍّ وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ قَالُوا: حَدِّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جُمَّيْلَةً. حَدِّثَنَا يَزِيدُ الفَارِسِيُّ. حَدِّثَنَا ابْنُ
عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ مَا حَمَلَكُمْ أنْ عَمَدْتُمْ إلى الأنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي وإلى
بَرَاءَةً وَهِيَ مِنَ المِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطّوّلِ، مَا حَمَلَكُمْ على ذلِكَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ مِمَّا
يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوْرُ ذَوَاتُ العَدَدِ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ
كانَّ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ((ضَعُوا هَؤُلاءِ الآيَاتِ في السُّورَةِ التي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا))، وَإِذَا نَزَّلَتْ
عَلَيْهِ الآيَةُ فَيَقُولُ: ((ضَعُوا هذِهِ الآيَةَ في السُّورَةِ التي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا))، وَكَانَتِ الأَنْفَالُ
مِنْ أَوَائِلٍ مَا أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ وَكانتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ القُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَئِئْتُ
أَنَّهَا مِنْهَا فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أجْلٍ ذلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ
أَكْتُبْ بَيْتَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَّلِ(١) .
القول في سقوط بسم الله الرحمن الرحيم منها: وفي ذلك للعلماء أغراض جماعها أربعة:
الأول: قال مالك فيما روى عنه أبو وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: إنه لما أولها سقط بسم
الله الرحمن الرحيم معه(٢)، وكذلك يُروى عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة براءة كانت تعدل
البقرة أو قربها فذهب منها، فلذلك لم يكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم. الثاني: أن براءة
سخط، وبسم الله الرحمن الرحيم رحمة، فلا يجمع بينهما. الثالث: أن براءة نزلت برفع الأمان،
وبسم الله الرحمن الرحيم أمان. وهذه كلها احتمالات منها بعيد ومنها قريب، وأبعدها قول من
قال: إنها مفتتحة بذكر الكفّار، لأن سورًا كثيرة من سور القرآن افتتحت بذكر الكفّار، كقوله:
﴿الذين كفروا﴾ [محمد: ١] وقوله: ﴿ويل لكل همزة﴾ [الهمزة: ١]. الرابع: وهو الأصح ما
ثبت عن يزيد الفارسي أنه قال: قال لنا (ابن عباس: قلنا لعثمان: ما حملكم أن عمدثم إلى الأنفال
وهي عن المثاني وإلى براءة وهي من المثين فقرتتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم اله الرحمن
الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال، فما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: إن رسول اله ## كان
إذا نزل عليه الوحي يدعو ببعض من يكتب عنه، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا
وكذا، وتنزل عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكلاء وكانت
الأنفال من أول ما نزل، وبراءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض "
رسول الله ﴿ ولم يبين لنا أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن
(١) (أبو داود) الصلاة: باب من جهر بها - أي البسملة -. (النسائي في الكبرى) فضائل القرآن: باب
كتابة القرآن.
(٢) هكذا بالأصل.
١٦٦
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ عَنْ يَزِيدٌ
الفَارِسِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَزِيدُ الفَارِسِيُّ قَدْ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرَ حَدِيثٍ، وَيُقَالُ هُوَ
يَزِيدُ بْنُ هُزْمُزٌ وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ هُوَ يَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ وَلَمْ يُدْرِكِ ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا رَوَى
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَكِلاَهُمَا مِنْ أهْلِ البَصْرَةِ وَيَزِيدُ الفَارِسِيُّ أَقْدَمُ مِنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ
[المعجم ٢ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٨٧ - حقثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلاَّلُ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الجَعْفِيُّ عَنْ
زَائِدَةً عَنْ شَبِيبٍ بْنِ غَزْقَدَةً. عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأخوَصِ حَدَّثَنَا أبي أَنَّهُ شَهِدَ
الرحيم). ورُوِيَ عن أَبيّ بن كعب: آخر ما نزل براءة، وكان رسول الله مَ# يأمرنا في أول كل
سورة يبسم الله الرحمن الرحيم، ولم يأمرنا في سورة براءة بشيء، فلذلك ضُمَّت إلى الأنفال
وكانت شبيهة بها. وقد رُوِيّ عن النبي # أنه قال: (أعطيت السبع الطوال مكان التوراة،
وأُعطيت المتين مكان الزبور، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وفُضُّلت بالمفصل).
نكتة أصولية: في هذا كله دليل على أن تأليف القرآن كان منزلاً من عند الله، وأن تأليفه
من تنزيله يبيّنه النبي وسلم لأصحابه، ويميزه لكتّابه، ويرتبه على أبوابه، إلا هذه السورة فلم يذكر
لهم فيها شيئًا ليتبين الخلق أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يسأل عن ذلك كله ولا
يعترض عليه، ولا يُحاط بعلمه إلاّ بما أبرز منه إلى الخلق وأوضحه بالبيان، ودلّ بذلك على أن
القياس أصلي في الدين، ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجؤوا إلى قياس الشبه عند
عدم النص، ورأوا أن قصة براءة شبيهة بقصة الأنفال فألحقوها بهما، فإذا كان الله قد بيّن دخول
القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام؟
قوله تعالى:
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾
فيها أربع مسائل:
المسألة الأولى: الأذان هو الإعلام لغة من غير خلاف. المعنى: براءة من الله ورسوله
وأذان من الله ورسوله، أي: هذه براءة وهذا إعلام وإنذار ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾
[الإسراء: ١٥] لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرّسل.
المسألة الثانية: روى البخاري وغيره أن النبي # خطب بمنى فقال: ((أيها الناس أتدرون
أيّ يوم هذا»؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ((هذا يوم الحج الأكبر، أتدرون أيّ شهر هذا»؟
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((شهر حرام))، قال: «أتدرون أيّ بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله
أعلم. قال: ((بلد حرام))، قال: ((إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم
١٦٧
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
حَجَّةَ الوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذكَّرَ وَوَعَظَ ثُمَّ قَالَ: ((أَيِّ يَوْمٍ
أُخْرَمُ أَيَّ يَوْمِ أخْرَمُ أيَّ يَوْمِ أخْرَمُ))؟ قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَا رَسُولَ
اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَّكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُزْمَةٍ يَوْمِكُمْ هذا في
بَلَدِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا، ألاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إلاَّ على نَفْسِهِ، وَلاَ يَجْنِي وَالِدٌ على
وَلَدِهِ، وَلاَ وَلَدْ على وَالِدِهِ، أَلاَ إِنَّ المُسْلِمَ أخُو المُسْلِمِ، فَلَيْسَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ مِنْ أَخِيهِ
شَيْءٌ إلاَّ مَا أَحَلِّ مِنْ نَفْسِهِ، ألاَ وَإِنَّ كُلَّ رِبّا في الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رَؤُوسُ
أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ غَيْرَ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطْلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُهُ،
ألاَ وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ في الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ؛ وَأوَّلُ دَمٍ وُضِعَ مِنْ دِمَاءِ الجَاهِلِيَّةِ دَمُ
الحَرِثِ بْنِ عَبْدِ المُطْلِبِ، كانَ مُسْتَرْضِعًا في بَنِي لَيْثٍ فَقَتْلَتْهُ مُذَيْلٌ. ألاَ وَاسْتَوْصُوا
بِالنِّسّاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذلِكَ إلاَّ أنْ يَأْتِينَ
بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ
أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً؛ ألاَ إِنَّ لَكُمْ عَلى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ
حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ على نِسَائِكُمْ، فَلاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ
هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». ورُوِيَ عن أبي هريرة أيضًا قال: بعثني أبو بكر في تلك
الحجة في المؤذنين الذين بعثهم يوم النحر، يؤذّنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا
يطوف بالبيت عريان. قال أبو هريرة: ثم أردفه النبي وَل98 بعليّ، فأمره أن ينادي ببراءة، قال أبو
هريرة: فأذن معنا عليّ بمنى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت
عريان. وروى الترمذي عن سليمان بن عمر وابن الأحوص حدّثنا أبي أنه شهد حجة الوداع مع
رسول الله *، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: ((أيّ يوم أحرم)) أيّ بأحرم أيّ يوم
أحرم، قال: فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله، قال: ((فإذن دماؤكم وأموالكم
وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا لا يجني جانٍ إلا
على نفسه، لا يجني والد على ولده ولا ولد على والده، ألا إن المسلم أخو المسلم فليس يحلّ
المسلم من أخيه إلا ما حلّ من نفسه، ألا وإن كل ربّا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم
لا تَظْلِمون ولا تُظلّمون، غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، ألا وإن كل دم كان
في الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضع من دماء الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب كان
مسترضعًا في بني ليث فقتلته هذيل، ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهنّ عوار عندكم، ليس
تملكون منهنّ شيئًا غير ذلك، إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع
واضربوهنّ ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقًّا،
ولهنّ عليكمٍ حقًّا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم مَن تكرهون ولا يأذن في بيوتكم
١٦٨
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
مَنْ تَكْرَهُونَ، أَلاَ وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَّيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الأخوَصِ عَنْ شَبِيبٍ بْنِ غَرْقَدَةً.
[المعجم ٣ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٨٨ - عقدنا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أبِيهِ عَنْ
مُحمَّدٍ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ أَبِي إِسْتَقَّ عَنِ الحَرِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ِ عَنْ
يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَقَالَ: (يَوْمُ النّخْرِ))(٢).
[المعجم ٤ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٨٩ - عقثنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الحَرِثِ عَنْ عَلِيِّ
قَالَ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النّخْرِ(٢) .
قَالَ: هذا الحَدِيثُ أُصَحُ مِنْ حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسَْقَ لأَنَّهُ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ هذا
الحَدِيثُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الحَرِثِ عَنْ عَلِيِّ مَوْقُوفًا، وَلاَ نَعْلَمُ أَخَدًا رَفَعَهُ إِلاَّ مَا رُوِيّ
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْخَلَقَّ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هذا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةً
عَنِ الحُرِثِ عَنْ عَلِيِّ مَوْقُوفًا.
[المعجم ٥ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٩٠ - حقئنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدْثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعَبْدُ الصَّمَّدِ بْنُ
عَبْدِ الوَارِثِ قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمّةٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
بَعَثَ النَّبِيِّي لَ﴿ بِبَرَاءَةٌ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: ((لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هذا إلاَّ رَجُلٌ
مِنْ أهْلِي، فَدَعَا عَلِيًّا فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ» .
لحن فكر هوى، الأوان عفهن عليكم أن تحسنوا إليهن في تسوتهن وطعاسين٤) هذا حديث حسن صحيح .-
ورُوِي عنى (الحارث عن علي قال: سألت رسول الله ) عن يوم الحج الأكبر فقال : - (يوم الدهر)).
=
(١) (أبو داود) البيوع والإجارات: باب في وضع الربا. (النسائي في الكبرى) الحج: باب الخطبة يوم.
المحز: (ابن ماجه) المناسك: باب الخطبة يوم النحر.
(٢) مرّ في الحج: الباب الثاني من بعد بعد ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يومًا ويدعو! يومًا.
١٦٩
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
[المعجم ٦ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٩١ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. حَذْثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ
العَوَّامِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الحَكْمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
بَعَثَ النَّبِيِّ وَّهِ أَبَا بَكْرٍ وَأَمْرَهُ أَنْ يُنَادِيّ بِهِؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا، فَبَيْنَا أَبُو بَكْرٍ
في بَعْضِ الطّرِيقِ إِذْ سَمِعَ رُغَاءَ نَاقَةٍ رَسُولِ اللَّهِ: ﴿ِ القَصْوَاءَ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَزِعًا فَظَنَّ
أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَإِذَا هُوَ عَلِيٍّ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِن ◌َّهِ وَأَمَرَ عَلِيًّا أنْ يُنَادِيَ
بِهِؤُلاءِ الكَلِمَاتِ فَانْطَلَقَا فَحَجًّا، فَقَامَ عَلِيٍّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى: ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَرِيئَةً
مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، فَسِيخوا في الأرضِ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وَلاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ
يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَكَانَ عَلِيٍّ يُنَادِي، فَإِذَا عَيِيَ قَامَ أَبُو
بَكْرٍ فَنَادِی بِهَا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا حَدِيثٌ حَسَنّ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثٍ ابْنٍ
عَبَّاسِ.
[المعجم ٧ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٩٢ - عقدنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُتَيْعِ قَالَ:
سَألْنَا عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ في الحَجَّةِ؟ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعِ: أنْ لاَ يَطُوفَ بِالبَيْتِ غَزْيَانٌ،
وَمَنْ كَانَ بَيْتَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ عَهْدٌ فَهُوَ إِلى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَزْبَعَةُ
ورُوِيّ أيضًا (عن ابن عباس قال: بعث النبي * أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، وأتبعه
عليّا، فبينما أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رضاء ناقة رسول الله ور القصواء، فخرج أبو بكر
فزعًا يظن أنه رسول الله ، فإذا هو عليّ، فدفع إليه كتاب رسول الله و لر، وأمر عليًا أن ينادي
بهذه الكلمات، فانطلقا وحجّا فقام عليّ فنادى أيام التشريق: ذمة الله ورسوله بريئة من كل
مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان،
ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. وكان علي ينادي، فإذا أصيا قام أبو بكر ينادي بها). ورُوِيّ (من
زيد بن يثيع قال: سألت عليًا: بأيّ شيءٍ بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: أن لا يطوف
بالبيت عريان، ومَن كان بينه وبين النبي عهد فعهده إلى مدته، ومَن لم يكن له عهد فأجله أربعة
١٧٠
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
أَشْهُرٍ، وَلاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلاَ يَجْتَمِعُ المُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ
هذا(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌّ وَهُوَ حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ،
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ بَعْضِ أَضْحَابِهِ عَنْ عَلِيٍّ.
وفي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَّ عَنْ
زّيْدِ بْنِ يُقَبْعِ عَنْ عَلِيِّ نَحْوَهُ.
[المعجم ٨ - التحفة تابع ١٠]
حَدْقَذَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةً عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَتْعِ عَنْ
عَلَيَّ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةً كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، يُقَالُ عَنْهُ عَنِ ابْنٍ أُنَيْعِ،
وَعَنِ ابْنٍ يُثَيْعِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ زَيْدُ بْنُ أُتَيْعِ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ زَيْدٍ غَيْرَ
هذا الحَدِيثِ فَوَهِمَ فِيهِ، وَقَالَ: زَيْدُ بْنُ أَتَيْلٍ وَلاَ يُتَابَعُ عَلَيْهِ.
وفي البَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
[المعجم ٩ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٩٣ - حدثنا أبُو كُرَيْبٍ. حَدَثْنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَرِثِ عَنْ دَرَّاجِ
عَنْ أَبِي الهَيْئَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ
أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا). قال
أبو عيسى: هذا حديث حسن. ورُوِيّ أيضًا (عن سماك بن حرب عن أنس بن مالك قال: بعث
النبي 18 ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي،
فدعا عليًّا فأعطاه إياه)، وهذا حديث غريب من حديث أنس بن مالك.
(١) مرّ في الحج: باب ما جاء في كراهية الطواف عريانًا.
١٧١
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ)). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ
الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨](١).
حَدْثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَرِثِ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ
أبي الهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ وََّ نَحْوَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: يَتَعَاهَدُ المَسْجِدّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَأَبُو الهَيْثَمِ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ
عَبْدِ العُتْوَارِيُّ وَكَانَ يَتِيمًا في حَجْرِ أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ.
٣٠٩٤ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ
عَنْ سَالِمٍ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتٍ ﴿وَالَّذِينَ يَكْيِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾
[التوبة: ٣٤] قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أصْحَابِهِ: أُنْزِلَ في
الذّهَبِ وَالفِضَّةِ مَا أَنْزِلَ. لَوْ عَلِمْنَا أُّ المَالِ خَيْرٌ فَتَتَّخِذُهُ؟ فقَالَ: ((أَفْضَلُهُ لِسَانْ ذَاكِرٌ،
وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ على إِيمَانِهِ))(٢).
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. سَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ فَقُلْتُ لَهُ: سَالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ
سَمِعَ مِنْ ثَوْيَانَ؟ فَقَالَ: لاَ. فَقُلْتُ لَهُ: مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ؟ قَالَ: سَمِعَ مِنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسٍ بْنِ مَالِكِ، وَذَكَّرَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َهُ.
المسألة الثالثة: اختلف الناس في يوم الحج الأكبر، فروى ابن كعب عن مالك أن يوم
الحج الأكبر يوم النحر. قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لا نشك أن الحج الأكبر يوم
النحر، وذلك لأنه اليوم الذي تُرمى فيه الجمرة، ويُنخَّر فيه الهدي، وتُراق فيه الدماء، وهذا اليوم
الذي ينقضي فيه الحج، من أدرك ليلة النحر فوقف بعرفة قبل الفجر أدرك الحج، وهو انقضاء
الحج، وهو الحج الأكبر. ونحوه روی ابن القاسم وأشهب وعبد الله بن الحكم عنه، وبه قال:
ابن عمر وعلي وابن المسيب، وكذلك يُروى عن ابن أبي أوفى أنه سُئِلَ عن الحج الأكبر فقال:
هو يوم يحلق فيه الشعر، وتُراق فيه الدماء، ويحلّ فيه الحرام، وتوضع فيه النواصي. وقال
عبد الله بن الحارث بن نوفل ومحمد بن سيرين: إنه يوم عرفة، وبه قال الشافعي. وقال
مجاهد: الحج الأكبر القرآن، والحج الأصغر العمرة. قال القاضي: إذا نظرنا في هذه الأقوال
فالمنقح منها أن الحج الأكبر الحج، كما قال مجاهد، لكنّا إنما بحثنا عن يوم الحج الأكبر، فلا
(١) مرّ في الإيمان (٢٦١٧).
(٢) (ابن ماجه) النكاح: باب أفضل النساء.
١٧٢
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
[المعجم ١٠ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٩٥ - حدثنا الحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الكُوفِيُّ. حَدْثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ
غُطَيْفِ بْنِ أَعْيَنَّ عَنْ مُضْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِِّ لِ وفي عُنُقِي
صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: ((يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هذا الوَثَنَّ)، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةً:
﴿أَتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قَالَ: ((أمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا
يَعْبُدُونَهُمْ، وَلكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا
حَرَّمُوهُ)(١).
شك أن يوم عرفة يوم الحج الأكبر، لأن الحج عرفة، مَن أدرك الوقوف بها في يومها أدرك
الحج، ومَن فاته الوقوف بها فلا حج له، بيد أن المراد بالبحث عن يوم الحج الأكبر الذي ذكره
الله في كتابه، وذكره النبي # في خطبته، ولا شك في أنه يوم النحر لثبوت الحديث الصحيح،
فإن النبي ) إنما أمر بالأذان يوم النحر، ولثبوت الحديث الصحيح أيضًا، فإنه قال يوم النحر:
(أيّ يومٍ هذا؟ أليس يوم الحج الأكبر) كما تقدم بيانه، وإن كان قد رُوِيّ عن الزبير أن النبي اللغو
خطب يوم عرفة فقال: (أتدرون أيّ يوم هذا)؟ فيقولون: هو يوم الحج الأكبر، وهذا مما لم
يصح سنده، وقد احتج ابن أبي أوفى على أنه يوم الحج الأكبر بانقضاء الحج فيه من النسك،
وإلقاء التفث، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ثم ليقضوا تفئهم﴾ [الحج: ٢٩] الآية، وغاص مالك
على الحقيقة فجمع بين الدلائل، وقال: إن يوم النحر فيه الحج كله، لأن الوقوف إنما هو في
ليلته، وفي صبيحته الرمي والحلق والنحر والطواف، فلا يبقى بعد هذا إشكال، والله أعلم. وقد
روى أبو جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله آلے وقد كان بعث أبا
بكر ليقيم للناس الحج، قال له: يا رسول الله لو بعثت به إلى أبي بكر، فقال: (إنه لا يؤدي
عني إلا رجل من أهل بيتي)، ثم دعا عليًّا فقال له: (أخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذّن في
الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف
بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله * عهد فهو له إلى مدته) فخرج علي على ناقة رسول
الله * حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، ثم
مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجج التي
كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام عليّ بن أبي طالب فأذّن في الناس بالذي
(١) (البخاري) فضائل الصحابة: باب مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة
التيمي رضي الله عنه. ومناقب الأنصار: باب هجرة النبي لم وأصحابه إلى المدينة. والتفسير: باب
تفسير ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ من سورة براءة. (مسلم)
فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
١٧٣
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلاَمِ بْنِ حَرْبٍ،
وَغُطَيْفُ بْنُ أعْيَّنَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الحَدِيثِ.
أمره رسول الله وَّة، وقد سمعت بعض العلماء يقول: إنما سُمّي يوم الحج الأكبر لأن الناس
يجتمعون فيه مَن كان يقف بالمزدلفة، وكان النداء في اليوم الذي يجتمع الناس كلهم فيه أولى
وأبلغ في المراد، وهذا وإن كان صحيحًا في المعنى، لكن النبي * قد سمّاه يوم الحج الأكبر
في حجة الوداع بعد ذلك، والوقوف كله بعرفة. سمعت أبا سعيد محمد بن طاهر الشهيد
يقول: سمعت الأستاذ أبا المظفر طاهر بن محمد شاه بور يقول: إنما أرسل النبي # عليًّا
ببراءة مع أبي بكر، لأن براءة تضمنت نقض العهد الذي كان عقده النبي #، كانت سيرة
العرب أنه لا يحلّ العقد إلا الذي عقده، أو رجل من بيته، فأراد النبي # أن يقطع ألسنة
العرب بالحجة، وأن يرسل ابن عمّه الهاشمي من بيته بنقض العهد حتى لا يبقى لهم متكلم،
وهذا بديع في فنه.
المسألة الرابعة: اختلف في قول عليّ في التأذين هل كانت بثلاث آيات أو تسع، إلى
قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] أو إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] وهذا إنما نشأ من روايات وردت، منها: قوله: (ولا يحج بعد العام
مشرك)، وفيها ما رُوِيّ أنه أمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون،
والذي يصحّ من ذلك أن تأذينه إنما كان إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾، وغير ذلك من الآيات إنما
ورد بعد ذلك في وقت واحد أو في أوقات متباينة بأحكام مختلفة، منها ما قاله في تأذينه، ومنها
ما زاد عليه.
قوله تعالى:
﴿إنما يعمر مساجد الله مَن آمن بالله﴾ الآية
فيها مسألتان:
المسألة الأولى: دلّت الآية على أن الشهادة لعمار المساجد بالإيمان والصلاة صحيحة، لأن
الله ربطها بها وأخبر عنها بملازمتها، والنفس تطمئن بها وتسكن إليها، وهذا في ظاهر الصلاح
ليس في مقاطع الشهادات، فلها وجوه، وللعارفين بها أحوال، وإنما يؤخذ كل أحد بمقدار حاله
وعلى مقتضى صفته، فمنهم الذكي الفطن المحصل لما يعلم اعتقادًا وإخبارًا، ومنهم المغفل فكل
أحد ينزل على منزلته ويقرر على صفته.
المسألة الثانية: روى بعضهم أن الآية إنما قصد بها قريش، لأنهم كانوا يفخرون على سائر
الناس بأنهم سكان مكة وعمّار المسجد الحرام، ويرون بذلك فضلاً لهم على غيرهم، فنفى الله
ذلك عنهم شرعًا وفضيلة، لا حسنًا ووجودًا، وأخبر أن العمارة لبيت الله لا تكون بالكفر به،
١٧٤
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
[المعجم ١١ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٩٦ - حدثنا زِيَادُ بْنُ أَيُوبَ البَغْدَادِيُّ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ.
حَدَّثَنَا ثَابِتْ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ وَّهُ وَنَحْنُ فَي الغَارِ: لَوْ أنَّ
أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إلى قَدَمَيْهِ لِأَبْصَرْنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ
ثَالِثُهُمَا»؟
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ تَفَرَّدَ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى هذا الحَدِيثَ حَبَّنُّ بْنُ هِلاَلٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هَمَّامِ نَخْوَ هذا.
[المعجم ١٢ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٩٧ - هقثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
سَمِعْتُ عُمّرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهْ لِلصَّلاةِ
عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلاَةَ تَحَوَّلْتُ حتى قُمْتُ في صَدْرِهِ. فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أُبَّيِّ القَائِلِ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ يَعُدُّ أَيَّامَهُ. قَالَ
وَرَسُولُ اللَّهِ وَ يَتَبَسِّمُ حتى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: ((أَخّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ إِنِّي خُيُرْتُ فَاخْتَرْتُ،
وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة. سمعت الشيخ الإمام فخر الإسلام أبا بكر محمد بن
أحمد الشاشي يقول: كان القاضي الإمام أبو الطيب الطبري يسمى الشيخ الإمام أبا إسحاق
الشيرازي إمام الشافعية وشيخ الصوفية بمدينة الإسلام حمامة المسجد لملازمته له، لأنه لم يكن
يجعل لنفسه بيتًا سواه، يلازم القاضي أبا الطيب، ويواظب القراءة والتدريس حتى صار إمام
الطريقتين: الفقه والتصوف.
قوله تعالى: ﴿ولا تصلٌ على أحد منهم﴾ الآية
فیھا خمس مسائل:
المسألة الأولى: في سبب نزولها. ثبت في الصحاح والمصنفات حديث (عبد الله بن
عباس وغيره قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دُعِيَ رسول
الله له للصلاة عليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره فقلت: يا
رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل كذا يوم كذا وكذا، يعدّد عليه آثامه، قال:
ورسول الله ﴿ يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أَخَز عني يا عمر، إني خيّرت فاخترت،
١٧٥
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
قَدْ قِيلَ لِي: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ على السَّبْعِينَ غُفِرَ لَّهُ لَزِدْتُ))، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى
عَلَيْهِ وَمَشَى مّعَهُ، فَقَامَ على قَبْرِهِ حتى فُرِغَ مِنْهُ، فَعُجِبَ لِي وَجُزْأَّتِي على رَسُولِ اللَّهِ ◌ِّ:
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَوّاللَّهِ مَا كَانَ إِلاَّ يَسِيرًا حتى نَزَّلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على
أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] إلى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: فَما ضَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بَعْدَهُ على مُنَافِقٍ وَلاَ قَامَ على قَبْرِهِ حتى قَبَضَهُ اللَّهُ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
[المعجم ١٣ - التحفة تابع ١٠]
٣٠٩٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدْثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا
نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَيِّ إِلَى النَّبِيِّ وَّ ◌ِينَ مَاتَ أَبُوهُ
فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ وَقَالَ: ((إذّا فَرَغْتُمْ
فَآَذِنُونِي)»، فَلَمَّا أَرَادَ أنْ يُصَلِّيَ جَذَبَهُ عُمَرُ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ على
المُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: ((أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠])) فَصَلَّى
قد قيل لي: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ الآية، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له
لزدت، قال: ثم صلّى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه، قال فعجبت لي ولجراءتي
على رسول الله وَّل، والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان
﴿ولا تصلُ على أحد﴾ [التوبة: ٨٤] إلى آخر الآيتين، قال: فما صلّى رسول اللهِ وَ لجه بعدُ على
منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله). وفي الصحيح أيضًا (عن ابن عمر قال: جاء عبد الله بن
عبد الله بن أبي إلى النبي ◌َله حين مات أبوه، فقال: أعطني قميصك أكفّنه فيه وصلُ عليه
واستغفر له، فأعطاه قميصه وقال: إذا فرغتم فآذنوني، فلما أراد أن يصلّي جذبه عمر وقال: أليس
قد نهى الله أن تصلي على المنافقين، فقال: أنا بين خيرتين ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾
فصلّى عليه، فأنزل الله ﴿ولا تصلَ على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾ [الأنفال: ٨٤]
فترك الصلاة عليهم) .
(١) (البخاري) الجنائز: باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين. والتفسير: باب
تفسير ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾. (النسائي)
الجنائز: باب الصلاة على المنافقين. و(الكبرى) التفسير.
١٧٦
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
عَلَيْهِ، فَأَنْزِّلَ اللَّهُ: ﴿وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]
فَتَرَكَ الصَّلاَةَ عَلَيْهِمْ(١).
المسألة الثانية: اختلف الناس في قوله: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ [التوبة: ٨٠]
هل هو إياس أو تخيير؟ فقال قوم: هو إياس، بدليل ثلاثة أشياء: أحدها: أنه قال: ﴿فلن يغفر
الله لهم﴾، الثاني: أنه قال: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ مبالغة، كقول
القائل: لو سألتني مائة مرة ما أجبتك، الثالث: أنه علّل ذلك بقوله: ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله
ورسوله﴾ [التوبة: ٨٥] وهذه العلة موجودة بعد الزيادة على السبعين، وحيث توجد العلة يوجد
الحكم. وقال قوم: هو تخيير من الله لنبيه، والدليل عليه قوله {8* لعمر: (إني خُيُرت فاخترت،
قد قيل لي: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ لو
أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت) وهذا أقوى، لأن هذا نص صريح صحيح من
النبي * في التخيير، وتلك استنباطات والنص الصريح أقوى من الاستنباط. فأما قولهم: إنه
قال: ﴿فلن يغفر الله لهم﴾ فهذا في السبعين، وليس ما وراء السبعين كالسبعين، لا من دليل
الخطاب ولا من غيره. أما من دليل الخطاب فإن دليل الخطاب لا يكون في الأسماء وإنما يكون
في الصفات حسبما بيّاه في أصول الفقه، ورددنا على الدقاق من أصحاب الشافعي الذي يجعله
في الأسماء والصفات، وهو خطأ صراح. وأما من غير دليل الخطاب فظاهر أيضًا، لأن الحكم
إذا علق على اسم علم نفى غيره خاليًا عن ذلك الحكم يطلب الحكم فيه من دليل آخر، وأما
قولهم: إنها مبالغة فدعوى، ولعله تقدير لمعنى، حتى لقد قال ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك
رحمه الله: إن التعديل في الخمسة لأنها نصف العقد، وزيادة الواحدة أدنى المبالغة، وزيادة
الاثنين لأقصى المبالغة، ومنه سُمِّي الأسد سبعًا عبارة عن غاية القوة. وفي الأمثال أخذه أخذة
سبعة، أي: غاية الأخد على أحد، التأويلات، وهذا تحكم، إذ يحتمل أن يقول إن الاثنين أوسط
المبالغة والثلاثة نهايتها، وذلك في الثمانية. ومنه يقال في المثل لمَن بالغ في عوض السلعة:
أثمنت، أي: بلغت الغاية في الثمن، وهذه التحكمات لا قوة فيها، والاشتقاقات لا دليل عليها،
وإنما هي ملحة، فإذا عضده الدليل كانت صحيحة. وأما قولهم إنه علّله بالكفر وذلك موجود
بعد السبعين والكافر لا يغفر له، قلنا: أما قولهم إن ذلك موجود بعد السبعين، فيقال له: هذا
الحكم من عدم المغفرة إنما كان معلقًا بالسبعين والزيادة غير معتبرة به كما تقدّم بيانه، وإنما علم
عدم المغفرة في الكافر بدليل آخر ورد من طرق، منها: قوله: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم﴾
الآية.
(١) (البخاري) الجنائز: باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف ومَن كفّن بغير قميص.
واللباس: باب لبس القميص وقول الله تعالى حكاية عن يوسف ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على
وجه أبي يأتٍ بصيرًا﴾. (مسلم) صفات المنافقين وأحكامهم، في فاتحته.
١٧٧
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[المعجم ١٤ _ التحفة تابع ١٠]
٣٠٩٩ - هقلنا قُتَيْبَةُ. حَدِّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أبِي أنسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
المسألة الثالثة: في إعطاء القميص. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: رُوِيّ أن عبد الله إذ
طلب القميص كان على النبي قميصان، قال: (أعطه الذي يلي جلدك)، وقالوا إنه إنما أعطاه
قميصه مكافأة على إعطائه قميصه يوم بدر للعباس، فإنه لما أَسِرَ واستلب ثوبه رآه النبي تاق #
كذلك، فأشفق وطلب له قميصًا فما وجد له في الجملة قميصًا يقادره إلا قميص عبد الله
لتقاربهما في طول القامة، فأراد النبي # بإعطائه القميص أن ترتفع اليد عنه في الدنيا حتى لا
يلقاه في الآخرة وله عنده يد يكافئه بها.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ولا تصلّ على أحد منهم﴾ [التوبة: ٨٤] الآية نص في الامتناع
من الصلاة على الكفّار وليس فيه دليل على الصلاة على المؤمنين، وقد وهم بعض أصحابنا
فقال: إن الصلاة على الجنازة فرض على الكفاية بدليل قوله: ﴿ولا تصلُ على أحد منهم مات
أبدًا﴾ فنهى الله عن الصلاة على الكفّار، فدلّ على وجوبها على المؤمنين وهذه غفلة عظيمة، فإن
الأمر بالشيء نهي عن أضداده كلها عند بعض العلماء لفظًا وباتفاقهم معنى، فأما النهي عن
الشيء فقد اتفقوا في الوجهين على أنه أمر بأحد أضداده لفظًا أو معنى، وليست الصلاة على
المؤمنين ضدًّا مخصوصًا للصلاة على الكافرين، بل كل طاعة ضد لها فلا يلزم من ذلك
تخصيص الصلاة على المؤمنين دون سائر الأضداد.
المسألة الخامسة صلاة النبي ور على عبد الله بن أبي اختلف فيها على ثلاث أقوال:
الأول: ما تقدم من أنه خُيِّر فاختار. الثاني: ما رُوِيّ أنه فعل ذلك مراعاة لولده وعونًا له على
صحة إيمانه إيناسًا له وتأليفًا لقومه. فقد رُوِيَ أنه لما صلّى عليه رسول الله ﴾ أسلم من الخزرج
ألف رجل. الثالث: ما روى أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صل على
عبد الله بن أبيّ بن سلول فقال: قد كنت أسمع قولك فامنن عليّ اليوم وكفّني بقميصك وصلٌ
عليَّ، فكفّنه رسول الله بقميصه وصلّى عليه. قال ابن عباس: فالله أعلم أيّ صلاة هي، وأن
محمدًا 8* يخادع إنسانًا قطّ. قال عكرمة: غير أنه قال يوم الحديبية كلمة حسنة، قال
المشركون: إنّا منعنا محمدًا أن يطوف بالبيت، وإنّا نأذن لك فقال: لا، لي في رسول الله أسوة
حسنة. قال القاضي: واتباع القرآن أولى في قوله تعالى: ﴿إنهم كفروا بالله﴾ الآية، فأخبر عنه
بالكفر والموت على الفسق، وهذا عموم في الذي نزلت الآية بسببه، وفي كل منافق مثله.
قوله تعالى: ﴿لمسجد أُسّس على التقوى﴾
اختلف فيه، فقيل: هو مسجد قباء، يُروى عن جماعة منهم ابن عباس والحسن، وتعلقوا
عارضة الأحوذي/ ج ١١/ ٢ ١٢
١٧٨
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
أبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَمّارَى رَجُلاَنٍ فِي المَسْجِدِ الَّذِي أُسْسَ على
التّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولٍ
اللَّهِ وَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((هُوَ مَسْجِدِي هذا))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ عِمْرَانَ بْنِ أبِي أَنَسٍ.
وَقَدْ رُوِيَ هذا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهِ، وَرَوَاهُ أَتَيْسُ بْنُ أَبِي يَخْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ
أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
[المعجم ١٥ - التحفة تابع ١٠]
٣١٠٠ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ أَبُو كُرَيْبٍ. حَدْثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا
يُونُسُ بْنُ الحَرِثِ عَنْ إِبْرَاهِيمٌ بْنِ أَبِي مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ
النّبِيِّ﴾، قَالَ: ((نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ قُبّاءَ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهِّرُوا وَاللَّهُ
بقوله: ﴿من أول يوم﴾ [التوبة: ١٠٨] ومسجد قباء كان في أول يوم أُسّسَ بالمدينة، وقيل:
هو مسجد رسول الله ) قاله ابن عمرو وابن المسيب، وقال ابن وهب عن مالك، وأشهب
عنه قال مالك: المسجد الذي ذكر الله أنه أُسْسَ على التقوى من أول يوم أحقّ أن تقوم فيه
هو مسجد رسول الله *، إذ كان يقوم رسول الله ويأتيه أولئك من هنالك، وقال الله تعالى:
﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾ [الجمعة: ١١] هو مسجد رسول
الله 4. فنزع مالك باستواء اللفظين، فإنه قال في ذلك: ﴿تقوم فيه﴾ وقال في هذا ﴿قائمًا﴾،
فكانا واحدًا، وهذه نزعة غريبة. وكذلك روى عنه ابن القاسم أنه مسجد رسول الله ◌َ*، وقد
روى الترمذي (عن أبي سعيد الخدري قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسْس على التقوى
من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صل*، فقال
رسول الله (: هو مسجدي هذا)، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. وجزم مسلم أيضًا
بمثله، فإن قيل: وهي:
المسألة الثالثة: فقوله فيه ضميران يرجعان إلى مضمر واحد بغير نزاع، وضمير الظرف
الذي يقتضي الرجال المتطهرين هو مسجد قباء، فذلك الذي أَسّسَ على التقوى وهو مسجد
قباء. والدليل على أن ضمير الرجال المتطهرين هو ضمير مسجد قباء حديث (أبي هريرة،
قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ [التوبة: ١٠٨] الآية،
(١) (مسلم) الحج: باب بيان أن المسجد الذي أُسس على التقوى هو مسجد النبي# بالمدينة.
(النسائي في الكبرى) التفسير.
١٧٩
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
يُحِبُّ المُطِّهَّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨])) قَالَ: كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالمَاءِ، فَنَزَّلَتْ هذِهِ الآيَةُ
فیھمْ(١).
قَالَ: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم)، وقال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال
النبي ﴿ الأهل قياء: (إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما تصنعون)؟ فقالوا: إنّا
نغسل أثر الغائط والبول بالماء، قلنا: هذا حديث لم يصح، والصحيح هو الأول، وقد
اختلف في الطهارة المثنى بها على أقوال لا تعلق لها بما نحن فيه، كالتطهير بالتوبة من
وطء النساء في أدبارهنّ وشبهه، فأما قوله: ﴿من أول يوم﴾ [التوبة: ١٠٨] فإنما معناه أنه
أُسْسَ على التقوى من أول مبتدأ تأسيسه، أي: لم يشرع فيه ولا وضع حجر على حجر منه
إلا على اعتقاد التقوى، والذين كانوا يتطهرون وأثنى الله عليهم جملة من الصحابة كانوا
يحتاطون على العبادة والنظافة، فيمسحون من الغائط والبول بالحجارة تنظيفًا لأعضائهم،
ويغتسلون بالماء تمامًا لعبادتهم وكمالاً لطاعتهم.
المسألة الرابعة: هذا ثناء من الله تعالى على مَن أحبّ الطهارة وآثر النظافة، وهي مروءة
آدمية ووظيفة شرعية. روى الترمذي وصححه (عن عائشة رضوان الله عليهما أنها قالت: مُزن
أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم). وفي الصحيح أن النبي ولو كان يحمل معه الماء
في الاستنجاء، فكان يستعمل الحجارة تخفيفًا والماء تطهيرًا. واللازم في نجاسة المخرج
التخفيف، وفي نجاسة البدن أو الثوب التطهير، وتلك رخصة من الله تعالى لعباده في حالتي
وجود الماء وعدمه، وبه قال عامة العلماء. وقال ابن حبيب: لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم
الماء، وفعل النبي وَ﴾ أولى، وقد بيّنّاه في شرح الصحيحين ومسائل الخلاف. وأما إن كانت
النجاسة على البدن أو الثوب فلعلمائنا فيها ثلاثة أقوال، فقال عنه ابن وهب: يجب غسلها بالماء
في حالتي الذكر والنسيان، وبه قال الشافعي. وقال أشهب عنه: ذلك مستحب غير واجب، وبه
قال أبو حنيفة في تفصيل الحالتين جميعًا. وقال ابن القاسم عنه: يجب في حالة الذكر دون
النسيان، وهي من مفرداته. والدليل على الوجوب المطلق قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾
[المدثر: ٤]. فأمره الله بطهارة ثيابه حتى إن أتته العبادة وجدته على حالة مهيأة لأدائها، وقد قال
قوم: إن الثياب كناية، وذلك دعوى لا يلتفت إليها. واحتج أبو حنيفة على سقوط طهارتها بأن
الاستنجاء لو كان واجبًا لغسل بالماء، فإن الحجر لا يُزيله، قلنا: هذه رخصة من الله أمر الله بها
وعفا عمّا وراءها، وأما الفرق بين حال الذكر والنسيان ففي مسائل الخلاف برهانه، هو متعلق
بأنه رفع المؤاخذة في سورة البقرة، على ما بيّنّاه في الخلافيات.
(١) (أبو داود) الطهارة: باب في الاستنجاء بالماء. (ابن ماجه) الطهارة وسُننها: باب الاستنجاء بالماء.
١٨٠
كتاب التفسير/ باب ١٠ من سورة التوبة
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَأَنَسٍ بْنِ مَالِكِ وَمُحَمِّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ.
المسألة الخامسة: بنى أبو حنيفة هذه المسألة على حرف، فقال: إن النجاسة إذا كانت
كثيرة وجبت إزالتها وإذا كانت قليلة لم تجب إزالتها، وفرّق بين القليل والكثير بقدر الدرهم
البغلي، يعني: كبار الدراهم التي هي على قدر استدارة الدينار قياسًا على المسربة، وهذا باطل
من وجهين: أحدهما: أن المقدّرات عنده لا تثبت قياسًا فلا يقبل هذا التقدير منه. الثاني: أن
هذا الذي خفف عنه في المسربة رخصة للضرورة والحاجة، والحاجة والرخص لا يقاس عليها
فإنها خارجة عن القياس فلا ترد إليه.
المسألة السادسة: قوله: ﴿أحق﴾ [التوبة: ١٠٨] هو أفعل من الحق، وأفعل لا يدخل إلا
بين شيئين مشتركين، لأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه مزية على الآخر، فيحلّى بأفعل،
وأحد المسجدين وهو مسجد الضرر باطل لا حظ للحق فيه، ولكن خرج هذا على اعتقاد بانيه
أنه حق، واعتقاد أهل مسجد النبي لي أو قباء أنه حق فقد اشتركا في الحق من جهة الاعتقاد،
لكن أحد الاعتقادين باطل عند الله والآخر حق باطنًا وظاهرًا، وهو كثير، كقوله: ﴿أصحاب
الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] يعني: من أهل النار، ولا خير في مقر
النار ولا مقيلها، ولكنه جرى على اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه، إذ كل حزب
في قضاء الله بما لديهم فرحون حتى يتميز بالدليل لمَن عضد بالتوفيق في الدنيا أو بالعيان لمَن
ضلّ في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي﴾
إلى قوله: ﴿وما كان استغفار﴾ الآيتين
فيها ست مسائل:
المسألة الأولى: في سبب نزولها. وفي ذلك خمس روايات: الأولى: ثبت في الصحيح
عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي 83 18 وعنده أبو
جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: (يا عمّ قل لا إله إلا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله) فقال
أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر
شيء تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ◌َّ: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)
فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ [التوبة: ١١٣] الآية، ونزلت ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾
[القصص: ٥٦]. الثانية: رُوِيّ عن عمرو بن دينار أن النبي ◌َّر قال: (استغفر إبراهيم لأبيه وهو
مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي) فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما
استغفر النبي لعمه، فأنزل الله ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ إلى ﴿تبرأ منه﴾ [التوبة: ١١٤].
الثالثة: رُوِيّ أن النبي # لما أتى مكة أتى رضمًا من حجارة، أو رسمًا، أو قبرًا فجلس إليه ثم