النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب صفة النار/ باب ٧
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَسَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ مِصْرِيٍّ.
وَقَدْ رَوّى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ.
٧ - باب مَا جَاءَ أنَّ نَارَكُمْ هذِهِ
جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ
[المعجم ٧ - التحفة ٧]
٢٥٨٩ - حدثنا سُوَيْدٌ. أُخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَن هَمَّامٍ بْنِ مُتَبِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّيِّ ◌َِّ
قَالَ: (نَارُكُمْ هذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ))، قَالُوا: وَاللَّهِ
إِنْ كانَتْ لَكَافِيَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا فُضُلَتْ بِتِسْعَةٍ وَسِتْيْنَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرْهَا)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ هُوَ أَخُو وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ وَهْبٌ.
٢٥٩٠ - حدثنا العَبَّاسُ الدُّورِيُّ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ
فِرَاسِ عَنْ عَلِيَّةً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النّبِيِّ رَ ﴿ِ قَالَ: «نَارُكُمْ هذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ
نَّارِ جَهَنَّمَ لِكُلْ جُزْءٍ مِنْها حَرُّهَا))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ .
حديث: (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهثم). روى في
الحديث: ((بعد أن صبغت في البحر صبغتين))، ويُروى: ((أن الله لمّا خلقها وأراد إبرازها للخلق
للانتفاع بها قالت الملائكة: لا يقدرون عليها، فأمر بها فغمست في البحر ثم أخرجت، فنظروا
إليها فقالوا: لا يقدرون عليها، فأمر بها فغمست ثانية، وحينئذ رجعت إلى الحد الذي هي فيه»
وهذا صحيح، يشهد له في الصحيح قوله في الحديث الصحيح: (لو أن قطرة من الزقوم قطرت
في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم) فكيف بمَن تكون طعامه)؟ فهذا في ما يستحرّ
من أجزائهم بها فكيف بأجزائها في نفسها؟ وقوله في الحديث الصحيح (أتسخر بي وأنت الملك)
معناه: أتقول لي قولاً أرى خلافه؟ وهو حقيقة السخرية، وقولنا: إنا جالسنا الجبار ومعناه: رأيناه
وعلمناه، ويعبّر عنه بالمجالسة لأنها فائدتها، وقوله: (لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها) قال
بعضهم: قيمة لا مساحة. قال ابن العربي: بل قيمة ومساحة أظهر، فإن نصيف الحورية خير من
(١) (ابن ماجه) الزهد: باب صفة النار.

٤٢
كتاب صفة النار/ باب ٨ و٩
٨ - باب مِنْهُ
[المعجم ٨ - التحفة ٨]
٢٥٩١ - حدثنا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ البَغْدَادِيُّ. حَدْثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ. حَدَّثَنَا شَرِيكٌ
عَنْ عَاصِمٍ هُوَّ ابْنُ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ :﴿ قَالَ: «أُوقِدَ على
النّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حتى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوْقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حتى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ
سَنَّةٍ حتى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةً)).
حَدَّثْنَا سُوَيْدٌ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ عَنْ شَرِيكِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أوْ
رَجُلٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً نَحْوَهُ وَلَّمْ يَرْفَتْهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةً في هذا مؤْقُوفٌ أَصَحُ، وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ
يَحْيِّ بْنِ أَبِي بُكَيْرِ عنْ شَرِيكٍ.
٩ - باب مَا جَاءَ أَنَّ لِلنَّارِ نَفَسَيْنِ،
وَمَا ذُكِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِنْ أهْلِ التَّوْحِيدِ
[المعجم ٩ - التحفة ٩]
٢٥٩٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الوَلِيدِ الكِنْدِيِّ الكُوفِيُّ. حَذْثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ
صَالِحٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((اشْتَكَتِ
النَّارُ إِلَى رَبِّهَا وَقَالَتْ أَكْلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَهَا نَفْسَيْنٍ: نَفَسَا في الشِّتَاءِ، وَنَّفَسّا في
الصَّيْفِ، فَأَمَّا نَفَسُهَا في الشِّتَاءِ فَزَمْهَرِيرٌ، وأمَّا نَفَسُهَا فِي الصَّيْفِ فَسَمُومٌ»(١) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَدْ رُوَيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهُ مِنْ غَيْرِ
وَجْهٍ، وَالْمُفَضِّلُ بْنُ صَالِحٍ لَيْسَ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ بِذلِكَ الحَافِظِ.
الدنيا كلها أضعافًا مضاعفة، فكيف جملتها؟ فكيف قصرها وما يتبعها؟ فليس لقول مّن قال
بالقيمة معنى إلا الغفلة عن قدرة الله وسعة ملكه وعظم ما عنده.
(١) (البخاري) الإيكلاند: باب زيادة الإيمان ونقصانه. والتوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت
بيديّ﴾.

٤٣
كتاب صفة النار/ باب ٩
٢٥٩٣ - حدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدْثَنَا شُعْبَةُ وَهِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ
عَنْ أَنَسِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ قَالَ: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ»، وَقَالَ شُعْبَةُ: ((أخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ
قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، أخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ
إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا بِزِنُ بُرَّةً، أخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ
وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً. وَقَالَ شُعْبَةُ: مَا يَزِنُ ذَرَّةٌ مُخَفَّفَةً.
وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٥٩٤ - حقثنا مُحَمِّدُ بْنُ ورَاقِع. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَّ عَنْ مُبَارَكِ بْنٍ فَضَالَةً عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((يَقُولُ اللَّهُ أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ
مَنْ ذَكَّرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَّامٍ))(١).
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
حديث: (أخرجوا من النار مَن في قلبه ما يزن شعيرة، أخرجوا من النار مَن في قلبه ما
يزن بزة، أخرجوا من النار من في قلبه ذرة) حسن صحيح، من حديث أنس. ومن حسنه
وغريبه (أخرجوا من النار مَن ذكرني يومًا أو خافني ساعة من نهار) يرويه عبيد الله بن أبي بكر
وأنس عن النبي عليه السلام. وفي مسند الحديث (أخرجوا مّن في قلبه مثقال ذرّة من قول لا
إله إلا الله). قال ابن العربي رحمه الله: هذا جزء من حديث الشفاعة، وقد أوضحناه في
النيرين على طريق التكملة والانتهاء، وثبت هذا الخبر المفرد منه، وهي منازل أمهاتها خمس:
دينار، نصف دينار، برّة، شعيرة، ذرّة. فإن الدينار مثل عن مقدار قليل، ثم نصفه، ثم برّة،
ثم شعيرة وهي دونها، ثم ذرّة وهي جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من الدينار على
مقتضى حساب التجزئة التي أخبرناها أبو الحسين بن عبد القادر بدار الخلافة، أخبرنا محمد بن
علي بن صخر بمكة في ظل الكعبة، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي القطان الحافظ، أخبرنا
القاسم بن عباد، أخبرنا سويد بن سعيد، فذكر حديث الشفاعة وفيه (مثقال ذرّة)، قال لي ابن
يوسف: قال لي الحسن بن علي الحافظ: سمعت أبا عبد الله الزبيري وكانت له معرفة
بالحساب: للناس أشياء حرّروها أدركوا بها وزن الذرّة، كما قال الله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال
ذرّة خيرًا يره﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] فقد أعلمنا ربنا أنه يحاسبنا على مثاقيل الذر، فقال بعض
(١) (البخاري) الرقاق: باب صفة الجنة والنار. والتوحيد: باب كلام الرب عزّ وجل يوم القيامة مع
الأنبياء وغيرهم. (مسلم) الإيمان: باب آخر أهل النار خروجًا.

٤٤
كتاب صفة النار/ باب ١٠
١٠ - باب مِنْهُ
[المعجم ١٠ - التحفة ١٠]
٢٥٩٥ - عقدنا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ
السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((إِنِّي لأَغْرِفُ آخِرَ أهْلِ النَّارِ
· خُرُوجًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا، فَيَقُولُ: يَا رَبُ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ المَنَازِلَ قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ:
انْطَلِقْ فَادْخُلِ الجَنََّ، قَالَ: فَيَذْهَبُ لِيَدْخُلَ فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا المَنَازِلَ، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ:
يَا رَبِّ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ المَنَازِلَ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ:
نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، قَالَ: فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَّنَيْتَ وَعَشْرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا.
قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ المَلِكُ)). قَالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهْ ضَحِكَ حتى
بَدَتْ نَوَاجِذُهُ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الحساب قولاً عرفنا منه مقدار الذرّة أن وزن الشعيرة حبة ووزن الحبة أربع رزات والرزة أربع
سمسمات والسمسمة أربع خردلات والخردلة أربع ورقات نخالة وورقة نخالة أربع ذرات،
فالذرة أربعة في أربعة في أربعة في أربعة في أربعة، وهي جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا
من حبة، فجعلنا الله وإياكم ممّن تضاعف حسناته ويتجاوز عن سيئاته، وقد أوردناه مفسّرًا في
شرح الصحيح، ونكتته أن هذه المقادير إنما ضربها النبي مثلاً للقليل من الأعمال، وأول
درجات القلة في الأعداد واحد، وذكر المثقال لأنه موزون، وخصّه دون المكيل لأن الوزن هو
الأصل والكيل ثانيه، فأنبأ بذلك أن قليل العمل يجعله الله بفضله كثيرًا، وأضافه إلى العمل
لأن أصل العمل عنه ينشأ وشرطه من الإخلاص فيه يوجد، وقال في رواية من قول لا إله إلا
الله يعني: من وظائفها ومعانيها اعتقادًا وعملاً، وأن الباري سبحانه يعدّ للخلق من الأعمال
مقدار الدينار في الأوزان، وزادهم من فضله إلى أن يعدّ لهم نصفه، ثم زاد إلى الحبة، ولما
كانت الحبة تتفاضل وإن كانت هيأتها في الغالب لا قدر لها، وهو بفضله قد جعل لها قدرًا
حتى يعدها لهم برّة، ثم شعيرة وهي أقل أجزاء منها، إلى أن يعدّها لهم ذرة، ولا مقدار
عندنا بعدها وإنما هي في إمكاننا كالجواهر بالإضافة إلى الأجسام، فإنه لا تجزئة بعدها حقيقة
إلا عند الفلاسفة والقدرية الذين يريدون تلبيس الحقائق والشريعة، وقد أخبرنا أبو الحسين
(١) (مسلم) الإيمان: باب آخر أهل النار خروجًا. (والمصنف في الشمائل) (ص ١٩١) باب ما جاء في
ضحك رسول الله (13.

٤٥
كتاب صفة النار/ باب ١٠
٢٥٩٦ - حدثنا هَنَّدٌ. حَدِّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ
أبي ذّرَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَهُ: ((إنِّي لأَغْرِفُ آخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ وَآخِرَ أهْلٍ
الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ؛ يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ: سَلُوا عَنْ صِغارٍ ذُنُوبِهِ وَاخْبَتُوا كِبَارَهَا، فَيُقَالُ لَهُ:
عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا؛ قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ
لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَقَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ مَا أَرَاهَا هُهُنَّ). قَالَ:
فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ِ ضَحِكَ حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
قَالَ آبُو عِیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٢٥٩٧ - حدّثنا هَنَّادٌ. حَدِّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((يُعَذِّبُ نَاسَ مِن أَهْلِ التّوْجِيدِ في النّارِ حتى يَكُونُوا فِيهَا حُمّمًا ثُمَّ
تُذْرِكُهُمُ الرَّحْمَةُ فَيُخْرَجُونَ وَيُطْرَحُونَ على أَبْوَابِ الجَنَّةِ، قَالَ: فَتَرُشُ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ
الْمَاءَ فَيَنْبُتُونَ كِمّا يَنْبُتُ الغُثَاءُ فِي حِمَالَةِ السَّيْلِ ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةً».
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ عَنْ جَابٍِ .
٢٥٩٨ - هقدنا سَلَّمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ عَنْ عَطاءِ بْنٍ يَسَارِ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُذْرِيّ أنَّ النَّبِيِِّ ﴿ قَالَ: ((يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ
(١).
أحمد بن عبد القادر، أخبرنا القاضي ابن صخر أخبرنا
حديث: وقوله للرجل: (سَلوه عن صغار ذنوبه واخبئوا كبارها ثم يقال له لك بكل سيئة
حسنة فيقول ربّ لقد عملت أشياء لا أراها هاهنا فضحك رسول الله ## عليه حتى بَدَت
نواجذه). النواجذ أحد أنواع الأسنان، وهي ستة وثلاثون: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة
أنياب، وأربعة ضواحك، وتليها الطواحن، والأرحاء وهي ستة عشر، ثم النواجذ وهي أربعة:
أحدها ثنايا، والضواحك هي التي تبدو في أول الضحك وتسمّيه العرب العارض، وقوله: (إنه
يُعطى مكان كل سيئة حسنة وهو قول الله تعالى: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾
[الفرقان: ٧٠])، وهو حديث صحيح مليح، وذلك من فضله وعظيم رحماه وجزيل نعماء.
(١) بياض بالأصل مقدار سطرين.
وكان موضع هذا الحديث في الصفحة ٤١، وانظر الصفحة ٢١٩ من عارضة الأحوذي، جزء ٩،
الحاشية رقم (٢).

٤٦
كتاب صفة النار/ باب ١٠
كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإِيمَانِ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ شَكَّ فَلْيَقْرَأُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ..
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٥٩٩ - عقدنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ. أَخْبَرَنَا رِشدِينُ. حَدَّثَنِي ابْنُ نُعْم
عَنْ أبي عُثْمَانَ أَنَّهُ حَدْثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((إنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلٌّ
النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: أخْرِ جُوهُمَا، فَلَمَّا أُخْرِجَا قَالَ لَهُمَا: لأَّ
شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ قَالاَ: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا، قَالَ: إِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أنْ تَتْطَلِقَا فَتُلْقِيَا
أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ، فَيَتْطَلِقَانِ فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ فَيَجْعَلُهَا عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلاَمًا،
وَيَقُومُ الآخَرُ فَلاَ يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ عَزْ وَجَلٌ: مَا مَنَعَكَ أنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ كَمَا
ألْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لاَ تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَ مَا أَخْرَ جْتَنِي، فَيَقُولُ لَهُ
الرَّبُ: لَكَ رَجَاؤُكَ، فَيَدْخُلاَنٍ جَمِيعًا الجنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ)(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: إِسْنَادُ هذا الحَدِيثِ ضَعِيفٌ، لأنَّهُ عَنْ رِشْدِينٌ بْنِ سَعْدٍ،
وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ هُوَ ضَيْفٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ عَنِ ابْنٍ نُعْمٍ وَهُوَ الأَقْرِيقِيُّ وَالأَقْرِيقِيُّ
ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ.
٢٦٠٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ
عَنْ أَبِي رَجَاءِ العُطَّارِدِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ عَنِ النَّبِيَِِّ﴿ قَالَ: ((لَيَخْرُجْنَّ قَوْمٌ مِنْ
أُمِّي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي يُسَمِّوْنَ جَهَنَّمِيُّونَ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَبُو رَجَاءِ العُطَارِدِيُّ اسْمُهُ عِمْرَانُ بْنُ تَيْمِ، وَيُقَالُ ابْنُ مِلْحَانَ.
٢٦٠١ - عقدنا سُوَيْدٌ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي
(١) (البخاري) الرقاق: باب صفة الجنة والنار. (أبو داود) السُّنّة: باب في الشفاعة. (ابن ماجه) الزهد:
باب ذكر الشفاعة .

٤٧ ٤
كتاب صفة النار/ باب ١١
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((مَا رَأيْتُ مِثْلَ الثَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلاَ مِثْلَ الجَنَّةِ نَامَ
طَالِيُهَا)»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَيَحْيَى بْنُ
عُبَيْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ الحَدِيثِ، تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ، وَيَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوّ ابْنُ
مَوْهِبٍ وَهُوَ مَدَنِيٌّ.
١١ - باب مَا جَاءَ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ
[المعجم ١١ _ التحفة ١١]
٢٦٠٢ - عقثنا أحمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدْثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدْثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي
رَجَاءِ العُطَارِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ
فَرَأيْتُ أَكْثَرَ أهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطْلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النَّسَاءَ»(٢).
٢٦٠٣ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدِّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
وَعَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَوْفٌ هُوَ ابْنُ أبي جُمَّيْلَةً عَنْ أَبِي رَجَاءِ العُطَّارِدِيٌّ عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ خُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ،
وَالطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأيْتُ أَكْثَرَ أهْلِهَا الْفُقَرَاءَ»(٣).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
حديث: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء) إلى آخره. في هذا دليل على فضل
الفقر على الغنى، لا من ذاتيهما ولكن لأن الصبر على فتنة الفقر أكثر من الصبر على فتنة الغنى،
لأن فتنة الغنى أكبر وأعظم، ففي فتنة الفقر التسخط وفي مقابلتها من جهة الغنى الكبر، وتزيد
فتنة الغنى بوجوه بيّنّاها في التفسير، وصار النساء أكثر أهل النار لنقص عقلهنّ وعظيم شهوتهنّ
وكثرة استرسالهنّ وقلّة حفظهنّ لحدود الشريعة، وأشدّ ذلك عليهنّ كفر الإحسان والتقصير في
(١) (البخاري تعليقًا) الرقاق: باب فضل الفقر. (مسلم) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب أكثر
أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان فتنة النساء.
(٢) (البخاري) بدء الخلق: باب صفة الجنة وأنها مخلوقة. والرقاق: باب فضل الفقر. والنكاح: باب
كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط من المعاشرة. و(النسائي في الكبرى) عشرة النساء: باب ما
ذكر في النساء.
(٣) (البخاري) الرقاق: باب صفة الجنة والنار. (مسلم) الإيمان: باب أهون أهل النار عذاباً.

٤٨
كتاب صفة النار/ باب ١٢ و ١٣
وَهَكَذَا يَقُولُ عَوْفٌ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَيَقُولُ أَيُّوبُ عَنْ أَبي
رَجّاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلاَ الإسْنَادَيْنَ لَيْسَ فِيهِمَا مَقَالٌ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أَبُو رَجَاءٍ سَمِعَ
مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ عَوْفٍ أيْضًا هذا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ
◌ُصَیْنِ.
١٢ - باب
[المعجم ١٢ - التحفة ١٢]
٢٦٠٤ - هذهنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِسْحَقَ عَنٍ
التّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: «إِنَّ أَهْوَنَ أهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ في
أخْمَصٍ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
وفي البَابِ عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطْلِبِ، وَأَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ، وأبي هُرَيْرَةً.
١٣ - باب
[المعجم ١٣ - التحفة ١٣]
٢٦٠٥ - هقثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو نَعِيمٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ
خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبِ الخُزَاعِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َّهُ يَقُولُ: ((ألاَ أُخْبِرُكُمْ
بِأهْلِ الجَنَّةِ: كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعْفٍ لَو أقْسَمَ على اللَّهِ لأَبَرَّهُ. ألاَ أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّارِ: كُلِّ
عُثُلٌ جَوَّاظٍ مُتَكَّبِّرِ».
حق الزوج كما تقدم في كتاب النكاح، يزيده تأكيدًا الحديث الصحيح الذي ذكره بعد: (ألا
أُخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف متضعف)، معناه: لا قوة له من مال ولا من بدن ولا من
ناصر، أو أحدها، وإذا كان كذلك كان مستضعفًا، فصار مظلومًا فتمّ أجره ونقص وزره. وقوله:
(لو أقسم على الله لأبره) من كرامات الأولياء، فقد تبلغ درجة العبد في الصلاح وكريم المنزلة
(١) (البخاري) التفسير: باب تفسير ﴿عُثُلُ بعد ذلك زنيم﴾ من سورة نَ والقلم. والأدب: باب الكبر.
والأيمان والنذور: باب قول الله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾. (مسلم) الجنة وصفة نعيمها
وأهلها: باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء.

٤٩
كتاب صفة النار/ باب ١٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
تمّ الجزء الرابع
ويليه الجزء الخامس وأوله: ٤١ - كتاب الإيمان
عند الله بحيث يحلف عليه فيبره، وذلك بيِّن في حديث الربيع عند كسر الثنية، والمراد أن العبد
الصالح إذا حلف ليكوننّ كذا، فإن الله يُجري المقادير كذلك، وليس أن يقول مصرّحًا: أقسمت
عليك يا رب، ففي هذا جفاء وإدلال، ومَن يرتقي إلى هذه الحال فاعلموا ذلك ترشدوا إن شاء
الله. وأما (العقل) (الجواظ) إلى آخر الألفاظ الواردة في هذا الحديث، فإنها ألفاظ لم يحققها
أهل العربية لأنهم لم يتلقفوها من أفواه الأعراب فيعلمون بقرائن الأحوال والإشارات إلى الأعيان
معانيها، وإنما أخذوا بعضها بالسماع، فذلك صحيح، ومنها ما عسر عليهم ذلك فيه فرجعوا إلى
الاشتقاق والذي عندي من قولهم فيه أن الصحيح منه أن العتل الشديد في الباطل، الجواظ الذي
لا يبالي عما فعل إذا قدر، والجعظري والجظ نحوه. وأخبرنا القاضي أبو المطهر، أخبرنا أبو
نعيم الحافظ، أخبرنا ابن خلاد، أخبرنا الحارث، أخبرنا العباس، أنبأنا همام، عن قتادة أخبرني
يزيد أخو مطرف: فذكر حديث عياض بن حمار قال فيه: (وأهل الجنة ثلاثة: سلطان عدل،
ورجل رفيق بكل قريب مسلم رحيم، ورجل عفيف يتعفف، وأهل النار خمسة: سلطان جائر،
والفقير الذي لا دين له) قال أهل العربية: الذي لا عقل له، وليس عندي به، وإنما يريد الذي
ليس له معرفة بالأمور. وقال في الحديث: (الذين هم فيه تبع، لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) قال
رجل: يعني للراوي، يا أبا عبد الله أمن الموالي هم أم من العرب؟ قال: هم التابعة، يكون
للرجل بنية حرام سفاحًا غير نكاح. والشنظير الفحاش، ورجل يمشي ويصيح ليس لاهم له إلا
أن يخدعك عن أهلك ومالك. قال: وذكر الكذب والبخل.
كمل كتاب أبواب صفة جهنم
ويتلوه كتاب أبواب الإيمان

بِسِ الله الرحمن الرحيم
٤١ - كتاب الإيمان
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
١ - باب مَا جَاءَ أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ
[المعجم ١ - التحفة ١]
٢٦٠٦ - حدّثنا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
بسم الله الرحمن الرحيم
أبواب الإيمان
قال ابن العربي رضي الله عنه: هذا باب عظيم لم يتحقّق به كثير من العلماء، وأول من
غفل عنه شيخنا أبو الحسن، وتابعه عليه القاضي أبو بكر وابن الجويني على أنه جزم اللسان برهة
بآخرة، ولكنه مشى فيه على رسم التقليد. فأما الشيخ أبو الحسن فقال تارة: إنه التصديق، وقال
أخرى: إنه المعرفة بالله. وقال القاضي معممّا: إنه التصديق، ونسب ذلك إلى اللغة نسبة قوية لم
يرَ غيرها ولا قال بسواها، واستشهد عليه بآيات وأخبار وليس لذلك تحقيق، وقد بيّنته في كتب
الأصول والنيرين، وأنا الآن أنكت ببعض ذلك وأنكب عن التطويل وأحيلكم على ذلك التفصيل،
فاعلموا أنهما اسمان متقاربا المعنى من صيغة الباء ومن طريقي الموضوع والمقصود في الدين،
وذلك أن آمن وأسلم من الأفعال الرباعية، وهي بالثلاثية معروفة وإليها، بحذف الزيادة مصروفة
مصدر آمن رباعي، ولا يوحد أبدًا معناه في حذف الزيادة، فإن آمن من الأمان، وكذلك أسلم
من سلم مثله مقاربة بينهما، ولا يصح أن يكون الرباعي خاليًا من معنى الثلاثي، وإنما يأتيان
على أوجه: منها أن يكونا بمعنى واحد: كبدا وأبدى، أو يقتضي إيقاعه بالغير، كفول: علم

٥١
كتاب الإيمان/ باب ١
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿هَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا
مَنَّعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالْهُمْ إِلاَّ بِحَقُّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ))(١).
وفي البَّابِ: عَنْ جَابِرٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ آُبُو عِیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٢٦٠٧ - هذهنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَّيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: لمّا تُوُفِّيَّ رَسُولُ اللّهِ ﴿ِ، وَاسْتُخْلِفَ
أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ كَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لأَّبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ
النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ،
وَمَنْ قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَّمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقُّهِ وَحِسَابُهُ على اللَّهِهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
وأعلم، أو يقتضي اختصاص الفاعل بمعنى الثلاثي، كقوله: أنجد وأتهم وألحم والبن، وقد يفيد
ضدّه، كقولنا: ترب وأترب وقسط وأقسط، وقد يكون بمعنى وجدته كذلك، مثل قولنا: كذب
وأكذب، وقد يكون للمبالغة، كقولك؛ هرب إذا ذهب وأهرب إذا جدّ في ذلك وأسرع، فإذا
حمل آمن على أحد المعاني المتقدمة كان معناه أوقع الأمر نفسه، ولهذا المعنى حسنت االباء
فيه، ومن غريب الأمر أن الهمزة والباء يعاقبان في تعذّي الفعل واجتمعا هاهنا، فيمكن أن تعبّر
بقولك: (آمن) عن صدق، لأنه لا يكون التصديق إلا بما يقرن القول، ويكون على هذا الثلاثي
والرباعي بمعنى واحد وحقيقة واحدة، ولا يقال إنه موضوع لذلك ولكنه يقتضيه على هذا
الوجه، وكذلك الإسلام لأنه أوجب السلامة لنفسه فكان آمنًا بما أوجب لنفسه منها، وكذلك
أسلم نفسه لله لتفويضه أموره إليه، وكان ذلك على التصديق بما أخبر به ووعد، فلما صير
التصديق إلى الأمن وأدخل فيه سُمِّي إيمانًا، والإسلام مثله، فقد اتضح المعنى وجرى على
التحقيق وصحّ من طريق اللغة على وجهها وعَّت منزلة وضعه فيها.
حديث: أبي هريرة (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله).
الإسناد: هذا الحديث على هذا النحو قد رواه جماعة، وذكر منهم أبو عيسى: ابن
عمر وجابرًا وسعدًا، وقد رواه غيرهم، منهم: أنس، ففي حديث أبي هريرة من طريق
صحيحة (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) ولم يرد. وفي حديث أنس
(١) (أبو داود) الجهاد: باب على ما يقاتل المشركون. (النسائي) تحريم الدم: باب تحريم الدم. (ابن
ماجه) الفتن: باب الكفّ عمّن قال لا إله إلاّ الله.

٥٢
کتاب الإيمان/ باب ٢
وَاللَّهِ لِأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَّالاً
كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ لَقَاتَلْتُهُمْ على مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَوَ اللَّهِ مّا هُوّ
إلاَّ أنْ رَأيْتُ أنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
وَهَكَذَا رَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً.
وَرَوَى عِمْرَانُ القَطَّانُ هذا الحَدِيثَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنْ
أبِي بَكْرٍ، وَهُوّ حَدِيثٌ خَطَأْ، وَقَدْ خُولِفَ عِمْرَانُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَعْمَرٍ .
٢ - باب مَا جَاءَ في قَوْلِ النَِّيِّ وَّ:
((أُمِرْتُ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ»
[المعجم ٢ - التحفة ٢]
٢٦٠٨ - حدثنا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ. حَذْثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتى يَشْهَدُوا أنْ لاَ
إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَأنَّ مُحَمِّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا وَيَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَأنْ يُصَلُّوا
صَلاَتَنَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حُرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلاَّ بِحَقْهَا: لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ
وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُسْلِمِينَ﴾(٢).
وفي البَابِ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً.
(أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن يستقبلوا
قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا وأن يصلّوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا
بحقها لهم ما للمسلمين و لميهم ما على المسلمين) رواهما أبو عيسى. وأما حديث ابن عمر
(١) (البخاري) الزكاة: باب وجوب الزكاة، واستتابة المرتدين: باب قتل من أبى قبول الفرائض وما
نسبوا إلى الردّة، والاعتصام: باب الاقتداء بسُنن رسول الله والله. (مسلم) الإيمان: باب الأمر بقتال
الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله محمد رسول الله.
(٢) (البخاري) الصلاة: باب فضل استقبال القبلة. (أبو داود) الجهاد: باب على ما يقاتل المشركون.
(النسائي) تحريم الدم: في فاتحته، والإيمان: باب على ما يقاتل الناس.

٥٣
کتاب الإيمان/ باب ٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ
يَحْيِى بْنُ أَيُوبَ عَنْ حُمَّيْدٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَ هذا.
٣ - باب مَا جَاءَ بُنِيَ الإسْلاَمُ على خَمْسٍ
[المعجم ٣ - التحفة ٣]
٢٦٠٩ - هذائنا ابْنُ أَبِ عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةُ عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الخِمْسِ التَّمِيمِيِّ
عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أبِي ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُونَ اللَّهِ وَّهِ: «بُنِيَ الإِسْلامُ على
خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمِّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَّامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ،
وَضَوْمٍ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ».
وفي البَابِ: عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
في قوله: (بُنِيّ الإسلام على خمس) وفي نزول جبريل علي النبي عليه السلام وكلامه معه
في دعائم الإيمان، فخرجه الخلق. وأما في هذا المعنى الذي في حديث أبي هريرة في
الصلاة فلم يذكره مع الزكاة إلا أنسّا وابن عمر، وفي مسلم عن ابن عمر (أُمرت أن أُقاتل
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) وعلق عليه العصمة، وفي
حديث معاذ إذ بعثه إلى اليمن قال: (أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم
فتُرَدّ على فقرائهم).
الأحكام والفوائد المطلقة: خمس عشرة:
الأولى: لما كفرت العرب وارتدت ومنعت الزكاة رأى عمر وغيره من الصحابة أن يكفّ
عنهم حتى يتمكن الإسلام ويذهب من القلوب حزن فَقْد النبي عليه السلام، فوفق الله أبا بكر
لامتثال أمره ولزوم الطاعة وهو الذي يُذهب الكرب والكآبة، وتعلق عمر على أبي بكر بحديث
أبي هريرة قول النبي عليه السلام (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها
عصموا مني دماءهم) ولم يرووا فيه (والزكاة) فلم يفتقر أبو بكر إلى أن يذكر لهم الحديث الذي
فيه ذكر الزكاة، وإنما أراد أن يعرفهم الحديث الذي احتجوا به عليه حجة له، وهي قوله فيه:
(إلا بحقها) فإنما اشترطت العصمة في الدم والمال بالإسلام من ابتداء الاحترام إلى أن يجب فيها
حق فيسقط به قدره من الاحترام، ألا ترى إلى قوله أيضًا فيه: (لأُقَاتلنْ مَن فرّق بين الصلاة
والزكاة)، فإن الزكاة حق المال وإلى قوله: (والله لو منعوني عقالاً وعناقًا كانوا يؤدّونه إلى رسول
الله لقاتلتهم على منعه). وقد صح حديث أبي هريرة وفيه (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) رواه
محمد بن إسحق بن خزيمة في صحيحه. وأخبرنا أبو الحسين الأزدي، أنا القاضي أبو الطيب،
عن الدارقطني، أنا أبو حامد ومحمد بن هارون، نا علي بن شعيب ومحمد بن أحمد بن

٥٤
كتاب الإيمان/ باب ٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثْ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقّدْ رُوِيّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ
عَنِ النّبِيِّ وَ﴿َ نَحْوَ هذا، وَسُعَيْرُ بْنُ الخِمسِ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ.
الجنيد، ونا الحسين بن إسماعيل والقاسم، أنا إسماعيل قال: نا علي بن شعيب، ونا القاسم بن
إسماعيل ومحمد بن مخلد، قالا: نا محمد بن أحمد بن الجنيد، ونا إسماعيل بن محمد
الصفار، نا الحسن بن مكرم ومحمد بن الفرج الأزرق، ونا أبو طالب الحافظ، نا أبو النضر
إسماعيل بن عبد الله بن ميمون قالوا: أنا أبو النضر هاشم بن القاسم، نا أبو جعفر الرازي، عن
يونس بن عبيد، عن الحسين، عن أبي هريرة أن رسول الله خلقه قال: (أمرت أن أُقاتل الناس
حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم
وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، وفي رواية (حرمت عليّ دماؤهم) وفي رواية (ويقيموا
الصلاة ويؤمنوا بما جئت به) صحيح كله. وخرّجه أيضًا عن الزهري عن أنس بعينه صحيحًا
قائمًا، فإنما قاتلهم أبو بكر بالنص لا بالاجتهاد، وهي:
الثانية: ولو قاتلهم بالاجتهاد لكان ذلك له، ولكن النص ثابت من طرق كما قدّمنا، فإما
رواه فاستذكروه، وإما رواه فاتبعوه فكان إجماعًا، ولذلك قال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا
أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
الثالثة: كانت العرب صنفين: صنف كفر ولحق بمسيلمة، وقسم أنكر الزكاة بتأويل. قال
علماؤنا: فليسوا بكفّار، ولو أنكرها أحد بعد ذلك لكفر، لأن الإسلام بعد لم يستقر قراره في
معرفة الواجبات فعذر مخالفوه.
الرابعة: صار هذا الحديث أصلاً في قتال الإمام الرعية إذا امتنعوا من الواجبات بعد أن
يبين لهم.
الخامسة: بيّن الصديق جواز المناظرة في المعاني إذا نزلت وطلب الأدلة عليها وإقامة
الحجة فيها إما بالنص وإما بالقياس، فقد جمع قول أبي بكر الوجهين، وبيّن:
فائدة سادسة: وهي جواز القياس في العبادات، والذي يجري فيها هو قياس الشبه دون
التعليل لأنه لا يعقل معناها كما بيّنّاه في أصول الفقه، فإن قلنا إن أبا بكر إنما قاتلهم بالقياس
فهو تخصيص العموم بالقياس، وذلك جائز في المشهور والصحيح من الأقوال، وهي:
السابعة: كما أن فيه بيانًا ظاهرًا في أن خلاف الواحد يسقط الإجماع، لأن الصحابة
أجمعت على ترك قتالهم وخالفهم أبو بكر فلم يعتد به، وهي:
الثامنة: كما أنه دليل على أن قولين متى سبقا واستقر أحدهما كان إجماعًا وسقط الآخر،
وهي: التاسعة .

٥٥
كتاب الإيمان/ باب ٤
حَدْثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الجُمّجِيِّ. عَنْ عِكْرِمَةٌ بْنِ
خَالِدِ المَخْزُومِيِّ. عَنِ ابْنِ عُمَّرَ عَنِ النَّبيِِّ﴿ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَجِيحٌ.
٤ - باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيّ ◌ََّ الإِيمَانَ وَالإِسْلاَمَ
٢٦١٠ - حقثنا أبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ الخُزَّاعِيُّ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسٍ بْنِ
الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: أوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ في القَدْرِ مَعْبَدٌ
الجُهَنِيُّ قَالَ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الحِمْيَرِيَّ حتى أَتَيْنَا المَدِينَةَ، فَقُلْنَا: لَوْ
لَقِينَا رَجُلاً مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّرَ فَسَألْنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤُلاءِ القَوْمُ، قَالَ: فَلَّقِينَاهُ يَعْنِي
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ خَارِجْ مِنَ المَسْجِدِ قَالَ: فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي قَالَ: فَظَنَنْتُ أنَّ
العاشرة: فيه فضل أبي بكر، وقد تقدم شرحه.
الحادية عشرة: فيه بيان لمسألة حسنة، وهو أن خطاب النبي ول* خطاب لأمته، لأنه قال:
(أُمرت) فيكون ذلك أمرًا لجميع الخلق.
الثانية عشرة: يتعلق به من قال: يأخذ السخال في الزكاة، قال مالك: لا تؤخذ، وحمل
هذا القول على أنه للغاية، كما قال: (مَن بنى لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة)، كما حمل
قوله (لو منعوني عقالاً) على الغاية أيضًا، لأن العقال لا يؤخذ في الزكاة، وقيل: العقال صدقة
عام عربية، وقد بيّنّا ذلك في مسائل الخلاف. وقد قال محمد بن الحسن: لا زكاة في السخال
إذا كانت منفردة، وهذا الحديث يقضي عليه.
الثالثة عشرة: بيَّن هذا الحديث أن المرتد إذا وقع ارتداده لا يُسقِط ذلك زكاته، واختلف
الناس في الصلاة، وقد بيّنّاه في مسائل الخلاف.
الرابعة عشرة: قد بيَّن قوله: (وحسابهم على الله) أصلاً في أن القياس أيضًا يؤخذ بظواهر
أحوالهم، ولا ينقب عن قلوبهم، ويوكل باطنهم إلى الظاهر لا الباطن.
الخامسة عشرة: سبت الصحابة المرتدين واسترقوهم، واختلف الناس بعد ذلك فيهم،
ويمكن أن يكون المرتد الذي يسترقّ إذا كانوا جماعة وتحيّزوا وأعدّوا دارًا ونصبوا حربًا، وأما ما
دون الذي يرتد وهو في الحكم، ألا ترى أن جميع الكفار أصلهم الردة، فإنهم كانوا على
التوحيد والتزموه ثم رجعوا عنه، فقتلوا وسبوا، وهو إشكال عظيم، فالله أعلم.
حديث: علم جبريل الإيمان في مجلس النبي #. وذكر العلماء الحديث وفيه من قول
عارضة الأحوذي/ ج ١٠/ م ٢٠

٥٦
كتاب الإيمان/ باب ٤
صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَّلاَمَ إِلَيٍّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ قَوْمًا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَّفِّرُونَ
العِلْمَ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ وَأَنَّ الأمرَ أُنُفْ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولِئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ
بَرِيءٌ وَأَنْهُمْ مِنِّي بُرْءَاءُ، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ أنْ أحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا
قُبِلَ ذلِكَ مِنْهُ حتى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدْثُ فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ
الخَطَّابِ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَه، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثُيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لاَ
يُرِى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حتى أَتَى النَّبِيِّ ◌َـِّ فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ:
يَا مُحَمَّدُ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدّرِ
خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: فَمَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: ((شَهَادَةٌ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكاةِ، وَحَجُ البَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ)). قَالَ: فَمَا
الإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فِي كُلّ
ذلِكَ يَقُولُ لَهُ صَدَقْتَ، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْألُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا
المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ))، قَالَ: فَمَا أمَارَتُهَا؟ قَالَ: ((أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَهَا، وَأنْ تَرَى
الحُفَاةَ الْعُرَاةَ العَالَةَ أَصْحَابَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)»، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيَنِي النَّبيَُِّّ بَعْدٌ
ابن عمر: (لو أنفق أحدكم مثل أُحْد ذهبًا ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) قول بتكفيرهم، وقد
اختلف في ذلك قول الناس وقول علمائنا، والصحيح كفرهم بالتأويل الذي هو نظير الدليل في
القوة، وقد تصوّر فيه جبريل بصورة الآدمي في قطعه من جملته، إذ جسمه يملأ الخافقين
ويشغل ما بين السماء والأرض، في أحسن صورة: ثياب بيض وشعر أسود، وهو أحسن هيئات
الرجال، (وسمى له الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله)، وقد سمّاها إيمانًا في حديث آخر، (وقد
سمّى أركان الشريعة إيمانًا في حديث وفد عبد القيس: الشهادة والصلاة والزكاة)، زاد حماد بن
زيد على الترمذي (وأن تصوموا رمضان) وهي فائدة غريبة فيه، وهذا يدل على أنهما شيء واحد
في الأصل، وقد ينفصلان بالعُزف لقول سعد للنبي عليه السلام: (إني لأراه مؤمنًا) فقال: (أو
مسلمًا) كقوله: ﴿قالت الأعراب آمنًا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤] وليس
ذلك لتغايرهما، ولكن وضع للفرق بين مَن يُظهِر ما يعتقد وبين مَن يُبطِن خلاف ما يُظهِر، علامة
من اللفظ. وفسّر الإحسان بأن يعبد المرء الله سبحانه كأنه يراه بغاية الرهبة وعظيم الاستحياء،
ومتى خالد هذا كان عمله قبيحًا، فالحسن المطلق ما جاء محمودًا من كل وجه. وقوله: (أن تلد
الأمة ربّها) يعني: كثرة السراري، وفي كتاب مسلم (أن تلد الأمة بعلها) وهو: السيد، والمعنى
فيه أن أم الولد تعتق بولدها فكأنه سيدها لما دخل عليها من الحرية من جهته، وقوله: (في
تطاول البنيان) إشارة إلى ما يفتح الله من زهرة الدنيا على العرب وأخذهم كنوز كسرى وقيصر،
والعالة الفقراء واحدهم عائل، كقولك: كاتب وكتبة، وقول الترمذي في الحديث (فلقيني عمر

٥٧
كتاب الإيمان/ باب ٤
ذلِكَ بِثَلاَثٍ، فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ هَلْ تَذْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ مَعَالِمٌ
دینگم»(١).
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحمَّدٍ. أخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا كَهْمَسُ بْنُ الحَسَنِ بهذا الإسْنَادِ
نَحْوَهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ عَنْ كَهُمَسٍ بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ
بِمَعْنَاهُ.
وفي البَابِ: عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً.
بعد ذلك فقال ذلك جبريل) ورُوِيَ (أن جبريل لمّا خرج قال ردوا عليَّ الرجل فطلبوه في سكك
المدينة فلم يجدوه) ويحتمل أن يكون أمرهم بطلبه في يوم وأخبرهم مَن هو في وقت آخر.
نكتة: ولما كان معنى الإيمان الذي هو الأمان حاصلاً بامتثال أمر الله واجتناب زواجره
سُمّي كل ما يحصل به إيمانًا وعدّ تلك الخصال كلها منه، وبلغه نيّفًا على سبعين أدناها إماطة
الأذى عن الطريق، وليس يمكن أحدًا تعديدها بترتيب حتى يبلغها إلى سبعين، فإنه أمر انفرد
بعلمه النبي ** ، وليس يفتقر إليه المؤمن في شرط الإيمان ولا في حقيقته، بل يكفيه ما جاء في
الحديث الصحيح المتقدم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بالذي جئت
به) بالواجب هو الإيمان، وكل ما قال الرسول على الجملة، ومنه أصول وفروع وأوائل وأواخر،
فأصوله وأوائله ما بُنِيَ الإسلام عليه على ما في حديث ابن عمر (بُنِيَ الإسلام على خمس)،
وهي وإن كانت كلها دعائم فإن عمدتها الشهادة، بها يحكم للمرء بالإيمان، وبها نتخذ أصلاً
يُبنى عليه غيره، وإن توقف عنها مع القدرة عليها كان كافرًا، وبالامتناع عن غيرها لا يكون
كافرًا. إلا أن الصلاة اختلف فيها فقال ابن حبيب وأحمد: يكون بتركها كافرًا، وقد بيّنّاها في
مسائل الخلاف وحقّقنا أن هذا الفرع لا يرجع على أمثله بالإبطال، وما رُوِيّ من الأحاديث في
ذلك كقوله: (مَن ترك الصلاة فقد كفر) تغليظًا لأمرها، أي: قد فعل فعل الكفّار فإنهم كانوا لا
يسجدون لله سبحانه وتعالى، أو: قد كفر نعمة البدن، كما أن من ترك الزكاة فقد كفر نعمة
المال، وقد قال: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر)، و(مَن قال مطرنا كذا وكذا فهو كافر بي
مؤمن بالكواكب)، وقد تأكد ذلك من أمرها بقوله في حديث أنس (ويستقبلوا قبلتنا ويصلّوا
صلاتنا فلهم ما للمسلمين وعليهم) وزاد فيه (ويأكلوا ذبيحتنا) يعني: لا يهلّ لغير الله، فإن من
فعل ذلك فهو كافر حقيقة، وكذلك كل مَن فعل فعلاً من خصائص الكفّار على أنه دين، أو ترك
(١) (مسلم) الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان. (أبو داود) السُنّة: باب في القدر.
(النسائي) الإيمان: باب نعت الإسلام. (ابن ماجه) المقدمة: باب في الإيمان.

٥٨
كتاب الإيمان/ باب ٥
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ نَحْوَ هذا عَنْ
عُمَرَ.
وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ عَنِ النَّبَِِّ﴿ وَالصَّحِيحُ هُوَ ابْنُ عُمْرَ عَنْ عُمَّرَ
عَنِ التّيُ ﴾.
٥ - باب مَا جَاءَ في إضَافَةِ الفَرَائِضِ إلى الإيمَانِ
[المعجم ٥ - التحفة ٥]
٢٦١١ - حدّدها قُتَنْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّادِ المُهَلِّبِيُّ عَنْ أَبِي جَمْرَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: قَدِمَ وَقْدُ عَبْدِ القَيْسِ على رَسُولِ اللَّهِ ﴾ فَقَالُوا: إنَّ هذا الحَيِّ مِنْ رَبِيعَةٌ وَلَسْنَا
نَصِلُ إِلَيْكَ إلاَّ فِي أَشْهُرِ الحَرَامِ، فَمُزْنَا بِشَيْءٍ تَأْخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ:
(آَمُرُكُمْ بِأزيَعٍ: الإيمَانِ بِاللَّهِ)، ثُمْ فَسَّرَهَا لَهُمْ: ((شَهَادَةَ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ
اللَّهِ، وَإِقَامَ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، وَأنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ))(١).
فعلاً من أفعال المسلمين على إخراجه من الدين فهو كافر بهذين الاعتقادين لا بالفعلين، وخصّ
الذبيحة والقبلة لأجل أن الكَفَرَة كانوا يهلّون لغير الله، وأهل الكتاب كانوا يستقبلون غير الكعبة،
كما جعل من الإيمان أداء الخمس وهو حق من حقوق المال.
العارضة غير الأصلية: وكانت الجاهلية تقسمه على أنواع بينها بعضهم في نظمه فقال:
وحكمك والنشيطة والفضول
لك المرباع منها والصفايا
فالمرباع الربع، والصفايا شيء كان يأخذه الملك لنفسه من الجملة باختياره، ويتحكّم بعد
ذلك في ما شاء ويأخذ ما عرض وهو لنشيط، وما شذّ وهو الفضول فقرر الله من ذلك الخمس،
وسهم الصفى خاصة للنبي وتؤثر، واستمر الخمس إلى يوم الدين.
فائدة: كانت الشريعة تأتي توابع توابع وفرائضٍ فرائض وحكمًا حكمًا، لم تأت جملة ولا
أمر الله بها دفعة، فكان النبي عليه السلام يقول: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا
الله) حسبما كان نزل عليه أولاً، ثم زاد فيه (ويؤتوا الزكاة) حسبما عهد إليه، فإن القتال أمر به
بعد فرض الصلاة وقبل فرض الزكاة، ثم جاء رمضان، ثم جاء الحج، وكانت دعائمه التي استقر
عليها خمسًا. وقد قال قبل ذلك لوفد عبد القيس: (آمركم بأربع) وأنهاكم عن أربع فالأربع التي
(١) (البخاري) الصلاة: باب ﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين﴾، والخمس : = ..

٥٩
كتاب الإيمان/ باب ٥
حَدَّثْنَا قُتَنْيَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبيِّ ◌َهَ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ، وَأَبُو جَمْرَةَ الضَّبَعِيُّ اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ
عِمْرَانَ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ أيْضًا، وَزَادَ فِيهِ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ؟ شَهَادَةُ أنْ لاَ
إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَذَكَّرَ الحَدِيثَ. سَمِعْتُ قُتَنِيَةَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: مَا رَأيْتُ مِثْلَ
هؤلاءِ الأَشْرَافِ الأَزْبَعَةِ: مَالِكِ بْنِ أَنَّسٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ عَبَّادِ المُهَلِّبِيِّ،
وَعَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ.
قَالَ قُتَيْبَةُ: كُنَّا نَرْضَى أَنْ نَرْجِعَ مِنْ عِنْدِ عَبَّادٍ كُلِّ يَوْمٍ بِحَدِيثَيْنِ، وَعَبَّدُ بْنُ عَبَّادٍ هُوّ
مِنْ وَلَدِ المُهَلِّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةً.
أمرهم بها هي التي كان الإسلام حينئذ استقر عليها، وزادهم أداء الخمس، وعدلهم الإيمان بالله
وبرسوله ركنين، وخصّ لهم الأربع التي نهاهم عنها لأنها كانت معظم معصيتهم ورأس شهوتهم،
وإذا تخلى العبد عن مثل هذا لله كان عليه ترك ما سواه هينًا.
مزيد تحقيق: لمّا كان الإيمان الأمان حقيقة، وكانت له أسباب وفوائد سميت كلها
باسمها، كقوله: (الحياء من الإيمان) فهذه تسميته سببه بها، وكما سمّيت العبادات التي تكون
عنه إيمانًا كذلك سُمِّي الترك لما يخالفه إيمانًا من: ترك الزنا، والخمر، والسرقة، والإذاية
للمسلمين. قال : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا
ينتهب نهبة وهو مؤمن والتوبة معروضة والمسلم مَن سَلِمَ المسلمون من يده ولسانه والمؤمن من
أمِنَ جاره بوائقه ومَن أمِنَه الناس على دمائهم وأموالهم). فإذا امتثل الأوامر واجتنب الزواجر:
وهو مؤمن حقًّا طالب للأمان صدقًا، وإذا ترك مأمورًا واقتحم مزجورًا: فليس بمؤمن من جهة ما
أتى، ولا طالبًا للأمان لأنه قد أوجب على نفسه حكمًا من الإباحة لدمه وماله لم يكن قبل، فزال
عن الإيمان وهو أمر من جهة ما امتثل من الأوامر واجتنب من النواهي، وهذا القدر هو الذي
خفي عن الخوارج فجعلته كافرًا، وخفي على كثير من الناس، وجاءت في ذلك آثار مشكلة
اتبعها مَن لا بصر له بالتأويل فوقع في التخليط والشبهة. وقال أبو عيسى: رُوِيّ عن أبي هريرة
(عن النبي عليه السلام إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فصار عليه كالظلة فإذا زال عن ذلك العمل
عاد إليه الإيمان)، وقال عن أبي جعفر محمد بن علي أنه بزناه يخرج من الإيمان إلى الإسلام،
قال أبو عيسى: وقد رُوِيّ عن النبي عليه السلام في الزنا والسرقة أن (مَن أصاب من ذلك شيئًا
باب أداء الخمس من الدين، والمغازي: باب وفد عبد القيس، وفي المناقب: باب مناقب قريش،
س=
وفي الزكاة: باب وجوب الزكاة، والأدب: باب قول الرجل مرحبًا. (مسلم) الإيمان: باب الأمر
بالإيمان بالله تعالى ورسوله # وشرائع الدين.

٦٠
كتاب الإيمان/ باب ٦
٦ - باب مَا جَاءَ في اسْتِكْمَالِ الإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ
[المعجم ٦ - التحفة ٦]
٢٦١٢ - عقدنا أحمَدُ بْنُ مَنِيعِ البَغْدَادِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً. حَدَّثَنَا خَالِدٌ
الحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا
أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ»(١) .
وفي البّابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً وَأَنَسٍ بْنِ مَالِكِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلاَ نَعْرِفُ لأَبِي قِلاَبَةَ سَمَاعًا مِنْ عَائِشَةً.
فحدّ عليه فهو كفّارته ومَن ستر الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه)، وقال
غيرهم: أراد بقوله: (وهو مؤمن): كامل الإيمان، وقد بيّنًا تحقيقًا بديعًا في شرح القرآن
والحديث، ونقول في هذه العجالة: أما قوله أنه (يخرج منه الإيمان فيصير عليه كالظلة) فلم
يصح، وهو على حاله مثل الإشارة فيه إلى أنه قد صحّ بما طرق إلى نفسه من العقوبة، وهو
تحت ظل العقدة التي التزم لما هو عليه من المحافظة على ما بقي بعدما ترك، فإذا ترك ذلك
صار كله في ذلك الظل، وضرب الخروج مثلاً لما زال عنه من الحرمة. وما رُوِيَ عن أبي جعفر
من أنه (خرج من الإيمان إلى الإسلام) يعني به أن ما كنّا نظنه به من حقيقة عنده في طلب
الأمان لم يصح، وإنما هو مظهر انقيادًا ما ليس إلى حقيقته، فكان من جملة الأعراب الذين قالوا
آمنًا وقيل لهم: ﴿لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤] أي أظهرنا انقيادًا ليس صادرًا
عن يقين، واحتجّ أبو عيسى على الخوارج بقوله وله: (مَن أصاب من هذه الفواحش شيئًا فستر
الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) ولا يغفر الله الشرك وإنما يغفر ما دون ذلك
في المعاصي، وأما من قال: ليس بكامل الإيمان، فإن ذلك معنى صحيح، الإيمان يكون كاملاً
وناقصًا، وكذلك العلم، وظن جملة الأصحاب أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأنه عرض،
وذهلوا أن الأعراض تدخلها الزيادة والنقصان كما تدخل في الأجسام، ولذلك صار عرض أكثر
من عرض وسواد أكثر من سواد، فإذا قدّرت حركة أو سوادًا أو علمًا على أقل مراتب وجوده ثم
قدّرت إضافة مثله وأمثاله إليه فهو زيادة على ذلك الأصل المقدّر، فإذا قدّرت حذف ما زاد فقد
زاد بما انضاف إليه ونقص بما عدم منه، ولو قدّرت زوال ذلك الأصل لكان عدمًا، وهذا صحيح
في كل عرض وجسم. ومن كمال المؤمنين ما روى أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي عن عائشة
أن النبي عليه السلام قال: (من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله) حديث
حسن، لأن عبد الله بن زيد روى عن عبد الله بن يزيد رضيع عائشة أحاديث، فلما أسقط هذا
(١) (النسائي في الكبرى) عِشرة النساء.