النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ أبي بَكْرَةَ أَنَّ النّبيَِّ ﴿ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا))؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَّا رَأيْتُ كَأنَّ تثبيجًا(١) وفي رأيه تشتيتًا علم قصوره في القيام بالأمور، فإن أظهر سدادًا في رأيه ونظمًا في أفعاله تحقق كماله في نفسه وإكماله لغيره. وأما المنزلة الرابعة في الشجاعة وهي ثبوت العزائم عند تعارض العظائم، فإن من لم يكن في نفسه قوة على إظهار ما ينتهي إليه علمه والقيام بعقله وإمضائه لم ينتفع بما حصل عليه، ولا ظهر ثمرة ما وصل إليه. وأما المنزلة الخامسة في العفة فهي فيما يباشر تعاطيه بالإنصاف فيه لمعامليه، وذلك لأن المرء لا يمكنه أن ينفرد بنفسه في جميع أحواله، ولا أن يستبد بجملة أسبابه، ولا بدّ للآدمي من الاستعانة بغيره فلا بدّ من الإنصاف في معاملتهم والإمساك عمّا يجب لهم وبذل ما يتعيّن من حقهم، وإلا انفضّ مَن انضم إليهم، ولا يمكنه أن ينفرد بنفسه فضاع ما تقدم من خصاله وتهدم ما سبق من منازله. وأما المنزلة السادسة من الزهد وهو التقلّل من الدنيا للتكثّر من الآخرة، فإن من تمام ما حصل الخصال المتقدمة أن ينظر في العاقبة ولا يغتزّ بالمبدأ أو الفاتحة، فإن المقصود التمادي في الصلاح والاستمرار على السلامة، فأما العمل بما يقطعها والاسترسال على ما يُبطلها أو يعقبها ضذها سفه في الرأي، وغبن في الحظ، وأما المنزلة السابعة في معرفة منازل الناس فإنه تمام التدبير وكمال السياسة، فإن من لم ينزل أصحابه وجيرانه ومعارفه وملاقيه منازلهم اضطربت أحواله، وتناثر سدى أصحابه باختلافهم عليه، وهذه المرتبة مأمور بها كل أحد. قالت عائشة: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وأحقّ الخلق بها الأنبياء والأئمة ومَن يخلفهم من الأمر والعلماء والسادة والرجل في أهله، حتى لا يؤخر مقدّم ولا يقدم مؤخر فتشمئز القلوب وتستوفز الخواطر وتضطرب الأحوال، فمَن تألْفت فيه هذه المنازل فهو المقدّم، وليس من شرطه أن يكون من قرابة النبي عليه السلام، بل يقدم المولى إذا جمعها على القريب من النبي عليه السلام، فإن استولى المولى والقرشي قدّم القرشي. وقال مالك في إحدى روايتيه: يقدّم المولى أولى. وقد بيّنًا الحق في كتب الأصول، وهذا الأساس يكفي في القاعدة التي تريد أن ترتب عليها التقديم في المكانة والمكان لمَن تقدّم في الميزان فنقول: أما أبو بكر الصديق فلا يخفى أنه استولى على أمد السبق في هذه المنازل، وحاز قصب التقدم في هذه الخصال، أما منزلة التربية وذلك بحفظ العاجلة عن الفساد بالقانون الشرعي والآجلة عن الهلاك بالمحافظة على حدود الله أمرًا وزجرًا، ومحمد ﴿ هو الأعلى في هذه المنزلة العليا على جميع أهل الدنيا، فإنه حفظنا على العقوبة الدائمة، وهدانا إلى المثوبة القائمة، فكان خير البرية، وأبو بكر تلاه بما يجب عليه فوفاه، فله الفضل البالغ في معناه، فإنه ربى رسول الله 38 وقام بحفظه له، ونصره بنفسه وبماله عند معاندة العشيرة، وتظاهر الأعداء واستيلاء البلاء، والنبي عليه السلام ربّى عليًّا وأنفق عليه وزوجه، وكفاه المؤن الطارئة، ولا خلاف أن الأب والابن إذا اشتركا في الفضائل كان الأب أعلى منزلة من (١) التشبيج اضطراب الكلام وتفنينه وتعمية الخط وترك بيانه (م. ص). ١٠٢ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ مِيزَانًا نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ الابن، وتفاصيل التربية بالمال والنفس يأتي في بقية الكتاب منبهًا عليه إن شاء الله، وأما منزلة العلم فكان أبو بكر أعلم الأمة بعد رسول الله #، فليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو بما يظهر عند الحاجة إليه في الفتوى من الدراية، فأما السرد للمعلومات فإنما حدث عند فساد القلوب بطلب الظهور والتعالي على الأقران، والرؤيا في الأعمال، وقد ظهر علم أبي بكر في مواطن كثيرة أمهاتها: الموطن الأول: حين خرج عن جوار ابن الدغنة ورضي بجوار الله. الثاني: حين وجد النبي عليه السلام مخنوقًا مقهورًا فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وفي هذا علم وافر، وهو أنه لما أراد دفعهم عنه وذهب عنه الحول رجع إلى الحيلة بالعلم، فكأنه قال لهم أتقتلون رجلاً بغير ذنب إذ لم تنقموا عليه إلا أن قال ربي الله، وذلك أمر مختص به مع أنه اعتصم بالله الذي إليه يرجع الكل منكم ومن آلهتكم، فإذا تعلق بالأصل لم يستحق القتل على ترك الفرع. الثالث: قوله لأم قبيح حين قالت له إن محمدًا هجاني فحلف لها أنه ليس بشاعر وما هجاها فصدقته، وصدق، فإن الذم بالحق ليس بهجو وإنما الهجو عربية الذم بالباطل. الرابع: أنه لما بلغه أن النبي عليه السلام قال: ((أُسرِيّ بي إلى بيت المقدس)) وكذبه الناس قال أبو بكر: صدق، أنا أصدقه بأعظم من هذا، وهو خبر السماء. وهو قياس الأولى الذي خفي على كثير من العلماء، وهو جائز في المعقول والمنقول. الخامس: قال يوم الحديبية لعمر مثل ما قال له رسول الله بعينه، حتى استراب المسلمون برجوعهم حين دخول المسجد الحرام، وقد قال الله لهم: ﴿لتدخلنّ المسجد الحرام﴾ [الفتح: ٢٧] فقال له: إنك آتٍ البيت ومطوف به، إن النبي عليه السلام لم يقل لك العام فسيكون فيما بعد. وقال له: أليس رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل فلِمَ نعط الدنية في ديننا؟ فقال له: إنه رسول الله، فاستمسك بغرزه. وهذه الموافقة لرسول الله عظيمة، ومعرفته بصحة العاقبة وصواب الحال المعقولة علم عظيم ونظر قديم لم يتفطن له غيره. السادس: قال النبي عليه السلام: ((إن عبدًا خيّره الله بين الدنيا وما عنده فاختار ما عنده)). فبكى أبو بكر والناس يتعجبون، وفهم أبو بكر أنه 8# هو المراد. السابع: أنه لما سمع ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] وخرج الناس معجبين به، قال لهم: ما من شيء تمّ إلا نقص، وعرف موته وعرف دفنه وكيفية غسله والصلاة عليه وتكفينه. وجاء بالخطبة العظمى في موته فقال: مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلا الآية فكأن الناس لم يسمعوا بها قطّ. ١٠٣ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجْحَ عُمَرٌ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ، فَرَأْنَا الْكَرَاهِيَّةَ في وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﴾(١). الثالث عشر (٢): أنه حزن عثمان حزنًا عظيمًا لأنه لم يسأل النبي عليه السلام عن نجاة الأمة فقال أبو بكر: لكني سألته فقال: ((الكلمة التي كنت أدعو إليها عمّي) فأبى أن يقولها. الرابع عشر: اتفق على إثبات الميراث أزواجه وقرابته، وطلبوا ذلك من أبي بكر وقال لهم: إن رسول الله ) قال: ((لا نورث، ما تركنا فهو صدقة) فأذعنوا لقوله أو تذكروا ما كانوا نسوه من عهده، وقد بيّئًا ذلك في غير موضع، والصحيح أنهم تذكروه، فإن عليًّا والعباس أقرّ! به . الخامس عشر: طلب الأنصار الإمام فخطب تلك الخطبة الغرّاء، ونقل عن النبي عليه السلام أن الأئمة من قريش، واحتج بأن النبي عليه السلام وصّى بالأنصار، ولا يوصي بهم ولهم الأمر، فعظم الخطب في ذلك واشتدت البلوى، ففرجها الله بأبي بكر. الثامن عشر: أرادوا تأخير جيش أسامة فأبى، وقال: ((لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء أهل المدينة ما رددت جيشًا أنفذه رسول الله. قيل له: قد ارتدت العرب، وهو: التاسع عشر: فمع من تقاتلهم؟ قال: وحدي، حتى تنفرد سالفتي ولو رد جيش رسول الله ﴾ لما نفذ لأحد أمر أبدًا، ولكان الناس في إمضاء ورد دائم. الموفي عشرين: قال: والله لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنها حق المال لقوله *: ((إلا بحقها)، وكان الصواب معه، والعلم والاستنباط، ففزع الروم وقالوا: ما ضرّهم موت نبيّهم، وفزعت الأعراب من شجاعته وعجبت من صرامته. وأما منزلة التدبير فكان فيها على غاية المعرفة. انظروا أولاً إلى حسن تدبيره في أسامة وأخذ الزكاة، انظروا إلى ولاته كيف عدل فيهم على قرابته، ولحظهم بعين فراسته: اختار لوزارته عمر، فقال لأسامة: اتركه لي، واختار للكتابة عثمان، وولّى الشام أبا عبيدة، وولّى الوليد خالد بن الوليد، وأنفذ عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن، وأنفذ يزيد بن أبي سفيان، وولّى المهاجر بن أبي أمية المخزومي وزياد بن لبيد الأنصاري باليمن، وأرسل أبا عبيد بن مسعود الثقفي إلى العراق، فانقاد الناس كلهم له لحسن تدبيره وسداد اختباره، وسلموا ولم يعترضوا، وسكنوا ولم يضطربوا، وسدد الله الجمهور على الأمور، وقتل من بعده غيلة، والذي بعده عنوة، واضطرب الحال على عليّ فلم يتفق له لحظة، وكلما أراد أبو بكر من قتل في قتال وفناء المقتولين تأتي مع قلة عدده وكثرة عدد من نازعه، (١) (أبو داود) السُّنّة: باب في الخلفاء. (٢) كذا في الأصل وهذا النوع يتكرر كثيرًا ولعله أدمج ما سقط من العد في السابع من الخطبة والتكفين والصلاة والغسل والدفن (م. ص). ١٠٤ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ قَالَ ابُو عیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ونوزع عليّ فأظهره الله على مَن ناوأه في الخوارج، ثم انتشروا في البلاد، وأما منزلة الشجاعة فلم يكن في الصحابة أقوى قلبًا، ولا أثبت في الروع جاشًا، ولا أفزع في الكروب فؤادًا منه، لو لم يكن إلا قوله في العريش للنبي عليه السلام وهو مع النبي عليه السلام وحده فيه: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك وهو منجز لك ما وعدك. وثبت عند موت النبي عليه السلام وقد اضطربت قلوب الناس وعقولهم، وعند الرذة حيث لم يبق خارج المدينة أحد إلا كان عليه، وقال: لأقاتلتهم وحدي، وكانوا ثلاثين ألف مقاتل، ارتدّت فزارة وزعيمهم عيينة بن حصن، وارتدت عامر وغطفان ورأسهم قرّة بن مسلم القشيري، وارتدّت طائفة من سليم وزعيمهم الفجاءة بن عبد ياليل، وارتدت اليربوعية من تميم ورأسهم سجاح بنت المنذر، وارتدت خمس قبائل من كندة، وارتدّت السكون والسكاسك وزعيمهم الأشعث بن قيس، وارتدت بنو بكر وزعيمهم الحكم بن زيد، وانضاف إليهم قبائل مع المنذر بن النعمان بن المنذر الملقب بالمقرور، وكل واحد من هؤلاء الزعماء في جيش يضيق عنه الفضاء، وارتدت بنو حنيفة واتبعوا مسيلمة، وارتدت الأسدية واتبعوا طليحة، وارتد الأسود بن كعب العنسي وتبعه كثير من قومه وكان في نفسه معدودًا بألف فارس، فما بالى عنهم الصديق ولا أقام لهم وزنًا، فما قاتل أحدًا إلا أباده الله، وبقايا مخالفي عليّ دائمون إلى يوم الدين، وأما منزلة العفّة والاتصاف بها فإنه فيها غاية، خرج عن ماله وأبلى ذات يده حتى لا يحتاج إلى منازعة، فلما وكّل قطّ في قضية ولا جاء أبواب القضاء، ولا وّل ولدًا، وخاصم عليّ ووكل عقيلاً، ولم يشتغل بعد النبي عليه السلام باكتساب مال ولا باقتنائه حتى لا يحتاج إلى الانتصاف والاستعداء عليه، وكان من إنصافه حكمه على ابنته وعلى آل الرسول مع ما كان يعتقد من تعظيمه له ومحبته لقرابته وصلته لهم، ولم يخشّ في الله لومة لائم. وأما منزلة الزهد في الدنيا فخرج عن جميع ماله في حاله، وأنفق على رسول الله * جميع ما ملكه في حال عسرته، حتى قال: ((ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكرا، وقيل له: ما خلفت لعيالك؟ قال: الله ورسوله، ولذلك احتاج حين وَلِيَ أمر المسلمين إلى أن يفرض لنفسه ما يحتاج إليه وعياله، فلما حضرته الوفاة رة إلى عمر اللقحة والعبدين اللذين كانا عنده ليجعله في بيت مال المسلمين، فقال عمر: لقد أتعبت الخلفاء بعدك، وكان له يوم أسلم ثمانون ألف دينار فأنفق جميعه على رسول الله #1، وأمر أن يكفن في خلق، وقال: الحيّ أولى بالجديد من الميت، وقد شهد الله له بذلك في قوله: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تُجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى﴾ [الليل: ١٩- ٢١]، وأخبر أنه إنما فعلها لوجه الله لا طلبًا للنعيم ولا خوفًا من الجحيم، فكان أبلغ ممن قيل فيه: ﴿إنّا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا﴾ [الإنسان: ١٠] ﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا﴾ [الإنسان: ٥] فأخبر أن ذلك الفعل إنما كان خوفًا من الجحيم ورغبة في النعيم، وكان يقول: أقيلوني، فيرغب عنها وغيره رغب فيها ودافع عنها، واقتصر على القليل من النساء وغيره تزوج ١٠٥ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ واشترى ما ظهر له الأولاد منه والأموال. وأما تنزيل الناس منازلهم فقد كان النبي # ينزل أبا بكر وعمر منزلة الوزير والجليس والصاجب، وقدم عليًّا للدفع والذب، وقدم أبا بكر للصلاة، وقد قال النبي عليه السلام: ((لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً))، وأمر بسد الأبواب كلها التي كانت شارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر، واختصّه بالصحبة في الهجرة، وكان معرضًا في ليالي العار والطريق إلى ما كان عليّ معرضًا له ليلة واحدة. قال ابن العربي: فإن نظرت إلى قلبه وجدته لوذعيًّا، وإن نظرت إلى قوله رأيته أحوذيًّا، وإن نظرت إلى سيرته ألفيته ربانيًّا، نسيج وحده لا خلل فيما يظهر من عنده. ذكر عمر وكان عمر تاليًا له في هذه المراتب، كان ظهور الإسلام على يديه، فرباه وأنماه وأظهره وأعلاه وأما العلم فكان محدثًا ملهمًا، وهذا فوق علم النظر وزائد عليه، وكان ينزل الوحي بوفقه، وقد وافق عمر ربه في اثنتي عشرة مسألة بيناها في شرح الصحيحين، وما وافق عليّ قطّ ربه في واحدة، ولقد خان نفسه في وطء أهله فجعل الله ذلك رخصة للأمة في إباحة الوطء ليلاً. قال علماؤنا: وليس هذا تعرّضًا للنقص لأحد، وإنما هو تفصيل من المناقب، وقد كان في زمانه من نوازل المسائل ومشاورته الصحابة وضبط الإجماع وحصر معارك النظر ما لم يكن لغيره، وغيره رأى: تحليف الراوي، وقتل شارب الخمر، وقطع اليد والرجل من أطراف الكف والقدم، وتوريث المعتق نصفه، ومقاسمة الجدّ الأخوة وإن نقصوا عن السدس، وتوريث ولد الأخوة معه. وأما السياسة فإنه انتهى منها مع القصد والتواضع في المأكل والملبس إلى أن دان له العرب والعجم، وغلب المخالف بالمؤالف، وكانت درته أعظم من سيف غيره، وقد كان كسرى في أربعمائة من خاصته، فما دان له العرب والعجم، بل كان يتحيف من كل جانب تأخر أو تقدم، وأخرج اليهود من جزيرة العرب، وملك الكنوز وسور سراقة بسواري كسرى حسبما وعده به رسول الله عليه السلام، وأمِنَّ البلاد حتى تخرج الظعينة من المدينة إلى الحيرة لا تخاف إلا الله. وأما منزلته في الشجاعة فأول أمره فيه شهره سيفه وقوله: لا يعبد الله سرًّا، وقد عارض جمع قريش فيه، وحمل الناس القليل الذين أسلموا معه على أن يقاتلوا أهل الأرض لشجاعته وقوة قلبه ورعبه في قلوب الخلق جاهلية وإسلامًا، وبهذا دعا رسول الله ## أن يعز الله به الدين. وأما منزلته في العفة والإنصاف فقد ظهرت في طول مدته ظهورًا، لا خفاء لأحد به، ولا يحصره العدد ودون العطاء وقدر المقادير ورتب المنازل، وفضل بعلمه وسوّى أبو بكر بعلمه، وشاور كيف يعمل فقيل له: ابدأ بنفسك ثم الأقرب فالأقرب، فقال له: ذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، بل بدأ برسول الله وقرابته، فلما فعل ذلك حصل في الدرجة الثانية من قرابته. ومن إنصافه أنه قدّم أسامة على ابنه عبد الله، ومنزلته في ١٠٦ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ الزهد أكبر من أن تسطر فإنه أعرض عن جميع ما وصل إليه، وأخذ من الفيء على يديه، وقد جمعت سيرته في ذلك فكانت أسفارًا، وملازمته القفار وترك التأدم لأجل الناس زهد وإنصاف، ومنزلته في التدبير، عظيم في الأمور، لا نطول بذكرها لاشتهارها، وكذلك التنزيل حتى كان الطرطوشي يقول لي: لو قال أحد بتقديم عمر على أبي بكر لقلته، فقلت له: عمر من حسنات أبو بكر ومن فضائله. ذكر عثمان وأما عثمان فإن فضله على مَن بعده في المنازل السبعة ظاهر، أما منزلة التربية فإنه أنفق المال عند الحاجة وبذل فيه ما لم يبذله غيره، وخصوصًا جيش العسرة، فإنه أعطى فيه ألف مثقال، وجهز بالجمال وأحمالها، وحفر بئر رومة. وأما منزلته في العلم فإنه لم تجمع الأمة على ترك فتوى له إلا مسألة واحدة، وقد جمع القرآن وحفظه، وبثّ المصاحف في الأقطار، ولولا ذلك هلك الناس، ففعل فيه فعل أبي بكر حتى ضبط الإسلام. وأما منزلة السياسة فقد دبر الناس عشر سنين ما نقموا عليه فيها ما ينبغي، إلاّ فساد نياتهم وخبث سرائرهم ونفوذ القدر على أيديهم، فإن قيل: قدم قرابته في الولايات والعطاء، قلنا: اجتهاد أدّاه إليه نظره، وبه نقصت مرتبته عمّن كان قبله. وأما منزلة الشجاعة فقد ثبت قلبه عند تحمل شروط البيعة وما كي عنها وتأخر عنها عليّ، وهذا يدل على ثبوت قلب عثمان وصرامته، فوفى بشرطه وعمل بالكتاب والسُّنّة، وسار بسيرة أبي بكر وعمر في القضاء بالنص ثم بالاجتهاد، لأن تقليدهما لا يجوز فلا يدخل في شرط البيعة، وظن عليّ أنه يشترط عليه التقليد فنفر عن ذلك، وأشكل التمييز بينه وبين عليّ، فبرز عثمان بالذكاء والفتنة والقوة والصرامة. وأما منزلته في العفّة والإنصاف فإنها تقارب منزله من قبلة في الجري على السداد وقطع الأطماع وصيانة الحال عن الفساد. وأما منزلته في الزهد ففوق منزلة مَن بعده، فإنه كان قادرًا على كفّ مَن قام عليه بعشيرته وأصحابه وأصحاب محمد، فتوزّع عن ذلك وأسلم نفسه صيانة لدماء الأمة أن تُراق من جهته، وهذه هي الغاية مع موالاة الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وترجح على غيره بالسابقة والغناء والهيبة حتى استحيت منه الملائكة، والسكون والحلم والسخاء والنفقة على الإسلام، وزاد بصيرة على البلاء العظيم والغبن الكثير والقتل والبغي والتخاذل عن النصرة. وفي نسخة يحيى بن معين التي جلبتها ولم يسبقني أحد عليها: أخبرنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن صالح، أخبرنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف: كنّا عند شفى الأصبحي فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله # يقول: ((يكون خلفي اثنا عشر خليفة: أبو بكر رضي الله عنه لا يلبث إلا قليلاً، وصاحب رحا دارة العرب يعيش حميدًا ويموت شهيدًا»، قالوا: ومَن هو؟ قال: ((عمر بن الخطاب))، قال: ثم التفت إلى عثمان فقال: ((يا عثمان إن ١٠٧ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ كساك الله قميصًا جديدًا فأرادك الناس على خلعه فلا تخلعه، فوالذي نفسي بيده إن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط». ذكر عليّ أما منزلته في التربية فإنه لما عقل هجر أباه وأمه ونشأ في حجز الإسلام، وجنبه الله مخالطتهم في الدناءات ومتابعتهم في عبادة الأصنام، واختاره النبي عليه السلام لابنته لدخلته، والأفاضل لا يفعلون هذا إلا على الاختيار، فاختياره له من بين عشيرته دليل على فضيلته، وكانت منزلته في ذلك منزلة الولد، وربى على زوجه وسباطه فصار مربى رابًا، جمع في التربية بين طرفيها ولكن دون المنزلة الأولى. وأما منزلته في العلم فإنه مع صغر سنه أدرك فيه بالأكابر، وتفطن للدقائق، وأفتى الخلفاء وعوّل عليه في الفتوى، ولم تكن له المسألة المعروفة بالمنبرية، وجوابه فيها على البديهة بأحسن جواب وأخصر عبارة، ولم يشغله ما كان فيه من الخطبة. وأما منزلته في السياسة والتدبير فإنه لما أبتلي بكثرة المخالف واضطراب الأمر جرى في ذلك على أن مجرى بالمداراة لهم والدعاء إلى الحق حتى تبين له الباطل، فقتل أهله، ولولا ذلك ما بقي للإسلام في تلك الفتنة رسم. وأما منزلته في الشجاعة فظاهرة: بات على فراش النبي عليه السلام فداء له بنفسه، ويرز يوم بدر وخيبر وغير ذلك مكاشفًا لأعداء الله، وذلك ظاهر جدًّا. وأما منزلته في الفقه والإنصاف فكان لا يستأثر بالعطاء وترك الديون مخافة التفضيل حتى اضطرب الأمر فعاد إليه، ومن عدله وحسن سياسته أنه لم يدخر مالاً ولا حبسه ساعة، ومن إنصافه إجابته إلى التحكيم مع ظهور فضله على مَن تحاكم معه. وأما منزلته في الزهد فإلى الغاية، فإنه لم يطلب الإمامة ولا نازع فيها حتى صارت إليه حتى عدّ ذلك أهل الجهالة من أتباعه أنه فعل ذلك تقية، وإنما فعله إعراضًا عن الدنيا، فلما قتل عثمان لم يسعه القعود ولا جاز له تضييع الخلق مع صلاته وصومه، وسار بين الأعداء والمخالفين أحسن سيرة حين لم يذفف على جريح ولا نهب مالاً ولا استرقّ حرمة، وسن الحكم في حرب المسلمين، وهذه منازل شريفة ولكن دون مَن تقدّم، بدليل أنه لم يجعل في الميزان لمقاربته من بعده وبعده عمّن قبله. مقامة: وقد بقي النظر في فضل موضعه، وهو تحقيق الفضائل على التعيين، فرأينا تعجيله هاهنا لئلا تتفرق المواضع على الطالب فيعسر عليه ضمّها، فنقول: إن أبا بكر إذا وزن بالأمة رجحهم من وجوه: الأول: أنه أول الخلق إسلامًا. قال النبي عليه السلام لعمرو بن عبيدة حين قال له: من اتبعك على هذا الأمر، قال: ((حرّ وعبد) يعني: أبا بكر ويلالاً، فإن كان عليّ أسلم فلم يعتدّ به لصغره. وقال حسان بحضرة النبي عليه السلام: فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة ١٠٨ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ ٢٢٨٨ - حقثنا أَبُو مُوسَى الأَنْصَارِيُّ. حَدْثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَّيْرٍ. حَدَّثَنِي عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةٌ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ عَنْ وَرَقَةً فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: إِنَّهُ كانَ صَدِّقَكَ وَلِكِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ، فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: (أُرِيتُهُ فِي الْمَّنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِيَاسَ غَيْرُ ذلِكَ)). بعد النبي وأوفاها بما حملا خير البرية أتقاها وأعدلها وأول الناس منهم صدّق الرسلا الثاني التالي المحمود مشهده الثاني: أنه أول مَن بنى مسجدًا وتجرّد للعبادة فيه. الثالث: أنه أول من دعا الناس إلى الحق فأسلم على يديه بشر كثير: العشرة إلا عليًّا وعمر، ويقال: إن مَن أسلم بدعوة أبي بكر أكثر ممن أسلم بالسيف، يعني: في الغناء والمنعة لا في العدد. الرابع: أنه أول من فدا من عذاب الله كبلال وآل ياسر وسواهم. الخامس: أنه أول مَن فدى رسول الله بنفسه وانتزعه من أيدي أعدائه، وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. السادس: إيثار النبي عليه السلام واستبقاؤه حبيبه في العريش مع نفسه منزلة الصاحب المشير، ونكاية الرأي في الحرب أشد من نكاية القتال، قد يكون شجاع لا رأي له، ولا رأي إلا لمن له شجاعة وثبوت جأش. السابع: أنه أفتى في زمان النبي عليه السلام وبحضرته في قتيل حُتَين، وفي تفسير الرؤيا في الظلة، وفي رؤيا المرأة. الثامن: أنه أول عالم بالرؤيا وتأويلها، ولا يكون ذلك إلا لمتبخّر في العلوم كلها، فإن تفسير الرؤيا لا يستمد من بحر واحد بل أصله الكتاب والسّنّة، وأمثال العرب، وأشعارها، والعُرْف، والعادة. التاسع: أنه أول مَن فتح المقفل، وحلّ العقدة، وبيّن العلم، وجمع الكلمة، ونظم الشتات، وقطع العصبية، وذلّل النخوة، وقام بالحجة، وسكن الدهماء، وأزال الفرقة. العاشرة: أنه كان جليس النبي عليه السلام وضجيعه. قال ابن العربي: فهذه جملة كافية في معرفة مقدار الموازين في الرؤيا. التفات: قوله: (فرأينا الكراهية في وجه رسول الله (1) يحتمل أن يكون النبي عليه السلام كره وقوف التخيير وحصر درجات الفضائل في ثلاثة، ورجا أن يكون في أكثر من ذلك، فأعلمه الله أن التفصیل انتهى إلى المذکور فیه فساءه ذلك، وحمد الله على ما وهبه. وقد روى أبو داود: ((فاستاء لها» افتعلها من الإساءة، وذكر عن جابر أنه أرى الليلة رجل صالح، أن أبا بكر نيط برسول الله*، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط بعثمان عمر، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله* قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله، وأما نوط بعضهم ببعض فهم ولاة الأمر الذي بعث الله به نبيّه، والنوط هو التعلق، نوط الشيء بالشيء هو تعليقه به، فنيطوا ثم وزنوا أو وزنوا ثم نيطوا، وربك أعلم. حديث: قوله في حديث ورقة (إني رأيته وعليه ثياب بيض ولو كان من أهل النار لكان عليه غير ذلك) فيه: ١٠٩ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ قَالَ: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ بِالقَوِيِّ. ٢٢٨٩ - هذانا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبُرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةً. أخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌ِ لَ﴿ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ قَالَ: رَأيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنٍ فِيهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَنَزَعَ فَاسْتَحَالَتْ غَزْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَغْرِي فَرْيَهُ حتى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ(١). الأولى: ورقة كان امرءًا تنصّر في الجاهلية وقرأ الكتب، وكان زمن الفترة، وأدرك النبي عليه السلام في أول الوحي، وجرى بينهما ما رُوِيّ في الصحيح وغيره، ويشر بالنبي عليه السلام ومدحه في أشعاره، وحثّ عليه وحضّ على أتباعه، فسألته عائشة عن مآله، فلم يكن عند النبي عليه السلام نص على مآل أمره لاحتمال أن يكون صدقه على الجملة دون التفصيل، أو آمن على التفصيل، والذي صح أنه جرى بينه وبين النبي عليه السلام مجلسان: أ- ١٨٠ حين جاءه في نزول الوحي، والثاني: حين لقيه بأسفل بلدح وفتحوا سفرتهم ودعاه إلى الأكل، فقال ورقة: إني لا آكل مما تذبحون ومضى، والأمر موقوف فأسلمه النبي عليه السلام إلى علم الله فيه، لكن استدلّ على حسن مآله بثيابه فإنها بياض، والبياض ممدوح شرعًا قولاً وفعلاً، وكذلك الخضرة، وأما السواد فهو مذموم شرعًا، وهي صفة النار وأهلها، فلما كان أبيض خرج بذلك عن أهل النار، مع أن الحديث في قول أبي عيسى ليس بقول. حديث الدلو روى عبد الله بن عمر (أن النبي عليه السلام قال رأيت الناس اجتمعوا فنزع أبو بكر ذنوبًا أو ذنوبين وفيه ضعف والله يغفر له ثم قام عمر فنزع فاستحالت غربًا فلم أرَ عبة مَّا يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن) صحيح غريب عن ابن عمر، الإسناد: رواه أبو داود فقال عن سمرة: إن رجاء قال للنبي عليه السلام: رأيت كأن دلوًا دلى من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عليّ فأخذ بعراقيها (١) (البخاري) التعبير: باب نزع الذنوب والذنوبين من البئر بضعف. والمناقب: باب علامات النبوّة في الإسلام وفضائل الصحابة: باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضي الله عنه. (مسلم) فضائل الصحابة: باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه. ١١٠ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. وهذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. فانتشطت ونضح عليه منها شيء. يرويه حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن سمرة، ولم يلحق بالأول في الصحة فربك أعلم به. رواه ابن قتيبة قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الله، أخبرنا محمد بن بشر العبدي، عن عبيد الله بن عمر، عن أبي بكر بن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، قال: رأيت في النوم أني أنزع على قليب بدلو بكرة، فجاء أبو بكر فنزع نزعًا ضعيفًا والله يغفر له، إلى قوله بعطن بنحوه. الغريب: قوله: (دلى) أرسل، دليت أرسلت، وأدليت ناقتي سرت بها نوعًا من السير لينًا، ودليت الدلو إذا رفعتها. العراقي أعواد تجعل مخالفة على فم الدلو ويعلف فيها الحبل، وقوله: (تضلع) امتلأت أضلاعه وانتبر جنباه وخاصرتاه. الانتشاط الاضطراب حتى يسقط بعض ما فيها أو كله. وقوله: (نزع) أي استقى، ولنزع معاني كثيرة. والذنوب الدلو الكبيرة تكون من جلد ثور. والعبقري الرجل العظيم القوة، وأصله في كل شيء غريب سابق في بابه. والعطن برك الإبل وأظهره عند الماء، والقليب البئر غير المطوية. فوائده: في ست عشرة فائدة: الأولى: الماء خير على الإطلاق إلا أن ينضاف إليه ما يخرجه عن غالب أمره أو عن وضعه في أصله، والدلو آلة من آلاته. ضرب في المنام مثلاً عن الحظ الذي أعطاه الله لنا، وتعبر العرب عن الحظ بالدلو، وخصوصًا بالذنوب، قال العجلي: وفي كل حيّ قد حظيت بنعمة فحقّ لشاس من نداك ذنوب الثانية: وهي غريبة جدًا. اعلموا أنه ليس تقديره بالدلو دليلاً عل صغر الحظ، وإنما قدر بالدلو عبارة عن التمكّن منه، وإنما يتمكن منه في الدلو وإلا فحظنا في الخير يملأ السموات والأرض وأعظم من ذلك وأكبر. الثالثة: قوله: (نزل من السماء) وهي خزانة الرزق ومحل الخير، منها ينزل وعنها إليها يرحل. الرابعة: إذا أنزل من السماء كان أجلّ قدرًا وأبرك منفعة، ولا سيما إذا كان حديث العهد لم يلبث، وكان النبي عليه السلام إذا نزل المطر خرج إليه فيتمسح به ثم يقول: ((هذا حديث عهد بربه)). وقال في خبر ابن قتيبة: ((أنزع على قليب))، وهو معارض بخبر نزول الدلو من السماء، فإما أن يكونا خبرين، وإما أن يكون خبر ابن قتيبة ضعيفًا فلا تعارض، وإما نزلت الدلو من السماء إلى البئر ونزع بها عن البئر. قال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر﴾ [المؤمنون: ١٨]. ١١١ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ الخامسة: في حديث ابن قتيبة (نزع النبي عليه السلام ثم أبو بكر) وهو غريب، وكذلك كان، فالله أعلم بصحته. النبي عليه السلام قبل أبي بكر، ثم أبو بكر وعمر. السادسة: قوله: (على دلو بكرة) يعني صغيرًا، لأن البكرة لا يستقى بها على الغرب. السابعة: قوله في الرؤيا الأولى: (فنزع ذنوبًا أو ذنوبين) عبارة عن قصر المدة وإنها كانت خلافته عامين. الثامنة: قوله: (وفي نزعه ضعف) قالوا هو إشارة إلى قصر المدة لا إلى تقصير وقع منه، لأنه لم یکن. التاسعة: فإن قيل: فلأيّ شيء قال: (والله يغفر له) قيل له: ليس هذا الدعاء لتكفير تقصير، وإنما هو لأن النبي عليه السلام لما رآه مدة قصيرة قال: (والله يغفر له) أي يرضى عنه فيعطيه ثواب أطول مدة وأكثر عمل، وكيف تكون مدة قصيرة ومدة عمر وعثمان من جهة، وكذلك الناس الفضلاء والولاة العدول بعده. العاشرة: ألا ترى إلى قوله في الرؤيا الثانية: (فشرب حتى تضلع) وهذا يدل على أنه قد بلغ حاجته في الريّ، ولم يكن تقصير ولا حاجة. الحادية عشرة: أخذ بعراقيها يريد صواب العمل في الشرب في التناول له من جهته وعلى صفته . الثانية عشرة: فيها مباشرة الأمور بأنفسهم، ألا تراهم لم يقولوا في المنام: اسقونا، ولا ناولهم سواهم، وكذلك الوالي إذا كان عدلاً باشر بنفسه ولم يحتجب. الثالثة عشرة: قوله في كل واحد منهم: (شرب حتى تضلع) مثل لصواب عملهم وسداد فعلهم وانتهائهم إلى الغاية الواجبة عليهم وحصولهم على كمال ثواب عملهم. الرابعة عشرة: قوله في ذكر عمر: (فاستحالت غربًا) إشارة إلى طول مدته والتمكين واتصال الطاعة وافتتاح البلاد، كما كان الضعف في نزع أبي بكر عبارة عن الردّة، واختلاف الكلمة وكثرة المنازع. الخامسة عشرة: قوله (حتى ضرب الناس بعطن) مثل لتمهيد البلاد وتوطئته وتوطيد الخلق فيها بعد التمتع بالمتاع وعموم المعاش والانتفاع. السادسة عشرة: تفطنوا رحمكم الله إلى الإعراض عمّا جرى لعمر من قتله غيلة، وعمّا جرى لعثمان من قتله غلبة، والغاية في جنب ما أقاموا من الدين، وحاطوا من المسلمين، وعفوا ١١٢ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ ٢٢٩٠ - حقّثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رُؤْيَا النّبِيِّ : ﴿ قَالَ: رَأيْتُ امْرَأةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ حتى قَامَتْ بِمَهِيْعَةً وَهِيَ الجُحْفَةُ وَأوَّلْتُهَا وَيَاءَ المَدِينَةِ يُنْقَلُ إلى الجُحْفَةِ (١). قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. من الكافرين، وأعفوا من الصالحين، حين كانت ميتتهما شهادة، فلم تؤثر صفتها في الشهادة، وكذلك عدوان الأشرار لا يؤثر في مراتب الأخيار. السابعة عشرة: انتشاطهما على علي بن أبي طالب مثل لاضطراب الأمر عليه حتى تبدد من الماء عليه، وهو مثل الذي نزل به من المكروه، وإنما عاد مكروهًا لأنه نشأ عن اضطراب وهكذا حال المعاني في الرؤيا مع الفوائد والأسباب والقرائن، فغلب أعراضها وتنوّع أغراضها، والله أعلم. حديث ابن عمر: عن رؤيا النبى عليه السلام (قال: رأيت امرأة ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة فأولتها وباء المدينة ينتقل إلى الجحفة). العارضة فيه: أنه حديث صحيح متفق عليه، ورؤية المرأة في المنام تتصرف على ألف درجة جمعها علي بن أبي طالب في منظوم شعر، والسواد مطلقًا مكروه، والبياض مطلقًا محبوب، وقد يقترن بالسواد ما يخرجه إلى الخير، وقد يقترن بالبياض ما يخرجه إلى الشرّ، وإنما كانت المرأة السوداء مكروهة في بلاد البيضان لأنها خلاف العادة، وامرأة سوداء في بلاد السودان لا تنكر، وأما كونها ثائرة الرأس فزيادة في الكراهة لأنها عبارة عن سوء الحالة في اليقظة، والرؤيا مثلة ومثالة، وشعث الرأس مذموم على الإطلاق، والترجل محمود، وقد بيّاه في الكلام المتقدم على التفصيل، وضرب المثل لذهاب الوباء بخروج السوداء، وذلك لحكمة: وهو أن النبي عليه السلام كان داعيًا في ذهاب الوباء عن المدينة وانتقاله عن الجحفة، لكون المشركين بها حينئذ، وكان يتوقع الإجابة ويتوكف بلوغ الأمل منها، فلما رأى هذه الرؤيا ردّها إلى ما كان ينتظر، وكذلك يفعل المعبّر فيما ينزل به من المنامات يرذها إلى ما تتشوّف إليه النفوس وتتعلق به القلوب. (١) (البخاري) التعبير: باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوّة وأسكنه موضعًا آخر. وباب المرأة السوداء. وباب المرأة الناثرة الرأس. (النسائي في الكبرى) التعبير: باب السوداء. (ابن ماجه) تعبير الرؤیا: باب تعبير الرؤيا. ١١٣ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ ٢٢٩١ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيَّ الخَلاَّلُ. حَذَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ: ((في آخِرِ الزَّمَانِ لاَ تَكَادُ رُؤْيَا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَضْدَقُهُمْ حَدِيثًا، وَالرُّؤْيَا ثَلاَثٌ: الحَسَنَةُ بُشْرَى مِنَّ اللَّهِ، وَالرُّؤْيَا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ بِهَا نَفْسَهُ، وَالرُّؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يَكْرَهُها فَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلْ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُعْجِبُنِي القَيْدُ وَأَكْرَهُ الغُلِّ. القَيْدُ: ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ، قَالَ: وَقَّالَ النَّبِيِّ ◌ِهِ: ((رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ الثُّبُوْةِ»(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ هذا الحَدِيثَ عَنْ أَيُّوبَ مَرْفُوعًا، وَرَوَّاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَوَقَفَهُ. ٢٢٩٢ - عقدها إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الجَوْهَرِيَّ. حَدِّثَنَا أَبُو اليَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ أبي حَمْزَةً عَنِ ابْنِ أبِي حُسَيْنٍ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ نَافِعِ بْنٍ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: «رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأنَّ في يَدَيَّ سِوَارَيْنٍ مِنْ ذَهَبٍ فَهَمَّنِي شَأْتُهُمَا فَأُوحِيّ إِلَيَّ أنْ أَنْفُخَهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارًا فَأَوَّلْتُهُمَا كَاذِبَيْنِ يَخْرُجَانٍ مِنْ بَعْدِي يُقَالُ لأَحَدِهِمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ اليَمَامَةِ وَالعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ))(٢) . حديث: (رأيت في المنام كأن في يدي سوارين) إلى آخره، يرويه أبو هريرة، رواه عنه ابن عباس، وهو من المدبج في رواية الصحة عن الصحابة، والنكتة فيه غريبة من التعبير، وهو أن السوار من آلات الملوك، قال الله سبحانه مخبرًا عن الكفار ﴿فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب﴾ [الزخرف: ٥٣] واليد في العربية عبارة عن معانٍ كثيرة، منها: القوة، والسلطان، والقهر، والغلبة. تقول العرب: ما لي بهذا الأمر يدان، ولذلك أوله النبي عليه السلام على منازع له، وذلك من جهة أن السوار من هيئة الملوك فكنّى به الملك عنه، وضرب المثل به، ويحتمل أن يكون ضرب المثل بالسوار كناية عن الأسوار، وهو الملك، وحذف له الملك الهمزة، وكثيرًا ما يصرف الملك الأمثال بالحذف من الحروف وبالزيادة فيها، وهو معلوم عند أهل الصناعة وارد في الآثار، والنكتة التي لم أرَ بشرًا يعلمها ففتح الله عليّ بفضله فيها فأسأل الله أن يعظم الأجر عليها، وأن ينفعني وإياكم بها قوله في الحديث: (كذابين يخرجان بعدي) فما الذي يدلّ على أن (١) (مسلم) الرؤيا: في فاتحته. (٢) (البخاري) المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام. والمغازي: بأب وفد بني حنيفة وحديث= عارضة الأحوذي/ ج ٩/ م ٨ ١١٤ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ قَالَ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ٢٢٩٣ - عقدنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحمَّدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أنَّ رَجُلاً جَاءَ إلى النّبِيِّ فَقَالَ: إِنِّي رَأيْتُ اللَّيْلَةَ غُلَّةٌ يَنْطِفُ مِنْهَا السَّمْنُ وَالعَسْلُ وَرَأيْتُ النَّاسَ يَسْتَّقُونَ بِأَيْدِيهِمْ فَالمُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ وَرَأيْتُ سَبَبًا وَاصِلاً مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وَأَرَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَعَلاَ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَهُ فَعَلَاَ، ثُمَّ أَخَذّ بِهِ ذلك يكون من بعده دون أن يكون في زمانه (فهمّني شأنهما) يريد: أحدثا لي همَّا، يقال: همْني الأمر وأهمّني بمعنى واحد، فكان النفخ دليلاً على أنهما مرميّان بريحه، أي: أن غيره يفعلهما بنسبته إليه، وكونه منه، ولا يصح أن يكون النفخ مثلاً على ضعف حالهما، فإنه كان شديدًا لم ينزل بالمسلمين مثله قط، لو قيل: إنه مثل عن ضعفهما لقلنا: إنه متضمن لوجهين، وقد كان ® يتوقع لمسيمة والأسود فأولهما بهما، ليكون ذلك إخراجًا للمنام عليهما ودفعًا لحالهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت، ويحتمل أن تكون بوحي والأول أقوى. باب ما جاء في الظلة حديث ابن عباس عن أبي هريرة (أنه كان يحدّث أن رجلاً جاء إلى النبي عليه السلام فقال: إني رأيت ظلة) الحديث إلى آخره، وهو صحيح متفق عليه، زاد الحميدي فيه عن ابن عباس وأسقط أبا هريرة، فقال: (جاء رجل إلى النبي عليه السلام منصرفه من أحد) وبإسقاط أبي هريرة أخرجه من المدبج. الغريب: الظلة السحابة تنطف تقطر بكسر الطاء وضمها. يستقون يأخذون بالأسقية، وفي البخاري يتكففون: يأخذون بالأكف. قوله: (لتدعني) اللام لام القسم والنون الثقيلة دخلت فيه وهو من أخص موضع به، ومنه مسألة في النحو غريبة، وهي أن سيبويه قال: ولم يقولوا ودع استغنوا عنه بترك، ولم يعلم بحديث النبي عليه السلام فإنه لم يرَ قطّ هو ولا شيخه منه مما يستقل بالصناعة به. قال النبي عليه السلام: (فإنه لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات) أي: عن تركهم. وقال أبو بكر: (لتدعني أعبرها)، أي: لتتركني. الفوائد: ثلاثة عشر فائدة: الأولى: أن أبا بكر الصديق قد فسرها ولا تفسير مثله ولا مفسر مثله. وقوله ذلك بحضرة النبي عليه السلام دليل عظيم منزلته واستحقاق لذلك. ثمامة بن أثال. (مسلم) الرؤيا: باب رؤيا النبي 98. = ١١٥ کتاب الرؤيا/ باب ١٠ رَجُلٌ فَقُطِعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَّهُ فَعَلاَ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي أَنْتَ وَأُمْي وَاللَّهِ لَتَدَعُنِي أَعْبُرْهَا فَقَالَ: ((أَعْبُزْهَا))، فَقَالَ أمَّا الظُلَّةُ فَظُلَّةُ الإِسْلاَمِ، وَأَمَّا مّا يُنْطَفُ مِنَ السَّمْنِ وَالعَسَلِ فَهُوَ القُرْآنُ لِينُهُ وَحَلاَوَتُهُ، وَأَمَّا المُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُ فَهُوَ المُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرآنِ وَالمُسْتَقِلُّ مِنْهُ وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمّاءِ إلى الأرْضِ فَهُوَ الحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ فَأَخَذْتَ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَغْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو أَيْ رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدْثَنِي أَصَبْتُ أَوْ الثانية: فيها معرفة أبي بكر بالتعبير أخذ ذلك عن رسول اله وصير. الثالثة: قوله: (بأبي وأمي) يعني مفدى، وكانت كلمة تقولها الجاهلية فأقرّها الإسلام، والجواز فيه مطلق لكل أحد إذا كان أبوه وأمه كافرين، فأما إن كانا مسلمين فلا يفدى بهما أحدًا ولا بنفسه إلا رسول الله ®، فإنه يفري بكما أحد مسلمًا كان أو كافرًا. الرابعة: قوله: (والله لتدعني) فأقسم عليه فكان دليلاً على جواز قسم المرء على غيره، فإن برّ قسمه وإلا وجبت الكفّارة على الحالف. وفي الرسالة الرشيدية المنسوبة إلى مالك: تجب الكفّارة على المحلوف عليه، وقد بيّنّاه في كتاب الأيمان. الخامسة: تعبير الظلة بأنها ظلة الإسلام صحيح، وذلك لأن القرآن يظلّل صاحبه يوم القيامة، وكذلك الأعمال، والبقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان تظلآن صاحبهما. السادسة: قوله: (تنطف سمنًا وعسلاً) قالوا: هاهنا وهم أبو بكر، فإنه جعل السمن والعسل معنى واحدًا وهما معنيان: القرآن والسُّنّة، ويحتمل أن يكون السمن والعسل: العلم والعمل والحفظ والفهم، وقد بيّنا فيما تقدم تحقيق ذلك. السابعة: قوله: (أن الحق يرفع) وللسبب معاني، وهاهنا لا معنى له إلا الحق لقوله: (أخذت به فعلوت) والعلو الظهور على الخلق، لأنه صار فوقهم بالمسافة، ضرب مثلاً للكون فوقهم بالظهور والغلبة. الثامنة: قوله: (ثم أخذ به رجل آخر) هو أبو بكر. التاسعة: (ثم أخذ به رجل آخر) عمر. العاشرة: (ثم أخذ به رجل آخر فقطع له) يعني عثمان. قيل: فإن قيل وهي: الحادية عشر: لو كان معنى قطع قتل لكان سبب عمر مقطوعًا أيضًا، قلنا: لم يقطع سبب عمر لأجل العلو وإنما قطع غيلة لعداوة مخصوصة، وإنما قتل عثمان من الجهة التي علا بها، وهي الولاية، فجعل قتله قطعًا. ١١٦ کتاب الرؤيا/ باب ١٠ أخْطَأْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((أَصَبْتَ بَعضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا))، قَالَ: أَقْسَمْتُ بِأبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَتَّخْبِرَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لاَ تُقْسِمْ))(١). قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. الثانية عشرة: قوله: (ثم وصل) يعني بولاية عليّ فكان الحبل موصولاً، ولكن لم ترَ فيه علوًّا فلذلك لم يرَ عليّ ظهورًا وإنما رأى منازعة، فكان على الحق. الثالثة عشر: قوله: (أخطأت بعضًا) اختلف الناس في تعيين الخطأ، فقيل: وجه الخطأ قصوره على التفسير من غير استئذان، واحتمله النبي عليه السلام لمكانه منه، وقيل لقسمه عليه، وقيل: لجعله السمن والعسل معنًى واحدًا وهما معنيان، وحقّقوه بأنه قال: (أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا) ولو كان الخطأ في التقدم أو في اليمين لما قال: (أصبت بعضًا وأخطأت) لأن ذلك ليس من الرؤيا، وهذا لا يلزم، لأنه يصح أن يريد به: أخطأت في بعض ما جرى وأصبت في البعض. قال لي أبي رحمه الله: وقد قيل وجه الخطأ أن رسول الله صل* هو الظلة، والسمن والعسل القرآن والسُّنة، وقد قيل: وجه الخطأ أن جعل السبب الحق، وعثمان لم ينقطع به الحق، وإنما الحق الولاية، كانت النبوّة ثم صارت بالخلافة إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الموعود بهم في سورة النور، وانقطعت لعثمان بما كان ظن به، ثم صحّت براءته، فأعلاه الله ولحق بأصحابه، وقد سألت ذانشمنذ رحمه الله عن هذا فقال لي ما معناه، فعين الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر مَن يعرفه إذا أخطأ فيه أبو بكر، وليس كان تقدم أبي بكر بين يدي النبي عليه السلام للتعبير خطأ إن تقدم أحد بين يدي أبي بكر ليس خطأ لأعظم وأعظم، فهذا أمر يقتضي الدین، والحزم الکفّ عنه. الرابعة عشرة: قوله: (أقسمت عليك لتخبرني فقال له النبي عليه السلام لا تقسم) فجعله قسمًا، ولم يذكر فيه الله. قال مالك: إذا نوى بالله، ولكن النبي عليه السلام قال لأبي بكر: (لا تقسم) فجعله قسمًا، ولم يسأله عن نيّته فهو حجة لأبي حنيفة، ولكن الظاهر من أبي بكر أنه نوى بالله، لأن منزلته تقتضي أنه لا يقسم بغير الله لفظًا ولا نية. الخامسة عشرة: إذا قال رجل لرجل أقسمت عليك أن تفعل كذا فلم يجبه لم يكن حنثًا للحالف، ووقع في الرسالة الرشيدية عن مالك أن على المقسم عليه الكفّارة. وفي الصحيح أمر النبي عليه السلام بإبرار القسم أو المقسم، وروى الدارقطني عن أبي هريرة وعائشة أن الإثم على المحنث أخبرنا أبو الحسين، أخبرنا أبو الطيب، أخبرنا الدارقطني، أخبرنا القاضي الحسين بن (١) (البخاري) التعبير: باب مَن لم يرّ الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب وباب رؤيا اللي. (مسلم) الرؤيا: باب في تأويل الرؤيا. ١١٧ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ ٢٢٩٤ - حقثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيََِِّّ إِذَا صَلَّى بِنَا الصُّبْحَ أَقْبَلَ على النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَقَالَ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا)(١)؟ إسماعيل، أخبرنا الصنعاني، أخبرنا أحمد بن أبي الطيب، أخبرنا ابن وهب، حدّثني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية ورشدين بن سعد، عن عائشة قالت: أهدت لنا امرأة طبقًا فيه تمر، فأكلت منه عائشة وأبقت منه تمرات، فقالت المرأة: أقسمت عليك إلا ما أكلته كله، فقال رسول الله 9: (بّي يمينها فإنما اليمين على المحنث). وقد تقدم في كتاب الأيمان. حديث سمرة بن جندب: قال: (كان النبي عليه السلام: إذا صلّى الصبح أقبل على الناس بوجهه وقال هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا) قال: هذا حديث حسن في قصة طويلة قضّها. قال ابن العربي: ما خرّجه البخاري وهو صحيح ولم يقع في نسختي عن أبي عيسى إلا أنه حسن، فإن كان علم فيه علة علمها مسلم، فلذلك لم يخرجه أيضًا، وأما أنا فلا كلام فيه عندي، ولفظ البخاري: أخبرنا مؤمل بن هشام أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا عوف، وقال أبو عيسى: وقد رواه عوف عن أبي رجاء، عن سمرة، كذلك ذكره البخاري قال: كان رسول الله * إذا صلّى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: ((مَن رأى منكم الليلة رؤيا»؟ قال فإن رأى أحد قصّها فيقول ما شاء الله أن يقول، فسألنا يومًا فقال: ((رأى منكم أحد رؤيا»؟ قلنا: لا، قال: «لكني رأيت رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده) - قال بعض أصحابنا عن موسى - «كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله»، قال: ((قلت ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه يأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: مَن هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، تتوقد تحته نار، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عُراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر فيه رجل، وعلى وسط النهر رجل في يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا إلى روضة خضراء وفيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا قريب من الشجرة بين (١) (البخاري) الجنائز: الباب الثاني من أبواب ما قيل في أولاد المشركين. والتعبير: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. (مسلم) الرؤيا: باب رؤيا النبي 11. ١١٨ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَجِيحٌ. يديه نار يوقدها، فصعدا بي إلى الشجرة وأدخلاني دارًا لم أرَ قطّ أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشبان، قلت: طوّفتماني الليلة فأخبراني عمّا رأيت، قالا: نعم، الذي رأيته يشق بشدقه فكذاب، يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه بحجر فرجل علّمه الله القرآن فقام عنه بالليل ولم يعمل به في النهار، يفعل به إلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثقب فهم الزناة، والذي رأيته في النهر فآكل الربا، والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله فأولاد الناس، والذي يوقد في النار مالك خازن النار، والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل، فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذلك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك. وروى ابن قتيبة حديث ابن زمل الجهني قال: كان النبي عليه السلام إذا صلّى الصبح قال وهو ثاني رجله: ((سبحان الله وبحمده واستغفر الله إن الله كان توّابًا)) سبعين مرة، ثم يقول: ((سبعين بسبعمائة لا خير ولا طعم فيمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة))، ثم يستقبل الناس بوجهه ويقول؛ ((هل رأى أحد منكم شيئًا))؟ قال ابن زمل: أنا يا رسول الله، قال: ((خير تلقاه وشرٍ توقاه، وخير لنا وشرّ على أعدائنا، والحمد لله رب العالمين، اقصص)) قلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب لاحب سهل بالناس على الجادة منطلقون، فبينا هم كذلك أشقى ذلك الطريق بهم على مرج لم ترَ عيني مثله قطّ، يرف رفيفًا يقطر نداه، فيه من أنواع الكلأ فكأني بالرعلة الأولى حين أشفوا على المرج كبّروا ثم أركبوا رواحلهم في الطريق فلم يضلّوا يمينًا ولا شمالاً، ثم جاءت الرحلة الثانية من بعدهم وهم أكثر منهم أضعافًا، فلما أشفوا على المرج كبّروا ثم أركبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المانع ومنهم الآخذ الضغث، ومضوا على ذلك، ثم جاءت الرعلة الثالثة من بعدهم وهم أكثر منهم أضعافًا، فلما أشفوا على المرج كبّروا ثم أركبوا رواحلهم في الطريق، وقالوا: هذا خير المنزل، فمالوا في المرج يمينًا وشمالاً، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل طوال، آدم، أقنى، إذا هو تكلم يسمو، يكاد يفرع الرجال طولاً، وإذا عن يسارك رجل ربعة، ثار، أحمر، كثير خيلان الوجه، إذا تكلم أصغيتم إليه إكرامًا له، وإذا أمام ذلك شيخ كأنكم تقتدون به، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت كأنك تبعثها يا رسول الله، قال: فانتقع لون رسول الله * ثم سرّي عنه فقال: ((أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل فذلك ما حملتكم عليه من الهدى فأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها لم نتعلق بها ولم تردنا ولم نردها، وأما الرحلة الثانية والثالثة وقض كلامه فإنا لله وإنّا إليه راجعون، وأما أنت فعلى طريقة صالحة فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما ١١٩ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ وَيُرْوَى هذا الحَدِيثُ عَنْ عَوْفٍ وَجَرِيرٍ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةً عَنٍ المنبر فالدنيا سبعة آلاف سنة أنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الطويل الآدم فذلك موسى نكرمه بفضل كلام الله إياه، وأما الرجل الربعة الثار الأحمر فذلك عيسى نكرمه بفضل منزلته من الله، وأما الشيخ الذي رأيت كأننا نقتدي به فذلك إبراهيم، وأما الناقة العجفاء الشارف التي رأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي))، قال: فما سأل رسول الله صل* بعد هذا أحدًا عن رؤيا إلا أن يجيء الرجل متبرعًا فيحدّثه بها. قال ابن العربي: حديث ابن زمل واسمه مشهور وهو مظلم السند. الغريب: قوله: (يلثغ رأسه) يعني يضربونه حتى يصير رطبًا مسطوحًا بعد أن كان صلبًا مستديرًا، ويتدهده يعني يتدحرج من علو إلى سفل، ويشرشر يشق، ويحش ناره يعني يحركها لتحيى، روضة معتمة يعني وافية النبات طويلته، المحض اللبن الخالص، الربابة السحابة التي ركب بعضها البعض، وقوله: (طريق رحب) أي واسع، (لاحب) متصل، يرف يريد أنه كثير النعيم، الرعلة القطعة من الفرسان، اشفوا أشرفوا، اركبوا رواحلهم ألزموها الطريق المرتع الراعي، الضغث الحزمة من خلى أو عيدان، العكد جمع عكدة وهي أصل اللسان، والظليم المظلوم يسمو يغطو، يفرع يطول، ثار ممتلىء، الطلنفخ الخالي الجوف والمعي، انتقع لونه تغیر، وأفصح منه امتقع، سری کشف. الفوائد الأولى: قوله: (كان رسول الله # إذا صلّى الصبح يسأل عن الرؤيا) استشرافًا لبشرى واستطلاعًا لما يكون غدًا، لميل النفس إلى العلم وحرصها على الخير، فلما ذكر له ابن زمل تلك الرؤيا وعلم ما فيها من الشدائد ترك السؤال حتى يأتي الله على من يشاء من خلقه بما شاء من أمره. والحالة الثانية من الترك أولى بالخلق لأن الرؤيا كما تقدم ربما يكون منها ما يكره، وقد سبق أن السكوت عنها أحزم، وقد نهى النبي عليه السلام عن ذكرها وقال لمّن قال: ((رأيت رأسي يقطع وأنا أتبعه، ((لا تخبر بتلعب الشيطان بك)). والمعبرون يقولون: إنه تارة خير وإنه تارة شر بحسب ما يقترن به، كما تقدم بيانه. الثانية: قوله: (جعلت العقوبة في الرأس) وهو موضع المعصية بالنوم. والثالثة: قوله: (الذي يثلغ رأسه هو الذي يأخذ القرآن ثم يرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة) فدل على أن النوم عن الصلاة بقصد موجب للعذاب، وليس هذا بعامّ في كل مَن فعل ذلك، لأنّا نعلم جواز غفران الله له، وإنما عرض عليه منهم عنوان في واحد ليخاف كل فاعل ذلك أن يكون من المعذبين. الثالثة: قوله: (هو الذي يأخذ القرآن ثم يرفضه) يعني أنه قد قرأ وجوب الصلاة في الكتاب وعلمها فرضًا ثم فرط فيما علم وترك ما أمر، فاستوجب ما عاتبه النبي عليه السلام ١٢٠ كتاب الرؤيا/ باب ١٠ النّبِيِّ ◌َ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَ: وَمَكّذًا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ هذا الحَدِيثَ عَنْ وَهْبٍ بْنِ جَرِيرٍ مُخْتَصَرًا. وأبصر. وفي الصحيح: ((يضرب الشيطان على قافية رأس أحدكم كل ليلة ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلّى انحلت عقدة فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، فأخبر أنه لا بدّ للشيطان من عقد العقد، فإما يحلّها الذكر والوضوء والصلاة وإلا بقيت على هيئتها، وأصبح كما أخبر النبي عليه السلام في الدنيا، وينال في العقبى ما رآه في الرؤيا. الرابعة: شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية، وهكذا هي عقوبات الآخرة، ولا تأتي عقوبات الدنيا على هذا النسق. ويمكن أن يكون هذا الرائي أكمل له الرؤيا فحذف الراوي منها شيئًا، ويمكن أن يكون شرًا فردّه النبي عليه السلام إلى الشيطان دفعًا لما يكرهه عنه، وهو أقوى عندي. آخر کتاب الرؤيا ويليه كتاب الشهادات