النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كتاب الفتن/ باب ٥٩
٢٢٣٩ - هذانا مَحمُودُ بْنُ غَيْلانَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ شُغْبَةَ عَن يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: فَتْحُ القُّسْطَتْطِنِيَّةَ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ.
قَالَ مَحمُودٌ: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْقُسْطَنْطِيْنِيَّةُ هِيَ مَدِينَةُ الرُّومِ تُفْتَحُ عِنْدَ خُرُوجٍ
الدَّجَّالِ، وَالْقُسْطَيِْينِيَّةُ قَدْ فُتْحَتْ فِي زْمَانِ بَعْضٍ أَصْحَابِ التِّيَّ ◌َ﴾.
٥٩ - باب مَا جَاءَ فِي فِتْنَةِ الدَّجَّالِ
[المعجم ٥٩ - التحفة ٥٩]
٢٢٤٠ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أخْبَرْنَا الوّلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ دَخَلَ حَدِيثُ أحَدِهِمَا في حَدِيثِ الآخَرٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدٌ بْنِ جَابِرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرِ الطّائِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ
عَنْ أبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلاَبِيِّ قَال: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ الدُّجَّالَ
ذَّاتَ غَدَاةٍ، فَخَفْضَ فِيهِ وَرَفِّعَ حتى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، قَالَ: فَانْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَ ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَيْهِ فَعَرَفَ ذلِكَ فِينَا فَقَالَ: ((مَا شَأْتُكُمْ))؟ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولٌ
اللَّهِ: ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الغَدَاةً فَخَفَّضْتَ فيه وَرَفْعْتَ حتى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، قَالَ:
((غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ لِي عَلَيْكُمْ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ
(أن النبي عليه السلام ذكر الدجال فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل)، وذكر الحديث
الطويل حسنًا صحيحًا غريبًا، وذكر أنه لا يدخل المدينة، وذكر حديث ابن صياد وحديث تميم
الداري.
الغريب: المجان واحدها مجن، وهي الترسة المطرقة على وزن مفعلة، بضم الميم وفتح
العين مخففًا. قال لي العبدري: سالت المعرى: هل هي مخففة أو مشددة؟ فقال: مخففة، يقال
طارقت النعل إذا جعلت جلدًا على جلد، إشارة إلى غلظها. قوله: (قطط) يعني أن شعره كثير
الجعودة ملتوٍ، متعقف المهرودتين يعني: حلّتين أو رداءين، وهذا الذي يصبغ بالورس
والزعفران، وقال ابن قتيبة: لعله مهرودتين أي صفراوين، وقيل: بين مهرودتين أي بين: ملاءة
شققت بنصفين، وربك أعلم. لد قرية قريبة من دمشق. النغف دود يكون في أنوف الإبل.
فرسي قتلى. المهبل موضع الهلاك. الزلفة بركة الماء كأنها مرآة لصفائها. الفئام من الناس يعني
الجماعات القبيلة، الجماعة من الناس من أب واحد، فإن حذفت الهاء فهم من آباء مختلفين.
اللقحة الناقة الحامل وذات اللبن إذا كانت غزيرة. الفخذ قرابة الرجل الأدنون، وهم أقل من

٦٢
كتاب الفتن/ باب ٥٩
وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤْ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي على كُلِّ مُسْلِمٍ إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطْ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ
القبيل، ولهم في كتب اللغة ترتيب. التهارج الاختلاط في غير استقامة. قوله: (كأن عينيه عنبة
طافية) يعني بارزة، ومنه السمك الطافية، وفي حديث عبادة رواه أبو داود في صفته: ((مطموس
العين، ليست بناتئة ولا جحراء؛ يعني منخسفة. الفدادون يريد الذين تعلو أصواتهم، وذلك في
أهل الإبل والخيل الهمهمة والزمزمة. والرمزة ألفاظ متقاربة عبارة عن الكلام الخفي الذي يبعد
فهمه. الإطم الحصون. قوله ملاء تدفق يعني تسيل.
الفوائد المطلقة: الأولى: إنذار الأنبياء من نوح إلى محمد عليه السلام بأمر الدجال،
تحذيرًا للقلوب من الفتن وطمأنينة لها، حتى لا يزعزع عن حسن الاعتقاد ما يطرأ عليها دون
ذلك من الفتن.
الثانية: وكذلك تقريب النبي عليه السلام زيادة في التحذير، لأنه إن لم تكن فتنة الدجال
قريبة، فإن قريبًا منها قريب في فساد الأديان واتّباع الأئمة المضلين والافتان بالسلاطين.
الثالثة: لما سمعوا ذلك فزعوا، قالوا: فكيف قلوبنا؟ قال: (مثلها اليوم أو خير)، إشارة
إلى أنهم إذا كانوا على الإيمان ثابتين دفعوا الشبه باليقين.
الرابعة: قوله: (مثلها اليوم أو خير) فهذه الكلمة وأشباهها تسقط الأحاديث وإن رواها
المستورون، فإن القلوب لم تكن عند النبي عليه السلام إلى المنازل كهي بحضرته، ولا بعد موته
بلحظة كهي عند ظهور الفتن، وقد قال أنس: ما نفضنا أيدينا من تربة رسول الله 18 حتى أنكرنا
قلوبنا.
الخامسة: قوله: (إنه أعور) إشارة إلى أنه يدّعي الربوبية وهو ناقص الخلقة، والإله يتعالى
عن النقص، وهو لا يقدر على إزاحة آفة نفسه فكيف يدّعي أنه يرزق الخلق ويجيبهم؟ فقد
عارض الدليل الفتنة فثبت أنها بلاء من الله ومحنة.
السادسة: في روايات الناس إنه أعور العين اليمنى، وفي مسلم: ((أعور العين اليسرى
جفال الشعر)). وروى أبو داود الأكبر عن سفينة أنه أعور عين الشمال، واليمنى ظفرة غليظة.
وجفال الشعر يعني: كثيره، والظفر لحمة غليظة تنبت في المآقي، وهذه كلها صفات تختلف
عليه ليتبين الناس أنه لا يدفع النقصان كيف كان، وأنه محكوم في نفسه.
السابعة: قوله: (فإن أحدًا منكم لن يرى ربّه حتى يموت) إشارة إلى إبطال قوله: أنا
ربكم، وإثبات لرؤية الله في الآخرة، وهي ثابتة بأحاديث النبي عليه السلام، وقد بيّنًا ذلك في
کتب الأصول.
الثامنة: قوله: (مكتوب بين عينيه ك ف ر) كاف فاء را يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب
هذا بيان من الله لكذبه ونقصه، وأنه مفضوح عند خلقه في وجهه.
۔

٦٣
كتاب الفتن/ باب ٥٩
شَّبِةٌ بِعَبْدِ العُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ رَآهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ سُورَةٍ أَصْحَابِ الكَهْفِ، قَالَ:
التاسعة: قوله: (ك ف ر) إشارة إلى أن الفعل والفاعل من الكفر إنما يكتب بغير ألف،
وكذلك هي في المصحف، لكن أهل الخط أثبتوه للأصوات الممتدة علامات للفرق بين المعاني
في الكتاب كما تفترق في الكلام، وأثبتها الصحابة في المصحف على ما نطق به النبي عليه
السلام.
العاشرة: قوله: (يقرؤه كل مؤمن) إخبار من النبي عليه السلام بالحقيقة، وهو أن الإدراك
في البصر يخلقه للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بعين بصيرته ولا يراه الكافر ولا
المفتون، كما يرى المؤمن بعين بصيرته الأدلة ولا يراها الكافر.
الحادية عشرة: قوله في كتاب مسلم وغيره: ((يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب))، يخلق
الله له الإدراك دون تعليم لأن ذلك زمان خرق العادات في هذا وغيره، وذلك قول يقرؤه مّن كره
عمله. وفي رواية أبي عيسى، وهي كلها ألفاظ جاءت عن النبي عليه السلام في أوقات مبين في
كل وقت بلفظ.
الثانية عشرة: قوله: (يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان) قد بيّنه أكثر من هذا،
فقال: (يخرج من أصبهان مع اليهود سبعين ألفًا عليهم الطيالسة ويتبعه من الوجوه المطرقة ما
شاء الله يسلك بين الشام والعراق في خلة) وهي الفرجة (ويفرّ الخلق منه إلى الجبال) كما روى
أبو عيسى في باب فضل العرب (فقيل له: يا رسول الله وأين العرب يومئذ؟ قال: العرب يومئذ
قليل).
الثالثة عشرة: وقد يكون خروجه بعد الملحمة العظمى التي تخرج الروم فيها في عدد
عظيم فينزلون بالأعناق أو بدابق من الشام فيهزمهم المسلمون، ويفتحون القسطنطينية يكبّرون
عليها، فيسقط سورها في البحر من تكبيرهم، وهم يقتسمون الغنائم وجاءهم النذير بخروج
الدجال، كل ذلك قي سبعة أشهر بوعد الصادق.
الرابعة عشرة: قوله: (شاب شبيه بعبد العزّى ابن قطن) ولن يضرّه شبهه به فإن الله لا ينظر
إلى الصور وإنما ينظر إلى الأعمال. وروى أحمد عن سمرة: ((أن الدجال يخرج أعور عين
الشمال، كأنها عين أبي يحيى))، لشيخ حينئذ من الأنصار، ((وأنه يدّعي أنه الله ويحيي الموتى
وییریء الأكمه والأبرص»، وفي رواية: «ويقول أنا ربكم، ويجيء عيسى من قبل المغرب مصدقًا
بمحمد وعلى ملّته، فيقتل الدجال ثم تقوم الساعة، ويظهر على الأرض كلها إلا الحرم
وبيت المقدس».
الخامسة عشرة: قوله: (فليقرأ فواتح سورة الكهف) تكلف بعض الناس فيما جاء عن النبي
عليه السلام أنه (مَن قرأ القرآن كذا عصم) فركب ذلك على معاني في السورة أو في الآية،
وذلك تكلف ومعنى ليس بمدرك، فآمنوا وامتثلوا تدركوا ما تأملون.

٦٤
كتاب الفتن/ باب ٥٩
يَخْرُجُ مَا بَيْنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ فَعَاثَ يَمِينًا وَشَمَالاً، يَا عِبَادَ اللَّهِ اثْبُتُوا))، قالَ: قُلْنَا بَا
رَسُولَ اللَّهِ: وَمّا لُبْتُهُ فِي الأرْضِ؟ قَالَ: ((أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ
كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ)). قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأيْتَ الْيَوْمَ الَّذِي كَالسَّنَةِ أَتَكْفِينَا
السادسة عشرة: قوله: (فعاث يمينًا وشمالاً) العيث أشد الفساد، يعني: في كل بلد يدخله
إلا المدينة إذا جاءها رجفت فخرج إليه كل منافق ونزلت الملائكة بأنقابها تحرسها.
السابعة عشرة: قوله: (يا عباد الله أثبتوا) هذا من كلام النبي عليه السلام تثبيتًا للخلق، وفي
كتاب مسلم (اثبتوا) وهو الصواب.
الثامنة عشرة: (قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض قال أربعون يومًا) الحديث. وهذا
معنى لا يؤمن به أهل الإلحاد لاستحالة زيادة مسير الشمس أو نقصها عن طريقها في عجلة أو
ريث أو تقدم أو تأخر.
التاسعة عشرة: أمر بتقدير الصلاة فيه، وهو كله حديث صحيح خرّجه مسلم وغيره، وهذا
يدلّ على أن الأوقات عند الإشكال تصلى بالتقدير والتحرّي. وقد روى أبو عيسى في كتاب
الزهد عن عبد الله بن عمر العمري، عن سعد بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال:
قال رسول الله 8#: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة
والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالضرمة بالنار) والضرمة النبات المحترق بسرعة. فإن
قيل: في هذا الحديث الذي يتضمن كون اليوم كالجمعة، كاليوم، والشهر، والسنة، إبطال للهيئة
وإفساد للصبغة وتغير للتكوين الذي به قامت الخليقة وجرت الأرزاق في الأقوات وإطراد وجود
النبات والثمرات ومرّت الطبائع على طرائقها في الحيوانات، قلنا: قدكم اتندوا، فإنكم نظرتم
إلى جريان اليوم في المخلوقات وأغفلتم النظر في قدرة الخالق وماله من الحكم في
المصنوعات، والإشكال الذي أشرتم إليه ينحل عنكم بالنظر في معاني أربعة: الأول: قد تقرر
عقلاً وشرعًا وثبت دليلاً أن الباري تعالى خالق كل شيء، لا تشذ ذرة عن خلقه، وإن ترتبت
٤. المخلوقات شيئًا بعد شيء من صنعه أيضًا، وما كان من سبب أو مسبب أو علة ومعلول فإنه
فطره وأنشاء، وهذا من العلم إلى العدم ومن العرش إلى الفرش، وكون ذلك كله على هذا
٠ النظام المشامع ليس بواجب لا يمكن سواه، بل هو على مجرى الإرادة وبعض العادة، وأن كل
موجود متصل بموجود من المخلوقات يجوز حذفه عنه وانفراده في الوجود دونه مما يعتقد
المعتقد مجاورًا أو مسببًا، فهذه هي القاعدة التي مهدناها في كتب الأصول على أوضاع العلماء
ومقتضى الأدلة، وخصصنا الفلاسفة والطبائعيين منهم بالرد عليهم واستيفاء لبيان العلم هي التي
تفتقرون إلى اعتقادها أو معرفتها بالدلائل، فعليها مبنى الدين، وهي الفرق بين السُّنّة والبدعة
والإيمان والكفر. الثاني: فإذا أثبت هذا فإن عاقبة الشمس والقمر التكوير، وآخر السموات
والأرض الانفطار والتدمير، وكما يعدمها خالقها فلا تسير يجوز أن يبطئها عن سرعتها وينقص

٦٥
كتاب الفتن/ باب ٥٩
فِيهِ صَلاَةٌ يَوْمٍ؟ قَالَ: ((لاَ وَلَكِنِ اقْدُرُوا لَهُ))، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا سُرْعَتُهُ في
الأرضِ؟ قَالَ: «كَالغَيْثِ اسْتَذْبَرَتْهُ الرِّيحُ فَيَأْتِي القَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيُكَذِّبُونَهُ وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ
فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَتَتْبَعُهُ أَمْوَالُهُمْ وَيُصْبِحُونَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يَأْتِي القَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ
فَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ وَيُصَدِّقُونَهُ فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الأرْضَ أنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ،
من حركاتها، فما كانت تقطعه في يوم تقطعه في جمعة، ثم في شهر، ثم في سنة، أو بعكسه،
وهذا قريب ممّن وفّقه الله لعلمه.
الثالث: أن ما يجري من العادة من التدبير في تكوين المكونات التي دارت بين حرارة
وبرودة، وظهرت عن رطوبة ويبوسة، ويجوز أن توجد كذلك مع استمرار الحرارة، ولا ينضاف
إليها شيء أو تجري هذه الأربع على مجراها، ولا يتعلق منها بالشمس والقمر شيء كأنه إن كان
لها اليوم بهما تعلق كما تقول الفلاسفة، أو كان لهما تأثير في الكون والفساد في مقعر ذلك القمر
بزعمهم، فليس ذلك بأمر لازم حتم لا يتصور، ولا يجوز تقدير غيره بل هو أمر ممكن كله نفيًا
وإثباتًا ووجودًا وعدمًا، يدوم ما دام ويتغيّر إلى سواه من التدمير والتكوير كما أخبر الصادق عن
الخالق.
الرابع: فتجري الأرزاق في الأقوات دون مطر ينزل، وحرارة الشمس تضرب الأرض فيثور
عن الازدواج فيها بزعمهم ما يثور من النبات، ويجري النظام في الأبدان من الحيوانات، ذلك
كله مفعول ابتداء من غير سبب، ولذلك أخبر الصادق أنه تتغير الأحوال والأخلاق حتى يذهب
الأخبث بين الحيوانات، وتذهب الحيّة من المسمومات، ويزول الطمع عن القلوب، وتنحسر
الآمال عن الامتداد، وتنطق الجوارح والجماد، ويكون ذلك فاتحة للنظام الآخر الذي يأتي في
الخلق المستأخر، وهي داران: دنيا وآخرة، وهذا الذي يجري بينهما من هذه التغييرات الخارجة
عن العادات برزخ بين الدارين، ومقدمة تأتي بعد ذلك من الأمر، والله أعلم.
الموفية عشرين: قوله فيما يظهر على بدنه من الآيات، فذكر إنزال المطر على مَن يصدقه،
والخصب، وكثرة اللبن والرزق، واتباع كنوز الأرض له، وبعكس ذلك لمَن ظفر به. زاد مسلم
وغيره: ((ومعه جنة ونار، وفي صفة النهر ماء بارد ونار تأجج))، قال النبي عليه السلام: ((فَمَن
أدركه فليأت النار وليغمض عينيه ثم ليطأطىء رأسه ويشرب فإنه ماء بارد»، وهذه الفتنة إنما هي
ليهلك الهالك وينجو المستمر على الصراط السالك بعصمة الله وهدايته، وهذه كلها مخوفة، لكن
الأمر كما قال النبي عليه السلام: (غير الدجال أخوف لي عليكم من الدجال) ويُروى (أخوفني)
ويُروَى (أخوفى) وكل عربي صحيح وإنما خاف عليهم غير الدجال لأنه أقرب إليهم خاصة، وإلا
فلا فتنة أعظم من فتنة الدجال، ولكن القريب المتيقن بالوقوع فيه أشد خوفًا من البعيد وإن كان
أشد.
عارضة الأحوذي/ ج ٩/ م ٥

٦٦
كتاب الفتن / باب ٥٩
فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ كَأْوَلِ مَا كَانَتْ ذُرًا وَأَمَدِّهِ خَوَاصِرَ وَأَتَرِّهِ ضُرُوعًا، قَالَ: ثُمَّ
يَأْتِي الخَرِبَةَ فَيَقُولُ لَهَا: أخْرِجِي كُنُوزَكٍ فَيَنْصَرِفُ مِنْهَا فَيَتْبَعَهُ كَيْعَاسِيبِ النَّخْلِ، ثُمَّ يَدْعُو
رَجُلاً شَابًا مُمْتَلِثًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْنِ ثُمْ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ
يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هَبَطَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِشَرْقِيِّ دِمَشْقَ عِنْدَ
الحادية والعشرون روى مسلم وغيره عن المقبري بن شعبة أنه سأل النبي عليه السلام عن
الدجال، قال: مَن يضرك؟ قال: ((إن معه ماء ونارا، قال: هو أهون على الله من ذلك. ومن
هاهنا وحديث الدجال المسخفان، ولعل الذي جاء في حديث المغيرة كان قبل أن تبين له أمره،
ويحتمل أن يكون قوله: (هو أهون على الله من أن يجعل له ماءً ونارًا) حقيقة، وإنما تشبه على
الأبصار، والمؤمن يثبت والكافر یزلّ ويزهق.
الثانية والعشرين: روى أبو داود الطيالسي أنه يركب حمارًا عرض ما بين أذنيه أربعون
ذراعًا، وهذا كله هول في الفتنة، والله يثبت من يشاء.
الثالثة والعشرون: قتله للرجل سمعت من يقول: إنه الخضر، وهذه دعوى على الله لا
برمان بها.
الرابعة والعشرون: في مسلم: ((فيقول الرجل يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول
الله *، فيأمر به الدجال فيشبح)) أي: فيضرب ظهره وبطنه، فيقول أنت المسيح الدجال
الكذاب، وهاهنا ضلّ قوم فرووه بالخاء المعجمة وتشديد السين، ليفرّقوا بزعمهم بينه وبين
المسيح رسول الله عليه السلام، وقد فرّق النبي عليه السلام بينهما فقال: (مسيح الضلالة
الكذاب) ولو كان بالحاء لكفى الأول لأنه ليس للهدى مسيخ بالخاء، ولكن بجهلهم أرادوا تعظيم
عيسى فكذبوا النبي عليه السلام عبدًا.
الخامسة والعشرون: قوله: (فيضربه بالسيخ فيقطعه جزلتين) يعني قطعتين، في مسلم:
(رمية الغرض))، أي: يكون بين القطعتين لقوة الضربة ما بين خروج السهم من القوس ووقعه في
الغرض فتنة للناس وهيبة له. وفي رواية مسلم: ((فيدعى بالمنشار فينشر به)) وهذا اختلاف عظيم،
يجمعه أنه رجلان يفعل بكل واحد منهما فعلاً غير فعل الآخر، وهذا بخلاف ما وقع في
البخاري من أمر الغلام مع الخضر، ففي رواية أنه «وضع يده في رأسه فأقتلعه من كاهله»، وفي
رواية ((فأضجعه بالسكين وذبحه)؛ لأن ذلك كان غلامًا واحدًا بلا احتمال، فلم يكن بُدٍّ من أن
تكون إحدى الروايتين أصح وقد بيناه في النيرين إملاء.
السادسة والعشرون: قوله: (ثم يدعوه فيقبل ووجهه يتهلل بضحك) وهذه فتنة عظيمة من
إحياء الموتى، وجاز هذا لأنه لا يدعي النبوة فيمتزج الصادق بالكاذب، وإنما يدعي الربوبية،
فكلما ظهر على يديه فإنها فتنة لمعارضته للدلالة الظاهرة اليقينية.

٦٧
كتاب الفتن/ باب ٥٩
المُثَارَةِ الْبَيْضَاءِ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا يَدَيْهِ على أجْنِحَةٍ مَلَكَيْنٍ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا
رَفْعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَّانٌ كَاللُؤْلُوٍ قَالَ وَلاَ يَجِدُ رِيحَ نَفْسِهِ، يَغْنِي أَحَدٌ إلاَّ مَاتَ وَرِيحُ نَفْسِهِ
مُنْتهِى بَصَرِهٍ، قَالَ: فَيَطْلُبُهُ حتى يُدْرِكَهُ بِبَابٍ لُدْ فَيَقْتُلَهُ، قَالَ: فَيَلْبَثُ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ،
قَالَ: ثُمَّ يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ أنْ حَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ، فَإِنِّي قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِي لاَ يَدَانِ
لِأحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، قَالَ: وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجٌ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ
يَتْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، قَالَ: فَيَمُرُ أوْلُهُمْ بِبُخَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ فَيَشْرَبُ مَا فِيهَا، ثُمَّ يَمُرُّ بِهَا
آخِرُهُمْ فَيَقُولُ: لَقَدْ كَانَ بِهِذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، ثُمّ يَسِيرُونَ حتى يَنْتَهُوا إِلى جَبَلٍ بَيْتِ مَقْدِسٍ
فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنا مَنْ في الأرضِ، هَلُمَّ فَلْتَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلى
السّمَاءِ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَابَهُمْ مُحْمَرًّا دَمًا، وَيُحَاصِرُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأَصْحَابَهُ حتى
يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا لِأحَدِهِمْ مِنْ مِائَةٍ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، قَالَ: فَيَرْغَبُ عِيسَى
ابْنُ مَرْيَمَ إلى اللَّهِ وَأصْحَابُهُ، قَالَ: فَيُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَي
السابعة والعشرون: روى مسلم أنه ((إذا جاب نقاب المدينة منعته الملائكة»، وفي رواية:
((وعليها ملك بيده السيف مسلول))، ووجه الجمع بينهما أنه ملك معه ملائكة كلهم مسلحة،
والباري غني عنهم بالقدرة الظاهرة، وقد تقدم في رواية سمرة وغيره رواية: ((أنه لا يدخل الحرم
ولا بيت المقدس)»، قوله في عيسى: (لا يدرك أحد ريح نفسه) يعني: من الكفار (إلا مات)،
وقد قال: (يقاتل المِلل كلها) فيحتمل أن يريد به: يقاتلهم بنفسه، ويحتمل أن يريد به: إن كان
مع الدجال مات هكذا، وغيرهم يموت بالسيف ويمتد نفسه منتهى بصره.
الثامنة والعشرون: قوله: (لا يدان لأحد بهم) أي: لا قوة، أو: لا يدفعون بالأيدي، وإنما
يدفعهم خالقهم (فحرز عبادي إلى الطور فيأتون بيت المقدس ويبلغ يأجوج ومأجوج بحيرة طبرية
فيشربون ماءها) ووقعت عليها في جمادى الأولى سنة تسع وثمانون وأربعمائة، وأقمت عليها
أيامًا، والبلدة من بنيان طبارا ملك الروم، والنسبة إليها طبراني، والنسبة إلى طبرستان بخراسان
طبرى، ودورها فيما حزرتها نحو من خمسة فراسخ أو ستة، يصب الأردن في أعلاها، ويخرج
من أسفلها وهي كهيئة البركة بين الجبال، فإذا صعدت العقبة خرجت إلى حوران والبشنية،
وبصرى أوسط الشام.
التاسعة والعشرون: ويقع الجوع في عيسى وأصحابه، ولو شاء ربك لأغناهم ولكنه كما
ابتلانا ابتلاهم بحكمته البالغة ومشيئته النافذة.
الموفية ثلاثين: قوله: (فيرغبون إلى الله) أن الدعاء من الله بمكان وله وقت في القبول،
وهو أعلم به، وهو ملجأ كل مخلوق عن النبي والملك إلى العاصي من الخلق ..

٦٨
كتاب الفتن/ باب ٦٠
مَوْتَّى كَمَّوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ: وَيَهْبِطُ عِيسَى وَأَصْحابُهُ فَلاَ يَجِدُ مَّوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ وَقَدْ
مَلأَّتْهُ زَهَمَتُهُمْ وَنَتَنُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ، قَالَ: فَيَرْغَبُ عِيسَى إلى اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ: فَيُرْسِلُ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأغْنَاقِ البَخْتِ، قَالَ: فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ بِالْمِهْبَلِ وَيَسْتَوْقِدُ المُسْلِمُونَ
مِنْ قِيَّهِمْ وَنُشَّابِهِمْ وَجِعَابِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ. قَالَ: وَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا لاَ يُكْنُ مِنْهُ
بَيْتُ وَبَرٍ وَلاَ مَدَرٍ، قَالَ: فَيَغْسِلُ الأرْضَ فَيَتْرُكُهَا كَالزَّلَفَةِ قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لِلأرْضِ أَخْرِچِي
ثمَّرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُونَ بِفَحْفِهَا وَيُبَارَكُ في
الرَّسْلِ حتى إنّ الفِتَامَ مِنَ النَّاسِ لَيَكْتَفُونَ بِاللَّفْحَةِ مِنَ الإِلِ، وَإِنْ القَبِيلَةَ لْيَكْتَفُونَ بِاللَّقْحَةِ
مِنَ البَقَرِ، وَإِنَّ الفَخْذَ لَيَكْتَفُونَ بِاللَّقْحَةٍ مِنَ الغَنَمِ فَبَيْتَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ رِيحًا
فَقَبَضَتْ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى سَائِرُ النَّاسِ يَتَّهَارَجُونَ كَمَّا تَتَهَارَجُ الحُمُرُ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ
السّاعةُ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لاَ نعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ
عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابٍِ.
٦٠ - باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ
[المعجم ٦٠ - التحفة ٦٠]
٢٢٤١ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى الصَّنْعَانِيُّ. حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ
الحادية والثلاثون: قوله: (ثم يرسل الله طيرًا كأعناق البخت) إنّا لم نرَ طيرًا يقدر على
الطيران بابن آدم ولعلها غير هذه أو يخلق لها سبحانه القوة على ذلك.
الثانية والثلاثون: قوله: (ويوقدون من قسيهم وآلتهم سبع سنين) يعني الأعوام السبعة التي
تدوم فيها حاله، كأنهم لا يحتاجون لكثرتها إلى سواها.
الثالثة والثلاثون: قوله: (تأتي ريح طيبة يأخذ المؤمن والمسلم تحت إبطه فتقبض نفسه)
لست أعلم لاختصاصها بذلك الموضع وجهًا، إلا أن يكون عبارة عن انقطاع قوته من يديه
وبقائها كالعود، ويكون ذلك ابتداء الموت وعلاته عليه، والله أعلم.
(١) (مسلم) الفتن وأشراط الساعة: باب ذكر الدجال وصفة ما معه. (أبو داود) الملاحم: باب
خروج الدجال. (ابن ماجه) الفتن: باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم وخروج يأجوج
وماجوج.

٦٩
كتاب الفتن/ باب ٦١
عُيّدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبيِِّ﴿ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدَّجَّالِ فَقالَ: ((ألاَ إِنَّ
رَبُّكُمْ لَيْسَ بِأَغْوَرَ أَلاَّ وَإِنَّهُ أَغْوَرُ، عَيْنُهُ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَعْدٍ وَحُذَيْفَةً وَأْبِي هُرَيْرَةً وَأَسْمَاءَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرَةَ
وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالفَّلَتَانِ بْنِ عَاصِمٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
٦١ - باب مَا جَاءَ في الدَّجَّالِ لاَ يَدْخُلُ المَدِينَةَ
[المعجم ٦١ - التحفة ٦١]
٢٢٤٢ - حدثنا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الخُزَاعِيُّ الْبَصْرِيُّ. حَدْثَنَا يَزِيدُ بْنُ مارُونَ. أَخْبَرَنًا
شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: ((يَأْتِي الدِّجَّالُ المَدِينَةَ فَيَجِدُ المَلائِكَةَ
يَحْرُسُونَهَا فَلاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلاَ الدَّجَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»(٢).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً وَفَاطِمَةٌ بِئْتِ قْسٍ وَأَسَّامَةً بْنِ زَيْدٍ وَسَمُرَةٌ بْنِ
جُنْدَبٍ وَمِخْجَنٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
٢٢٤٣ - حقثنا قُتَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحمَّدٍ عَنِ العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ
أبِيِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أنَّ رَسُولَ اللَّهِنَ﴿ قَال: ((الإِيمَانُ يَمّانٍ، وَالكُفْرُ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِّ،
وَالسَّكِينَةُ لأَهْلِ الغَنَمِ، وَالفَخْرُ وَالرِّيّاءُ في الفَذَّادِينَ أهْلِ الخَيْلِ وَأَهْلِ الوَبَرِ، يَأْتِي المَسِيحُ
إِذَا جَاءٌ دُبُرَ أُحُدٍ صَرَفَتِ المَلاَئِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ وَهُنَالِكَ يَهْلَكُ))(٣).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
(١) (مسلم) الفتن وأشراط الساعة: باب ذكر الدجال وصفته وما معه.
(٢) (البخاري) الفتن: باب لا يدخل الدجال المدينة، والتوحيد: باب في المشيئة والإرادة.
(٣) (مسلم) الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمين فيه.

٧٠
كتاب الفتن/ باب ٦٢
٦٢ - باب مَا جَاءَ في قَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ
[المعجم ٦٢ - التحفة ٦٢]
٢٢٤٤ - حقنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثَعْلَبَةَ الأنْصَارِيّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الأنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي
عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَقولُ: سَمِعْتُ عَمِّي مُجَمِّعَ بْنَ جَارِيَةَ الأنْصَارِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: (يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ بِبَابِ لُدِّ) (١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةً وَأَبِي بَرْزَةً وَحُذَيْفَةً بْنِ أبِي
أسِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَكَيْسَانَ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِي وَجَابِرٍ وَأَبِي أَمَامَةَ وَابْنٍ مَسْعُودٍ
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ
اليَمَانِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٢٢٤٥ - حقثنا مُحمّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدِّثْنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدِّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةٌ
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسّا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((مَا مِنْ نَبِيِّ إِلاَّ وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأغوَرَ
الكَذَّابَ، ألاّ إنّهُ أَغْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَّرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ غَيْنَيْهِ ك ف ر))(٢).
هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الرابعة والثلاثون: قوله: (فيقتله بباب لد)، رُوِيَ أنه إذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح
في الماء فإما أن تكون تلك صفة قتله له، أُضيف إلى عيسى لأنها عند لقائه، وإما أن يدركه في
تلك الحالة فيقتله قتلاً .
الخامسة والثلاثون: في حديث عبد الله بن عمرو من رواية مسلم: ((يبعث الله عيسى ابن
مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه ويهلكه، ثم تمكث سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم
يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام لا تُبقي مَن في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته))،
هذا ميقات لذهاب الإيمان كما جعل في حديث حذيفة المتقدم النوم ميقاتًا لذهاب الأمانة.
(١) (البخاري) الفتن: باب ذكر الدجال. (مسلم) الفتن وأشراط الساعة: باب ذكر الدجال وصفته وما .
معه .
(٢) (مسلم) الفتن وأشراط الساعة: باب ذكر ابن صياد.

٧١
كتاب الفتن/ باب ٦٣
٦٣ - باب مَا جَاءَ في ذِكْرِ ابْنِ صَائِدٍ
[المعجم ٦٣ - التحفة ٦٣]
٢٢٤٦ - حدثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعْلَى عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةً
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَحِبَنِي ابْنُ صَائِدٍ إِمَّا حُجَاجًا وَإِمَّا مُعْتَمِرِينَ فَانْطَلَقَ النَّاسُ وَتُرِكْتُ أَنَا
وَهُوَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ بِهِ اقْشَعْرَرْتُ مِنْهُ وَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ، فَلَمَّا نَزَلْتُ
قُلْتُ لَهُ: ضَعْ مَتَاعَكَ حَيْثُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَأَبْصَرَ غَنَمًا فَأَخَذَ القَدَحَ فَانْطَلَقّ
فَاسْتَحْلَبَ، ثُمْ أَتَانِي بِلَبْنٍ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا سَعِيدٍ اشْرَبْ، فَكَرِهْتُ أنْ أَشْرَبَ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا
لِمّا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُ: هذا اليَوْمُ يَوْمٌ صَائِفٌ، وَإِنِّي أَكْرَهُ فِيهِ اللَّبَنَ، قَالَ لِي: يَا
أبَا سَعِيدٍ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلاً فَأُوثِقَهُ إلى شَجَرَةٍ ثُمَّ أخْتَنِقَ لِمّا يَقُولُ النّاسُ لِي وَفِيٍّ،
أَرَأيْتَ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثِي فَلَنْ يَخْفَى عَلَيْكُمْ؟ أَسْتُمْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثٍ رَسُولٍ
اللَّهِ ﴿ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (إنَّهُ كَافِرٌ)) وَأَنَا مُسْلِمٌ؟ ألمْ يَقُلْ
رَسُولُ اللَّهِ ﴾: ((إنَّهُ عَقِيمٌ لاَ يُولَدُ لَهُ» وَقَدْ خَلْفْتُ وَلَدِي بِالمَدِينَةِ؟ أَمْ يَقُلْ رَسُولُ
اللَّهِ﴿: ((لاَ يَدْخُلُ)) أو ((لاَ تَحِلُّ لَهُ مَكَةُ وَالْمَدِينَةُ))؟ أَلَسْتُ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ وَهُوَّذًا أَنْطَلِقُ
السادسة والثلاثون: قال في: (ويبقى الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا
ولا ينكرون منكرًا) يريد بقوله: (خفة الطير) سرعتهم إلى كل ناعق كما تخف الطير عند كل
حرکة وتذهب عقولهم، فیکونون کالبهائم.
السابعة والثلاثون: قوله: (فيتمثل الشيطان فيأمرهم بعبادة الأوثان) ولم يقل فيه إنهم فعلوه،
وظاهره أنهم فعلوه فيعارض ذلك في قوله: (إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلادكم) فيحتمل
ذلك وجهين: إحداهما: أن يكون هذا بغير بلاد العرب، أو يكون المراد ممتنع وقوع عبادة
الأوثان في بلادهم ما دامت الدنيا قائمة مقبلة، فإذا أخرجت وأدبرت تعبد الأوثان ولا يبقى في
الأرض أحد یقول الله .
ذکر ابن صائد
قال النبي عليه السلام: إنه (لا تقوم الساعة حتى يبعث ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم
أنه رسول الله) والدجال معناه الذي يعمّ الأرض مشيًا، وقيل: الذي يقود الجماعة، وقيل: الذي
يلبس على الخلق، وهذا أوقعه فيه وأصوبه على معناه. وقد ثبت من مجموع ذلك (أن النبي عليه
السلام مّ بابن صياد فقال له: ((خبأت لك خبيئًا)، فقال: دخ، وقد كان النبي عليه السلام

٧٢
كتاب الفتن/ باب ٦٣
مَعَكَ إِلى مَكَّةٌ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيءُ بهِذَا حتى قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا
سَعِيدٍ وَاللَّهِ لِأُخْبِرَنْكَ خَبَرًا حَقًّا، وَاللَّهِ إِنِّي لأَغْرِفُهُ وَأَعْرِفُ وَالِدَهُ وَأَعْرِفُ أَيْنَ هُوَ السَّاعَةَ
مِنَ الأرْضِ، فَقُلْتُ: تَبَّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ» (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٢٤٧ - عقدنا سُفْيّانُ بْنُ وَكِيع. حَدِّثَنَا عَبْدُ الأعْلَى عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ المِدِينَةِ فَاخْتَبَسَهُ وَهُوَ
غُلاَمٌ يَهُودِيٍّ وَلَهُ ذُوَابَةٌ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَإِ: «تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ
اللَّهِه؟ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيِّ وَه: ((آَمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ وَالَيَوْمِ الآخِرِ))، قَالَ النَّبِيَِِّ: ((مَا تَرَى))؟ قَالَ: أَرَى عَرْشًا فَوْقَ المَاءِ. فَقَّالَ
النَّبِيُّ ◌َ﴾: (تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ))، قَالَ: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى صَادِقًا وَكَاذِبِينَ أُوْ
صَادِقِينَ وَكَاذِبًا، قَالَ النّبيَُِّهَ: ((لُبِسَ عَلَيْهِ فَدَعَاهُ))(٢) .
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ عُمَرَ وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ وَابْنٍ عُمَرَ وَأَبِي ذَرِّ وَابْنٍ مَسْعُودٍ وَجَابٍِ
وَحَفْصَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
٢٢٤٨ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةٌ الجُمَحِيُّ. حَدِّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ
زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرَةً عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((يَمْكُثُ أَبُو
الدَّجَّالِ وَأُمُّهُ ثَلاَئِينَ عَامًا لاَ يُولَدُ لَهُمَّا وَلَدٌ ثُمَّ يُولّدُ لَهُمَا غُلاَمٌ أَغْوَرُ أضْرُّ شَيْءٍ وَأَقَّلُهُ
أضمر له يوم تأت السماء بدخان مبين، فقال له رسول الله 15: (إخساً، فلن تعدو قدرك)، وفي
رواية: لقيه النبي عليه السلام وأبو بكر وعمر فقال له: («أتشهد أني رسول الله))؟ فقال له هو:
أتشهد أني رسول الله؟ فقال له رسول الله وَله: «آمنت بالله وكتابه ورسله، ما ترى؟ قال: أرى
عرشًا على الماء، فقال له رسول الله عليه السلام: ((ترى عرش إبليس على البحر. وما ترى))؟
قال: أرى صادقين وكذابًا، أو كاذبين وصادقًا، قال: ((ليس عليه، خلط عليه الأمر، دعوه)))،
(١) (مسلم) الفتن وأشراط الساعة: باب ذكر ابن صياد.
(٢) (البخاري) الجهاد والسِّيّر: باب كيف يعرض الإسلام على الصبي. (مسلم) الفتن وأشراط الساعة:
باب ذكر ابن صياد.

٧٣
كتاب الفتن/ باب ٦٣
مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ)، ثُمَّ نَعَتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ أَبُوَيْهِ؛ فَقَالَ: ((أَبُوهُ طِوَالٌ
ضَرْبُ اللَّحْمِ كَانَّ أَتْفَهُ مُنْقَارٌ، وَأُمُّهُ فَرْصَاخِيَّةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَسَمِعْنَا
بِمَوْلُودٍ فِي الْيَهُودِ بِالمَدِينَةِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ حتى دَخَلْنَا على أبَوَيْهِ، فَإِذَا نَعْتُ
رَسُولِ اللَّهِن ◌َ﴿ فِيهِمَا، فَقُلْنَا: هَلْ لَكُمَا وَلَّدٌ؟ فَقَالاَ: مَكَثْنَا ثَلاَئِينَ عَامًا لاَ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ،
ثُمَّ وُلِدَ لْنَا غُلاَمٌ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَّلُهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَّامُ قَلْبُهُ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ
عِنْدِهِمَا فَإِذَا هُوّ مُنْجَدِلٌ في الشَّمْسِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ وَلَهُ مَمْهَمَةٌ فَتَكَشَّفَ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ: مَا
قُلْتُمَا؟ قُلْنَا: وَهَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ يَنَامُ قَلْيِي(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ حَمَّادِ بْنِ سَلَّمَةً.
٢٢٤٩ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ
سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ مَرَّ بابْنِ صَيَّادٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ
الخَطَّابِ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمٍ بَنِي مَغَالَةً وَهُوَ غُلاَمٌ: فَلَمْ يَشْعُرْ حتى ضَرَبَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ قَالَ:
أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّينَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ◌َ: أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ
النّبِيُّ ◌َ﴿: (آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ»، ثُمَّ قَالَ النّبِيِّ وَِّ: ((مَا يَأْتِيكَ))؟ قَالَ ابْنُ صَيَّارٍ: يَأْتِينِي
صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَله: ((خُلْطَ عَلَيْكَ الأمْرُ))، ثُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((إِنِّي
خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيثًا»، وَخَبَّأَ لَهُ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] فَقَالَ ابْنُ
صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: ((اخْسَأُ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)). قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ أَئِذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُثْقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: «إنْ يَكُ حَقًّا فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لاَ
يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَّكَ فِي قَتْلِ» .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: يَعْنِي الدَّجَّالَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
وقد ثبت (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي عليه السلام مشى إليه فوجده يلعب مع
الصبيان في أطم بني مغالة)، وجاء إليه مرة أخرى مع أبيّ بن كعب وطفق يتقي بجذوع النخل.
(١) (مسلم) فضائل الصحابة: باب قوله : ((لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم)). (أبو
داود) الملاحم: باب قيام الساعة. (النسائي في الكبرى) الصلاة والعلم: باب السهر في العلم.

٧٤
كتاب الفتن/ باب ٦٤
٦٤ - باب
[المعجم ٦٤ - التحفة ٦٤]
٢٢٥٠ - هذّثنا مَنَّادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ه: ((مَا عَلَى الأرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ)) يَعْنِي الْيَوْمَ «تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةٌ
سَنَّةٍ).
الثامنة والثلاثون: أخبر النبي عليه السلام بعدد الدجاجلة وبصفتهم، وأنهم ثلاثون كذابون
كلهم يزعم أنه رسول الله، وهذا الدجال الأكبر آخرهم، وهو يزعم أنه الله، سبحانه عن قول
المبطلين وتعالى علوًا كبيرًا.
التاسعة والثلاثون: إخراج الضمير من ابن صياد فتنة ابتلاه الله بها وغيره من الزائفين حتى
شكوا، وابتلى بها المؤمنين بلاء حسنًا ليعلموا أن الله قد يطلع الكاهن على الغیب لیضلّ به کثیرًا
من الخلق، ويلبس بها على القلوب التي كتب عليها الزيغ، ولا يدل ذلك على عمله بالغيب ولا
على صدقه في القول، وهذا معنى قوله: (اخسأً) أي: أبعد بعد الكلب (فلن تعدو قدرك) في
أنك كذاب، وأنت كنت أصبت فيما أضمرت وأخبرت، فليس ينزلك هذا منزلة النبي ولا منزلة
الملهم، وإنما هي فتنة لكل كافر ومسلم، وقد قيل: إنه لم يمكنه أن يكمل الكلمة بضحكه له
ودفعه، فقال: (الدخ) نصفها، وصدّه عن كمالها، وفي الحديث (فزبره) أي قطع عليه القول،
وقيل: الدخ لغة في الدخان.
الموفية الأربعين: مراجعة ابن صياد في قوله للنبي عليه السلام: أتشهد أنت أني رسول
الله، إنما كانت في وقت معاهدتهم على السلم المطلقة في قول، وقيل: كان صغيرًا لم يأخذه
التكليف، فإنه لا ينقض العهد ذلك الجفاء والباطل الذي قابله به.
الحادية والأربعون: قوله: (أرى عرشًا على الماء) فقال له: ((ترى عرش إبليس)) أعاذنا الله
منه ولعنه بلعتته التامة، لما سمع أن عرش الله كان على الماء قبل أن يخلق المخلوقات اتخذ هو
عرشًا على الماء ليعاظم الإله ويكابر الرب، ومكّنه من ذلك فتنة لجنده وخيله ورجله.
الثانية والأربعون: كيف رأى ابن صياد عرش إبليس ولم يره غيره؟ قلنا: هذا دليل على أن
الله هو الذي يخلق الرؤية للعباد كيف يشاء، فقد يطّلع شخصًا على معنى ولا يطلع عليه غيره من
أمثاله في جميع أحواله مع سلامة حواسه وارتفاع الحجب، لأنه لم يخلق الإدراك له. ألا ترى
أن بعض أصحابه كان يرى جبريل ولا يراه الآخر، وكان يراه هو عند إبلاغ الوحي ولا يراه
أصحابه.

٧٥
كتاب الفتن/ باب ٦٤
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَيُرَيْدَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
الثالثة والأربعون: قال له: أرى صادقين وكاذبًا، إنباء عن تخليطه وأنه يصدق ويكذب، أو
يكذب أكثر مما يصدق تلبيسًا عليه وتخليطًا، لينفذ القدر السابق فيه وله.
الرابعة والأربعون: ذكر في المفاوضة جرت بين ابن صياد وأبي سعيد أنه قال: فأخذتني
منه ذمامة، معناه: اعتقدت بيني وبينه ذمامًا من الدين لما ذكر من أنه مؤمن وأنه يصلي وأنه
يدخل المدينة ومكة، وأنه قد ولد له وأنه ليس بأعور، حتى قال له إني لأعرف اسمه واسم أبيه
أين هو، فحينئذ قال له: تبًا لك سائر اليوم.
الخامسة والأربعون: قال له النبي: ((ما تربة الجنة))؟ فسأله عنها، لأنهم كانوا يجدونها في
التوراة، فأراد أن يعلم هل بدلوها أم هي بحالها.
السادسة والأربعون: قال له: درمكة بيضاء مسك خالص. فالدرمكة البيضاء هي أرض
النبات، والمشي والمسك مجرى الأنهار والمياه، كما جاء في الحديث: ((طيبها المسك
وحصباؤها اللؤلؤا.
السابعة والأربعون: قال علماؤنا: في هذا دليل على أن إسلام الصبي يصخ، ولولا ذلك
لما دعاه النبي عليه السلام إليه، لأن الدعاء إلى ما لا يصح لا ينبغي، وبه قال مالك وأبو
حنيفة، وقال الشافعي: لا يصح إسلامه لأنه غير مكلف، وهذا يبطل عليه بالصلاة، فإنها عنده
صحيحة حتى تجزي عن الفرض إذا بلغ في أثناء الوقت، وهي مسألة عظيمة من الخلاف بيانها
في موضعها.
الثامنة والأربعون: اختلف الناس في شهادة الحجوب، والصحيح جوازها إذا أحصى
الشاهد جميعها، ألا ترى النبي عليه السلام كيف كان يتقي بجذوع النخل يختل ابن صياد أن
يسمع كلامه، حتى قالت له أمه: يا صاف، وهو ابن صياد، وهذا محمد، فحينئذ قطع الكلام،
ولو كان ما يسمع منه لا يفيد شيئًا لما كان النبي عليه السلام يتعرض لذلك، لأنه فضول متنزه
عنه ويجلّ قدره منه. وفي رواية: «فلم يشعر حتى ضرب رسول الله عليه السلام ظهره بيده»،
وهذا ليس بمعارض لإنذار أُمه به، لأنهما كانتا في حالتين.
التاسعة والأربعون: لما أشعرت أم ابن صياد له بالنبي عليه السلام وثار، قال النبي عليه
السلام: لو تركته بين، يحتمل أن يريد بين بقوله حاله، قال: النبي عليه السلام كان قد علم أن
ابن صياد متكلم بأحواله في تلك الهمهمة مبين صفاته، وقال ابن عمر لابن صياد قولاً أغضبه
فانتفخ حتى ملأ السكة، يعني الطريق، فقالت له حفصه: أما تعلم أن رسول الله #1 قال: «إنما
يخرج من غضبة يغضبها»، فحذّرته منها لاعتقادهم أنه الدجال، وفي رواية أنه لقيه فقال له:

٧٦
كتاب الفتن/ باب ٦٤
٢٢٥١ - عقدنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ
سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمانَ وَهُوّ ابْنُ أبي حَثْمَةً أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمّرَ قَالَ:
صَلََّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلاَةَ العِشَاءِ في آَخِرٍ حَياتِهِ، فَلَمَّا سَلْمَ قَالَ: «أَرَأيْتَكُمْ
لَيْلَتَكُمْ هذِهِ على رَأْسٍ مِائَةٍ سَنَّةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ على ظَهْرِ الأرْضِ أَحَدٌ»، قَالَ ابْنُ
عُمَّرَ: فَوَهِلَ النَّاسُ في مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ﴾ تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَهُ مِنْ هذهِ الأحَادِيثِ عَنْ
مِائَةٍ سَنَّةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ على ظَهْرِ الأرضِ أحَدٌ يُرِيدُ
بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذلِكَ القَرْنُ.
قَالَ آَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
((أرى عينيك قد نفرت)) يريد: انتفخت، ونخر كأشد ما يكون من النخير، قال: فضربه بعصاه
حتى تكسرت، فدخل على بعضه فقلت له ذلك.
الموفية خمسين: ثبت أن عمر كان يحلف بالله أنه الدجال بحضرة النبي عليه السلام فلا
ينكر عليه، فإن لم يكن بالدجال فكيف يقرّ على اليمين؟ والصحيح أنه ليس به، فإن ابن صياد
كان بالمدينة صبيًّا. وتميم الداري قد ذكر حديث الدجال ولقاءه في الجزيرة مع الجساسة،
فيحتمل أن يكون النبي عليه السلام مكّن له عمر من ذلك في أول الأمر، حتى جاءه تميم فأخبره
بخبره المشاهد.
الحادية والخمسون: في الحديث (على أنقاب المدينة ملائكة حافين تحرسها) يعني لا
يدخلها الدجال، وفي حديث آخر (عليه ملك بيده السيف صلتًا) والجمع بينهما بيِّن وذلك أنه
يحتمل أن يكون ملك بين يديه ملائكة يتصرفون بأمره.
الثانية والخمسون: في يمين عمر على أن ابن صياد الدجال دليل على جواز يمين الرجل
على الشيء يظنه على صفته فيكون بخلافها، أنه بار فيها لا حنث عليه. قال به علماؤنا في
اليمين بالله خاصة، وقال الشافعي: عليه الكفّارة، وقال النبي عليه السلام: ((إنما ظننت ظنًّا فلا
تؤاخذني بالظن، وهذا كشف وإيضاح لعدم اعتباره، وقال علماؤنا: إن كان في الطلاق يؤاخذ
بالظن دون اليمين بالله لأنه لغو، ولا يدخل اللغو إلا في اليمين بالله، والصحيح أنه لا يؤاخذ
لا في الطلاق ولا في غيره، لأن النبي عليه السلام أهدره، وقد قيل إن النبي صل# سكت عن
بيان الدجال له ثم بيّن له وقال: إن ابن صياد هو الدجال بعينه يحييه الله بعد الموت، وهو
أحد جماعة جمعهم الله في خبثهم، والله على كل شيء قدير. وفي حديث جابر وغيره أنه ابن
صائد.
-

٧٧
كتاب الفتن/ باب ٦٥
٦٥ - باب مَا جَاءَ في التَّهِي عَنْ سَبِّ الرِّيَاحِ
[المعجم ٦٥ - التحفة ٦٥]
٢٢٥٢ - عقئنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ بْنِ حَبِيبٍ بْنِ الشَّهِيدِ البَصْرِيُّ. حَدْثَنَا مُحمَّدُ بْنُ
فُضَيْلٍ. حَدِّثَنَا الأعْمَشُ عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أبِي ثَابِتٍ عَنْ ذَرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ
أبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِله: «لاَ تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأْتُمْ مَا
تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ هذِهِ الرِّيحِ رَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ.
وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرُ هذِهِ الرِّيحِ وَشَرْ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ)(١).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِي وَأَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ
وَجَابِرِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
باب النهي عن سب الرياح
ذكر حديث عبد الرحمن بن أبزى عن أبيّ بن كعب (لا تسبّوا الربح) حسنًا صحيحًا. ثال
ابن العربي: هذا باب ذكره عن النبي عليه السلام جملة من الصحابة، وهو خارج على باب
قوله: (لا تسبّوا الدهر فإن الله هو الدهر)، وعلم النبي عليه السلام فيه التوحيد، فإن الناس
لغفلتهم إذا رأوا فعلاً عقيب فعل نسبوه إليه وخصّوه به، وجعل بعضهم الأخير مفعولاً للأول،
وإنما هي أفعال الله ترتب بعضها على بعض، وهو خالق الكل ومدبر الجميع، ولا ينسب إلى
غير الحق فعلاً إلا المجاز، فكل ما يجري من تصاريف الليل والنهار والقحط والمطر ونشر
النبات والشجر إنما هو خلق الله كله. وقد يأتي ذلك على الموافقة للعبد وقد تأتي على
المخالفة، فإذا جاء على الموافقة سر، وإذا جاء على المخالفة استاء لما يدركه من الضرّ فيعود
على ما جاء ذلك عليه بالسبّ والهجر، وذلك شيء منكر، وإنما يرجع بالملامة على ما يصور
(٢) ولا يحيى
من الأحياء في الأفعال المذمومة شرعًا، فذلك مأذون فيه ومفهوم وأما مَن لم
ولا يعرف فلا فائدة في ذلك إلا الجهل والاعتداء بسوء الاعتقاد لفاعل غير ذلك، وقد كنّا علّقنا
عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: كنّا في ركب مع عمر، فقال: مَن يحدّثنا؟
وهاجت الريح وأنا في آخر القوم، فقال عمر: أيّكم سمع من رسول الله 18 في الربح شيئًا؟
(١) (النسائي في عمل اليوم والليلة) (ص ٢٧١) باب ما يقول إذا هاجت الريح.
(٢) بياض بالأصل.

٧٨
کتاب الفتن/ باب ٦٦
٦٦ - باب
[المعجم ٦٦ - التحفة ٦٦]
٢٢٥٣ - عقدنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدِّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدْثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةً عَنِ
الشّغْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةً بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﴾ صَعِدَ المِنْبَرَ فَضَحِكَ فَقَالَ: ((إنَّ تَمِيمًا
الدَّارِيَّ حَدِّثَنِي بِحَدِيثٍ فَفَرِخْتُ. فَأَخْبَبْتُ أنْ أُحَدْئَكُمْ، حَدَّثَنِي أَنَّ نَاسًا مِنْ أهْلِ فِلَسْطِينَ
رّكِبُوا سَفِينَةٌ فِي الْبَحْرِ فَجَالَتْ بِهِمْ حتى قَذَّفَتْهُمْ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ البَحْرِ، فَإِذَا هُمْ بِدَايَّةٍ
لَبَّاسَّةٍ نَاشِرَةٍ شَعْرَهَا فَقَالُوا: مَا أَنْتٍ؟ قَالَتْ: أنا الجَسَّاسَةُ. قَالُوا: فَأَخْبِرِينَا، قَالَتْ: لاَ
أُخْبِرُكُمْ وَلاَ أَسْتَخْبِرُكُمْ وَلَكِنٍ أَثْتُوا أَقْصَى القَرْيَةِ فَإِنَّ ثَمَّ مَنْ يُخْبِرُكُمْ وَيَسْتَخْبِرُكُمْ، فَأَتَيْنًا
أَقْصَى القَرْيَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ بِسِلْسِلَةٍ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي ◌َنْ عَيْنٍ زُغَرَ، قُلْنَا: مَلأى تَدْفُقُ.
قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنِ البُخَيْرَةِ؟ قُلْنَا: مَلأى تَدْفُقُ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ الَّذِي بَيْنَ
فقلت: أنا سمعت رسول الله # يقول: ((الريح من روح الله، تأتي بالرحمة والعذاب، فإذا
رأيتموها فاسألوا الله خيرها وتعوّذوا بالله من شرّها، ولا تسبّوها فإنها مأمورة))، وهذا لا يناقض
· ما قدمناه من أنه لا فعل لها، فإن هذا مجاز، وإنما المأمور الموكل بإرسالها وإمساكها أو
تسكينها، وعبّر به عنها لأنها معرفة له.
.ذكر حديث تميم الداري
وهو غريب. وفيه:
الفائدة الأولى: حديث النبي عليه السلام عن الصحابي وقد رويناه من طرق عديدة:
الأولى: حديث تميم هذا الثاني في حديث عمر. الثانية: أن أبا عيسى قال: (فصعد المنبر) وفي
معلقاتى عن فاطمة (وصعد المنبر ولم يكن يصعده إلا في يوم الجمعة فامتكر الناس ذلك فمن
بين تائم وقاعد فأشار إليهم بيده أن اجلسوا) وذكر الحديث وقال: إن تميمًا حدّثني أنه ركب مع
قوم البحر، فأرفئوا إلى جزيرة بمغرب الشمس وأنهم ركبوا في أقرب السفينة إلى الجزيرة، وثبت
أيضًا أنهم ركبوا فانكسرت السفينة فركبوا على لوح من ألواحها، وأما (أقرب) فلا أدريه ولا أقبل
ممن يقول ما يقول فيه. ٦ لثة: قوله: (في عين زغر ملأى تدفق) يعني تدفع الماء بقوة وسرعة،
وزغر قرية من قرى الشام بشرقي بيت المقدس، وزغر أيضًا عين بالبصرة. ورُوِيّ عن علي فيها
حديث باطل لا أصل له. الرابعة: لما أكمل النبي عليه السلام الخطبة بالخبر عن تميم فأخرج
رسول الله* تميمًا على الناس فحدّثهم والنبي عليه السلام لا يحتاج إلى أحد في ذكر يذكره
ويشهد له، ولكن لما علم من قلوب الناس وتمكن التأكيد في الإخبار بالقلوب جرى على
عادتها. أخبرنا القاضي أبو المطهر بن أبي الرجاء، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا ابن خلاد، أخبرنا ابن

٧٩
كتاب الفتن/ باب ٦٧
الأُرْدُنِ وَفِلَسْطِينَ هَلْ أَطْعَمَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنِ النّبِيِّ هَلْ بُعِثَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ،
قَالَ: أَخْبِرُونِي كَيْفَ النَّاسُ إِلَيْهِ؟ قُلْنَا: سِرَاعْ، قَالَ: فَنَزَّ نَزْوَةً حتى كَادَ، قُلْنَا: فَما أَنْتَ؟
قَالَ: إِنَّهُ الدَّجَّالُ، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ الأَمْصَارَ كُلَّهَا إِلَّ طَنْيَةً)) وَطَنْبَةُ: المَدِينَةُ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا حَدِيثٌ صحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ قَتَادَةً عَنِ الشّعْبِيِّ، وَقَدْ
رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةً بِئْتِ قَيْسٍ.
٦٧ - باب
[المعجم ٦٧ - التحفة ٦٧]
٢٢٥٤ - هذهنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدْثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم. حَدْثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَّمَةً
عَنْ عَلِيّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ جُنْدَبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَّسُولُ اللَّهِله: ((لاَ يَنْبَغِي
لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ»، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: ((يَتَعْرَّضُ مِنَ البَلاَءِ لِمَا لاَ
يُطِيقُ))(٢) .
أبي أسامة، أخبرنا أبو النضر، أخبرنا سالم بن سليم، عن زيد العمى، عن منصور، عن ابن:
سيرين، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله # عن قبائل العرب، قال: فشغل يومئذ عنها
واشتغلوا عنه إلا أنه سألهم عن ثلاث قبائل(٣) سألوه عن بني عامر فقال: ((جمل أزهر يأكل من
أطراف الشجر))، وسألوه عن غطفان فقال: ((زهرة تتبع ماء»، وسألوه عن بني تميم فقال: ((هضبة
حمراء لا يضرّهم مَن عاداهم))، فقال الناس من تميم؟ فقال: ((أبى الله لبني تميم إلا خيرًا، هم
ضخام الهام، رجح الأحلام، ثبت الأقدام، أشد الناس قتالاً للرجال، وأنصار الحق في آخر
الزمان)). وقد رواه ابن قتيبة، فقال بدل (زهرة تتبع ماء) (زهرة تنبع ماء) والله أعلم.
باب ما جاء لا يقل المؤمن نفسه
حديث جندب عن حذيفة (لا ينبغي للمؤمن أن بذل نفسهاً قالوا وكيف يذل نفسه قال
يتعرض من البلاء لما لا يطيق) حسن غريب. قال ابن العربي: العزة والعزيز ضدّه الذلة
(١) (مسلم) الفتن وأشراط الساعة: باب قصة الجساسة. (أبو داود) الملاحم: باب في خبر الجساسة.
(النسائي في الكبرى) المناسك: باب منع الدجال من المدينة. (ابن ماجه) الفتن باب فتنة الدجال
وخروج عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج.
(٢) (ابن ماجه) الفتن: باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾.
(٣) كذا في الأصول ولعله إلا أنهم سألوه عن ثلاث قبائل.

٨٠
كتاب الفتن/ باب ٦٨ ٦٩٬
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
٦٨ - باب
[المعجم ٦٨ - التحفة ٦٨]
٢٢٥٥ - هقثنا مُحمَّدُ بْنُ حَاتِمِ المُكَتِّبُ. حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصَارِيُّ.
حَدَّثَنَا حُمَيْدٌّ الطَّوِيلُ عَنْ أَتَسِ عَنِ النَّبِيِّ فَ قَالَ: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، قُلْنَا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: ((تَكُفُّهُ عَنِ الظُّلْمِ فَذَاكَ نَصْرُكَ
إِيَّاهُ»(١).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٦٩ - باب
[المعجم ٦٩ - التحفة ٦٩]
٢٢٥٦ - هقثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدِّثَنَا سُفْيَانٌ عَنْ
أبي مُوسَى عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبيِِّ﴿ قَالَ: ((مَنْ سَكّنَ الْبَادِيَةَ جَفًا،
وَمَنِ أَتْبَعَ الصَّيْدَ غَفَّلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتَتَنَ))(٢).
والذليل، وكل معنى في العزيز هو الذي ضدّه في الذل، وأشده وأوعبه مَن لا يتم مراده أو مَن
لا يدفع ما يكره عن نفسه، وأدنى الطرق إليه أن يتعرض من البلاء لما لا يطيق لقول أو فعل،
وكان هذا بعد تمكّن الإسلام وعزّة أهله، وأما في أول الحال فكانوا في ذلّة وقلّة، ولا يخلو أن
يكون الذي يتعرّض له من المفروضات أو المندوبات، فإن كان من المندوبات فلا يحل له أن
يتعرض له بحال وعلى كل قول، وإن كان من المفروضات ففيه اختلاف قد بيتاه في كتاب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
تركيب: فإن رأى مكروهًا نزل بأخيه من ظلم فخشي من تغييره أن ينزل به من البلاء ما
لا يطيق، فلا يلزمه نصره سواء كان الظلم من مسلم أو كافر، مثل: أن يخرج إليه أربعة
(١) (البخاري) المظالم: باب أعن أخاك ظالما أو مظلومًا.
(٢) (أبو داود) الصيد: باب في اتّباع الصيد. (النسائي) الصيد: باب اتّباع الصيد.