النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الفتن/ باب ١٨
١٨ - باب مَا جَاءَ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
[المعجم ١٨ - التحفة ١٨]
٢١٨٠ - عقدنا سعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيّ. حَدْثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ
سِتَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴾﴿ لَمَّا خَرَجَ إلى خَيْبَرَ مَرَّ بِشَجْرَةٍ
لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعْلِّقُونَ عَلَيْهَا أُسْلِحَتَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْعَلْ لَّنَا
ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقّالَ النَّبِيَِِّله: «سُبْحَانَ اللَّهِ هذا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى:
﴿أَجْعَلْ لَّنَا إِلَّهَا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لْتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَبُوِ وَاقِدِ اللَِّيُّ اسْمُهُ الْحْرِثُ بْنُ عَوْفٍ، وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً.
وقهرمانه، لأنه يخونه عن الجحد لأموال المسلم لما يرجو من حسن جوارهم ومراعاتهم، وكونه
تحت ذمتهم، وأما اليوم فأنا أختار مَن أبايع ولا أسترسل، والله أعلم.
باب لتركبنّ سَنن مَن كان قبلكم
رُوِيّ صحيحًا. وفي الصحيح عن أبي واقد الليثي أن رسول الله 18 قال الحديث، ولم
يذكره بلفظ الترجمة إلا في موضع آخر.
العارضة: فيه (أن النبي عليه السلام لمّا خرج إلى خيبر) رأى المسلمون المشركين (يعلقون
أسلحتهم) بشجرة وقد سمّوها (ذات أنواط)، أي: ذات تعليق، والنوط هو التعليق، فقال له
المسلمون: (اجعل لنا) مثلها، فأنكر ذلك النبي عليه السلام لوجهين: أحدهما: أن الصواب أن
يجعل كل أحد سلاحه مع نفسه لا يفارقه في حالة الجهاد، الثاني: الاقتداء بهم، وذلك داعية
إلى اتباعهم فيما لا يحلّ فعله، ولذلك ضرب النبي عليه السلام المثل لهم بقول بني إسرائيل
لموسى: (﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾﴾ [الأعراف: ١٣٨] فالشرّ لجاجة والخير عادة، ثم
أخبر بأنه لا بد أن نركب سُنن من قبلنا شبرا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب
خرب لدخلتموه، المعنى: إن اقتصروا في الذي ابتدعوه فتقتصرون، وإن بسطوا فتبسطون، حتى
لو بلغوا من الانقباض إلى الغاية لبلغتموها. قال ابن العربي رحمه الله: حتى كانت تقتل أنبياءها،
فلما عصم الله رسوله عليه السلام قتلوا خلفاءهم تحقيقًا لتصديق الرسول عليه السلام، وضرب
(١) (النسائي في الكبرى) التفسير.

٢٢
كتاب الفتن/ باب ١٩
١٩ - باب مَا جَاءَ في كَلاَمِ السَّاعِ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
٢١٨١ - حقّثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيَعٍ. حَدْثَنَا أَبِي عَنِ القَاسِمِ بْنِ الفَضْلِ. حَدَّثَنَا أَبُو
نَضْرَةَ العَبْدِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾َ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ
تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإنْسَ، وحتى تُكَلِّمَ الرِّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ
وَتُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَخْدَثَ أهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ
مِنْ حَدِيثِ القَّاسِمِ بْنِ الفَضْلِ، وَالقَّاسِمُ بْنُ الفَضْلِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ، وَثَّقَهُ
يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ.
المثل في الغاية بدخول جحر الضب الخرب، وتفكرت برهة في وجه ضرب المثل بالضب
فتعرّضت لي في الخاطر معانٍ، فأشبهها الآن أن الضب عند العرب يُضرّب به المثل للحاكم من
الأنسي، والحاكم يأتي إليه الخلق بأجمعهم فيما يعرض من الأمور لهم، فلا يتأخر أحد عنه،
فكان المعنى تغييرهم بذلك، والله أعلم.
باب كلام السّباع
قال ابن العربي: هذه الأبواب أدخل فيها أبو عيسى أشراط الساعة ومن أراد الشفا منها
فعليه بكتاب سراج المريدين، وهو أقرب ما تراه فيه، أو في الأنوار، وهو طويل عريض،
وكل ما ذكر من شرط تكذبه الملحدة، وتتأوّله أقبح التأويل المبتدعة، حتى يرفع أهله ذلك
التأويل. فأما كلام السِّباع فهو عندهم مُحال، لأنه لم يخلق لها العقل وإنما عندها تخييل
ونوع من الإلهام إلى المنافع والمضار، فما عندها في الباطن نطق ولا في الظاهر صوت
وحرف بما أنشيت عليه من الطبع، فلا يكون ذلك فيها إلا لو قلبت حقيقتها، وهذا باطل
مبني على أصل فاسد. البارىء على ما يشاء قدير، والطبع هائر مائر، وقد ورد الخبر بكلام
البقرة مع الحامل، لها، والراعي للغنم مع الذئب، وأما الجمادات فهي أبعد عندهم من
النطق، وقد قال النبي عليه السلام: (يكلم الرجل عذبة سوطه)، يعني: بما أحدثت يداه
(وشراك نعله) بما مشت فيه رجله (وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده)، وبِمَ رآه سرًّا،
إلا أن مالكًا قال: إن القتيل في بني إسرائيل لما ذبحت عليه البقرة ضربوه بفخذها، فالله أعلم.
وأما انفلاق القمر فمُحال عند الملاحدة، وإخوانهم المعتزلة يطعنون فيه بأنه لم يره إلا نفر يسير،
وقد أخبر الله عنه، ورواه مع ابن عمر ابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وجبير بن مطعم،
وفيه إعجاز من وجهين: أحدهما: انشقاقه، قال ابن مسعود: حتى رأيت جزأي فلقة القمر،

٢٣
كتاب الفتن/ باب ٢٠ و ٢١
٢٠ - باب مَا جَاءَ فِي انْشِقَاقِ القَمَرِ
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
٢١٨٢ - حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدّ عَنْ شُعْبَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ
مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ قَالَ: انْفَلَقَ القَمْرُ على عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ﴾، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِلِه:
(اشْهَدُوا))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وهذا حَدِيثٌ
حسن صحيح.
٢١ - باب مَا جَاءَ في الخَسْفِ
[المعجم ٢١ _ التحفة ٢١]
٢١٨٣ - حقثنا بُنْدَارُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَذْثَنَا سُفْيَانُ عَنْ فُرَاتٍ
القَزَّازِ عَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسِيدٍ قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ :﴿ مِنْ غُرْفَةٍ
وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ :﴿: ((لاَ تَقُومُ السّاعَةُ حتى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعَ
الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّابَّةَ، وَثَلاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ،
وَخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَثَارْ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنْ تَسُوقُ النَّاسَ أَوْ
تَحْشُرُ النَّاسَ، فَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا))(٢).
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قُرَاتٍ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ.
حَدَّثَنَا هَنَادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الأخوَصِ عَنْ فُرَاتِ القَزّازِ نَحْوَ حَدِيثٍ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ.
والثاني: إخفاؤه عن جماعة مكة، وذلك خلاف العادة، وما كان خلاف العادة فهو معجز، ومَن
رآه من قريش قال: انظروا، فإن رآه أحد غيرنا فليس بسحر، وإن لم يره أحد إلا نحن فهو
سحر، فلما جاء سفر سألوهم فقالوا: رأيناه، فعلموا أنها آية. وأما (طلوع الشمس من مغربها)
(١) (مسلم) صفات المنافقين وأحكامهم: باب انشقاق القمر.
(٢) (مسلم) الفتن وأشراط الساعة: باب في الآيات التي تكون قبل الساعة. (أبو داود) الملاحم: باب
أمارات الساعة. (النسائي في الكبرى) التفسير. (ابن ماجه) الفتن: باب أشراط الساعة.

٢٤
كتاب الفتن/ باب ٢١
حَدّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ وَالمَسْعُودِيّ سَمِعًا مِنْ
قُرَاتِ القَزَّازِ نَحْوَ حَدِيثٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قُرَاتٍ، وَزَادَ فِيهِ الدِّجَّالَ أوٍ
الدُّخَانَ.
حَدْثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنِى. حَدَّثَنَا أَبُو الثُّعْمَانِ الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ العِجْلِيُّ
عَنْ شُعْبَةً عَنْ قُرَاتٍ نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةً، وَزَادَ فِيهِ قَالَ: وَالعَاشِرَةُ إِمَّا رِيحْ
تَطْرَحُهُمْ فِي الْبَحْرِ، وَإِمَّا نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البّابِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَأُمّ سَلَمَةَ وَصَفِيَّةٌ بِنْتِ حُيَيٍّ،
وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢١٨٤ - عقدنا مَحْمُودُ بْنُّ غَيْلاَنَ. حَدِّثَنَا أَبُو نَعِيم. حَذَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ
كُهَيْلٍ عَنْ أبي إذْرِيسَ المَرْهَبِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ صَفِيَّةً قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴾: ((لاَ يَنْتَهِي النَّاسُ عَنْ غَزْوِ هذا البَيْتِ حتى يَغْزُوَ جَيْشٌ حتى إذا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ
بِبَيْدَاءَ مِنَ الأرضِ خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَلَمْ يَنْجُ أوْسَطُهُمْ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ
كَرِةٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ على مَا فِي أَنْفُسِهِمْ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٢١٨٥ - حققنا أبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا صَيْفِيُّ بْنُ رِبْعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٌ عَنْ
عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ القَّاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((يَكُونُ
في آخِرِ هذِهِ الأُمّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ))، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُهْلَكُ وَفِينًا
الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ إِذَا ظَهْرَ الخُبْتُ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ،
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ تَكُلُّمَ فِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلٍ حِفْظِهِ.
فهو قلب الهيئة وإبطال الدنيا، وقد قال النبي عليه السلام فيما رواه أبو عيسى وغيره:
(١) (ابن ماجه) الفتن: باب جيش البيداء.

٢٥
كتاب الفتن/ باب ٢٢
٢٢ - باب مَا جَاءَ فِي طُلوع الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا
[المعجم ٢٢ - التحفة ٢٢]
٢١٨٦ - حدثنا هَنَّادٌ. حَدِّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ أبِي ذَرَّ قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ حِينَ غَابَتِ الشّمْسُ وَالنّبِيُّ:﴿ِ جَالِسٌ فَقَال: ((يَا أَبَا ذَرَّ
أَتَذْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هذِهِ)؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ في
السُّجُودٍ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا الْلَعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا))، قَالَ: ثُمّ
قَرَّأ: (وَذلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا)، قَالَ: وَذلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (١).
(إنها تذهب تستأذن في السجود فيؤذَن لها وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت)، (وذلك
مستقر لها)، أي: هي في حركة دائمة، إن طلعت غربت أو سجدت سارت. رُوِيّ عن ابن
عباس أنه قال: لا مستقر لها، أي: هي تطلع كل يوم في مطلع وتغرب في آخر لا تعود إليه،
يعني: إلا في مثل ذلك اليوم من العام الآخر حتى يكون طلوعها من حيث غروبها، وفي صحيح
مسلم: ((فتذهب لمستقرها تحت العرش))، وقد أنكر قوم من أهل الغفلة اقتداء بأهل الإلحاد
سجودها، وهو صحيح جائز ممكن، وتأوّله قوم أنه ما هي عليه من التسخير الدائم، وأنه يعني
بالعرش الملك، يعني: المخلوقات. وعلى مذهب الملاحدة أن تحتها في التحت غيرها، وفوقها
في الفوق غيرها في جميع سيرها، فلا يصح أن تكون ساجدة تحت العرش، وعلى التأويل
الأول يصح أن تخرج من مجراها، والقدرة تشهد له، وعلى التأويل الثاني يكون المعنى في وجه
المجاز أنها ساجدة أبدًا، وقوله: (تحت العرش) يريد: تحت الملك، أي: القهر والسلطان،
وهي تستأذن في المسير فيؤذن لها، حتى يقال لها: ارجعي، فتطلع من مغربها، وتذهب الهيئة
المدبرة فيها، وبعد الرجوع يكون التقدير، فإن قيل: فما وجه المجاز فيه وتنزيل التأويل؟ قلنا:
قرىء ﴿لمستقر لها﴾، وقرىء (لا مستقر لها)، فإذا كان لا مستقر لها فيفتقر إلى تأويل، فتخر
ساجدة تحت العرش، وإن كان لمستقرها فهو الذي يكون آخر أمرها على قول الموحدة،
والتأويل المجازي على القرآن الواحد أن الشمس لها حركتان: حركة مستديرة وحركة عرضية
مثلها، وذلك دليل على أن الفلك واحد، وأن عرضه ما بين مطلع جنوبي ومطلع شمالي، ولها
نهايتان في الجهتين، وهي ساجدة في كل حال من أحوالها تحت العرش لذي العرش سبحانه،
وأخصّ أحوالها التي يظهر ذلك عندنا فيه ظهورًا متميزًا جدًا من غيره غروبها وطلوعها وحركتها
في النهايتين بهما، وذلك جري دائم لا استقرار معه على القران الواحد، وإن قلنا بالقراءة
(١) (البخاري) التفسير: باب تفسير الآية ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ من
سورة يَس. والتوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾. (مسلم) الإيمان: باب
بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان.

٢٦
کتاب الفتن/ باب ٢٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ وَحُذَيْفَةً بْنِ أُسِيدٍ وَأَنَّسٍ وَأَبِي
مُوسَى، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٣ - باب مَا جَاءَ في خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
[المعجم ٢٣ - التحفة ٢٣]
٢١٨٧ - حقثنا: سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ
قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عْنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْئَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةً
عَنْ حَبِيبَةَ عَنْ أُمْ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ : #﴿ مِنْ نَوْمِ
الأخرى للجماعة ﴿لمستقر لها﴾، فالمراد بذلك أن كل قوم تغرب عليهم أو تطلع فإن ذلك
استقرار لها، بالإضافة إلينا، وإن كانت هي في حركتها الدائمة الغائبة عنّا وهو استقرار في
المشاهدة عنّا، فعبّر عن زوال الحركة المشاهدة بالاستقرار بالإضافة إلينا، فكل طائفة تغرب عنهم
يقال لها بالإضافة إليهم: اطلعي حتى إذا شاء الله قيل لها: ارجعي من حيث جئت، وقوله:
(تحت العرش) صحيح، لأن الكل من الأرض تحت العرش، بل العالم، إذ الكل في قبضة
الملك، فهي تحت القدرة والقهر، وهي معنى الملك والعرش، فهي تحته بهذا المعنى البديع،
والله أعلم.
وأما خروج يأجوج ومأجوج فإنه يكون بعد نزول عيسى عليه السلام، وهما أمتان مضرّتان
مفسدتان كافرتان، قيل: إنهما من ولد يافث بن نوح، وهما مشتقان من تأجج النار، يقال: يولد
للرجل منهم ألف ولد لصلبه، أمر الله ذا القرنين أن يجعل بين الناس وبينهم سدًّا حسبما نصّ الله
في كتابه، ويقولون إن ارتفاعه مائتا ذراع وعرضه خمسون ذراعًا، وإنه من حديد شبه المصمت،
وإنه حديد ونحاس، حتى جاء كالبرد لمحبر، وقد أخبرني أبو عثمان سعيد بن حسان الصوفي
الطليطلي، وقد جاور بالمسجد الأقصى أعوامًا وسار في بلاد المشرق أربعين عامًا حتى بلغ
أقصى المشرق، وصحب كل شيخ الصوفية، فكان مقدّمًا في الصناعة، فقال لي: رأيت من رأى
السد، وذكره كما صح عن النبي عليه السلام: ((إنه كالحبرة مطرقًا بالألوان، تأتي يأجوج
ومأجوج إليه كل يوم تحفر فيه ثم ترجع، فتقول: غدًا نخرج، فترجع فتجده بحاله، فلا يرتدعون
عن حفره حتى إذا جاء وعد ربي قالوا: غدًا نخرج، فترجع فتجده بحاله، فيوالون الحفر فينقبونه
ويخرجون عليه فيدكّونه دكًا، حتى يصير مع التراب». وفي هذا قيل ثلاث آيات: الأولى: أن الله
منعهم من أن يوالوا الحفر ليلاً ونهارا الثانية: أن الله منعهم من أن يحاولوا الرقي عليه بآلة أو
سلم إذ لم يلهمهم ولا علمهم إياه، وليس في أرضهم خشب ولا آلات تحاول بتلك الصناعات،
الثالثة: أنه صدّهم عن أن يقولوا: إن شاء الله. قال ابن العربي رضي الله عنه: ثبت عن النبي

٢٧
كتاب الفتن/ باب ٢٣
مُحْمَرًا وَجْهُهُ وَهُوَ يَقُولُ: ((لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ» يُرَدِّدُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ((وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ
اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذِهِ وَعَقَدَ عَشْرًا))، قَالَتْ زَيْئَبُ: قُلْتُ يَا
رَسُولُ اللَّهِ أَفْتُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ إذا كَثُرَ الخُبْتُ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ جَوَّدَ سُفْيَانُ هذا الحَدِيثَ، هكذا
رَوّى الحُمَّيْدِيُّ وَعَلِيُّ بْنُّ المَدِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الحُفّاظِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ نَحْوَ هذا،
وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ: حَفِظْتُ مِنَ الزُّهْرِيِّ في هذا الحَدِيثِ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ:
زَيْئَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَّمَةً عَنْ حَبِبَةً وَهُمَّا رَبِيَبْتَا النَّبِيِّ ◌َِ عَنْ أُمِّ خَبِبَةً عَنْ زَيْنَبَ بِئْتِ جَخْشٍ
زَوْجَي التَّبِيِّ ◌ِ﴿، وهكذا رَوَى مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ هذا الحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ
حَبِيبَةَ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ عُبَيْنَةٌ هذا الحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ وَلَّمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ
أُمُّ حَبِبَةً.
عليه السلام أنه قال: ((ويل للعرب من شرِّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل
هذه، وعقد عشرًا) قالوا: (يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر
الخبث))). وهذا يدل على أن السد منذ بُنِيَ لم يفتح منه يوم أخبر النبي عليه السلام إلا مثل ثقب
عشر في العدد. وفقهه أنه لم يقصد به العدد، فيعارض قوله: ((إنّا أمة أمية))، وإنما جاء لبيان
صورة معينة خاصة، وفائدة قوله: ((ويل للعرب)) أن كل مَن يلقاها يوافقها، إما في العجمة وهو
القبيل، ولا توافقها العرب، وإما في الدين ولا توافقها العرب أيضًا. وفائدة قوله: ((نعم)) في
هلاك الصالح مع الطالح البيان بأن الخيّر يهلك بهلاك الشرير، وفيه وجهان: أحدهما: أنه إذا لم
يغير عليه خبثه، أو إذا غيّر لكنه لم ينفع التغيير بل كثر المنكر بعد النكير، فيهلك حينئذ القليل
والكثير، ويحشر كل أحد على نيته، عدل الله في حكمه بحكمته، ومع هذا وبعده ما يأتي بيانه
إن شاء الله. وفي هذا الحديث فائدة يختبر بها المحدثون، يقال: أي حديث اجتمع فيه أربعة من
الصحابة؟ فيقال: أربعة، هي: حديث ردم يأجوج ومأجوج، يرويه سفيان بن عيينة، عن
الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت
(٣) .
جحش. وحديث العمالة(٢) رواه ابن شهاب
(١) (البخاري) الفتن: باب قول النبي ﴾: ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب. (مسلم) الفتن: باب اقتراب.
الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج.
(٢) في التونسية القمالة وفي الزهرية العمرلة وفي الكتانية العمالة.
(٣) بياض بالأصل.

٢٨
کتاب الفتن/ باب ٢٤
٢٤ - باب في صِفَّةِ المَارِقَّةِ
[المعجم ٢٤ - التحفة ٢٤]
٢١٨٨ - حقثنا أبو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَاصِمٍ
عَنْ زِرِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ { ﴾: ((يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ
أحْدَاتُ الأسْنَانِ سُفَهَاءُ الأحْلاَمِ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرٍ
الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمّا يَعْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّبِيَّةِ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البّابِ عَنْ عَلِيَّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي ذَرِّ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هذا الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ حَيْثُ وَصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ
يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجْاوِزُ تَرَافِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهُمُ مِنَ الرِّمِيَّةِ، إِنَّمَا هُمُ
الخَوَارِجُ وَالخُرُورِيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الخَوَارِجِ.
باب صفة المارقة
(يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان).
الإسناد: الحديث عن الخوارج له سبب، وفيه تطويل، بيانه في جزء مفرد من النيرين،
مختصرة في مختصره، والعارضة فيه نحصرها:
الأولى: قوله: (أحداث الأسنان) يعني: الاغترار بالغرارة المفضية للغرور الذي يرجع
جميعها إلى الجهالة.
الثانية: قوله: (سفهاء الأحلام) يعني أن حلمهم خفيف، إشارة إلى ضعفه، فلا يكون معه
تثبت ولا تبصرة.
الثالثة: قوله: (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) الترقوة هو العظم المازّ من رأس المنكب
إلى ثغرة النحر، ومنه إلى الشفتين يتزدد النفس والصوت.
الرابعة: قوله: (يمرقون من الدين) أي يخرجون عنه بسرعة بعد أن كانوا فيه، فإنهم شهدوا
شهادة الحق ثم خالفوها بالاعتقاد والعمل، فبأسرع ما زهقوا عمّا لحقوا.
الخامسة: من هم؟ قيل: هم الخوارج أهل حروراء وأمثالهم، بدليل قوله: (يخرجون على
خير فرقة من الناس) أو خير فرقة، وكذلك كان، خرجوا حين افتراق أهل الشام وأهل العراق
(١) (ابن ماجه) المقدمة: باب في ذكر الخوارج.

٢٩
كتاب الفتن/ باب ٢٥
٢٥ - باب في الأثَرَةِ وَمَا جَاءَ فِيهِ
[المعجم ٢٥ _ التحفة ٢٥]
٢١٨٩ - عقدنا مَحمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ عَنْ فَتَادَةً. حَدَّثَنَا
أَنَّسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أسِيدٍ بْنِ حُضَيْرٍ أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَعْمَلْتْ
فُلاَنَا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حتى تَلْقَوْنِي
على الخَوْضِ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعلى خير الفرقتين وهم أصحاب عليّ، ولو كنت هنالك لكنت معه بلا شك، إلا أن تفوتني قوة
فأكون مع سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وغيرهما وهم قليل، ولقول النبي عليه السلام:
(آيتهم رجل من صفته كذا) وذكرها، فوجدت تلك الصفة على يدي عليّ فيمن خرج عليه،
وصدق الله ورسوله وظهر صدق عليّ وصحة عمله.
السادسة: هل يحكم بكفرهم أو بفسوقهم؟ قلنا: فد بيّا في غير موضع أن التكذيب على
ضربين: صريح وتأويل، فأما من كذب الله صريحًا فهو كافر بإجماع، وأما مَن كذبه بتأويل: إما
بقول يؤول إليه، أو بفعل ينتهي إليه، فقد اختلف العلماء قديمًا، والصحيح أنهم كفار
لقوله *: (يمرقون من الدين) ولقوله: (كم من مضل يقول بلسانه ما ليس في قلبه) فأنبأ أن
القلب خلي عن الذي في اللسان من الشهادة، ولقوله: (لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد وثمود)،
وعاد قتلت كفرًا. ولقوله: (هم شرّ الخلق) ولا يكون ذلك إلا كافرًا، وهم في الأصل صنفان:
أحدهما: يزعم أن عثمان وعليًّا وأصحاب الجمل كفّار، ومَن رضي بالتحكيم بأجمعهم. الثاني:
أن كل مَن أذنب ذنبًا من أمة محمد# فهو في النار مخلدا فيها، فلما كفّروا أصحاب
محمد* بأجمعهم وحكموا بتخليدهم في النار، كانوا كفّارًا ثم انتهوا إلى عشرين فرقة.
باب الأثرة
حديث أنس بن مالك عن أسيد بن حضير (أن رجلاً من الأنصار) إلى قوله: (سترون بعدي
أثرة).
. العارضة: فيه أن الأنصاري قال للنبي عليه السلام: (استعملت فلانًا ولم تستعملني) فلم
(١) (البخاري) مناقب الأنصار: باب قول النبي # للأنصار: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض)).
والفتن: باب قول النبي #: ((سترون بعدي أمورًا تنكرونها)). (مسلم) الإمارة: باب الأمر بالصبر
عند ظلم الولاة واستئثارهم.

٣٠
كتاب الفتن/ باب ٢٦
٢١٩٠ - هذائنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ
وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبيِّ :﴿ قَالَ: (إِنْكُمْ سَتَّرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا))، قَالَ:
فَمَّا تَأْمُرُّنًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٦ - باب مَا جَاءَ مَا أَخْبَرَ النَّبِيّ ◌َّ
أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ
[المعجم ٢٦ - التحفة ٢٦]
٢١٩١ - عقدنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى القَزَّازُ البَصْرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ القُرَشِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَوْمًا صَلاَةَ العَصْرِ بِنَهَارٍ ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إلى قِيَامِ
السّاعَةِ إلاَّ أَخْبَرَنَا بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَّهُ مَنْ نَسِيّهُ، وَكَانَ فِيمًا قَالَ:
يقل له كما قال لغيره: ((إنّا لا نستعمل على عملنا مَن أراده»، ولكنه فهم منه أنه أشفق من إيثار
ذلك عليه بالعمل، وكان حقًّا، لأن هذا لم يستحقه لأنه سأله فأخبره النبي عليه السلام أنه سيرى
بعده أثرة كثيرة، يعني أشد من هذه لعموم تلك وخصوص هذه، وأنها لا دواء لها إلا الصبر
وأنها دائمة عليهم إلى يوم القيامة، وإنما العوض لهم منها لقاء رسول الله وَليزر (على الحوض)،
صحيح كله. وزاد حديث عبد الله (وأمورًا تنكرونها) وهذه إشارة إلى ما جرى عليهم من قتلهم
وقتل أبنائهم، وقال: (أتوا إليهم حقهم وسَلوا الله الذي لكم) صحيح. وهذا من الصبر المأمور
به، وأفاد أن الوالي الجائر لا يخرج عليه ويصبر على ظلمه، فإن الوالي الظالم محصور الإذاية،
وإذا خرج عليه كانت إذايته غير محصورة. وقد ذكر أبو عيسى حديث وائل بن حجر (أنهم قالوا
أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعون حقنا ويسألون حقهم قال اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا
وعلیکم ما حملتم) حسنان صحيحان.
خبر النبي# عمّا يكون
ذكر أبو سعيد عن النبي ﴾ حسنًا، (حفظه مَن حفظه ونسيه من نسيه). روى مسلم عن
أبي زيد عمرو بن أخطب قال: (صلّى رسول الله ﴿ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت
(١) (البخاري) الفتن: باب قول النبي #: ((سترون بعدي أمورًا تنكرونها)). والمناقب: باب علامات
النبوة في الإسلام. (مسلم) الإمارة: باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول.

٣١
كتاب الفتن/ باب ٢٦
(إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةً، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلاَ فَاتّقُوا الدُّنْيَا
وَأَتَّقُوا النِّسَاءَ))، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: ((ألاَ لاَ يَعْنَعَنَّ رَجُلاً مَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٌّ إِذَا عَلِمَهُ))،
قَالَ: فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ رَأيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا، فَكَانَ فِيمَا قَالَ: ((ألاّ إِنَّهُ يُنْصَبُ
لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَدْرٍ غَذْرَيِّهِ، وَلاَ غَدْرَةَ أعْظَمُ مِنْ غَدْرَةِ إِمَامٍ عَامَّةٍ يُرْكَزُ لِوَاؤُهُ
الظهر، وصلّى وخطب إلى العصر، وصلّى وخطب حتى غربت الشمس، وأخيرنا بما هو كائن).
الإسناد: لفظ أبي سعيد: أنه خطب من العصر، وحديث سلمة عن أبي زيد أصح
وأوعب، وقد أخبر عنه أبو عيسى وتركه، وأخبر أيضًا عن حرب إلى حذيفة فيه وتركه، ويأتي
ذكره إن شاء الله في الصحيح.
فوائد الأصولية: الأولى: إظهار معجزة النبي عليه السلام وصدقه في دعواه وبيان أدلته
الواضحة على صدق الأخبار عن الغيوب المستقبلة، كما أخبر عن الغيوب الماضية مما لا يعلمه
إلا الذي خلقها وعرفه بها وأعلمه.
الثانية: النسيان الذي خلق لما شاء منه والحفظ لما حفظ ليعلم الخلق أن المعنيين بيد الله،
خلافًا لمَن قال: الأمر بخلاف ذلك، من القدرية.
الثالثة: قوله: (فناظر كيف تعملون) هو سبحانه ناظر كيف تعملون ما علمه قبل ذلك،
فإنه يعلم الموجود والمعدوم، ويرى الموجود إذ لا تصح رؤية المعدوم كما بيّنّاه في كتب
الأصول.
فوائده المطلقة: الأولى: قوله في الدنيا: (إنها حلوة خضرة) بناء عن طيب المذاق
والمخبر، وحسن المرآة والمنظر.
الثانية: قوله: (إن الله مستخلفكم بها) فبيّن أن الخلق خلفاء على ما في الأرض، وكل أحد
يختص بما في يده ووكل إليه، كما قال: (كلكم راعٍ) وفسّره إلى آخره.
الثالثة: قوله: (اتقوا الدنيا) يعني اجعلوا بينكم وبينها وقاية، منها الوقاية بترك الحرام،
والثاني الوقاية بترك الإكثار منها بالزهد فيها، حسب ما بيّاه في القسم الرابع من التفسير.
الرابعة: قوله: (اتقوا النساء) قد قال سبحانه: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم
فاحذروهم﴾ [التغابن: ١٤] وهنا تحذير عظيم يقتضي تقاة حصينة، فيثقي المرأة قبل أن تحلّ في
ذاتها، ويتّقي بعد أن تحلّ في تكليفاتها والتقصير بواجباتها. قوله: (لا يمنعنّ رجلاً هيبة الناس
أن يقول بحق إذا علمه) بيان لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن خاف، وقد بيّا في
غير موضع أن الخوف إن كان من إذاية قليلة لم بسقط عند ذلك فرض القول، فإن كان ضررًا
كثيرًا تعيّن عليه ترك القول ولزمته خاصة نفسه، قوله: (ينصب لكل غادر لواء) يريد الشهرة به،

٣٢
كتاب الفتن/ باب ٢٦
عِنْدَ أَسْتِهِ»، فَكانَ فِيما حَفِظْنَا يَوْمَئِذٍ: ((ألاَ إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا على طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ
مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنَا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ
كافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَّدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، ومِنْهُمْ مَنْ يُولِدُ كَافِرًا وَيَحْيَا
كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، أَلاَ وَإِنَّ مِنْهُمُ الْبَطِيءَ الغَضَبِ سَرِيعَ الفَّيْءِ وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ
سَرِيعُ الفَيْءٍ فَتِلْكَ بِتِلْكَ، أَلاَ وَإِنَّ مِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيُ الفَيْءِ، أَلا وَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ
الغَضَبِ سَرِيعُ الفَيْءِ، ألاَ وَشَرُهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيُ الفَيْءِ، ألاَ وَإِنَّ مِنْهُمْ حَسَنَ
القَضّاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ، وَمِنْهُمْ سَيِّئُ القَضَاءِ حَسَنُ الطَّلَبِ وَمِنْهُمْ حَسَنُ القَضَاءِ سَيِّىءُ
الطَّلَبِ فَتِلْكَ بِتَلْكَ، أَلاَ وَإِنَّ مِنْهُمُ السَّيَّءَ القَضَاءِ السَّيِّىءَ الطَّلَبِ، أَلاَ وَخَيْرُهُمُ الحَسَنُ
القَضَاءِ الحَسَنُ الطَّلَبِ، أَلاَ وَشَرُهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ، أَلاَ وَإِنْ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ
فِي قَلْبٍ ابْنِ آدَمَ، أَمَا رَأَيْتُمْ إلى حُمْرَةٍ عَيْتَيْهِ وَأَنْتِفَاخِ أوْدَاجِهِ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
فَلْيَلْصَقْ بِالأرْضِ)) قَالَ: وَجَعَلْنَا نَلْتَفِتُ إلى الشّمْسِ هَلْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ
وهي عظيمة في النفوس، كبيرة على القلوب، يخلق الله عند وجودها من الألم في النفس ما شاء
على قدرها، وما يخلق من ذلك في الآخرة أعظم، ويزيد في عظيم الدواء حتى تكون الشهرة
أشد.
السابعة: قوله: (ولا غدرة أعظم من إمام عامة يركز لواؤه عند أسته) وإنما جعلها أعظم من
الإمام لأن متعلقاتها من المغرور به أكثر، ففحشت بكثرتها، وقوله: (يركز عند أسته) لتكون
العورتان مكشوفتان، الظاهرة في الأخلاق والباطنة في الخلق.
الثامنة: في تقسيم بني آدم للإيمان على أربع طبقات. أما قوله: (يولد مؤمنًا) فمعناه: يولد
بين مؤمنين فيكون له حكم الإيمان، فإن ولد بين مؤمن وكافرة فهو في حكم الإيمان بالإجماع،
وإن ولد بين كافر ومؤمنة فاختلف الناس، فروى ابن وهب أنه يتبع أمه وهو الصحيح، فيكون له
حكم الإيمان حسبما بينّاه في مسائل الخلاف وهاهنا، وكذلك تكون حاله في الكبر، وأما الذي
يحيى مؤمنًا ويموت كافرًا فذلك بين مردته وضلالته بعد الهدى، وأما الذي يولد بين الكافرين
ويحيى كذلك ثم يحكم الله له بالإيمان فذلك السعيد.
التاسعة: في تقسيم بني آدم في القضاء والطب، وقد قال النبي عليه السلام: ((رحم الله
سمحّا إن باع سمحًا إن ابتاع سمحًا إن قضى سمحًا إن اقتضى)). فإن كان سيّء القضاء حسن
الطلب فمطلبه بما عليه يحسب له في مقابلة صبره باله على غيره.
العاشرة: قوله: (إن الغضب جمرة) قد بيناه وأن السكوت يطفئه، والاتكاء والاضطجاع
على مراتهم، والاغتسال بالماء لا يبقي له رسمًا.

٣٣
كتاب الفتن/ باب ٢٧
اللَّهِ ﴾: ((ألاَ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلاَّ كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هذا فِيمًا
مَضّى مِنْهُ)(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ حُذَيْفَةً وَأَبِي مَرْيَمَ وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ وَالمُغِيرَةِ بْنِ
شُعْبَةَ وَذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيِّ :﴿ حَدَّثَهُمْ بِمّا هُوَ كَائِنَّ إلى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ.
٢٧ - باب مَا جَاءَ في الشَّامِ
[المعجم ٢٧ - التحفة ٢٧]
٢١٩٢ - هقثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدِّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّام فَلاَ خَيْرَ فِيكُمْ، لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ
◌ُمْتِي مَنْصُورِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حتى السَّاعَةَ»(٢).
قَالَ مُحمِّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ هُمْ أَصْحَابُ الحَدِيثِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةً وَابْنٍ عُمَرٌ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو. وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
حَدِّثَنَا أَحْمّدُ بْنُ مَنِيع. حَدْثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((هَاهُنَا وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ».
ذكر الشام
ذكر حديث بهز حين حضّ النبي عليه السلام على الشام وهو عند النبي عليه السلام
(أين تأمرني أن أكون قال هاهنا وأشار بيده نحو الشام)، وأثنى على اليمن مطلقًا فقال:
(الإيمان يمان))، وقوله: ((الفتنة هاهنا)) وأشار بيده نحو المشرق، ومدح طائفة أنهم على الحق
إلى يوم القيامة. فأما مدحه لليمن فلكونهم نصرة الدين وحماة الإسلام ومأوى النبي ص #، وأما
كون الحكمة يمانية فقد بيّنًا أن الحكمة: موافقة العمل للعلم، وهي يمانية، فمعنى أنها كانت
في الأصل باليمن في المهاجرين والأنصار، ويصح أن يكون الإيمان يمانيًّا بهذا المعنى، وهو
أقوى فيهما وأجرى. وأما ذمّة المشرق فلأنه كان مأوى الكفر في ذلك الزمان وموضع الفتن
(١) (ابن ماجه) الفتن: باب فتنة النساء.
(٢) (ابن ماجه) المقدمة: باب اتّباع سُنة رسول الله ﴾.
عارضة الأحوذي/ ج ٨/ ٢ ٣

٣٤
کتاب الفتن/ باب ٢٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ،
حـ
٢٨ - باب مَا جَاءً
لاَ تَرْجِعُوا بَيدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
[المعجم ٢٨ - التحفة ٢٨]
٢١٩٣ - مقدنا أبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ. حَدُثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ
ومحل أجلاف العرب، ثم عمّ الإيمان. وأما مدحه للشام عند الفتنة فلأنه كان مأوى الجهاد
والرباط، فإذا فسد أهله فسد الناس كلهم، لأنهم إذا تركوا الجهاد ذلّوا، وأما الطائفة المنصورة
فقيل: هم أصحاب الحديث، وقيل: هم العباد، وقيل: هم المناضلون عن الحق بألسنتهم،
وقيل: هم المجاهدون في الثغور بأسنتهم. وقد رُوِيّ ((إن الله تكفل لي بالشام وأهله))، ورُوِيّ
أن عمودًا من نور رآه النبي عليه السلام في المنام أخذ من تحت رأسه، فذهب به إلى الشام:
(ألا إن الإيمان حين تقع الفتن بالشام)). وهذه أحاديث يرويها أهل الشام، وروى أبو عيسى
صحيحًا أن نارًا تخرج من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا يا رسول الله:
فما تأمرنا؟ قال: ((عليكم بالشام)). قال ابن العربي: هذا حديث صحيح السند صحيح المعنى،
وفي الصحيح أنها تقيل مع الناس حيث قالوا وتبيت معهم أين باتوا، وهذا حديث لا تؤمن
به المعتزلة ولا الملحدة، لأن نارًا تخرج من بحر باطل عندهم، تعسًا لهم قد رأوا الشجر
الأخضر يخرج منه النار، وهذا عنوان ذلك ودليله، والمراد بهذا الحديث الصحيح الكون
بالشام عند اقتراب الساعة، لأن المحشر يكون بها. ورُوِيّ عن عمر بن الخطاب لما فتح
بيت المقدس وقف على الطور بشرقيه وقال: هذه أرض المحشر، واتخذ به مسجدًا، رأيته
وصلّيت فيه ما لا أُحصي، بينه وبين المسجد وادٍ يسمى وادي جهنم، للمسجد باب يقال له
باب التوبة والرحمة، يقال: إنه الباب الذي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب،
ويقال: إن الجسر ينصب عليه، وبإزاء هذا الباب قبر عبد الحق الصقلبي، اختار أن يدفن
هناك جعله الله روضة.
حديث
لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض
غريبه: رُوِيّ برفع الباء من يضرب على أن تكون الجملة في موضع الصفة، ورُوِيّ بإسكان
الباء على وجوه: منها إدغام الباء في الباء، ومنها أن تكون الجملة بدلاً عن الجملة، تقديره: ولا
يضرب بعضكم رقاب بعض.

٣٥
كتاب الفتن/ باب ٢٩
غَزْوَانَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ: ((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَرِيرٍ وَابْنٍ عُمَّرَ وَكُرْزِ بْنٍ
عَلْقَمَةَ وَوَائِلَةَ وَالصُّنَابِجِيِّ. وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٩ - باب مَا جَاءَ تَكُونُ فَتْنَةٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِم
[المعجم ٢٩ - التحفة ٢٩]
٢١٩٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ
الأشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةٍ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَشْهَدُ أنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةُ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ
المَاشِي، وَالمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي)». قَالَ: أَفَرَأيْتَ إن دَخَلَ عَلَيِّ بَيْتِي وَبَسَطَّ يَدَهُ إِليَّ
لِيَقْتُلَنِي قَالَ: (كُنْ كَابْنِ آدَمَ)) .
أصوله: قوله: (كفّارًا) قيل فيه: متكفرون بالسلاح، وقيل: من الكفر بالله لأنهم
يستحلون دماءهم فيكفرون بذلك، وقيل: معناه يفعلون أفعال الكفار، وقيل: كفّارًا بنعمة
الإسلام. وهذا يرجع إلى معنيين: أحدهما أن يكون كافرًا حقيقة، ولا سبيل إلى ذلك، لأن
الإيمان معه وإنما هو مرتكب معصية، أو يكون غير كافر فيرجع إلى التأويلات التي ذكرناها أو
بعضها، وأقواها أنهم إن استحلوا الدماء كفروا باستحلال ما حرّم الله، وإن كان المراد بذلك
كفر النعمة فهو أقواها وغيره يقرب منه، ولو عرف حق نعمة الإسلام عليه لصان أخوته فيه
وأهله، ورضي لهم ما يرضى لنفسه، والله أعلم. فإن قيل: فهل يصلّى عليهم ويورثون؟ قلنا:
إذا قاتلوا على تأويل للاختلاف في ذلك، فإن خرجوا عن التأويل وصرّحوا بالاستحلال كفروا
بذلك. ولذلك روى أبو عيسى (تكون فتن القاعد فيها خير من القائم) إلى آخره. أما كون
القاعد خير فكلام صحيح صريح، لأن القعود عنها لا شيء فيه، وأما كون القائم فيها خير
من الماشي لأنه أقل عملاً، فيكون أقل إثمًا، وكذلك ما بعده، إذ العقاب والثواب إنما يكون
على قدر الأعمال. وقوله: (أرأيت إن دخل عليَّ بيتي قال: كنّ كابن آدم)، ووصفها بأنها
(١) (البخاري) الحج: باب الخطبة أيام منى. والفتن: باب قول النبي وله: ((لا ترجعوا بعدي كفّارًا
يضرب بعضكم رقاب بعض».

٣٦
كتاب الفتن/ باب ٣٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةً وَخَبَّابٍ بْنِ الأَرَتْ وَأَبِي بَكْرَةٌ، وَابْنِ
مَسْعُودٍ، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَخَرَشَةَ. وهذا حَدِيثٌ حَسَنْ وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا
الحَدِيثَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَزَادَ فِي الإسْنَادِ رَجُلاً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ## مِنْ غَيْرٍ هذا
الوَجْهِ.
٣٠ - باب مَا جَاءَ سَتَكُونُ فِتَنْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِم
[المعجم ٣٠ - التحفة ٣٠]
٢١٩٥ - حقالطا قُتَنِيَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ
أبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «بَادِرُوا بِالأعْمَالِ فِتَتَا ◌ْقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ
يُصبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَّ
الدُّنْيَا))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢١٩٦ - عقدنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ
الزُّهْرِيِّ عَنْ عِنْدٍ بِنْتِ الحَرِثِ عَنْ أُمَّ سَلَمّةَ أَنَّ النّبِيِّ : ﴿ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ
مَاذَا أَنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ يَا رُبِّ
كاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا، عَارِيَّةٌ في الآَخِرَةِ»(٢).
(كقطع الليل المظلم)، مثل ضربه لظلمة الضلال، والحياة فيها بالبصيرة كحال البصر في ظملة
الليل، يصبح الرجل فيها محرمًا قدم أخيه، ثم يمسي مستحلاً له، وبعكسه أيضًا. وقد بيّنه النبي
عليه السلام بقوله حين رآه (ما أنزل الليلة من الفتن ماذا أنزل من الخزائن). قال علماؤنا: أنزل
علمها واطّلع على خيرها، وتغلغل بعضهم في ذلك أن جعلها رؤية حقيقة، ولست أرضاه،
وقوله : (مَن يوقظ صواحب الحجر) يعني: أزواجه، تنبيه على أنه إذا أحسّ المرء بفتنة
انتفض للعبادة وتجرّد للاستعاذة واحترم بالعصمة بالطاعة، وكأنه أخبر أن بعضهنّ سيكون فيهنّ
فأمر بإنهاضهنّ تحضيضًا كذلك، وقال: (ربّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة)، يقرأ برفع
(١) (مسلم) الإيمان: باب الحثّ على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن.
(٢) (البخاري) التهجّد: باب تحريض النبي قد على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب وطرق =

٣٧
کتاب الفتن/ باب ٣٠
هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
٢١٩٧ - عشنا قُتَيْبَةُ. حَدْثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ سَعْدٍ بْنِ
سِنَانٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنْ كَقِطَعٍ
اللَّيْلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنَا وَيُمْسِي كافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُضْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ
أَقْوَامْ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً وَجُلُدَبٍ وَالثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي مُوسَى.
وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
(١) وقد جاء تمامه بقوله: (نساء كاسيات
عارية وخفضها، فإن خفضت تبع الأول وإذا
عاريات مائلات مُميلات رؤوسهنّ كأسنمة البخت) ومعناه أن المرأة إذا كانت في بيتها مع زوجها
فليس شيء من هذا مذمومًا على الإطلاق، وإما إذا برزت فيحتمل أربعة أوجه: الأول: كاسيات
من جهة عاريات من أخرى، كأنهنّ لا يعممن بالستر أنفسهنّ، ويحتمل أن يريد رقة الثياب
فتصفهنّ الثياب الرقاق فهنّ كاسيات بما عليهن عاريات بما يبدو مع ذلك منهنّ، كالأرداف
والنهود، ويحتمل المجاز، فيكون معنى كاسيات: بأزواجهنّ، زانيات: بغيرهم. وقد يعبّر عن
الزوج في الثوب قال الله تعالى: ﴿هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ويحتمل
المجاز العام، كاسيات من فضل الله عليهنّ عاريات من قضاء الحق في ذلك بالطاعة. وأما قوله:
(مائلات) فيحتمل أن يكون ذلك عبارة عن التثني في المشي، فتميل إليها الأبصار لأنه إذا رآها
الشرير تمشي كمشي القطاة إلى الغدير زاده شرًا واتصل به إلى القليل من ذلك الكثير، ويحتمل
المجاز أيضًا بأن تكون مائلات عن الحق مُميلات أيضًا عنه، أي صارفات لمّن يفتتن بهنّ،
ويحتمل أن يريد به التي تميل خمارها فينكشف وجهها، ويحتمل أن تكون مُميلة بكلامها عن
الجدّ إلى المزاح أو التعريض، قال الشاعر:
باللغو بين الحلّ والحرام
مائلة الخمرة والكلام
وقد قال الحق قبل ذلك: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً
معروفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ويحتمل أن يريد مائلة المشطة، وهي التي يميل فيها العقاص، وقد
قالت امرأة لابن عباس: إني أمتشط الميلاء، فقال لها: رأسك تبع لقلبك، وقيل: هي التي تميل
بضفرها إلى أسفل حتى توهم تحت الخمار أنه طويل، وكل ما في هذه التأويلات مَن فسْر مائل
= النبي * فاطمة وعليًّا عليهما السلام ليلة للصلاة.
(١) بياض بالأصول.

٣٨
کتاب الفتن/ باب ٣١
٢١٩٨ - حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ عَنِ الحَسَّنِ
قَالَ: كَانَ يَقُولُ في هذا الحَدِيثِ: يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا
وَيُصْبِحُ كافِرًا. قَالَ: يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُحَرِّمًا لِدَمٍ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ وَيُمْسِي مُسْتَحِلاً لَهُ،
وَيُمْسِي مُحَرِّمًا لِذَمٍ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ وَيُصْبِحُ مُسْتَحِلاً لَهُ.
٢١٩٩ - حقّثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلاَّلُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ
سِمّاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقْمَةَ بْنٍ وَائِلِ بْنِّ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ﴾
وَرَجُلٌ سَأَلَهُ فَقَالَ: أَرَأيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْتَعُونَا حَقَّنَا وَيَسْأَلُونَا حَقِّهُمْ فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمَّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ))(١).
قَالَ ابُو عیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَچِيحٌ.
٣١ - باب مَا جَاءَ في الهَرْجِ وَالعِبَادَةِ فِيهِ
[المعجم ٣١ - التحفة ٣١]
٢٢٠٠ - عقدنا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلّمَةً عَنْ أَبِي
يدخل في مميل، ومَن فسّر مميل يدخل في مائل، ولكن تخصيص كل واحد أبلغ من جمعه
معه، وهذه في الفتنة الخاصة الصغرى والكبرى، ما فيها القتال. وقوله: (رؤوسهنّ كأسنمة
البخت) عبارة عن تكبير رأسها بالخرق حتى إذا لفّته بخمارها ظنّ الرائي أنه كله شعر، وهذا
حرام كما تقدم، ويجوز أن يكون شعرهنّ كثيرًا فيضفرنه ويختمرن عليه ويخرجن به، وذلك أيضًا
حرام، وعلى مَن كان كذلك من النساء أن ترسله ولا تغطيه، فإن كان بالمرأة ألم في رأسها
واستكثرت بالخمر لم يكن عليها حرج في ذلك، وإنما يكون الحرج على مَن نظر إليها وظن بها
ذلك .
باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه
ذكر حديث شقيق بن سلمة عن أبي موسى قال رسول الله (340:
(١) (مسلم) الإمارة: باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق.

٣٩
كتاب الفتن/ باب ٣٢
مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ: ((إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا
الهَرْجُ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: ((القَتْلُ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً وَخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وَمَعْفِلِ بْنِ يَسَارٍ، وهذا
حدیثٌ صحيحٌ.
٢٢٠١ - حدثنا قُتَّبَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ المُعَلَّى بْنِ زِيَادِ رَدْهُ إِلى مُعَاوِيَةَ بْنِ
قُرَّةَ رَدَّهُ إِلى مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارِ رَدّهُ إِلَى النَّبِيَِِّ ﴿ قَالَ: ((العِبَادَةُ في الهَرْجِ كَالِهِجْرَةٍ إِلَيَّ»(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ
المُعَلَّى.
٣٢ - باب
[المعجم ٣٢ - التحفة ٣٢]
٢٢٠٢ - هقدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عِنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةً عَنْ أَبِي أسْمَاءَ
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ: ((إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ في أَمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ
القِيَامَةِ».
قَالَ ابُو عِیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(إن من ورائكم أيامًا يرفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج وهو القتل). قال ابن العربي: أصل الهرج
الاضطراب، وأعظمها أن يكون بالقتال والقتل، وقد كانت هذه الأمة معصومة منه مدة من صدر
زمانها، مسدودًا عنها بابها، حتى فتحته بقتل إمامها عثمان رضي الله عنه. وقد قال لهم
عبد الله بن سلام: لا تسلّوا سيف الفتنة المغمود عنكم، وروى أبو عيسى وغيره عن ثوبان (قال
سول الله 858* إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة). وأما النجاة من ذلك
فبالإقبال على عبادة الله والاعتزال عن المخالفين من خلق الله. روى أبو عيسى عن معقل بن
(٣) (قال النبي # العبادة في الهرج كالهجرة إليّ)، ووجه تمثيله بالهجرة أن الزمان
سنان
(١) (البخاري) الفتن: باب ظهور الفتن. (مسلم) العلم: باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن
في آخر الزمان.
(٢) (مسلم) الفتن وأشراط الساعة: باب فضل العبادة في الهرج. (ابن ماجه) الفتن: باب الوقوف عند
الشبهات.
(٣) بياض بالأصول.

٤٠
كتاب الفتن/ باب ٣٣
٣٣ - باب مَا جَاءَ في اتْخَاذِ سَيْفٍ مِنْ خَشَبٍ فِي الفَتْنَةِ
[المعجم ٣٣ - التحفة ٣٣]
٢٢٠٣ - عقدنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ
عَنْ عُدَيْسَةَ بِئْتِ أُمْبَانَ بْنِ صَيْفِيِّ الغِفَارِيِّ قَالَتْ: جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلى أبِي فَدَعَاهُ
إلى الخُرُوجِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: إِنَّ خَلِيلِي وَابْنَ عَمِّكَ عَهِدَ إِلَيَّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ أَنْ
أَتَّخِذَ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ فَقَدِ اتَّخَذْتُهُ، فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ بِهِ مَعَكَ، قَالَتْ: فَتَرَكه(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ مَسْلَمَةَ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ
نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُنَيْدٍ.
٢٢٠٤ - عقدنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ حَدْثَنَا هَمَّامٌ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوانَ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ أَبِي مُوسى
عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفِتْنَةِ: ((َسِّرُوا فِيهَا قَسِيَّكُمْ، وَقَطّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالزَمُوا فِيهَا
أجْوَافَ بُيُوتِكُمْ وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ»(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَزْوَانَ هُوَ أَبُو
قَيْسٍ الأوْدِيُّ.
الأول كان الناس يفرّون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتنة تعيّن
على المرء أن يفرّ بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام
الهجرة كما بيّاه من قبل في مواضع، ولذلك قال أهبان بن صيفي لعليّ: (إن خليلي عهد إليّ أن
أتخذ سيفًا من خشب إذا اختلف الناس فإن شئت خرجت معك به). وروى أيضًا أبو عيسى عن
أبي موسى (أن رسول الله وَّير قال في الفتنة كسروا قِسِيّكم وقطعوا أوتاركم والزموا أجواف
بيوتكم وكونوا كابن آدم)، والمعنى بكسر القسِيّ وقطع الأوتار: إعدام الآلة التي يعصى بها،
وذلك من العصمة منها، وملازمة جوف البيت يغيب عنه سماع الشرّ فيبقى سليم الفؤاد ساكنة،
وقوله: (كن كابن آدم) يعني: إن بسط أحد إليك يده بالقتل فلا تقم إليه، واصبر على قضاء الله
فيك وفيه، وهي مسألة عظيمة اختلف الناس فيها، وقد دخل بعض أهل الشام يوم الحرّة في غار
(١) (ابن ماجه) الفتن: باب التثبت في الفتنة.
(٢) (أبو داود) الفتن والملاحم: باب في النهي عن السعي في الفتنة. (ابن ماجه) الفتن: باب التثبت في
الفتنة.