النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كتاب الأشربة/ باب ١٤
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ رِشْدِينَ بْنٍ كُرَيْبٍ قَالَ:
وَسَألْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمْنِ عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ قُلْتُ: هُوَ أَقْوَى أَوْ
مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ؟ فَقَالَ: مَا أَقْرَبَهُمّا وَرِشْدِينُ بْنُ كُرَيْبٍ أَرْجَحُهُمَا عِنْدِي. قَالَ: وَسَألْتُ
مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هذا فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ أَرْجَحُ مِنْ رِشْدِينَ بِنْ كُرَيْبٍ، وَالقَوْلُ
عِنْدِي مَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ: رِشْدِينُ بْنُ كُرَيْبٍ أَرْجَحُ وَأَكْبَرُ، وَقَدْ أَذْرَكَ ابْنَ عَبَّاسٍ
وَرَآهُ وَهُمَا أَخَوّانِ وَعِنْدَهُمَا مَتَاكِيرُ.
الخامسة: قوله: (لا يشرب كما يشرب البعير) يعني في وجه الشبه أن البعير يشرب للحاجة
من غير معرفة، والآدمي يشرب بالحاجة والمعرفة والسُّنّة، ولذلك قال في حديث أبي سعيد
الصحيح من رواية أبي عيسى وغيره إن رجلاً قال للنبي #1: إني لا أروى من نفس واحد،
قال: ((فأبن القدح من فيك إذن)).
السادسة: قال في كتاب مسلم: (فإنه أمراً وأروى وأبرأ)، أما قوله: (أمرأ) فلأن المحافظة
على آداب الشريعة مروءة، كما بيّاه في كتاب السراج(١) وأما كونه أروى فعادة من فعل الله، فهو
خالق الريّ عند الأكل وأما كونه أبرأ فإنه أسلم مما يحدث في المعدة والباطن من صبّ الماء
وحديث الكباد من الصب باطل (٢)، وقد روي عن مالك جواز الشرب في نفس واحد، رب، مال
سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعطاء وقال ابن عباس (٣) وطاووس وعكرمة: هو شرب
الشيطان، ومعناه أن الشيطان يحمله عليه الإدامة منه.
السابعة: ذكر أبو عيسى حديث عبد الله بن رباح عن أبي قتادة أن النبي عليه السلام قال:
(ساقي القوم آخرهم شربًا) حسن صحيح، وهذا أمر ثابت عادة وشرعًا، والحكمة فيه استحباب
الإيثار، فلما صار في يده استجدّ له أن يقدم غيره لما في ذلك من كرم السنخ وشرف السليقة
وعزة القناعة ودحض الجشع.
(١) كتاب نفيس للمؤلف في مجلد ضخم اسمه سراج المريدين يوجد ببعض المكاتب بالمغرب.
(٢) فيه نظر، فقد رواه سعيد بن منصور وابن السني وأبو نعيم، كلاهما في الطب، والبيهقي في الشعب
من مرسل ابن أبي حسين، وقد قال البيهقي: إنه لا يخرج حديثًا يعلم أنه موضوع، خصوصًا وله
طريق آخر مند من حديث عليّ عليه السلام، أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، وقد أورد
الحديثين الحافظ السيوطي في جامعه الذي صائه عن كل ما انفرد به وضّاع أو كذاب، وهو وإن وقع
له ما يناقض هذا الشرط في بعض المواضع إلا أنه يستأنس به مع وجود الطريقين المذكورين ووجود
ما يشهد لمعناه، فإطلاق المسلم ببطلانه كما قال فيه المؤلف.
(٣) ورد مرفوعًا من مرسل ابن شهاب عن البيهقي في الشعب اهـ (أحمد بن الصديق).

٦٢
كتاب الأشربة/ باب ١٥ و١٦
١٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ النَّفْخ في الشّرّابِ
[المعجم ١٥ - التحفة ١٥]
١٨٨٧ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَّسٍ عَنْ
أيُّوبَ وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا المُثَنَّى الجُهَنِيِّ يَذْكُرُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ أنَّ
النّبِيِّ ◌َ﴿ فَهِى عَنِ النّفْخِ في الشُرْبِ. فَقَالَ رَجُلٌ: القَذَاةُ أَرَاهَا في الإِنَاءِ؟ قَالَ: (اهْرِفْهَا)).
قَالَ: فَإِنِّي لَ أَزْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: ((فَأْبِنِ القَّدَحَ إِذَنْ عَنْ فِيكَ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٨٨٨ - حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزّرِيِّ عَنْ
عِكْرِمَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَِِّّ ◌َهُ نَّهَى أَنْ يُتَنَفِّسَ فِي الإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَّ فِيهِ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٦ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التَّنَفُّسِ في الإتَاءِ
[المعجم ١٦ - التحفة ١٦]
١٨٨٩ - عقثنا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمّدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ. حَدْثَنَا
مِشَامٌ الدُّسْتَوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ في الإِنَاءِ))(٢).
الثامنة: يدير الشراب عن اليمين بعد شرب الأصل، وهو الذي يبدأ اتفاقًا، أو أشرف القوم
قدرًا، ويكون بعده اليمين، أو يكون صاحب المنزل فيتقدم لعلة تقتضي ذلك من تحريض على
التطعم أو تأمين أو تنشيط.
التاسعة: وكل ما يدور على جماعة من كتاب أو معنى فإنما يدور على اليمين قياسًا على
التطعم أو مدافعة بالأكبر كما قدّمنا، وبعده یکون اليمين.
. .
(١) (أبو داود) الأشربة: باب في النفخ في الشراب والتنفس فيه. (ابن ماجه) الأشربة: باب النفخ في
الشراب.
(٢) (البخاري) الوضوء: باب النهي عن الاستنجاء باليمين. (مسلم) الطهارة: باب النهي عن الاستنجاء
بالیمین.

٦٣
كتاب الأشربة/ باب ١٧
قَالَ آبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَجِيحٌ.
١٧ - باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ
[المعجم ١٧ - التحفة ١٧]
١٨٩٠ - حدثنا قُتَنِيَةُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِي
سَعِيدٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ نُهِيَ عَنِ اخْتِتَاثِ الأسْقِيَةِ (١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
العاشرة: لا يشرب من ثلمة القدح كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري لوجهين:
أحدهما: أنه يتصبب عى وجهه وثيابه وربما اختنق به، الثاني: لأن موضع الثلمة لا يأخذه الغسل
نعمًا، فيبقى فيه الريح فينسب إلى الشيطان، كما نسب في الآثار إلى الشيطان أنه يشرب مع
الرجل في نفس واحد، ولا يصحّ لمَن يسمّي الله أن يشرب معه الشيطان أبدًا، فهذا ظنَّ جرى
على ما تقدم لم يكن له أصل، والله أعلم.
باب النهي . اختناث الأسقية
ذكر فيه حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبي سعيد رواية (أنه نهى عن اختناث الأسقية)
حسن صحيح.
الإسناد: فيه روايات، ولكن أسنده عن مسدد وعمرو عن سفيان مكشوفًا، أن النبي عليه
السلام نهى، وقد روى أبو داود: حدّثنا نصر بن علي، يعني: الجهضمي، أخبرنا عبد الأعلى،
أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن عيسى بن عبدا لله، رجل من الأنصار، عن أبيه، أن النبي (وَلّ دعا
بإداوة يوم أحد فقال: ((اخنث فم الإدارة»، ثم شرب من فيِّها. وعبيد الله بن عمر هذا هو
العمري، وعيسى بن عبد الله هو عيسى بن عبد الله بن أنيس الأنصاري الجهني، مهاجري
أنصاري عقبي، شهد أُحُدًا، وهو الذي سأل النبي #1: أي ليلة ينزل فيها في رمضان؟ فقال له:
(«انزل ليلة ثلاث وعشرين)).
عربيته: الاختناث الإمالة والتكسّر، ومنه المخنث من الرجال، وهو الذي يتكسر في مشيه
وكلامه، أي يخرج المشي والكلام عن نظامه فيه وفي أمثاله من الرجال.
(١) (البخاري) الأشربة: باب اختناث الأسقية. (مسلم) الأشربة: باب آداب الطعام والشراب
وأحكامهما.

٦٤
کتاب الأشربة/ باب ١٨
١٨ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ فِي ذلِكَ
[المعجم ١٨ - التحفة ١٨]
١٨٩١ - حدّثنا يَحْيِىُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ
عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَئِيسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأيْتُ النّبيَّ ◌َ﴿ قَامَ إلى قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ فَخَتَثَهَا ثُمَّ
شَرِبَ مِنْ فِيهَا (١).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْتَادُهُ بِصَحِيحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ العُمَرِيُّ يُضْعَّفُ
في الحَدِيثِ وَلاً أَدْرِي سَمِعَ مِنْ عِيسَى أَمْ لا؟
١٨٩٢ - حقثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيّانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ جَابِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أبِي عَمْرَةَ عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةً قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَشَرِبَ مِنْ فِيِّ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ
قَائِمًا فَقُمْتُ إِلَى فِيُّهَا فَقَطَعْتُهُ(٢).
الأحكام: قد بيّنا ذلك، والنهي عن ذلك إنما هو لثلاث معانٍ، إما لئلا يكون فيه حيوان أو
قذى فيبتلعه، وإما لنتن أفواهها، وإما لئلا يغلبه الماء فيقع عليه منه أكثر من حاجته فيشرق به أو
يبلّ ثيابه، وأحدها يكفي ومجموعها أقوى في المعنى. ولما شرب النبي عليه السلام فقالوا: إنه
يحتمل أن يكون للضرورة إذ كانت حال حرب فعدم الإناء، أو لم تعطي الحال التمكّن من
التفريق فيه، وإن صحّ ذلك فالنبي أعطر من المسك فلا يدخل في النهي، إذ روى ابن وهب في
الحديث فقال: إن النبي 9 نهى عن الشرب من فِيّ السقاء وقال: ((إنه ينتنه)) فيأمن الناس هذا
من النبي عليه السلام، ويأمن غير ذلك بعلمه وعصمته، أو يحتمله لأشد منه، ولعل النبي عليه
السلام، إنما شرب من أداوة ويكون النهي محمولاً على القربة الكبرى، وقد رُوِيّ عن مالك
جواز الشرب من فِيَّ السقاء، وعندي أنه في حال الضرورة، وقد روى أبو عيسى (عن عيسى بن
عبد الله بن أنيس عن أبيه أن النبي عليه السلام قام إلى قربة معلقة فخنثها ثم شرب من فمها)،
ورُوِيّ صحيحًا حسنًا غريبًا (عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة، قالت: دخل عليَّ
رسول الله ﴿ فشرب من فِيَّ قربة معلقة قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعتها)، وحديث عيسى ضعّفه
لأجل رواية العمري له لتضعيف يحيى بن سعيد، وهو ثقة والحديث صحيح، وقد بيًّا أن شرابه
من فيها جائز لطيب نكهته، وعصمته عن إذاية الحيوان، وأمنه بتلطفه من صبّ الماء.
(١) (أبو داود) الأشربة: باب في اختناث الأسقية.
(٢) (ابن ماجه) الأشربة: باب الشرب قائمًا.

٦٥
كتاب الأشربة/ باب ١٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَيَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ هُوَ أَخُو
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْهُ مَوْتًا.
باب كراهية النفخ في الشراب
(أبو المثنى الجهني عن أبي سعيد الخدري أن النبي عليه السلام نهى عن النفخ في
الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء، قال: ((أهرقها»، قال: فإني لا أروى من نفس
واحد، قال: ((فأبن القدح عن فيك إذن))) حسن. عكرمة عن ابن عباس (نهى النبي عليه السلام
أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه) حسن صحيح.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: قال علماؤنا: هذا من مكارم الأخلاق أيضًا، ومعنى ذلك لئلا يقع فيه من ريق
النافخ فيتقززه غيره، قال ابن العربي: بل هو حرام فيما يعلم أنه يناوله لغيره، فإن الإضرار بالغير
حرام، فإن فعله في خاصة نفسه ثم ناوله لغيره فليعلمه به، لأنه إن كتمه كان من باب الغش،
وهو حرام.
الثانية: قال مالك في العتبية: ويكره النفخ في الطعام أيضًا، والمعنى فيه اشتراكهما في
العلة المذكورة.
الثالثة: قوله: (إني أرى القذاة فيه) يعني فأنفخ فيها لتزول، قال له: ((أمرقها» يعن: أزِلُها
بالإراقة دون النفخ.
الرابعة: فإن أزالها بيده فهو مثله، لأن التقزّز يكون به.
الخامسة: فإن أزالها بعود وكان مما تطيب به النفوس، فلا یکره إذ لا يكون به تقزّز.
السادسة: من هذا المعنى حديث النبي عليه السلام الصحيح الذي ذكره (عن عبد الله بن
أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صل﴿ قال: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء) حسن صحيح،
هكذا رواه يحيى بن أبي كثير مختصرًا، وطوله غيره وبيانه في شرح الصحيح.
السابعة: وهذا مثل ما قبله عند علمائنا على ما ذكرته عنهم، وعندي على ما اخترته، وقد
بيّنا ذلك على التمام، وبالجملة فإن التنفس في الإناء يعلق به روائح منكرة فيفسد الإناء، وذلك
يعلم بالتجربة، ولهذا قلنا: إن الشرب على الطعام لا يكون حتى يمسح فمه ولا يدخل حرف
الإناء فمه، ولكنه يجعل الحرف على الشفة ويتعلق الماء أو يستشرفه بالشفة العليا مع نفسه
الجاذب، فإذا جاء نفسه الخارج نزع الإناء عن فيه.
عارضة الأحوذي/ ج ٨/ ٢ ٢٠

٦٦
كتاب الأشربة/ باب ١٩
١٩ - باب مَا جَاءَ أنَّ الأَيْمَنِينَ أُحَقُّ بِالشَّرَابِ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
١٨٩٣ - عقدنا الأنْصَارِيُّ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ أنَّ النَّبِيِِّ ﴿ أَتِيَ بَلَبَنِ قَدْ شِيبٌ بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٍّ وَعَنْ
يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ فَشَرِبَ ثُمَّ أعْطَى الأعْرَابِيَّ وَقَالَ: ((الأَيْمَنَ فَالأَيْمَرَ))(١).
باب ما جاء أن الأيمن أحقّ بالشرب
ابن شهاب عن أنس (أن النبي عليه السلام أُتِيَ بلبن قد شِيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن
يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن) حسن صحيح.
الإسناد: روى هذا الحديث مالك وغيره محذوفًا، وقد طوّله وأكمله سفيان: أخبرنا أبو
الحسن بن أيوب بدار الخلافة، أخبرنا أبو طاهر المؤدب، أخبرنا أبو علي بن الصواف، أخبرنا
بشر بن موسى، أخبرنا الحميدي، أخبرنا سفيان، يعني ابن عيينة، أخبرنا الزهري، قال:
سمعت أنس بن مالك يقول قَدِمَ النبي ## المدينة وأنا ابن عشر سنين، ومات وأنا ابن عشرين
سنة، وكنّ أمهاتي تَحتُقْني على خدمته، فدخل علينا دارنا فحلبنا له من شاة لنا داجن، وشِيبَ
له بماء في الدار فشرب رسول الله * وأبو بكر عن يساره وأعرابي عن يمينه وعمر ناحية،
فقال عمر: يا رسول الله ناول أبا بكر، فناول رسول الله18 الأعرابي وقال: «الأيمن
فالأيمن).
العربية: قوله: (شيب) يعني خلط، والشيب اختلاط لونين.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: انظروا رحمكم الله إلى حرص عمر على تقديم أبي بكر لأنه الأفضل في المنزلة،
فبيّن النبي ## أن البداية في كل وجه بالأفضل، وعليه يكون الأيمن.
الثانية: إن لم يبدأ بأفضل القوم فبصاحب الأمر يكون الأيمن عنه.
الثالثة: ترك البحث عن المأكول إذا علم احتراز صاحبه الذي لا تجوز فيه، فإن لم يكن
كذلك ففيه وجوه كثيرة قد بيّا شيئًا منها في كتاب البيوع قبل.
(١) (البخاري) الأشربة: باب الأيمن فالأيمن في الشرب. (مسلم) الأشربة: باب استحباب إدارة الماء
واللبن ونحوهما عن يمين المبتدىء.

٦٧
كتاب الأشربة/ باب ١٩
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
الرابعة: بيان أن خلط اللبن بالماء ليس من الخليطين.
الخامسة: تقريب أهل البادية ومجالستهم إذا كان في ذلك معنى يفيد.
السادسة: أن الرجل إذا أخذ من العالِم مجلسًا كان أحق به ممّن هو أفضل منه، ولذلك لم
يقم النبي قي18 الأعرابي لأبي بكر، ويحتمل أن يكون ذلك منزل أبي بكر أولاً، ولو كان في
الصلاة لم يَله إلا أعلمهم لقوله: (ليليني منكم أُولو الأحلام والنهى).
السابعة: أخبرنا القاضي أبو الحسن القرافي(١).
الثامنة: مواساة الجلساء في الهدية لتعلّق النفوس بها، لأن الملك صار له بغير
عوّض، بخلاف المبايعات أو ما يطرأ على المرء من الغلات، وفيه معنى بديع طويل،
نكتته في :
التاسعة: قال مالك: ذلك في الماء وحده، وهي رواية ظاهرة أنكرها عنه قوم،
ووجهها أن الماء مُباح الأصل، فإذا أخذ الشارب منه حظه رجع الباقي إلى الأصل، فيأخذه
الأيمن بالفضل بخلاف سائر الأطعمة، ويضعف هذا بأن الماء وإن كان مُباح الأصل فإنه إذا
صارت عليه اليد اتصل به الملك، وصار كسائر الأملاك، ولتعارض هذين الأصلين فيه
اختلف العلماء في جريان الربا فيه، وفي القطع لسرقته، ويستقصى ذلك في موضعه. أخبرني
بهجة الملك أبو طالب بن القاضي عين الدولة بن عقيل ملك صور أنه أهدى لأبي شاه بدر
ملك مصر هدية عظمى جمعت كل طريفة وتحفة وغريبة من جمل أنواع الحلي والثياب
والآلات السلطانية وأواني الاستعمال، قال لي: إن وجد جنسها لم يوجد مثال لعينها،
وواصل جمعها في أعوام، فلما كملت بعث بها إلى بدر المذكور فأوصلها رسله إلى فسطاط
مصر ودخلوا عليه بقصر القاهرة وأسلموا إليه كتب الهدية وطامور تفسيرها، وكان في
المجلس ابن ربيعة ملك طيء ضيفًا، فقال له: يا أمير الجيوش - وكان لقبه - الهدية
مشتركة، فقال: أما لمثلنا فلا تصحّ الشركة ولا تليق منّا، وهي بجملتها لك، فخرج
واستلمها، قال لي بهجة الملك: فلما بلغ أبي ذلك قال: والله ما آسف على هبتها له، فإني
لم أهدها له بشرط، وإنما أسفي أن لم يقف على أعيانها وتبرز إلى الوجود حتى يرى ما لم
تقع على مثله عينه على عظیم ملکه.
(١) بياض بالأصول.

٦٨
كتاب الأشربة/ باب ٢٠
٢٠ - باب
مَا جَاءَ أنَّ سَاقِيَ القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
١٨٩٤ - هقلنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتِ البُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ
عَنْ أَبِي قَتَادَةً عَنِ النَّبِّ فَ قَالَ: ((سَاقِي القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
باب ما جاء
في أن ساقي القوم آخرهم شربًا
عبد الله بن أبي رباح عن ابن أبي أوفى (عن النبي عليه السلام قال ساقي القوم آخرهم)
يعني شربًا. حسن صحيح.
الإسناد: في الباب أحاديث كثيرة قصيرة وطويلة، وأحكامها ترجع إلى أن هذا سُنّة
صحيحة وأدب ظاهر، ووجه ذلك أن الساقي لا يخلو أن يكون خادمًا أو متفضلاً، فإن كان
خادمًا فالبداية بالسيد المخدوم، وإن كان منفضلاً فتمام الفضل التقديم على النفس وإيثار
الغير، ويكون ابتداء المتفضل أحسن لمعاني كثيرة، أقواها: سخاء النفس عن التطلع إلى
اكتساب المنافع، وتقديم الدين والمروءة على حظ النفس، ويكون كما قال بعضهم تنبيهًا
على أن كل مَن وَلِيّ شيئًا من أَمور المسلمين يجب عليه تقديم حظّهم على حظّ نفسه، ومَن
إليه كان يفعل الخلفاء رضي الله عنهم فيما إليهم من ذلك في الولاية على الخلق والخلافة
في القيام بالحق، وكذلك ولاية العلماء في التعليم، ولها شروط بيّاها في مواضعها من هذا
الكتاب وغيره، وليس يدخل في ذلك التجار فيما يديرونه بينهم من المعاملات، وإنما ذلك
فيما يعمّ الخليقة من أمير ومأمور أو كبير وصغير في النصح المفيد على الخلق على العموم،
والله أعلم.
(١) (النسائي في الكبرى) الوليمة: باب متى يشرب ساقي القوم؟ (ابن ماجه) الأشرية: باب ساقي القوم
آخرهم شربًا.

٦٩
كتاب الأشربة/ باب ٢١
٢١ - باب مّا جَاءَ
أيُّ الشَّرَابِ كَانَ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ وَهُ
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
١٨٩٥ - حقّثنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ
عُزِوَةً عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ه الحُلْوَ الْبَارِةَ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هكذا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عُبَيْتَةَ مِثْلَ هذا عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيّ
عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبيِّ وَلَّ مُرْسَلاً.
١٨٩٦ - حقثنا أحمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ
وَيُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ سُئِلَ أَيُّ الشَّرَابِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: ((الحُلْوُ
البَارِدُ)).
باب أحبّ الشراب إلى رسول الله والخمول
ذكر حديث عائشة (كان أحبّ الشراب إلى رسول الله:# الحلو البارد) وقال: إن
حديث سفيان عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أصح من حديث عبد الرزاق وغيره
عن الزهري مرسلاً، وهذا لا ينفع، المرسل لا يقطع بالمسند من مثل سفيان، وكلاهما
صحیح .
العارضة: كان النبي عليه السلام يحبّ الشراب الحلو البارد، وقد تقدم حبّه للعسل فكان
يشرب الماء البارد ممزوجًا بالعسل، فيكون حلوًا باردًا، وقد كان يشرب اللبن ويصب عليه الماء
حتى يبرد أسفله، وكان يحب اللبن ويثني عليه كما تقدم ويقول: ((مَن شربه فليقل اللَّهمّ بارك لنا
فيه وزدنا منه»، واللبن والعسل مشروبان عظيمان، وخاصة لبن الصفايا من الإبل في الألبان،
وذلك لأن الإبل لا تبقي شجرة ولا نباتًا إلا علقت منه، وكذلك النحل لا تُبقي نوارًا إلاّ جرسته،
فيكون هذان المشروبان مركبين من أشجار مختلفة وأنواع من النبات متباينة، فكأنهما شرابان
مطبوخان مصعدان، ولو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يركبوا شيئين منهما لَّمَا قدروا،
فسبحان جامعهما ومُصعِدهما ومُخرِج الشرابين منهما ومُلهِمها إلى ذلك ومسبّب جريان ذلك على
یدیها .
(١) (النسائي في الكبرى) الوليمة: باب ذكر الأشربة المباحة.

٧٠
كتاب الأشربة/ باب ٢١
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهكذا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
مُرْسَّلاً، وهذا أصحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
باب أسماء الأنبذة
اعلموا وفقكم الله أن کل أمة اتخذت نبيذًا على وجه وسمّته باسم حتی کثر ذلك، فتصدینا
الآن لماورد منه في الحديث، وهو: الاسم الأول الفضيخ. وهو البسر الذي يرض ثم يلقى في
الإناء ويصب عليه الماء، ويقال له: الفضوخ، والأول هو وجه الكلام، وقول ابن عمر فيه:
ليس بالفضيخ ولكنه الفضوخ، إشارة إلى أنه يفضخ الرأس والأعضاء. الاسم الثاني البقع، وهو:
شراب العسل. الاسم الثالث المذر، يتخذ من البرّ والشعير والذرة عادة. الاسم الرابع الغبيراء
شراب الذرة، يصنعه الحبش، وهو السكركة بضم السين وإسكان الكاف، وقد يقال بضمهما
والكاف الآخرة مفتوحة منهما، وهو: الاسم الخامس. الاسم السادس المفتر وهو يفتر بالنار،
وقد يفتر بما يلقى فيه على النشيش من خردل وغيره حتى يسكن غليانه وينحرف عن حاله إلى ما
هو أضرّ منه بالبدن. الاسم السابع الجعة وهو شراب الشعير الباذق، والطلاء والبختج
والجمهوري هو المطبوخ كله حتى يرجع إلى النصف أو الثلث، وهو الذي يذهب ثلثه أو يبقى
منه الثلث فيعود كهيئة الطلاء. الاسم الثاني عشر المزاء وهو نبيذ البسر في قول، وقال قتادة:
هو النبيذ في الحتتم والمزفت، وقد قال الشاعر:
إذا جرى فيهم المزاء والسكر
بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم
الاسم الثالث عشر المقري شراب يسكر أيضًا يصنع بقرية من قرى دمشق، يقال لها مقر.
الاسم الرابع عشر الضعف وهو أن يشرخ العنب ثم يُجعَل في الأوعية حتى يغلي، وقد يُتخذ من
الدبس وهو عسل التمر نبيذ، أو من التين نبيذ، وكل مطعوم فإنه يمكن أن يُتَّخَذ منه نبيذ، وقد
أراح الله تعالى على لسان رسوله# من ذلك كله فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام)).
تمّ كتاب الأشربة
ويليه كتاب البر والصلة

٢٨ - كتاب البرّ والصلة
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
١ - باب مَا جَاءَ في بِرِّ الوَالِدَيْنِ
[المعجم ١ - التحفة ١]
١٨٩٧ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. أخْبَوَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ. أخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيم.
حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَبَرُ؟ قَالَ: ((أُمْكَ)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمّ
مَنْ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمّ
أَبَاكُ ثُمَّ الأقْرَبَ فَالأَقْرَبّ)»(١).
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم تسليمًا
كتاب البرّ والصلة
باب ما جاء في آداب برّ الوالدين
معاوية بن حيدة القشيري قال: (قلت يا رسول الله مَن أَبَرّ قال أُمك قلت يا رسول الله ثم
مَن قال أُمك قال: قلت ثم مَن قال أباك ثم الأقرب فالأقرب). وراويه بهز بن حكيم عن أبيه عن
(١) (أبو داود) الأدب: باب في بزّ الوالدين.

٧٢
كتاب البرّ والصلة/ باب ×
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٌ، وَعَائِشَةً وَأْبِي الدَّرْدَاءِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَيَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ: هُوَ أَبُو مُعَاوِيَةَ بْنُ حَيْدَةَ القُشَيْرِيُّ، وهذا حَدِيثٌ
حَسَنٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ شُغْبَةُ فِي بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ، وَرَوَى عَنْهُ مَعْمَرٌ
وَالثُّوْرِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمّةِ.
٢ - باب مِنْهُ
[المعجم ٢ - التحفة ٢]
١٨٩٨ - حقثنا أخمّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ عَنِ المَسْعُودِيِّ عَنِ
الوَلِيدِ بْنِ العَيْزَارِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ
فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَّ الأعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ لِمِيقَاتِهَا))، قُلْتُ: ثُمّ مَاذَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((بِرَّ الوَالِدَيْنِ))، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((الجِهَادُ في سَبِيلٍ
اللَّهِ، ثُمَّ سَكْتَ عَنِّي رَسُوُلُ اللّهِ ﴾ وَلَوِ اسْتَزَذْتُهُ لَزَادَنِيّ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَأَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ إِيَاسٍ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ، رَوَاهُ الشَّيْبَانِيُّ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ العَيْزَارِ. وَقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ
مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشّئْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
جده معاوية بن حيدة ثقة، وقد تكلم فيه بنفسه. قال ابن العربي: البِرّ هو مراعاة الحقوق الواجبة
على البَرّ والقيام بها على الوجه المأمور به، وقد تكلمنا على حقيقته في اسم الله (البرّ) من كتاب
الأمد الأقصى، وبيّتَاء في حق الخالق تعالى والمخلوق، والتقصير فيها هو العقوق، ومن أحسن
ما ورد في ذلك ما يُروّى عن عبد الله بن عمر أنه قال: البرّ شيء هين، وجه طلق وكلام ليّن.
وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أفْ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريمًا واخفض لهما جناح
الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤] وقد استوفينا
الكلام على الآية في أمالي الأنوار. وروى أبو عيسى وغيره عن النبي عليه السلام (أنه سُئِلَ أيّ
الأعمال أفضل قال الصلاة لمبقائها قال ثم ماذا قال بر الوالدين قال ثم ماذا قال الجهاد في سبيل
الله ثم سكت ولو استزدته لزادني).
(١) (البخاري) الجهاد: باب فضل الجهاد والسُّّر، والتوحيد: باب وسمّى النبي # الصلاة عملاً.
(مسلم) الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.

٧٣
كتاب البر والصلة/ باب ٣
٣ - باب مَا جَاءَ مِنَ الفَضْلِ فِي رِضَا الوَالِدَيْنِ
[المعجم ٣ - التحفة ٣]
١٨٩٩ - حدثنا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ. حَدِّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَرِثِ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
عن يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ◌َعَنِ النَّبِيِِّ ﴿ قَالَ: ((رِضَى الرَّبِّ في
رِضَى الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرِّبْ فِي سَخَطِ الوَالِدِ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءِ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وهذا أُصَحُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهكذا رَوَى أَصْحَابُ شُعْبَةً عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وَلاَ نَعَلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ خَالِدٍ بْنِ الحَارِثِ عَنْ شُعْبَةً
وَخَالِدُ بْنُ الحَارِثِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُثَنَّى يَقُولُ: مَا رَأيْتُ بِالْبَصْرَةِ مِثْلَ
خَالِدِ بْنِ الحَارِثِ، وَلاَ بِالكُوفَةِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِذْرِيسَ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
١٩٠٠ - حدّثنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ
الهُجَيْمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي الدِّزْدَاءِ أنَّ رَجُلاً أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ لِيَ امْرَأَةً
وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((الوَالِدُ أَوْسَطُ
أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذلك البَابَ أوِ احْفَظْهُ» قَالَ: وَقَالَ ابْنُ أبي عَمْرٍو: رُبَّمَا
قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّ أُمّي، وَرُبَّمَا قَالَ: أبي(١).
وهذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ.
وصحّح أبو عيسى أن النبي * قال: (الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك
الباب وإن شئت فاحفظه).
(١) (ابن ماجه) الطلاق: باب الرجل يأمره أبوه بطلاق امرأته.

٧٤
كتاب البر والصلة/ باب ٤ وه
٤ - باب مَا جَاءَ في عُقُوقِ الوَالِدَيْنِ
[المعجم ٤ - التحفة ٤]
١٩٠١ - حقثنا حُمَّيْدُ بْنُ مَسْعَدَةً. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا الجَرِيرِيُّ عَنْ
عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «أَلاَ أُحَدّئُكُمْ بِأَكْبَرٍ
الكَبَائِرِ))؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ)). قَالَ: وَجَلَسَ
وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقّالَ: ((وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَقُولُهَا حتى
قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أبي سَعِيدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو بَكْرَةَ اسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الحَارِثِ.
١٩٠٢ - حدثنا قُتَنْيَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْتُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ الهَادِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: «مِنَ الكَبَائِرِ أنْ
يَشْتُمَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَال: (نَعَمْ يَسُبُّ أَبًا
الرَّجُلِ فَيَشْتُمُ أَبَاهُ وَيَشْتُمُ أُمَّهُ فَيَسُبْ أُمَّهُ»(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٥ - باب مَا جَاءَ في إكْرَامٍ صَدِيقِ الوَالِدِ
[المعجم ٥ - التحفة ٥]
١٩٠٣ - حدثنا أحمَدُ بْنُ مُحمَّدٍ. أُخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ. أخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ
وعن أبي بكرة وغيره (أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وجلس وكان متكئاً فقال
وقول الزور وما زال يقولها حتى قلنا ليته سكت) وفي جملة البرّ ومتعلقاته مسائل كثيرة نشير منها
إلى جُمَل تدل على ما فيها مما يتعلق بالأحاديث الواردة في هذا الكتاب، جماعها:
(١) (البخاري) الشهادات: باب ما قيل في شهادة الزُّور. والاستئذان: باب مّن اتكأ بين يدي أصحابه.
واستتابة المرتدّين: باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة. (مسلم) الإيمان: باب بيان
الكبائر وأكبرها.
(٢) (البخاري) الأدب: باب لا يسب الرجل والديه. (مسلم) الإيمان: باب بيان الكبائر وأكبرها.

٧٥
كتاب البر والصلة/ باب ٦ و٧
شُرَيُح. أُخْبَرَنِي الوَلِيدُ بْنُ أبي الوّلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: (إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدْ أبِهِ))(١).
قَالَ: وفي البابِ عَنْ أبِي أُسِيدٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ غَيْرٍ
وَجْهٍ.
٦ - باب مَا جَاءَ فِي بِرِ الخَالَةِ
[المعجم ٦ - التحفة ٦]
١٩٠٤ - حدثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع. حَدِّثَنَا أَبِي عَنْ إِسْرَائِيلَ قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
أَحْمَذَ وَهُوَ ابْنُ مَدْوَيْهِ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ وَاللَّفْظُ لِحَدِيثٍ عُبَيْدِ اللَّهِ
عَنْ أَبِي إِسْحَقَ الهَمْدَانِيِّ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةٍ
الأُمْ))(٢).
وفي الحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ، وهذا حديثٌ صَحِيحٌ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ مُحمَّدٍ بْنِ سُوقَةَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَقْصٍ عَنِ
النَّبِيِِّ﴿ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وهذا أصَحُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً. وَأَبُو
بَكْرِ بْنُ حَقْصٍ هُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ.
٧ - باب مَا جَاءَ فِي دَعْوَةِ الوَالِدَيْنِ
[المعجم ٧ - التحفة ٧]
١٩٠٥ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ الدُّسْتَوَائِيِّ
عَنْ يَخْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَّ:
(١) (مسلم) البِرِّ والصلة والأدب: باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما.
(٢) (البخاري) الصلح: باب كيف يكتب، هذا ما صالح فلان ابن فلان ابن فلان وإن لم ينسبه إلى قبيلته
أو نسبه. والصلح: باب عمرة القضاء.

٧٦
کتاب البرّ والصلة/ باب ٧
(ثَلاَثُ دَعْوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ
الوَالِدِ على وَلَدِهِ)(١).
الأولى: قال النبي ®: (لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشريه فيعتقه)،
والمعنى فيه أن الأبوين قد أخرجا الولد من حيّز العجز إلى حيّز القدرة، فإن الله قد أخرج الخلق
من بطون أمهاتهم لا يقدرون على شيء، كما أنهم لا يعلمون شيئًا فتكفّل الوالدان أمره حتى
خلق الله له القدرة والمعرفة واستقلّ بنفسه بعد المعجزة، فكفا ذلك بفضل الله وقوته لا بصورته،
وحقيقته أن يجد الولد والده في أسْر الرقّ وعجز الملك، فيخرجه إلى قدرة الحرية.
الثانية: جعل الله للأُم ثلثي البرّ وجعل للأب ثلثه لفضل الكفالة على فضل القصرة،
لقوله## لمّن سأله: من أبرّ؟ قال: ((أُمك)، مرتين، وذكر الأب في الثالثة، كما تقدم. أخبرني
محمد بن الوليد الفهري، قال: كان بين رجل وامرأة خصام فتقدم للأم ابنها فتكلم له في ذلك
وكان منفقها فقال: تقدمت لها عليه لوجهين، أحدهما أن النبي # جعل للأم ثلثي البرّ، والثاني
أني خفت أن يخاصمه غيري فيجفوه فصُنته عن ذلك.
الثالثة: جعل النبي عليه السلام برّ الوالد ثاني التوحيد لقوله: (أكبر الكبائر الإشراك بالله ثم
عقوق الوالدين) وقوله في أفضل الأعمال: (الصلاة لميقاتها ثم برّ الوالدين) جعله في ضمن حق
الله في حديث آخر، فقال: (رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد) حتى
جعل وهي:
الرابعة: من تمام برّ الأب أن يصل الرجل صديق أبيه كما قال 18 في الحديث الصحيح،
وقد كان النبي # يصل صدائق خديجة بِرًا بها، فكيف بصديق الأب، والمعنى فيه مركّب على
حقوق الأخوة، فكما كان ذلك مشروعًا في حق الأب بحكم الأخوة يكون مشروعًا في حق الولد
بحكم الأبوّة.
الخامسة: من الحديث الحسن: جاء رجل إلى النبي 188 فقال له: هل بقي عليَّ من بِرٌ
والديَّ شيءٌ أبرّهما بعد وفاتهما؟ قال: ((نعم: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما،
وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما)).
السادسة: دعاء الوالد على ولده. وروى أبو عيسى وغيره أن (ثلاث دعوات تُستجاب:
دعوة المظلوم والمسافر والوالد على ولده). فأما المظلوم فلظلامته وقهره، وأما المسافر فلغُربته
ووحدته، وأما الوالد فلمنزلته، والحديث مجهول وربما شهدت له الأصول: أبو جعفر المؤذِّن
راويه عن أبي هريرة لا يعرف.
(١) (أبو داود) الصلاة: باب الدعاء بظهر الغيب. (ابن ماجه) الدعاء: باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم.

٧٧
كتاب البر والصلة/ باب ٨ و٩
قال أبو عيسى: وقد روى الحجّاجُ الصِّوَّافُ هذا الحدیثَ عَنْ یخیی بْنِ أپي گَثِيرٍ
نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ وَأَبُو جَعْفَرِ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يُقَالُ لَهُ أَبُو جَعْفَرِ المُؤَذِّنُ، وَلاَ
نَعْرِفُ اسْمَّهُ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ يَخْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ غَيْرَ حَدِيثٍ .
٨ - باب مَا جَاءَ فِي حَقُ الوَالِدَيْنِ
[المعجم ٨ - التحفة ٨]
١٩٠٦ - حقثنا أحمَدُ بْنُ مُحَمِّدِ بْنِ مُوسَى. أخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْن أبي صَالِحٍ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((لاَ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إلاَّ أنْ يَجِدَهُ
مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَّهُ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ،
وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالحِ هذا الحَدِيثَ.
٩ - باب مَا جَاءَ في قَطِيعَةِ الرَّحِمِ
[المعجم ٩ - التحفة ٩]
١٩٠٧ - حقثنا ابْنُ أَبِي عُمّرَ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالاَ: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً
عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمّةَ قَالَ: اشْتَكَى أَبُو الرَّدَّادِ اللَّيْتِيُّ فَعَادَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ
فَقَالَ: خَيْرُهُمْ وَأوْصَلُهُمْ مَا عَلِمْتُ أبَا مُحمَّدٍ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾
يَقُولُ: ((قَالَ اللَّهُ أَنَّا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقْتُ لَها مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا
وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتْهُ)(٢).
السابعة: إن كان للوالدين حق في الجملة فللرحم على العموم حقوق، (قال
عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله * يقول الله(٣): ((أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت
الرحم وشققت لها من اسمي، فمَن وصلها وصلته ومَن قطعها بنتّه») صحيح. وهو يقتضي مراعاة
الاتفاق في الأسماء، وأن ذلك لنوع من الإخاء، وقد قالوا في المثل اتفاق الكنى إخاء ثانٍ، فإن
(١) (مسلم) العتق: باب فضل عتق الوالد. (النسائي في الكبرى) العتق: باب مَن ملك ذا رحم محرم.
(ابن ماجه) الأدب: باب برّ الوالدين.
(٢) (أبو داود) الزكاة: باب في صلة الرحم.
(٣) هكذا بالأصل، ولعلها: عن الله.

٧٨
كتاب البرّ والصلة/ باب ١٠
وفي البّابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنٍ أَبِي أَوْفَى وَعَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةً وَأَبِي هُرَيْرَةً وَجُبَيْرِ بْنِ
مُطْعِمٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى مَّعْمَرٌ هذا
الحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمّةَ عَنْ رَدّادِ اللَّيْئِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمَعْمَرٍ،
كذا يَقُولُ قَالَ مُحمَّدٌ، وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ خَطَأْ.
١٠ - باب مَا جَاءَ فِي صِلَّةِ الرَّحِم
[المعجم ١٠ - التحفة ١٠]
١٩٠٨ - حققنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا بَشِيرٌ أَبُو إِسْمَاعِيلٌ وَفِطْرُ بْنُ
خَلِيفَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ◌َعَنِ النَّبِيِِّ﴿ قَالَ: ((لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِىءِ،
وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صِيحٌ.
وفي البَابِ عَنْ سَلْمَانَ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرّ.
١٩٠٩ - حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَرٌ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ◌ِ: ((لاَ
يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ))(٢).
الله راعى للرحم اتفاق اسمها مع اسمه سبحانه في وجه انتظام الحروف الأصلية، إذ النون زائدة
الرحم مخلوقة محدثة، وهو سبحانه خالق محدث لا أول له واسمه أول لا ابتداء لها، واسم
الرحم مخلوق کھي.
تنبيه: على وهم من الملحدة ومن الغفلة مّن قال: نسب بين الله وبين الرحم، وتعالى الله
عن قولهم، إذ جعلوا بينه وبين الرحم نسبًا، وإنما قالها على طريق التشبيه كما أنه جعل العبد
عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا حيًّا، ولم يكن ذلك نسبًا ولا تشبيهًا.
الثامنة: قوله: (مَن وصلها وصلته) يعني مَن راعى حقوقها راعيته حقه ووفيته ثوابه، ومَن
قصرها قصرت به في ثوابه ومنزلته وبتته، معناه قطعًا لا وصلة له، وهذا وعيد يكون في حال
دون حال وفي وقت دون وقت، وعلى هذا يحمل حديث أبي عيسى (لا يدخل الجنة قاطع)
(١) (البخاري) الأدب: باب ليس الواصل بالمكافىء. (أبو داود) الزكاة: باب في صلة الرحم.
(٢) (البخاري) الأدب: باب إثم القاطع. (مسلم) البِرُ والصلة والأدب: باب صلة الرحم وتحريم قطعها.

٧٩
كتاب البرّ والصلة/ باب ١١ و١٢
قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي قَاطِعَ رّحِمٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
١١ - باب مَا جَاءَ في حُبِّ الوَلَدِ
[المعجم ١١ - التحفة ١١]
١٩١٠ - هقثنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمٌ بْنِ مَيْسَرَةً قَالَ: سَمِعْتُ
ابْنَ أَبِي سُوَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَّرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ: زَعَمَتِ المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ خَوْلَةُ
بِنْتُ حَكِيمٍ. قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مُخْتَضِنْ أَحَدَ ابْنَيِ إِبْنَيْهِ وَهُوَ
يَقُولُ: (إِنْكُمْ لَتُبَخُلُونَ وَتُجَبَُّونَ وَتُجَهْلُونَ، وَإِنْكُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالأَشْعَثِ بْنٍ قَيْسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِهِ،
وَلاَ تَعْرِفُ لِعُمَّرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سَمَاعًا مِنْ خَوْلَةً.
١٢ - باب مَا جَاءَ في رَحْمَةِ الوَلَدِ
[المعجم ١٢ - التحفة ١٢]
١٩١١ - حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالاً: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ
يعني في وقت وعلى حال كما قدّمناه في آيات الوعيد قبل هذا، وفي أخباره.
التاسعة: الواصل الذي يرعى الله في الرحم هو المبتدىء الذي لم يتقدم له مثل، فيكون
بعد الثاني جزاء له ومكافأة، وإنما الواصل في الحقيقة هو الذي يصل مَن قطعه، وقد بيّنًا في
تفسير قوله: ﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية، هو أن تصل من قطعك وتعطي مّن حرمك
وتعفو عمن ظلمك.
باب حبّ الولد ورحمته
ذكر حديث عمر بن عبد العزيز عن خولة بنت حكيم قالت: (خرج رسول الله 38 وهو
محتضن أحد ابني بنته وهو يقول إنكم لتبخّلون وتجبِّنون وإنكم من ريحان الله) ولم يسمع عمر
(١) (مسلم) الفضائل: باب رحمته الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك. (أبو داود) الأدب: باب
في قبلة الرجل ولده.

٨٠
كتاب البر والصلة/ باب ١٣
الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَبْصَرَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسِ النَّبِيَِِّّهِ وَهُوَ يُقَبِّلُ
الحَسَنَ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمّرَ الحُسَيْنَ وَالحَسَنَ. فَقَّالَ: إِنَّ لي مِنَ الوَلَدِ عَشَرَةٌ مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا
مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (إنَّهُ مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ)).
قَالَ: وفي البَّابِ عَنْ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَأَبُو سَلَمَّةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْفٍ، وهذا حديثٌ خَسَنْ صَحِيحٌ.
١٣ - باب مَا جَاءَ فِي النَّفَقَّةِ على البَنَاتِ وَالأُخَوَاتِ
[المعجم ١٣ - التحفة ١٣]
١٩١٢ - حدثنا قُتَيْبَةُ. حَذْثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ
سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ أبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِ قَالَ: ((لاَ يَكُونُ لأَحَدِكُمْ
ثَلاَثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلاَثُ أَخْوَاتٍ فَيُحْسِنُ إِلَيْهِنْ إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةِ»(١).
من خولة، وذكر حديث أبي هريرة قال: (أبصر الأقرع بن حابس النبي ### وهو يقبل الحسن أو
الحسين فقال إن لي عشرة من الولد ما قبّلت أحدًا منهم فقال رسول اللّهِ وَله إنه مَن لا يرحم لا
◌ُرخم) صحيح.
الإسناد: في الباب أحاديث كثيرة منها حديث بريرة (كان رسول الله * يخطبنا إذ جاء
الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ور عن المنبر
فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال صدق الله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥]
نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما) غريب،
مضاف إلى غيره نحوه، أصحّه ما ذكره. وفي الصحيح (أن النبي عليه السلام بكى لموت ولده،
فقيل له: ما هذا؟ فقال: ((إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء))).
الأحكام: وكما تجب محبته، فإن عليه في الدين أدبه. ذكر أبو عيسى أن النبي عليه السلام
قال: (لأن يؤذّب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع) غريب ضعيف، وذكر أن رسول
الله * قال: (ما نحل والد ولدًا من نحل أفضل من أدب حسن) غريب مرسل. وأدب الولد
جائز للوالد بإجماع ولا يتجاوز به في الأدب عشرة أسواط. وقد رأى مالك أنه إذا حذفه بالسيف
(١) (أبو داود) الأدب: باب في فضل مَن عالَ يتيمًا.