النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
كتاب النذور/ باب ١٣
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةً وَعَمْرِو بْنِ عَبِسَةَ وَابْنٍ عَبَّاسٍ وَوَائِلَةَ بْنِ الأسْفَعِ وَأبي
أُمَامَةً وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَكَعْبِ بْنِ مُرَّةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ
وَابْنُ الهَادِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الهَادِ. وَهُوَ مَدَنِيٍّ ثِقَةٌ قَدْ رَوَى عَنْهُ
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.
الإسناد: هذا حديث صحيح، وقد روى أبو داود عن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول
الله 9 في صاحب لنا أوجب، يعني: النار بالقتل، فقال: ((أعتق عنه يعتق الله بكل عضو منه
عضوًا من النار»، وروى الحارث بن أبي أسامة: ((أيما رجل أعتق ذكرًا كان له فكاكًا من النار،
كل عضو بعضو حتى الفرج، وأيما رجل أعتق امرأتين كانتا فكاكًا من النار، حتى فرجهما
پفر جه)».
الأصول: أخبر الصادق 18 أن الله يعتق فرج المعتق من النار، ولا يعتق بالفرج ذنب إلا
الزنى وهو على قسمين: أحدهما مس في الأعضاء وفيما بين الفخذين وبمغيب بعض الحشفة
وأن لا يصبّ ماءه في الفرج، الثاني: أن يولج ويصبّ الماء ويولج خاصة، والقسم الأول صغائر
تكفّرها الحسنات إجماعًا، والزنى كبيرة لا تقع مكفّرة إلا بالتوبة فكيف بالقتل؟ فيحتمل هذا
الحديث أن يحمل على القسم الأول وهو الصغائر كما قدّمنا، ويحتمل أن يريد بذلك أنه يكون
بعتق الفرج حظ في الموازنة يكفّر بها الزنى ليس مثله لغيرها من الحسنات.
الفقه: في مسائل:
الأولى: قوله: (مؤمنة) دليل على فضل عتق المؤمن على غيره، وفي عتق الكافر
أخر، ولكن عتق المؤمن أفضل، لأن العتق يخلصه لعبادة الله سبحانه ويسقط عنه حقوق
السيد التي تشغله عن جملة من حقوق الله، فيكون مثل ما في العبد من خير في صحيفة
المعتق.
الثانية: وقد قال أصبغ: إن عتق الكافر الأعلى أفضل من عتق المؤمن الأخص لعموم
قوله، وقد سُئِلَ أي أمرنا أفضل، قال: أعلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها، ورأى أن تنقيص الملك
بما يخرج عنه من الثمن الزائد على ما يخرج في العبد المؤمن له أجر زائد، فيكون به أفضل،
وما أظن أحدًا تابعه على ذلك في علمي الآن، فإن الصدقة على المسلم أفضل من الصدقة على
الكفار إجماعًا، فكذا العتق، ويرجع هذا العموم إلى المفاضلة بين المسلمين أحدهما أغلى ثمنا
من الآخر.
الثالثة: هذا يدل على أن الأعضاء يُخَصّ كل نوع منها من العذاب بمقدار معصيته ولا
٢٢
كتاب النذور/ باب ١٤
١٤ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَلْطُمُ خَادِمَهُ
[المعجم ١٥ - التحفة ١٥]
١٥٤٢ - حدثنا أَبُو كُرَيْبِ حَدَّثْنَا الْمُحَارِبِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ هِلاَلِ بْنِ
بِسَافٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّن المُزَنِيِّ قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُنَا سَبْعَةَ إِخْوَةٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إلاَّ وَاحِدَةً،
فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا فَأْمَرَنَا النَِّيَُِّّهِ أَنْ نُعْتِقَهَا(١).
يتعدى إلى سائر البدن، وقد بيّنا ذلك في شرح الصحيحين في قوله {$: «اللَّهمَّ ولديه فاغفر
لي))(٢).
الرابعة: قوله هلهنا: (حتى يعتق فرجه بفرجه) على أحد معنى الغاية، وذلك أنها ترد على
وجهين: ترد غاية عليا لا يبدل الأدنى منها، وترد غاية للأدنى، يقال أكلت الشاة حتى ظلفها
إشارة إلى الاستيفاء، ويقال: أطاعني الناس حتى الأمير إشارة إلى الأعلى.
الخامسة: قوله: (أعتق عنه) قد تقدم التفصيل في انتفاع العبد بفعل غيره في جنب العبادات
المتقدمة، فليُنظَر هنالك.
السادسة: لا خلاف أن عتق الكامل الخلقة أفضل، فإن أعتق خصيًّا أو أجذم كان له
ثواب، ولكن لا يجزيه عن الواجب عندنا وعند الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزيه، لأن الاسم
يتناوله القطع كما يتناوله قطع الأصبع الصغيرة، وعمدة المسألة أن أبا حنيفة ظن أنه يتعلق بظاهر
القرآن على المعيب، وحقّق كلامه أصحابه أن قالوا: إن العيب اليسير متفق على إلغائه والكثير
متفق على منعه من الأجزاء، واختلفوا في الفرق بينهما، فأما أبو حنيفة فرأى أن ذهاب الجنس
كله من المنفعة كثير كما لو كان أقطع اليدين أو الرجلين أو أقطع اليد والرجل، لأن نصف
الاثنين واحد كامل، ورأى علماؤنا أن الفرق بين الكثير واليسير لا يتحدد بتقدير، وإنما هو
موقوف على الاجتهاد، فكل عيب نقصت به المنفعة عيب يلحق الناقص ضررها لحوقًا بيّنًا، أو
يلحق سيده كان ذلك مؤثرًا فيه في نفسه ومانعًا في إجزائه عن غيره ولاحقًا بيان ضرر، أقطع اليد
الواحدة والرجل الواحدة والعين الواحدة وظهور نقصانه في المالية، والقطع على نقصانه في
الكفّارة لقوله: (يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار) فصار نظرنا أرجح والله أعلم.
باب الرجل بلطم خادمه
ذكر حديث (سويد بن مقرن قال لقد رأيتنا سبعة أخوة ما لنا خادم إلا واحدة فلطمها أحدنا
فأمرنا النبي # أن نعتقها) حسن صحيح.
(١) (مسلم) الأيمان: باب صحبة المماليك، وكفّارة مَن لطم عبده. (أبو داود) الأدب: باب في حق
المملوك. (النسائي في الكبرى): العتق.
(٢) هكذا بالاصل.
٢٣
كتاب النذور/ باب ١٥
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمْرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذا الحَدِيثَ عَنْ
حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الحَدِيثِ قَالَ: لَطَمَهَا على وَجْهِهَا.
١٥ - بلب مَا جَاءَ في كَراهِيَّةِ الحَلِفِ بِغَيْرِ مِلْةِ الإسْلامِ
[المعجم ١٦ - التحفة ١٦]
١٥٤٣ - هقدها أحمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدِّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ عَنْ هِشام
الدَّسْتَوَائِيَّ عَنْ يَخْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي فِلاَبَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ رَسولُ
اللّهِ ﴿: (مَنْ حَلَفَ بِمِلْةٍ غَيْرِ الإسْلاَمِ كَاذِبًا فَهُوَ كما قَالَ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْم في هذا إذَا
حَلَفَ الرَّجُلُ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلاَمِ. فَقَالَ: هُوَ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إِنْ فَعَلَ كَذَّا وَكَذَا فَفَعَلَ
ذلِكَ الشّيْءَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ أَتِى عَظِيمًا وَلاَ كَفَّارَةً عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أهْلِ المَدِينَّةِ وَيِهِ
يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَإِلى هذا القَوْلِ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ مِنْ
أَصْحَابِ النّبِيِّ :﴿ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ: عَلَيْهِ في ذلِكَ الكَفَّارَةُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَأَحْمَدَ
وَإِسْحَقّ.
العارضة: فيه أن حسن الملكة أصل في الدين، قال النبي 8#: ((إخوانكم خولكم، ملككم
الله رقابهم، فأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلّفوهم من العمل ما لا يطيقون،
فإن كلفتموهم فأعينوهم))، فإذا كان بمنزلة الأخ في الحركة ولك عنده حق الخدمة وجب
استيفاؤه لك وتعيّن إبقاؤه عليه برفق دون ضرر وعنف، فإذا لطمته فقد ظلمته وأتيت إليه ما ليس
لك أن تفعله، فتعيّن النظر في مغفرة ذلك الذنب مما يقارنه ويناسبه من العمل، وقال النبي 56 #
السويد وإخوته: ((ليحبو أخذ الملطم من النار بإخراج الملطوم من الرق)»(٢)، فإن قيل: أوَباللطمة
يستحق النار؟ قلنا: حقوق الآدميين لا يسقطها إلا رضاهم بإسقاطها، واللطمة يعرض أن يدخل
(١) (البخاري) الأدب: باب ما ينهى عن السّباب واللعن. (مسلم) الإيمان: باب حفظ تحريم قتل
الإنسان نفسه وإن مَن قتل نفسه بشيء عُذِّب به في النار وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس
مسلمة .
(٢) هكذا بالأصل.
٢٤
كتاب النذور/ باب ١٦ و١٧
١٦ - باب
[المعجم ١٧ - التحفة ١٧]
١٥٤٤ - عقدنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يَخِيّى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زُحَر عَنْ أبي سَعِيدِ الرَّعِينِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ الْيَخْصُبِيِّ عَنْ عُقْبَةٌ بْنِ
عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ إلى البَيْتِ حَافِيَةٌ غَيْرَ مُخْتَّمِرَةٍ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ﴿: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، فَلْتَرْكَبْ وَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَصُمْ ثَلاثَةَ
آَيَّامٍ»(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌّ وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ
أحمَدَ وَإِسْحَقَ.
١٧ - باب
[المعجم ١٨ - التحفة ١٨]
١٥٤٥ - هقثنا إِسْحَقُ بْنُّ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا الأوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنَا
الزُّهْرِيُّ عَنْ خَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ حَلَفَ
مِنْكُمْ فَقَّالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّتِ وَالعُزَّى؛ فَلْيَقُلْ: لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ: تَعَالَ أُقَامِرٌْ
فَلْيَتَصَدَّقْ))(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو المُغِيرَةِ هُوَ الخُولاَنِيُّ الحِمْصِيِّ
وَاسْمُهُ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الحَجّاجِ.
صاحبها النار، فإن تصادفه وقد استوت حسناته وسيئاته فتأتي اللطمة فتوضع في ميزان السيئات
فترجح بها كفّتها فتقتضي النار، فيكون عتقها فاضلاً من حسناته عاصمًا منها وزائدًا أضعافها من
(١) (أبو داود) الأيمان والنذور: باب من رأى عليه كفّارة إذا كان في معصية. (النسائي) الأيمان
والنذور: باب إذا حلفت المرأة لتمشي حافية غير مختمرة. (ابن ماجه) الكفّارات: باب مّن نذر أن
يحجّ ماشيًا.
(٢) (البخاري) الأدب: باب مَن لم يرَ إكفار مَن قال ذلك متأوّلاً أو جاهلاً. (مسلم) الأيمان: باب من
حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلاّ الله.
٢٥
كتاب النذور/ باب ١٨ و١٩
١٨ - باب مَا جَاءَ في قَضَاءِ النَّذْرِ عَنِ المَيْتِ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
١٥٤٦ - حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ :﴿ فِي نَذْرٍ كَانَ على أُمِّهِ
تُوُفِيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّرِ: ((أَقْضٍ عَنْهَا)(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)».
١٩ - باب مَا جَاءَ في فَضْلٍ مَنْ أَعْتَقَ
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
١٥٤٧ - حدّثنا مُحَمِّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ؛ هُوَ أَخُو سُفْيَانَ بْنِ
عُيَيْئَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْدِ عَنْ أَبِي أُمَامَةً وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ عَنِ
النّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ. (أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أعْتَقَ امْرٍأً مُسْلِمًا؛ كانَ فَكّاكُهُ مِنَ النَّارِ. يُجْزِي كُلِّ
عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرِىءٍ مُسْلِمٍ أعْتَقَ امْرَأْتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنٍ؛ كَانَتَا فَكّاكَهُ مِنَ النَّارِ،
يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةً؛ كَانَتْ فَكَاكَهَا
مِنَ النَّارِ. يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا غُضْوًا مِنْهَا)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الْوَجْهِ.
الحسنات أجْرًا في مقابلته ومحلاً يحلّ، فإن قيل: فكيف أمرهم النبي * بعتقها بلطم واحد؟
قلنا: أمره على الاستحباب إجماعًا، والمخصوص منهم والمؤكد عليه في ذلك من تناول لطمها
وندب سائرهم إلى عتقها، لئلا يقع في مثل ما وقع فيه أخوهم، أو ليكون عونًا له في تمام العتق
لتتم المنفعة له دون موته، ولهم بالنيّة في ذلك والمعونة، وقد بيّن النبي و 18 في هذا الحديث
عتق الذِّكَر للأنثى، وجاء في حديث أبي أمامة ذكره أبو عيسى وغيره أن النبي وَّر قال: (أيما
امرىء مسلم أعتق امرأً مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوًا منه، وأيما امرأة
مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوًا منها) وهو
(١) (البخاري) الحيل: باب في الزكاة وأن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرّق خشية الصدقة.
(مسلم) النذر: باب الأمر بقضاء النذر.
٢٦
كتاب النذور/ باب ١٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ على أنَّ عِثْقَ الذُّكُورِ لِلرِّجَالِ أَفْضَّلُ مِنْ عَثْقٍ
الإِنَاثِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ﴿هَ: (مَنْ أَعْتَقَ امْرِأْ مُسْلِمًا؛ كانَ فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ. يُجْزِي كُلُّ
عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ». الحَدِيثَ صَحَّ فِي طُرُقِهِ.
غريب، فاقتضى هذا الحديث كما ذكره أبو عيسى إذًا عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى
لخصوصه، وإن كان الأول قد ورد عامًا فهذا أشبه.
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٢ - كتاب السِّير
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
١ - باب مَا جَاءَ في الدَّعْوَةِ قَبْلَ القِتَالِ
[المعجم ١ - التحفة ١]
١٥٤٨ - حدثنا قُتَيَِّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أبي البَخْتَرِيِّ، أنَّ
جَيْشًا مِنْ جُيُوشِ المُسْلِمِينَ كانَ أمِيرَهُمْ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ حَاصَرُوا قَصْرًا مِنْ قُصُورٍ فَارِسَ،
فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلاَ نَنْهَدُ إِلَيْهِمْ؟ قَالَ: دَعُونِي أَدْعُهُمْ كما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾
يَدْعُوهُم، فَأَتَاهُمْ سَلْمَانُ فَقَالَ لَهُم: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ فَارِسِيٍّ تَرَوْنَ العَرَبَ يُطِيعُونَنِي فَإِنْ
أَسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مِثْلُ الَّذِي لَنَا وَعَلَيْكُمْ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْنَا، وَإِنْ أَبَيْتُمْ إلَّ دِينَكُمْ تَرَكْنَاكُمْ عَلَيْهِ
وَأَعْطُونَا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ. قَالَ وَرَطَنَ إِلَيْهِمْ بِالفَارِسِيَّةِ وَأَنْتُمْ غَيْرُ مَحْمُودِينَ،
وَإِنْ أَبَيْتُمْ نَابَذْنَاكُمْ على سَوَاءِ. قَالُوا: مَا نَحْنُ بِالَّذِي نُعْطِي الجِزْيَةً وَلَكِنَّا تُقَاتِلُكُمْ. فَقَالُوا:
يَا أبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلاَ تَنْهَدُ إِلَيْهِمْ؟ قَالَ: لاَ. فَدَعَاهُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلى مِثْلِ هذا. ثُمَّ قَالَ: انْهَدُوا
إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَنَهَدْنَا إِلَيْهِمْ فَفَتَحْنَا ذلِكَ القَصْرَ.
أبواب الجهاد
عن رسول الله (*
باب ما جاء في الدعوة قبل القتال
ذكر (عن أبي البختري أن جيشًا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي حاصروا قصرًا)
٢٨
كتاب السِّير/ باب ١
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ بُرَيْدَةً، وَالثُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَحَدِيثُ
سَلْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنْ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ:
أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ سَلْمَانَ لأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا، وَسَلْمَانُ مَاتَ قَبْل عَلِيَّ، وَقَدْ ذَهَبَ
بَعْضُ أهلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ إِلى هذا وَرَأَوْا أنْ يُدْعَوْا قَبْلَ القِتَالِ، وَهُوَ قَوْلُ
إِسْتَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: إِنْ تَقَدِّمَ إِلَيْهِمْ فِي الدِّغْوَةِ فَحَسَنَّ يَكونُ ذَلِكَ أَهْيَبٌ. وَقَالَ بَعْضُ
أهْلِ العِلْمِ: لاَ دَعْوَةَ الْيَوْمَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لاَ أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى. وَقَالَ الشّافِعِيُّ: لاَ
يُقَاتَلُ العَذَوْ حتى يُدْعَوْا إِلاَّ أَنْ يَعْجَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّغْوَةُ.
وذكر الحديث وقال: إن أبا البختري لم يلقّ سلمان وكان سلمان أميرًا لعلي بن أبي طالب.
الإسناد: أحاديث الدعوة كثيرة بيانها، في الكتاب الكبير أمهاتها. حديث أبي سفيان في
دعاء النبي# هرقل عن ابن عباس وعنه: أن النبي # بعث بكتابه إلى كسرى، وهو: الثاني.
الثالث: حديث بريدة بن الحصيب قال: كان النبي ﴿ إذا بعث جيشًا أو سرية أوصاه في خاصته
بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، وذكر الدعوة إلى ثلاث خصال. الرابع: حديث معاذ
قال له: ((إنك تأتي أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله))، وذكر الحديث.
الغريب: القصر كل بناء يقصر طالبه عنه بمحسوس من الحواس الخمس، وأقله دخولاً في
ذلك البصر قال الجاهلي:
منيع يردّ الطرف وهو كليلُ
لنا جبل يحتله من نجيره
ينهد يبرز، ومنه النهد لأنه يبرز عن الصدر، وكل خارج نهد كان بنفسه أو بإخراج غيره له
السواء العدل، وهو العمل بما أمره الله به. الغلول الخيانة، وهو هاهنا أخذ الشيء سترة من غيره
وهو سرقة حقيقة، ولكنهم خصّوه باسم الغلول وأخرجوه عن حكمها. الذمة تنطلق على معانٍ:
وهي ماهنا العهد.
الأصول: في مسألتين:
الأولى: الدعوة. وهي النداء بما يريد المنادي أن يبلغه إلى المنادى بالقول، وأن الله
سبحانه لو شاء لعذّب الخلق دون إعلام له بنفسه ولا دعاء إلى توحيده ولا مخالفة وجدت منهم
على اختلاف طبقاتهم، من نبي مرسل، أو ملك مقرّب، أو وليّ مخلص، أو كافر معاند، أو
مذنب في غير اعتقاد بإلاهيّته وجبروته، وإذا بعث الرسل وأوضح السبل فتلك منه منّة وفضل،
وهو غافر الذنب قابل التوبة شديد العقاب ذو الطول، وفايدة بعث الرسل المقصودة دعاء الخلق
إلى الأعمال المُنجِيَة من أهوال الآخرة، وإرشادهم إلى طريق المعرفة بالله المفروضة عليهم
المخلصة من العذاب لهم، وإخبارهم بما توجّه من الأمر والنهي عليهم.
٢٩
كتاب السير/ باب ٢
٢ - باب
[المعجم ٢ - التحفة ٢]
١٥٤٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَدَنِيُّ المَكِّيُّ وَيُكْنَى بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ
هُوَ ابْنُ أبي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ نَوْفَلٍ بْنِ مُسَاحِقٍ عَنِ ابْنِ
عِصَامِ المُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا بَعَثَ جَيْئًا أَوْ سَرِيَّةً
يَقُولُ لَهُمْ: ((إِذَا رَأيْتُمْ مَسْجِدًا وَسَمِعْتُمْ مُؤَذِنًا فَلاَ تَقْتُلُوا أَحَدًا(١).
هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُبَيْئَةً.
الثانية: بعث الله محمدًا من بينهم آخرًا سابقًا فدعا الخلق إلى الله عشرة أعوام، وكتب إلى
الكفّار في أقطار الإسلام من كل جانب: قيصر - وكسرى - والنجاشي - والعباهلة - والأقيال،
ملوك اليمن، تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿لأنذركم به ومَن بلغ﴾ [الأنعام: ١٩]، والذين لم تبلغهم
الدعوة، وهي:
الثالثة: على ثلاثة أقسام: قاصي الدار، وذاهب العقل، أو ناقصه. فأما القاصي فقد انقطع
ذلك بعموم الدعوى، وأما ذهاب العقل ونقصانه فالشريعة قد رفعت عنه الخطاب على العموم في
حالة وعلى الخصوص في حالة دون حالة، وهو نقصان العقل بالصغر، وأمرهم في الآخرة
مختلف، أما الصغار من أولاد المؤمنين ففي الجنة، وأما من أولاد الكفّار والقاصي والمجنون
فلم يعلم أحد ما لهم في القيامة ولا مأواهم، ومَن ادعى في ذلك معرفة فهو جاهل بالعقليات
والأصول، متحامل على الأحكام من غير دليل.
الثالثة(٢): ليس في قوله: (ادعهم إلى شهادة ألاّ إله إلا الله، فإذا هم أجابوك فأعلمهم
أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات) دليل على أن الصلاة لا يخاطب بها إلا بعد الإيمان.
كما لم يكن في قوله: (فإذا أجابوك إليها فأعلمهم أن الله فرض عليهم زكاة)، ولا يقف
خطاب الزكاة على قبول الصلاة، وإنما المقصود من الحديث ترتيب منازل قواعد الدين
للمسلمین.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: في حكم الدعاء للمشركين. وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: الأول: أنه
واجب، الثاني: أنه مستحب، الثالث: أن ذلك يختلف باختلاف العسكر الناهد إليهم، وهذا كله
(١) (أبو داود) الجهاد: باب في دعاء المشركين. (النسائي في الكبرى) السِّيّر: باب توجيه السرايا.
(٢) هكذا بالأصل، وهي: الرابعة في الترتيب.
٣٠
کتاب السير/ باب ٣
٣ - باب في البَيَاتِ وَالغَارَاتِ
[المعجم ٣ - التحفة ٣]
١٥٥٠ - حدثنا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثْنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ
أَنَسِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِ﴿ِ حِينَ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ أَتَاهَا لَيْلاً؛ وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ
عَلَيْهِمْ حتى يُصْبِحَ. فَلَمَّا أُصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمَّا رَأوْهُ قَالُوا:
مُحمّدٌ، وَافَقَ وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ الْخَمِيسَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا
تَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ))(١).
كان، والذي استقرت عليه الحال اليوم أنه يستحب أن يدعوهم الأمراء إلى الإسلام في كل
وقت. قال ابن العربي رحمه الله: إن مالكًا قال: الدعاء أصوب، بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم،
إلا أن يعجلوا، ولا يسبوا حتى يدعونا، وبنحوه قال الشافعي. قال: فإن لم يفعل فقد بلغتهم
الدعوة، فإن قتل أحد منهم قبل ذلك فعليه الذية. وقال المزني عنه: يغار عليهم بغير دعوة، وبه
قال أبو حنيفة. وقيل: كلما وَلِيَ إمام أحدث دعوة. وجملة الأمر، وهي:
الثانية: أن الدعوة قد استقرت، وما توفى الله رسوله حتى عمّت الدعوة واتصلت وأخذت
بلادًا عريضة وآفاقًا متسعة، واتسعت بعد ذلك بما أخذه الجار منهم عن جاره، فهي واجبة في
من جهلها مستحبة في مَن علمها، وقد أغار النبي ◌َ#1، وهي:
الثالثة: دون دعوة متصلة بالغارة والقتال، وقد قال لرسله ما تقدم من الدعاء، وصحّ
عنه كما روى أبو عيسى: أنه كان إذا سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار. وقد أتى خيبر ليلاً
(وكان إذا أتى قومًا بليل لم يغر حتى يُصبح، فلما أصبح خرجت يهود بمكاتلهم ومساحيهم فلما
رأوه قالوا: محمد وافی والله، محمد والخميس، فقال رسول الله ێ: «الله أُکېر خربت خییر، إنا
إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))) وأغار النبي # على بني المصطلق وهم غارون. وقد
رأى كثير من العلماء إذا كان الجيش ظاهرًا أن تتقدم الدعوة إذا لم تخشّ الخديعة من العدو في
فلتة، وإذا لم يوثق به فيما تقدم من الدعاء يكفي وتقتحم غرتهم لذلك.
الرابعة: المكتل عندهم كالقفّة عندنا، قوله: (محمد وافق) قال بعضهم هو تصحيف،
وإنما هو: (محمد وافى) وهو أقوى، والخميس الجيش، قالوا: سُمِّي به لأنه يأخذ الخمس،
وقوله: (غارون) من الغرو هو الغرر، وهو كل أمر خفي باطنه أو جميعه، ونسب الفعل إليهم
لكون الخلفاء عندهم.
(١) (البخاري) الجهاد: باب دعاء النبي # الناس إلى الإسلام والنبوّة. (النسائي في الكبرى) السّيّر.
٣١
كتاب السِّير/ باب ٣
١٥٥١ - حدثنا قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبي
عَرُوبَةً عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ عَنْ أبي طَلْحَةَ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ كانَ إِذَا ظَهَرَ على قَوْمٍ أَقَّامَ
بِعَرْصَتِهِمْ ثَلاثًا(١).
الخامسة: قول سلمان في دعابته: (إن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا) صحيح، لأن المسلم
أخو المسلم كان إسلامهما واحدًا متأخرًا أو متقدمًا.
السادسة: (وإن أبيتم فعليكم الجزية) هذا أحد الوجوه التي يجوز للإمام أن يفعلها مع
الكفار، وهي خمسة يأتي بيانها إن شاء الله.
السابعة: قوله: (نابذناكم) أي طرحنا ما بيننا وبينكم وقت هذا الدعاء وحين هذه
المخاطبة، مِن كفَّ عنكم وترك لكم.
الثامنة: قوله بعد ذلك: (لا تنبذ إليهم وأمهلهم ثلاثًا) تأكيدًا في الدعوة وإبلاغًا في الحجة
وإجماعًا للعسكر وإرهابًا على العدو بذلك، (وقد كان النبي ﴿﴿ إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم
ثلاثًا)، كما رواه أبو عيسى غيظًا للعدو ورهبة عليه وتثبيتًا للمؤمنين، وقال: هو صحيح حسن
غريب.
التاسعة: قد يقتل العدو بالخديعة في المداخلة، كما قتل محمد بن مسلمة كعب بن
الأشرف وكما قتل ابن أبي الحقيق، فإن قيل: هذا منكر، وقد روى السدي عن أبيه عن أبي
هريرة قال النبي *: ((الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)) فالمراد به على حال سنده قيد الفتك
بالمؤمن، ورُوِيَ: الفك، يعني الاحتراس في تحريك الرجل شدقه بغير ما ينبغي.
العاشرة: إذا قتل مَن لم تبلغه الدعوة فلا دية ولا كفارة في المشهور، وقال الشافعي: فيه
الدّية والكفّارة، وهذا بناء على أن مَن لم يحارب من غير أهل الملّة فيه الكفّارة والدّية، وقد بيّنًا
ذلك في الأحكام بما بيانه أن الكفّارة إنما وجبت لأنه أتلف نفسًا كانت تعبد الله، فيخلص أخرى
لعبادته، وأما الدّية فإنما هي جبر لمحترم بالدين أو بالعهد، وقد عدما هاهنا.
الحادية عشرة: في حديث بريدة (ثم ادعهم إلى أن يتحولوا إلى دار المهاجرين) طالبهم
بالهجرة، ثم نسخ ذلك بحديث معاذ حين أرسله إلى اليمن، فطالبهم بمجرد الإسلام، ويحتمل
أن يكون المطلوب بالهجرة الأعراب الذين لا قرار لهم دون غيرهم.
(١) (البخاري) الجهاد: باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثًا. (أبو داود) الجهاد: باب في
الإمام يقيم عند الظهور على العدو بعرصتهم. (النسائي في الكبرى) السير.
٣٢
:
كتاب السِّير/ باب ٤
هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَحَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ
رَخْصَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ في الغَارَةِ بِاللَّيْلِ وَأنْ يَبِيتُوا وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ
وَإِسْحْقُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُبَيِّتَ العَدُوْ لَيْلاً؛ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَافَقَ مُحمَّدٌ الخَمِيسَ؛ يَعْنِي بِهِ
الجيش.
٤ - باب في التَّحْرِيقِ وَالتَّخْرِیبِ
[المعجم ٤ - التحفة ٤]
١٥٥٢ - حقّدنا قُتَنِيَةُ، حَدِّثْنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِ لْ حَرَّقَ
نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على
أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيّ الفاسِقِينَ(١).
وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ
العِلْمِ إلى هذا وَلَمْ يَرَوْا بَأْسًا بِقَطْعِ الأشْجَارِ وَتَخْرِيبِ الحُصُونِ. وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ ذلِكَ وَهُوَ
الثانية عشرة: الذي للمهاجرين وهم الذين تركوا أوطانهم وسكنوا مع النبي وقد الإنفاق
عليهم بم أفاء الله عليه، والذي للأعراب هو إن قاتلوا أخذوا سهمهم وإلا فلا شيء لهم من
الغنيمة، ولا من الفيء.
الثالثة عشرة: قوله أيضًا في حديث بريدة: (فادعهم إلى الجزية) فهذا يدل على قبول
الجزية من كل مشرك، ولعلمائنا في ذلك قولان، وقال الشافعي: لا تقبل إلا من أهل لكتاب
كما ذكر الله في سورة براءة، وفي المجوس حديث عبد الرحمن بن عوف عن النبي (183، وقال
أبو حنيفة: تقبل من كل مشرك إلا من العربي، والمعنى فيه: أنه مَن وجد منهم مشركًا فهو مرتد
إذ قد عمهم الإسلام قبل موت الرسول.
الرابعة عشرة: قوله في حديث جبير: (محمد وافق) تصحيف، وإنما هو: (محمد وافى)
فأشكلت الياء على الكاتب فخطّها قافًا، فعزبت وتكلّف تفسيرها، ولا يتعلق به حكم.
باب التحريق والتخريب
ذكر حديث ابن عمر الحسن الصحيح (أن النبي ## حرق نخل بني النضير وقطع وهو
البويرة فأنزل الله ﴿ما قطعتم من لينة﴾ إلى ﴿الفاسقين﴾).
(١) (البخاري) التفسير: باب تفسير قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ نخلة ما لم تكن عجوة أو بَزنية.
من سورة الحشر. (مسلم) الجهاد والسُّيّر: باب جواز قطع أشجار الكفّار وتحريقها.
٣٣
کتاب السِّير/ باب ٥
قَوْلُ الأوْزَاعِيِّ. قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: وَنَّهَى أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ يَزِيدَ أنْ يَقْطَعَ شَجَرًا مُثْمِرًا أَوْ
يُخَرِّبَ عَامِرًا وَعَمِلَ بِذلِكَ المُسْلِمُونَ بَعْدَهُ. وَقَالَ الشّافِعِيُّ: لاَ بَأْسَ بِالتّخرِيقِ في أرْضٍ
العَدُوٌ وَقَطْعِ الأشْجَارِ وَالثِّمَارِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ تَكُونُ فِي مَوَاضِعَ لاَ يَجِدُونَ مِنْهُ بُدًّا.
فَأَمَّا بِالعَبَثِ فَلاَ تُحَرَّقْ. وَقَالَ إِسْحَقُ: التَّحْرِيقُ سُنَّةٌ إِذَا كَانَ أَنْكَى فِيهِمْ.
٥ - باب مَا جَاءَ في الغَنِيمَةِ
[المعجم ٥ - التحفة ٥ ]
١٥٥٣ - عقدنا مُحمِدُ بْنُ عُبَيْدِ المُحَارِبِيِّ، حَدِّثْنَا أَسْبَاطُ بْنُ محمدٍ عَنْ سُلَيْمانَ
التَّيْمِيِّ عَنْ سَيَّارِ عَنْ أَبِي أُمَامَّةَ عَنِ النّبِيَِِّ﴿ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَنِي عَنِ الأنْبِيَاءِ». أَوْ قَالَ:
(أُمَّتِي على الأُمَمِ، وَأَحَلَّ لَنَا الغَائِمْ)).
الأحكام: اختلف العلماء في تحريق بلاد العدو وهدمها على أقوال: الأول: أنه جائز، وبه
قال أبو حنيفة والأوزاعي. وقال مالك في المدينة الثاني: إن ذلك بحسب رجاء المسلمين في
كونها لهم، قاله مالك في الواضحة وبه قال الشافعي.
الثالث: أنها لا تحرق ولا تهدم، قاله الليث والأوزاعي في قول، وحكم بالكراهية فيه.
(١)
قال ابن العربي(١).
العارضة: في إحداهما الأموال، ونقول: إن نحرق فقد حرق رسول الله* وإن نتوقف
فقد توقف أبو بكر، وإنما حرقها النبي 1 إضعافًا لقلوبهم وتحسيرًا، وإن كان علم أنها له، فإذا
رأى الغازي ذلك في مثله فعله، وقد قيل: إنما حرقها النبي لأنه كانت تضرّه وتضيق عليه النزول
ومحاولة القتال، وهو: الرابع: أنها لا تحرف إلا لحاجة، قاله أحمد وهو الحق ألا تحرّق إلا
الحاجة إذا رجى الأخذ أو قطع عليه، وقد قال الشافعي: إنما نهى أبو بكر يزيد عن ذلك في بعثه
إلى الشام، لأن النبي 18 قد كان أخبر بأنها تفتح، وهذا يبطله حرق البويرة، ومهما حرقت
الديار فإن ذوات الأرواح لا تحرق، أمر رسول الله - حمزة الأسلمي على سرية وقال: ((إن
وجدتم فلانًا فأحرقوه بالنار)) فوليت، فناداني فرجعت فقال: ((إن وجدتموه فاقتلوه ولا تحرقوه،
فإنه لا يعذب بالنار إلا الله، وفي هذا نسخ الحكم قبل العمل به، وقد بيّنًا جوازه ووقوعه في
كتب الأصول خلافًا للمبتدعة والقدرية.
باب ما جاء في الغنيمة
رُوِيَ عن (أبي أمامة قال إن الله فضّلني على الأنبياء أو قال أمتي على الأمم وأحلّ لي الغنائم)
(١) هكذا بالأصل.
عارضة الأحوذي/ ج ٧/ ٢ ٣
٣٤
كتاب السّير/ باب ٥
وفي البَابِ عَنْ عَلِيَّ، وَأَبِي ذَرِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَسَيَّارٌ هذا يُقَالُ لَهُ سَيَّارٌ
مَوْلَى بَنِي مُعَاوِيَةً. وَرَوَى عَنْهُ سُلَيْمَانُ التِّيْمِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدْثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي
حُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: ((فُضِّلْتُ على الأنْبِيَاءِ بِسِتُّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ
بالرُّعْبِ، وَأُحِلْتْ لِيَ الغَنَّائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ
كَانَّةٌ، وَخُتِمَ بِيَ النُّّونَ)). هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن (أبي هريرة قال النبي ﴾ فضلت على الأنبياء بسِتُّ أُعطيت جوامع الكَلِم ونُصِرت بالرعب
وأَحِلْت لي الغنائم وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأُرسلت إلى الخلق كافّة وختم بي النبيون)
هذا حديث حسن صحيح.
الإسناد: قال ابن العربي: قد بيّنًا في مختصر النيّرين هذا الباب بغاية البيان، وأوضحنا
خصائص محمد ومكارمه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة أمهاتها: الأول: هو الذي ذكر أبو
عيسى عن أبي أمامة، الثاني: حديث جابر «أُعطيت خمسًا)، الثالث: حديث أبي هريرة، الرابع:
حديث حذيفة، وكلها في الصحيح إلاّ حديث أبي أمامة وهو صحيح، وجملة الفضائل المذكورة
فيه عشر: أُوتيت جوامع الكَلِم، نُصِرتُ بالرعب، بُعِثتُ إلى الكافة، ختم بن النبيُّون، جُعِلَت لي
الأرض مسجدًا وطهورًا. وفي مسلم عن حذيفة: وجعلت تربتها طهورًا، أُعطيت الشفاعة،
فُضُلتُ على الأنبياء، أو فُضِّلت أَمتي على الأمم. قال ابن العربي: كلا الفضلين قد حصلا، فهي
إحدى عشرة فضيلة، والحمد لله.
الأحكام: فيه مسائل: الغنيمة كل ما أُخِذَ قهرًا بإيجاف الخيل أو الركاب عليه عربية
وشرعًا، قال النبي #: «كان من قبلنا إذا غنموا جمعت فنزل عليها نار من السماء فأحرقتها،
رأى الله ضعفنا وعجزنا فأحلّها لنا، ولم تحل لأحد سود الرأس قبلنا)).
الثانية: واختلف في تسميتها بذلك من جهة عبارات الفقهاء، فقالوا: إن الغنيمة من الأموال
المنقولة، والفيء الأرضون، قاله مجاهد. وقيل: الغنيمة ما أُخِذ عنوة والفيء ما أُخِذ صلحًا،
قاله الشافعي، وقيل: هما بمعنى واحد، وصار إلى ذلك مجاهد لما رأى الله ذكر الفيء في
القرآن، وذكر الغنيمة مطلقًا، وهذا لا يصح، وإنما سمّى الله به ما لم يوجف عليه، واحتجّ
الشافعي بأن تفرقته عُرفًا، ولا عُرف فيه بل الكل فَيْء وغنيمة تختلف أحكامه بحسب اختلاف
أسبابه.
٣٥
كتاب السير/ باب ٦
٦ - باب في سَهُم الخَيْلِ
[المعجم ٦ - التحفة ٦]
١٥٥٤ - حدثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِيُّ وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةً قَالاَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ
أخْضَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَسَمَ فِي النّفْلِ
لِلْقَرَسِ بِسَهْمَيْنِ وَلِلرَّجُلِ بِسَهْمٍ (١).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدْتَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ أَخْضَرَ نَحْوَهُ.
وفي البَابِ عَنْ مُجَمِّعٍ بْنِ جَارِيَةً وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنٍ أَبِي عَمْرَةً عَنْ أَبِيهِ. وهذا
حَدِيثُ ابْنٍ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَّنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ
أَصْحَابِ النّبِيِّ وَ ﴿ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَالأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنٍ
المُبَارَكِ وَالشّافِعِيِّ، وَأَحْمّدَ وَإِسْحَقَ قَالُوا: لِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمِ سَهُمْ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ،
وَلِلرَّاجِلِ سَهُمْ.
الثالثة: حكم الله في الغنيمة بحكمه، فأعطى خُمسها لغير مَن أخذها وأبقى سائرها لمَن
غنمها، وقد بيّنًا ذلك في كتاب الأحكام بيانًا شافيًا فيه فلينظر فيه إذ لا نطول في هذه
العارضة. بيّنًا فيه أحكام الخمس، فأما الأربعة الأخماس فهي لمَن غنمها تقسم بينهم على
السواء المحدود شرعًا: (وللفرس سهمان، وللرجل سهم)، فتعد خيل العسكر ورجاله ويعطى
للفرس سهمين وللرجل سهمًا، فيجمع للفارس ثلاثة أسهم، وقد روى أحمد بن حنبل: حدّثنا
أبو معاوية، أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله## أسهم لرجل ولفرسه
ثلاثة أسهم: سهمًا له وسهمين لفرسه. وجه الحجة الردّ على أبي حنيفة ومَن اغترّ من علمائنا
فقال: لا تفضل البهيمة على الآدمي، قلنا: يظهر فضل الآدمي وعناؤه بالبهيمة، فنسب الفعل
إليها تحريضًا عليها، وإنا فضله لم يحتاج إليه من المؤنة فعناؤه أكثر ومؤنته أعظم، والرجل
وإن اعتر فإن القليل يكفيه. وقد روى عبيد الله بن عمر هذا الحديث عن نافع فقال: للفارس
سهمان وللراجل سهم، وعبيد الله أحفظ من عبد الله، وروى أبو داود وغيره عن مجمع أنه
جعل للفارس سهمين وهو وهم عظيم، فإنه قال فيه: مائة فارس، وكانوا مائتي فارس. وقد
ذهب الأوزاعي في أحد قوليه والليثي إلى أن يجعل للبرذون سهم النجيب، ويتعلقان في ذلك
بأمور أقواها أن عمر أجازها للمنذر بن خميصة حين بلغه، والآثار في ذلك ضعيفة والنبي عليه
السلام لم يفرق بينها.
(١) (مسلم) الجهاد والسّيّر: باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين.
٣٦
كتاب السِّير/ باب ٧ و٨
٧ - باب مَا جَاءَ في السَّرَايَا
[المعجم ٧ - التحفة ٧]
١٥٥٥ - حققنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيِى الأزْدِيُّ البَصْرِيَّ وَأَبُو عَمَّارٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا:
حَدِّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ه: ((خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ
السِّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلاَفٍ وَلاَ يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِن قِلَّةٍ(١).
هذا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ لاَ يُسْنِدُهُ كَبِيرُ أَحَدٍ غَيْرُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَإِنَّمَا رُوِيّ هذا
الحَدِيثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِّ :﴿ مُرْسَلاً. وَقَدْ رَوَاهُ حَبَّانُ بْنُ عَلِيَّ العَنَزِيُّ عَنْ عُقَيْلٍ عَنٍ
الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِِّ ﴿، وَرَوَاهُ اللَّيْتُ بْنُ سَعْدٍ
عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيُّ عَنِ النَّبِّ ◌ِ﴿َ مُرْسَلاً.
٨ - باب مَنْ يُعْطَى الفَيْءُ
[المعجم ٨ - التحفة ٨]
١٥٥٦ - عقدنا قُتَيْبَةُ، حَدْثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ أبيهِ عَنْ
يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ أَنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ كَتَبَ إلى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْألُهُ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴾﴿ يَغْزُو
الرابعة: وسواء كان جيشًا أو سرية، وحدّ السرية واحد إلى أربعمائة وما وراء ذلك جيش.
وروى أبو عيسى: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن
تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة)، وهو حديث مرسله عن الزهري أصح من مسنده، والمعنى فيه أن
الواحد شيطان والإثنان شيطانان والثلاثة ركب، لأنهما إذا كانا اثنين وافترقا في حاجة بقي
رحلهما وحده، وإذا كانا ثلاثة بقي الثالث على المنزل وربما احتاج أحدهما في مشي فيه إلى
العون، فكان كما لهم في أربعة. وأما فضل الأربعة فإنها أول الزايد على حدّ الكثرة باتفاق وهي
الثلاث مائة، وكذلك في الجيوش، وأما تفضيل الإثني عشر ألفًا فلأن أفضل الجيوش أربعة آلاف
وأقل التضعيف مرتان، فإذا كانت ثلاثًا كان في حدّ الكثرة فضمنت له النصرة بصحة النيّة، وهو
کان مدد النبي ټ#ے أو نحوه.
الخامسة: لا سهم للمرأة، للحديث الصحيح عن ابن عباس أن النبي وَلو لم يكن يسهم
لهنّ، وبه قال عامّة الفقهاء إلا أن الأوزاعي روى أن النبي عليه السلام أسهم لمَن حضر خيبر
(١) (أبو داود) الجهاد: باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا.
٣٧
کتاب السِّير/ باب ٨
بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمِ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْألُنِي هَلْ كانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ وَكَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ المَرْضَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الغِنِيمَةِ، وأمَّا
بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَّهُنَّ بِسَهْمٍ (١).
وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ وَأُمْ عَطِيَّةً. وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ
أُكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْهُمُ لِلْمَرْأةِ
وَالصَّبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيّ.
قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: وَأَسْهَمَ النَّبِيُّ :﴿ لِلصِّبْيَانِ بِخَيْبَرَ وَأَسْهَمَتْ أَئِمَّةُ المُسْلِمِينَ لِكُلِّ
مَوْلُودٍ وَلَّدٌ في أرْضِ الخَزْبِ.
قَالَ الأوْزَاعِيُّ: وَأَسْهَمَ النَّبِيَِِّ لِلنَّسَاءِ بِخَيْبَرَ وَأَخَذٌ بِذلِكَ المُسْلِمُونَ بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا
بِذلِكَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأوْزَاعِيِّ بِهذا.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَيُحْذَيْنَ مِنَ الغَنِيمَةِ: يَقُولُ يُرْضَخُ لَهُنَّ بِشَيْءٍ مِنَ الغَنِيمَةِ يُعْطَيْنَ
شَيْئًا.
منهنّ، وأخذ به. وقد روى أبو داود الحديث، وقد رُوِيّ فيه: أسهم لهنّ تمرّا، والتمر طعام
يحتمل التفريق ولم يصح.
السادسة: هل يرضخ لهنّ؟ اختلف العلماء في ذلك، ولمالك قولان: أحدهما: لا يرضخ،
والصحيح الإرضاخ للحديث الثابت عن ابن عباس أن النبي * كان يحذي لهنّ منها، وقال ابن
خبيب: يسهم للمرأة إذا قاتلت، ولم يساعده عليه أحد وليس له معنى، لأن النادر في الجيش لا
يعوّل عليه، وإنما يرخص لهنّ لأن سفرهنّ للعدو جايز كما كان النبي 88* يحملهنّ يسقين الماء
(ويداوين الجرحى)، وردّه الأئمة كلهم.
السابعة: وكذلك لا يسهم لعبد، كما قال أبو عيسى عن فقهاء الأمصار، وقال سحنون:
يسهم للعبد إذا لم يقدر الأحرار على الغنيمة إلا بهم، وهذا ضعيف، فإنه يلزم أن يسهم لأهل
الذّة، وإن قاله فكيف يكون الذميّ شريكًا لله ولرسوله في استحقاق ما أخذ لإعلاء كلمة الله
(١) (مسلم) الجهاد والسُيّر: باب النساء الغازيات يرضخ لهنّ ولا يسهم والنهي عن قتل صبيان أهل
الحرب. (أبو داود) الجهاد: باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة. (النسائي في الكبرى)
السِّير: باب عن قتل النساء.
٣٨
کتاب السِّير/ باب ٩ و١٠
٩ - باب هَلْ يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ
[المعجم ٩ - التحفة ٩]
١٥٥٧ - حدثنا قُتَنِيَةُ حَدِّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفْضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أَبي
اللَّخْمِ قَالَ: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي فَكَلُّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَكَلَّمُوهُ أَنِّي مَمْلُوٌ.
قَالَ: فَأَمَرَنِي فَقُلِّدْتُ السَّيْفَ فَإِذَا أَنَا أُجُرُهُ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْبِيٌّ المَتَاعِ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ
رُقْيَةٌ كُنْتُ أَزْقِي بِهَا المَجَانِينَ؛ فَأَمَرّنِي بِطَرْحٍ بَعْضِهَا وَحَبْسٍ بَعْضِهَا (١).
وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ لاَ يُسْهَمُ لِلْمَمْلُوكِ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَّهُ بِشَيْءٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ.
١٠ - باب مَا جَاءَ في أَهْلِ الذَّمَّةِ يَغْزُونَ مَعَ المُسْلِمِينَ هَلْ يُسْهَمُ لَهُمْ
[المعجم ١٠ - التحقق ١٠]
١٥٥٨ - حدثنا الأنْصَارِيُّ حَدِّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ أبي
عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِيَارِ الأسْلَمِيّ عَنْ عُزْوَةً عَنْ عَائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ خَرَجَ إلى
بَذْرٍ حتى إذَا كانَ بِحَرَّةِ الوَبَرِ؛ لَحِقَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَذْكُرُ مِنْهُ جُزْأَةً وَنَجْدَةٌ. فَقَّالٌ
النَّبِيُّ ◌َهِ: ((تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ))؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: ((ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))(٢).
تعالى، وما روى أبو عيسى (عن عمير مولى أبي اللحم أن النبي صل## كلمه مواليه فقلّد السيف
بأمره، فإذا به قد جزّه، فأمر له بشيء من خرتي المتاع، يعني رديئه، وعرضت عليه رقية كنت
أرقي بها المجانين فأمره بإسقاط بعضها)، فإنما كان ذلك إرضاخًا لحضوره ومنزلة مواليه،
وكذلك ما رُوِيّ أن النبي # أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه، وقال: حسن غريب، وهذا إنما
هو محمول على الإرضاخ لو صح، فقد قدّم قبله (حديث الرجل الذي يذكر فيه نجدة وجرأة،
فقال له: (اذهب، فلن أستعين بمُشرِك)) وذلك عند خروجه إلى بدر)، وفي ذلك كلام طويل بيانه
في النيرين والمختصر.
(١) (أبو داود) الجهاد: باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة. (النسائي في الكبرى) الطب: باب
ذكر ما يرقى به المعتوه. (ابن ماجه) الجهاد: باب العبيد والنساء يشهدون مع المسلمين.
(٢) (مسلم) الجهاد والسِّيّر: باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر. (أبو داود) الجهاد: باب في المُشرِك=
٣٩
كتاب السُيّر/ باب ١٠
وفي الحَدِيثِ كَلاَمٌ أَكْثَرُ مِنْ هذا.
هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ قَالُوا: لاَ يُسْهَمُ
لأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَإِنْ قَاتَلُوا مَعَ المُسْلِمِينَ العَدُوَّ.
وَرَأَى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ؛ أنْ يُسْهَمَ لَهُمْ إِذَا شَهِدُوا الْقِتَالَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَيُرْوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ أَسْهَمَ لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ قَاتَلُوا مَعَهُ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ
قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. أخْبَرَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُزْوَةً بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الزُّهْرِيّ.
١٥٥٩ - حقثنا أبو سَعِيدِ الأشَجُّ حَدْثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ حَدَثَنَا بُرَيْدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أبي بُرْدَةً عَنْ أبي مُوسَى قَالَ: قَدِمْتُ على رَسُولِ اللَّهِ وَل
فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ خَيْبَرَ فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا (١).
هذا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ.
قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: مَنْ لَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ قَبْلَ أنْ يُسْهَمَ لِلْخَيْلِ أُسْهِمَ لَهُ، وَبُرَيْدٌ يُكْنَى أَبَا
بُرَيْدَةَ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وَرَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُبَيْنَةً وَغَيْرُهُما.
الثامنة: فيه جواز رقية العبد الصغير فضلاً عن الحرّ.
التاسعة: جواز إعطاء الصبيان، ولا يسهم لهم، إلا أن مالكًا قال إذا إطاق القتال أسهم له،
قال محمد: إن قاتل، وقال ابن حبيب: إن أثبت وهو قول، لأن الإثبات بلوغ عنده، وكذلك
عندي، وخمسة عشر عامًا بلوغ أيضًا، وما زاد على ذلك لا حدّ له، ولا دليل عليه.
العاشرة: ذكر أبو عيسى (حديث أبي موسى: قَدِمت على النبي * في نفر من الأشعريين
خيبر فأسهم لنا مع الذين افتتحوها)، حديث حسن صحيح غريب. وقد اختلف الناس فيمن لم
يشهد الوقعة هل يأخذ من الغنيمة؟ (فقال الأوزاعي: إن جاء قبل أن يسهم للخيل أسهم له)،
وقال أبو حنيفة: إن جاء قبل أن تحمل الغنيمة إلى دار الإسلام لم يسهم له، وقال علماؤنا: إن
جاء بعد أن تقضي الحرب لم يسهم له، وهو الصحيح، فإن من لم يحضر الوقعة ليس بغانم
حقيقة فلا يسهم له حقيقة، وإنما أسهم النبي عليه السلام للأشعريين في خيبر لأحد وجهين: إما
لأن خيبر لم تقسم، أو إنما ضرب لهم في الخمس لحاجتهم، وقد بيّا ذلك في شرح الحديث.
يُسهم له؟ (النسائي في الكبرى) باب ترك الاستعانة بالمشركين في الحرب. (ابن ماجه) الجهاد:
=
باب الاستعانة بالمشركين.
(١) (البخاري) المغازي: باب غزوة خيبر. (أبو داود) الجهاد: باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له.
٤٠
كتاب السِّير/ باب ١١
١١ - باب مَا جَاءَ في الإِنْتِفَاعِ بِآنِيَةِ المُشْرِكِينَ
[المعجم ١١ - التحفة ١١]
١٥٦٠ - حدّثنا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطّائِيُّ. حَدَثْنَا أَبُو قُتَيْبَةً مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
عَنْ أَيُوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ لِلَه عَنْ قُدُورٍ
المَجُوسِ، فَقَالَ: (أَنْقُوهَا غَسْلاً وَاْبُخُوا فِيهَا))، وَنَهَى عَنْ كُلِّ سَبْعٍ وَذِي نَابٍ(١).
وَقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةً. وَرَوَاهُ أَبُو إِذْرِيسَ
الخَوْلاَئِيُّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةً وَأَبُو قِلاَّبَةً لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ إِنَّمَا رَوّاهُ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ
أبي ثَعْلَبَةَ. حَدَّثَنَا هَنَادٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ
يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِذْرِيسَ الخَوْلاَنِيُّ عَائِذُ اللَّهِ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أُبَا
ثَعْلَبَةَ الْخُشُنِيَّ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمِ أهْلِ كِتَابٍ
تَأْكُلُ فِي آَنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: ((إنْ وَجْدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلاَ تَأْكُلُوا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا
وَكُلُوا فِيهَا)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
باب الانتفاع بآنية المشركين
ذكر فيه حديث أبي ثعلبة من طريقين: الأولى: أنه (سُئِلَ عن قدور المجوس فقال: «أنقوها
غسلاً واطبخوا فيها))، وعن كل سبع ذي ناب) وذكر في الطريق. الثانية: (أتيت رسول الله الخوي
فقلت: إنّا بأرض قوم أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: ((إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها،
فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها)))، وذُكِرَ أن الأول مقطوع والثاني حسن صحيح.
العارضة: أما آنية المجوس فواجب غسلها لأنهم يأكلون الميتة فلا يقرب لهم طعام، وأما
غسل آنية أهل الكتاب ونحن نأكل طعامهم فمفتقر إلى تفصيل، أما آنية لا يوضع فيها في العُزف
شرب فلا يلزم غسلها، وكذلك آنية شربنا فيه شرابهم لا نغسلها بعد ذلك، وأما آنية يحتمل أن
يضعوا فيها طعامًا أو شرابًا أو يكون مخصوصًا بشرابهم فلا نقربها حتى نغسلها، فقد قدّمنا في
صدر الكتاب، وقد أكل النبي عليه السلام طعام اليهودية، وأن عمر توضأ من جرّة نصرانية،
ولعل هذا الغسل هاهنا محمول على الندب لأنه لم يأمن أن يكونوا غير بصراء بهذا التقسيم،
والله أعلم.
(١) سيأتي عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن أبي ثعلبة رقم (١٧٩٨).