النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
کتاب الأحكام/ باب ٣٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: الإقطاع هو الهبة التي قطع حظ الشريك بها، وذلك أن الشركة عامة بين
جميع المسلمين، فقطع الإمام شركتهم فيها وأفرده بها، فهو نوع من الهبة يفتقر إلى القبض،
وهي :
الثانية: ولذلك أرسل النبي 98 معاوية مع وائل بن حجر ليقطعها له، ولم يذكر في حديث
بلال ذلك لأنه إذا سار إليها وصارت في قبضته كان ذلك مضاء فيها وإلزامًا لها.
الثالثة: قال بعضهم انتزاع النبي وهو ما كان أقطع للأبيض دليل على أن هبة المجهول لا
تجوز، وقد اختلفت الرواية فيها عن مالك كاختلاف الناس.
الرابعة: مسألة الحمى، وهو دليل لمالك وأبي حنيفة، وقال الشافعي: لا يحمى، لما روى
المصعب بن جئامة أن النبي * قال: «لا حمى إلاّ لله ولرسوله»، قلنا لم يحم الله ورسوله
لأنفسهما، وإنما أحمى لمنافع المسلمين العامة، فكان الإمام فيها خليفة الله ورسوله، والنكتة في
ذلك أن الإمام نائب المسلمين والحمى لحيوان المسلمين، فيرعى المال المشترك في النبت
المشترك على الاختصاص، وما وراءه لمَن وراءه من الأموال، ولذلك قال الشافعي في الذي
ينبت في أرض الرجل من الحشيش: إنه له، وقال أبو حنيفة: ليس له، ولمالك القولان،
والصحيح أنه له لأنها من ملكه فأشبه الشجر والصوف، وقد قال النبي وله: ((الناس شركاء في
ثلاث: الماء والكلأ والنار))، قلنا: محمله على النابت في الأرض المباح كما حملناه في المال
على ما لم يكن في ذلك المرء.
الخامسة: إذا كان له الأرض التي لا ربّ لها بالإحياء إن باد أهلها فهل يكون له الحيوان
الذي سلْمه أهله وتركوه بمضيعة فقام عليه حتى أحياه؟ قال أحمد: هو له، لأن أبا داود خرّج
حديثًا أن: ((من أحيا حسيرًا فهو له)) مرسلاً، وخرّجه الواقدي وغيره، وهو أحد قولي مالك
وهو الصحيح، فإنه لو تركه لغيره بقوله: ((فقبضه) كان له، فكذلك إذا تركه بفعله ما لو كان
بغير اختياره كعطب البحر والسلب فإنه له، وعلى جالبه كراء مؤنته، ولقد بالغ عبيد الله بن
الحسن العنبري قاضي البصرة فقال: لو ألقى نواة ثم قال: لم أبحها للناس، حلف وأخذها،
وهو رجل جاهل لا يلتفت إليه ولا يعدّ خلافه، ولكنه لمّا وُلِّيَ واحتاج الناس إليه نقلوا
خلافه، كما أن بني يزيل لمّا استقلوا بأبي بكر بن داود الضالّ أشاع بدعته وأظهر مذهبه،
فأدخله الناس، ولا يحلّ لأحد أن يذكره لضلاله إلا أن تدعو إلى ذلك حاجة، وهذا لا جواب
عنه .

١٢٢
كتاب الأحكام/ باب ٤٠ و٤١
٤٠ - باب ما جَاءَ في فَضْلِ الغَرْسِ
[المعجم ٤٠ - التحفة ٤٠]
١٣٨٢ - عقدنا قُتَيْبَةُ، حَدْثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِِّوَ لَّ قَالَ:
(مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، أَوْ طَيْرٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إلاَّ
كَانَتْ لَهُ صَدَقَّةٌ)(١).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَجَابٍِ وَأُمِّ مُبِشِّرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٤١ - باب مَا ذُكِرَ في المُزَارَعَةِ
[المعجم ٤١ - التحفة ٤١]
١٣٨٣ - حقثنا إِسْحَقُ بْنُ مَنصُور. أخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ
نَّافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّ النّبِيِّ ◌َ﴿ عَامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أوْ
.(٢)
◌َزْع (٢).
باب فضل الغرس
ذكر حديث (أنس بن مالك ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو
طير أو بهيمة إلا كانت له حسنات يوم القيامة) حسن صحيح.
العارضة الجامعة: من فضل الله سبحانه وتعالى على العبد أنه الذي يخلق فعله ويعطيه عليه
أجره، ومن مزيده أنه يأجره على ما يباشر وعلى ما اتصل بفعله المباشر، ومن تمام نعمته أنه
بأجره على مّن يقتدي به كما يأجره على ما باشره، ومن واسع كرمه أنه يأجره على ما كان بعد
حياته كما يأجره على ما كان فيها، وذلك في أشياء: صدقة جارية، وعلم علّمه، وولد صالح
يدعو له، غرس زرع المرابط، ينمى له عمله إلى يوم القيامة، خرّجها الأئمة كلها. وخرّج الأخير
أبو عيسى وقال: حسن.
باب المزارعة
ذكر حديث (ابن عمر أن النبي # عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو
(١) أخرجه البخاري في: ٤١ - كتاب الحرث والزراعة، ١ - باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه،
حديث رقم ١١٥٧. أخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث رقم ١٢.
(٢) أخرجه البخاري في: ٤١ - كتاب الحرث والمزارعة، ٨ - باب المزارعة بالشطر، حديث رقم=

١٢٣
كتاب الأحكام/ باب ٤٢
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابٍِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ
مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ :﴿ وَغَيْرِهِمْ. لَمْ يَرَوْا بِالمُزَارَعَةِ بَأْسَّنا على النَّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ.
وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ البَذْرُ مِنْ رَبِّ الأرْضِ. وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحُقَ. وَكَرِهَ بَعْضُ
أهْلِ العِلْمِ المُزَارَعَةَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَلَمْ يَرَوْا بِمُسَافَاةِ النَّخِيلِ بِالثُّلْثِ وَالرُّبُعِ بَأْسًا. وَهُوَ
قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشّافِعِيِّ. وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ أنْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنَ المُزَارَعَةِ، إلاَّ أنْ
يَسْتَأْجِرَ الأرْضَ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ.
٤٢ - باب مِنَ المُزَارَعَةِ
[المعجم ٤٢ - التحفة ٤٢]
١٣٨٤ - حدثنا هَنَّدٌ. حَدْثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ. عَنْ أبي حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنْ أَمْرِ كَانَ لَنَا نَافِعًا. إِذَا كَانَتْ لِأَحَدِنَا
أَرْضِ أنْ يُعْطِيَهَا بِبَعْضٍ خَرَاجِهَا أوْ بِدَرَاهِمَ. وَقَالَ: ((إِذَا كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ أَرْضٌ فَلْيَمْنَحْهَا
أَخَاهُ أوْ لِيَزْرَعْهَا)»(١).
زرع) قال الإمام الحافظ. هذا باب شرح فيه أبو عيسى المساقاة بالمزارعة وأدغمها فيها.
والمساقاة، وهي:
المسألة الأولى: أصل مستثناة من الإجارة بالعوّض المجهول المترقب وجوده للضرورة
الداعية إلى ذلك، وجوّزها الخلق إلا أبا حنيفة وهو مردود بإجماع الصحابة والتابعين الذين ليس
هو منهم وإن كان قد أدرك زمانهم ويفعل النبي وَالر بها.
الثانية: وهي عامّة في كل شجرة لها ثمرة، وقال الشافعي في جديد قوله: لا تجوز إلا في
النخل والكرم لأنها رخصة فوقفت على المورد، قلنا: لم يكن لليهود كرم وقال بعض السخفاء:
١١٣٥. وأخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث رقم ١.
=
(١) قال الحافظ في (الفتح): وأما ما رواه الترمذي من طريق مجاهد عن رافع بن خديج في النهي عن
كراء الأرض ببعض خراجها أو بدراهم، فقد أعله النسائي بأن مجاهدًا لم يسمعه من رافع. قال
الحافظ: وراويه أبو بكر بن عياش، في حفظه مقال. اهـ. وقد روى مسلم وغيره هذا الحديث
بألفاظ مختلفة، بعضها مختصرة وبعضها مطوّلة. أخرجها في: ٢١ - كتاب البيوع، حديث رقم
١١٠، ٠١١٢٠١١١

١٢٤
كتاب الأحكام/ باب ٤٢
١٣٨٥ - حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. أخْبَوَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى الشَّيْبَانِيُّ. أُخْبَرَنَا
شَرِيكُ عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
لَمْ يُحَرِّمِ المُزَارَعَةَ. وَلَكِنْ أَمَرَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَغْضٍ (١).
إنها لا تجوز إلا في النخل وحده، قلنا له وافهموا هذا: لم؟ قال: لأن النبي ﴿﴿ إنما ساقى في
النخل، قلنا له: ولليهود، ونحن لا نقول إلا ما قال الله ورسوله ولا نصنع إلا ما صنعوا، فإن
أراد أن يتكلم بكلمة من غير ما قال الله فلا تفاتحوه فيها، فإنها نظر واجتهاد، وهو إنما يريد
النص وليس يوجد نص إلا في النخل مع اليهود بخيبر، فإنما يجوز هكذا وهو النص وسواه
قیاس واجتهاد ونحن لا نقول به، فيخسا ويخزى.
الثالثة: مزارعة الأرض. وقد اختلف الناس فيها اختلافًا كثيرًا فمنهم من أنكر الكِراء في
الأرض، ومنهم مَن جوّز بالجزء مما يخرج منها، ومنهم مّن جوّزه بجزء معلوم كان يخرج
منها أو لا يخرج، ومنهم مَن جوّزه بغير ما تنبت من الأموال، وكلّ ذلك لا يصحّ منه حال
إلا وجهان: أحدهما: منع كرائها لحديث رافع بن خديج، أو كراؤها على الإطلاق. فأما
حديث رافع وغيره من منع كرائها فقد عارضه أنهم كانوا يكرونها على ما بيّاه في الكتاب
الكبير، وقد يحتمل أن يكون نهي النبي وَلّر عنها رفقًا لهم، فقد يأتي الأمر على الرفق
والمشورة، ويأتي الأمر على الندب، وإنما يكون كل واحد منهما يقتضي حكمه من التحريم
والإيجاب إذا اقترن به الذمّ والوعيد، هذا لسان العرب الذي نزل القرآن به. وكان كلام مبلغه،
وقد قال الله تعالى مخبرًا عن فرعون ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون﴾
[الأعراف: ١١٠] وهو كان الإلله وهم العبيد، ونهى النبي 8ر عن بيع الثمار قبل أن يبدو
صلاحها بالمشورة لهم، هذا نص البخاري في هذا الحديث، ولم يكن ذلك بالأمر الجازم
أولاً، كان هذا بالنهي المحرم، وقد ثبت (أن النبي # لم يحرّم المزارعة ولكنه أمر أن يرفق
بعضهم ببعض)، أخرجه أبو عيسى حسن صحيح، وثبت أن النبي ◌ّالقر عاملهم على أن يأبروا
ويعمروا ويزرعوا ولهم النصف، فلا تطلبوا أثرًا بعد عين، وهو رأيي واختياري في الشجر
والأرض، وبذلك أقول وهو الذي أفعل في أرضي ومالي، والله الموفق والمخلّص لالتزام
أوامره واجتناب نواهيه وقبول رخصه التي يجب أن تؤتى كما تؤتى العزائم، وما أحسن هده
الله وهداه، والله يبلغنا منهما ما يرضاه.
الرابعة: إذا تبيّن أن العامل لص أو ظالم قال علماؤنا: يتحفّظ منه ولا تنفسخ الإجارة،
وقال الشافعي: يُقام غيره مقامه، وكذلك قال مالك في القراض إذا مات العامل ولم يكن ورثته
(١) أخرجه البخاري في: ٤١ - كتاب الحرث والمزارعة، ١٨ - باب ما كان من أصحاب النبي
يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمرة، حديث رقم ١١٦٤.

١٢٥
کتاب الأحكام/ باب ٤٢
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَحَدِيثُ رَافِعٍ فِهِ اضْطِرَابٌ. يُزْوَى هذا
الحَدِيثُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ عُمُومَتِهِ. ويُرْوَى عَنْهُ عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ، وَهُوَ أَحَدُ
عُمُومَتِهِ. وَقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عَنْهُ على رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وفي البَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
أُمناء فإنهم يأتون بأمين، وهذا مثله إذا لم يعلم المالك حاله فإنه عيب حدث في المبيع إذا اطلع
عليه مع إمكان الخلاص منه.
عارضة الأحوذي/ ج ٦/ م ٢٥

ـدرَه الرحمن الرحيم
بـ
١٤ - كتاب الدّيات
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
١ - بلب مَا جَاءَ فِي الدِّيَّةِ كَمْ هِيَ مِنَ الإبِلِ؟
[المعجم ١ - التحفة ١]
١٣٨٦ - عقدنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ الكِنْدِيُّ الكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أبي زَائِدَةَ عَنِ
الحَجَّاجِ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ خَشْفٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ:
أبواب الذّيات
قال الإمام الحافظ: جمع أبو عيسى في الدّيات والقصاص في باب، وبدأ بالدّية اقتداء
بالبخاري، وأظن ذلك أنها خصيصة هذه الأمة، إذ كان القصاص في الأمم ولم تكن الدّية إلا في
أمة محمد، أكرمه الله بها تخفيفًا عنها ورحمة كما أخبر في كتابه العزيز الكريم، وللدماء حُرمة
عظيمة وسفكها ذنب عظيم، وهو الذي ضجّت منه الملائكة ورفعت قولها إلى الله سبحانه فقالت
له: ﴿أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما
لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠] وقد بيّاها في كتاب التفسير. قال أبو عيسى عن عبد الله بن عمرو
عن النبي : ((لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم))، ورُوِيّ عن أبي سعيد وعن
أبي هريرة عن رسول الله ﴾ أنه قال: ((لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مسلم
لأكبّهم الله في النار))، وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله ص#4* قال: ((أول ما يحكم به العباد في
الدماء، وخرّجه البخاري بلفظ: ((يقضى))، وخرّج أيضًا قول النبي وَلّ عن عبد الله: أيّ الذنب
أعظم؟ قال: ((أن تدعو الله ندًا وهو خلقك))، قلت: إن ذا لعظيم، ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك

١٢٧
كتاب الديات/ باب ١
قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي دِيّةِ الخَطَّإِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا
وَعِشْرِينَ بِئْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ جَذَّعَةً وَعِشْرِينَ حِقْةٌ(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو أخْبَرَنَا أَبُو هِشَامِ الرُّفَاعِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ أبي
زَائِدَةَ وَأَبُو خَالِدِ الأخمَرُ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ نخْوَهُ.
خشية أن يطعم معك))، قال: ((ثم أن تزاني حليلة جارك))، فأنزل الله ﴿والذين لا يدعون مع الله
إِلَهًا آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية.
حديث: رُوِيَ عن خشف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود قال: قضى رسول الله وَلو
في دية الخطأ أنها خمسة أخماس.
الإسناد: روى أبو داود عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه
(أن رسول الله 8 ** قضى أن مَن قتل خطأ فديته مائة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون
بني مخاض ذكورًا، وعشرون بنت لبون، وعشرون جذعة، وعشرون حقّة). أخبرنا ابن
المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا القاضي أبو الطيب، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا
الحسين بن إسماعيل، حدّثنا العباس بن يزيد، حدّثنا بشر بن المفضل، حدّثنا سليمان التيمي،
عن أبي مجلز، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: ديّة الخطأ خمسة أخماس: عشرون حقّة،
وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنو لبون ذكور. هذا
لفظه وهذا إسناد حسن، ورواته ثقاة. قال: وصحّ عن علقمة نحو هذا. وأما حديث الحجاج بن
أرطأة الذي روى أبو عيسى وغيره، فحديث ضعيف يأتي القول عليه، ورواه إبراهيم عن ابن
مسعود، وهو صحيح وإن كان مرسلاً من رواية إبراهيم النخعي، وكان القائل: إذا قلت لكم قال
عبد الله بن مسعود فهو عن جماعة من أصحابه عنه وإذا سمعته من رجل سمّيته لكم. وأما
حديث خشف قال الإمام الحافظ: قال لنا الشاشي: قال لنا الرازي الطائي فنسبه إلى طي: قال
الدارقطني: فلم يرو مرفوعًا إلا من حديث الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خشف،
وخشف مجهول لم يرو عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الجشمي، وأهل العلم بالحديث لا
يحتجون برواية فرد مجهول وإنما يكون معلومًا إذا كان يروي عنه رجلان فصاعدًا أو يكون عدلاً
مشهورًا، والحجاج مدلس، وذكر عيوبًا كثيرة، وذكر أن يحيى بن معين قال: لا يحتجّ مع
حديثه، مع أن الرواية عنه اختلفت عنه في تعديدها وصفتها، ويشبه أن يكون الحجاج فسّره
برأيه، وأيضًا فإنه قد رُوِيَ عن النبي ﴿ وعن جماعة من الصحابة من المهاجرين والأنصار في
(١) (أبو داود) ديات: باب الدية كم هي؟ (ابن ماجه) ديات: باب دية الخطأ. (النسائي) ديات: باب
ذكر أسنان دية الخطأ.

١٢٨
كتاب الذيات/ باب ١
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنٍ مَسْعُودٍ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيّ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إِلى هذا وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وإِسْحَقَ، وَقَدْ
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الدِّيَةَ تُؤْخَذُ في ثَلاَثِ سِنِينَ في كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَرَأَوْا أنَّ
دِيَةَ الخَطَّإِ على العَاقِلَةِ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ العَاقِلَةَ قَرَابَةُ الرَّجُلِ مِنْ قِبَلِ أَبِيِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا الدِّيَةُ على الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنَ العَصّبَةِ يُحَمَّلُ
كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رُبُعَ دِينَارٍ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ إلى نِصْفِ دِينَارٍ فَإِنْ تَمَّتِ الدِّيَةُ وَإلاَّ نُظِرَ إلى
أَقْرَبِ القَبَائِلِ مِنْهُمْ فَأَلْزِمُوا ذَلِكَ.
دية الخطأ أقاويل مختلفة لا نعلم أنه رُوِيّ عن أحد منهم في ذلك ذكر بني مخاض إلا في
حديث خشف بن مالك، وأما حديث محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه فإن محمد بن راشد ضعيف، انتهى كلام الدار قطني. قال الإمام
الحافظ: ورواية سليمان بن يسار عن النبي ##: أن دية الخطأ أخماس، وهو نقل أهل المدينة،
فبذلك يترجح أيضًا بأن ابن مخاض شيء لا يجب في الشرع في حكم، فكان ذكره وهمّا نقلاً
واجتهادًا، وتفسير الأسنان تقدم في الزكاة.
الأحكام: في سبع مسائل:
الأولى: القتل على قسمين باتفاق: عمد وخطأ، وهما معلومان. واختلف العلماء في قسم
ثالث وهو المسمّى بشبه العمد، فعن مالك نفيه، ورُوِيّ في إثباته، وبه قال أبو حنيفة والشافعي،
والأصل ببادىء النظر نفيه، لأن الخطأ لم يقصد الفاعل والعمد قصده واجتماعهما مُحال، لأنهما
ضدّان، ومَن أثبته تعلق بما روى أبو داود وغيره عن ابن عمر أنه وَه خطب يوم فتح مكة فقال:
((ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية من دم أو مال تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج
وسدانة البيت))، ثم قال: ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان السوط والعصي مائة من الإبل،
منها أربعون خلفة في بطونها أولادها». قال من أثبته: ومعنى تسمية شبه العمد أن الفعل به وجد
بقصد لكن ليس إلى القتل، وتخالف الخطأ المطلق لأنه نوى بالفعل سواه وقصد غيره، فنزل به.
وقد رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو أيضًا، ومعنى قوله مأثرة يعني مفعلة بضم العين من أثر
يأثر إذا ذكر الشيء وأخبر عنه، ويريد بذلك ههنا ما يخبر به مما يكون فيه فخر، وتقدّم على
الغير ومنه قول الحطيئة في عمر:
لكن لأنفسهم كانت بها الأثرُ
لم يأثروك بها إذ قدّموك لها
وكانوا إذا اجتمعوا في المناسك ذكروا فخر آبائهم وطلبوا أوتارهم، فقيل لهم: ﴿فإذا
قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وأخبرهم أن فخر

١٢٩
كتاب الدّيات/ باب ١
١٣٨٧ - حدثنا أحمَدُ بْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ. أخْبَرَنَا حَبَّانُ وَهُوَ ابْنُ مِلاَلٍ. حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ. أخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إلى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ
وَهِيَ ثَلاثُونَ حِمَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَأَزْبَعُونَ خَلِفَةً وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَّ لَهُمْ وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ
العَقْلِ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرو حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
الجاهلية ساقط، ووترها عفو سقوطًا ودروسًا، توطأ بالأقدام ولا ترفع ولا تذكر. وقوله: (سقاية
الحاج) يعني سقي الناس من زمزم و(السدانة) يعني مفتاح الكعبة، وكانت السقاية بيد بني هاشم
والسدانة بيد بني عبد الدار فأقرّهما الله سبحانه.
الثانية: غلط شبه العمد، لأنه زاد صفة على الخطأ فزاد صفة في الدّية حكمة بالغة.
الثالثة: أن الإبل والحيوان ثبتت في الذمّة وتحدّه الصفة خلافًا لأبي حنيفة، ولذلك قال:
الحوامل في بطونها أولادها»، وهي: الرابعة.
۔
الخامسة: قال أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد: هي أرباع، وقال أبو ثور: هي أخماس،
والحديث الذي تثبت به الصفة في القتل أولى أن تثبت به الصفة في الديّة.
السادسة: هذه الذّية التي زادت في القدر على دية الخطأ تسمى الدّية المغلظة، هي وسط
بين العمد والخطأ. وقال ابن القاسم: تكون في مال الجاني، وقال أشهب وعبد الملك: تحملها
العاقلة، فمَن نظر إلى الأول تعلق بصورة العمدية، فأخرجه عن الخطأ في صفتين: في التغليظ
والحلول في ملك الأب، ومَن نظر إلى أنه لم يجب فيه قَوَد حمله على دية الخطأ وجعله على
العاقلة .
السابعة: ذكر أبو عيسى في حديث محمد بن راشد عن عمرو بن شعيب: (فَمَن قتل
متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا أخذوا الدية وصالحوا عليه فهو لهم وذلك لتسديد
العقل). وقد ذكر هذا الحديث أهل الصحيح فقال النبي و 98: ((مَن قتل له قتيل فأهله بين
خيرتين: إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا، وذكر الحديث، وفيه ستة ألفاظ بيّنّاها في إملاء النيّرين
والصريح على الاستيفاء أن النبي # جعل الخيار لأولياء المقتول إن أحبّوا قتلوا وإن أحبوا
أخذوا الديّة وكان لهم الخيار، وبه قال الشافعي، ورواية أشهب عن مالك وبه قال أبو حنيفة لهم
(١) (أبو داود) ديات: باب ولي العمر يرضى بالدية. (ابن ماجه) ديات: باب من قتل عمدًا فرضوا
بالدية .

١٣٠
کتاب القپات/ باب ٢
٢ - بلب مَا جَاءَ فِي الدِّيَةِ كَمْ هِيَ مِنَ الدَّرَاهِم
[المعجم ٢ - التحفة ٢]
١٣٨٨ - هقثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُعاذُ بْنُ هَانِىءٍ. حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِم
الطّائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النِّبِيِّ ◌َ أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَّةَ اثْنَيَّ
عَشَرَ ألفًا (١).
١٣٨٩ - حقثئا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ. حَدْثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةٌ عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةٌ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وفي حَدِيثٍ
ابْنِ عُيَيْنَةَ كَلامٌ أَكْثَرُ مِنْ هذا(٢).
إلا القتل، فإن أرادوا الذّية فليس ذلك لهم إلا برضى القاتل، لأجل أن الله كتب القصاص في
القتل عمدًا كما كتب الذّية في الخطأ، والحديث مؤوّل باختلاف رواياته، والصحيح رواية
أشهب، لأن روايات الحديث منها ما يقتضيها وما يخرج عنها لا ينفيها، والمعنى يشهد لهما لأنه
عرض عليه بقاء نفسه بثمن مثله فلزمه قبوله والقضاء يقتضيه كما لو عرض عليه ماله في
المخمصة بثمن مثله.
باب الدّية كم هي من الدراهم
عكرمة عن (ابن عباس جعل النبي ) الذرية اثني عشر ألفًا).
الإسناد: قال أبو عيسى: الصحيح أنه عن عكرمة عن النبي # مرسلاً، وقد رواه أبو داود
عن عكرمة مسندًا، وذكر الدارقطني أن عمرو بن دينار قال عن سفيان: كان يقول لنا فيه: عن
عكرمة عن النبي، إلا مرة واحدة قال لنا عن عكرمة عن ابن عباس. وروى الدارقطني عن
عمرو بن شعيب قال: جعل نبي الله الذّية مائة من الإبل يقوم كل بعير ثمانين، فكانت الدّية
ثمانية آلاف، وجعل دية أهل الكتاب النصف من دية المسلمين، وكانت على عهد النبي قَ﴾
وأبي بكر فلما كان عهد عمر غلت الإبل فقوّمها مائة، فجعل الدّية اثني عشر ألفًا، وترك دية أهل
الكتاب وجعل دية المجوسي ثمانمائة.
(١) (أبو داود) ديات: باب الدية كم هي؟ (ابن ماجه) الديات: باب دية الخطأ. (النسائي) الديات: باب
ذكر الدية من الورق.
(٢) (أبو داود) ديات: باب الدية كم هي؟

١٣١
كتاب الدّيات/ باب ٢
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا يَذْكُرُ في هذا الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرَ مُحَمِّدِ بْنِ
مُسْلِم، وَالعَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلمِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ، وَرَأى
بَغْضُ أهْلِ العِلْمِ الدِّيَةَ عَشْرَةَ آلافٍ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَقَالَ الشافِيّ
لاَّ أَغْرِفُ الدِّيَّةَ إِلا مِنَ الإِبِلِ وَهِيَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ أَوْ قِيمَتُهَا.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: قال أبو حنيفة: الذّية عشرة آلاف بناء على أن دينار الزكاة عشرة، واستند إلى
رواية عن عمر فيها ولم تصح، وعمل أهل المدينة يقضي عليه نقلاً، والقياس معه، فإن دينار
الزكاة والسرقة عشرة دراهم. وقد غلط عبد الوهاب فظن أن دينار السرقة عنده اثنا عشر درهمًا
ولیس کذلك.
الثانية: قال الشافعي: الدّية الإبل، فإذا عدمت فقيمتها، وبذلك جرى العمل عند
الصحابة والتابعين أن تقوّم الإبل إذا عدمت، وقد سقناها في موضعها فإنه أمر طويل، وكذلك
فعل عمر لمّا عدمها قوّم، وهذا هو الأصل، فمَن ظنّ أن عمر قوّم ليجعله حدًّا فما يظن به
ذلك .
الثالثة: قد رُوِيّ في حديث عمر أنه قال: وقوّم على أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشّاء
ألفي شاة وعلى أهل الحلل ألفي حلّة، من طريق حسن المعلم، عن عمرو بن شعيب، ذكره أبو
داود وفيه: وبشيء من القمح ولا أعلم أحدًا قال به إلا محمد بن الحسن وصاحبه يعقوب، أما
إن أحمد وإسحق قالا ذلك في البقر والغنم، والذي عندي أنه إذا كانوا في بلد لا نقد فيه قُضِيَ
بقيمة النقد عوضًا.
الرابعة: قال أبو حنيفة: لا إبل في دية العمد، وبه قال سفيان، وأصل وضع الدّية
إنما هي في العمد وبذلك خصّ الله هذه الأمة، فأما الخطأ فلا طلب فيه على الجاني ولا
كلام، وإنما ذلك على العاقل حكمًا من الله وحكمة لتكون بدلاً جائزًا، ويكون القصاص
بدلاً زاجرًا، وبه يزع الخلق عن الاستطالة ويتحرّزوا في الاسترسال، لئلا يخطئوا. ويجب أن
ينظروا في الإبل، فإن لم توجد ففي النقد، فإن لم يوجد أخذ من كل أحد ما عنده،
وكذلك يقضي في سائر المتلفات، وبالجملة فحديث البقر والغنم والحلل والقمح حديث لم
يصح.

١٣٢
کتاب الذیات/ باب ٣
٣ - باب مَا جَاءَ في المُوضحة
[المعجم ٣ - التحفة ٣]
١٣٩٠ - هقثنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. أخْبَرَنَا حُسَيْنَ المُعَلِّمُ عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النِّيَّ وَ قَالَ: ((في المَّوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ))(١).
الموضحة
ذكر حديث (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي 18 قضى في المواضح خمس
خمس) حديث حسن، وخرّجه أبو داود. وخرّج مالك في الموطأ في كتاب عمرو بن حزم ((في
الموضحة خمس».
العربية: الشجاج الدامعة بالعين المهملة - الحارصة - الباضعة - المتلاحمة - السمحاق -
الموضحة - الهاشمة - المنقلة - الآمة - الدامغة - الجائفة - ويقال في الآمة مأمومة، ويقال في
السمحاق الملطاء، والدامغة الدامية. فأما الدامية فهي التي يظهر الدم معها، فإن سالَ فهي
الدامعة شبّه بالدمع لتساريه، والحارصة هي التي تحرص الجلد أي تشقّه، ومنه حرص القصار
الثوب، والباضعة التي تأخذ في اللحم فتفرق منه جزءين وإن خلا، فإن ساوت فهي المتلاحمة،
فإن بلغت إلى الجلد الذي على العظم فهي السمحاق، وهي الملطاء، فإن كشفت العظم فهي
الموضحة من وضح أي ظهر، فإن أثّرت فيه برض فهي الهاشمة، فإن كسرت منه شيئًا وتباين
فهي المنقلة، وإذا بلغت الدماغ فظهر منه شيء فهي الدامغة، الآمة، المأمومة، الجائفة، فهي
عشر في الحقيقة. واسم الشجة يختص بجرح الرأس، واسم الجرحة يعمّ الرأس والبدن، وقد
جاء في الحديث الصحيح: ((شجّك أو فلك أو جمع كلالك))، والشجّ في قول أهل العربية في
الرأس والفل في سائر الجسد.
الأحكام: في مسائل:
قدّر الله بدل النفس الجابر، وقدّر بدل بعض الجراحات سواها الواقعة في سائر البدن في
إتلاف العين والجمال وترك الباقي مسكوتًا عنه، ففي الآدمي دية، وقد فسرناها في كتب
المسائل، وأما الجراح: فالموضحة مقدّرة، وهي في الوجه والرأس كما قدّمنا، بيد أن مالكًا
قال: لا تكون في اللحى الأسفل ولا في الأنف، وقال الليث: الموضحة في الجسد كله سواء
اسمًا وحكمًا، أوضحت عن العظم، وقال الأوزاعي: هي في الجسد على نصف الموضحة في
الرأس، ولا حجة لها نصًّا ولا نظرًا، وما قال الليث هو الصحيح في الدليل لاقتضاء اللفظ له،
وقد رُوِيّ عن عمر بن الخطاب أنه جعل في موضحة كل عضو نصف عشر دية ذلك العضو،
(١) (أبو داود) ديات: باب ديات الأعضاء. (النسائي) ديات: باب حقل الأصابع.

١٣٣
کتاب الدّیات/ باب ٤
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ
سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ أنَّ في المُوضِحَةِ خَمْسًا مِنَ الإِلِ.
٤ - باب مَا جَاءَ فِي دِيَةِ الأصَابِعِ
[المعجم ٤ - التحفة ٤]
١٣٩١ - حقثنا أبُو عَمَّارٍ حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ
يَزِيدُ بْنِ عَمْرٍو النِّحْوِيَّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ وَلهُ: فِي دِیّةِ
الأصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ عَشْرٌ مِنَ الإِلِ لِكُلِّ أَضْعٍ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي الْبَابِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِن هذا الوَجْهِ
وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَهْلِ العِلمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحُقُ.
وإنما جعله إن كان ذلك صحيحًا كذلك، لأن النبي 8* لمّا قدّر في موضحة الرأس نصف عشر
ديته، حمل كل عضو عليه. قال الإمام الحافظ: إنما كان يكون هذا نظرًا لو قال النبي # في
موضحة الرأس خمس، ولم يقلها، وإنما قال: ((في الموضحة)) مطلقًا، وفي حديث: ((في
الموضح) ولم يخص، فدلّ على أن كل موضحة فيها عشر الدّية: خمس.
الثانية: لمّا قال النبي 98: ((في الموضحة خمس)) مطلقًا ولم يفرق بين أن يبرأ على شين
أو يبرأ مطلقًا، اختلف قول علمائنا فيها، وقال سليمان بن يسار: يُزاد في الشين نصف عقلها،
وهذا ليس بصحيح لأنه دعوى لا برهان عليها، والصحيح قول مالك أنه لا يُزاد فيها على قول
النبي * شيء، كما قال أشهب عنه، وقال الشافعي كما رواه ابن نافع: إلا أن يكون شيئًا بيّنًا،
ولا كما رواه ابن القاسم أنه يأخذ لشينه زيادة مقداره، ولو أخذ لزيادة قدّرها في الفتح والسعة.
باب دية الأصابع
ذكر حديث يزيد النحوي عن عكرمة عن (ابن عباس قال: قال رسول الله 348 في دية
الأصابع من اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل أصبع). وذكر حديث قتادة عن عكرمة
(١) (أبو داود) ديات: باب ديات الأعضاء.

١٣٤
كتاب الدّيات/ باب ٤
١٣٩٢ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدِّثْنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالاً
حَدِّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ لَّهِ قَالَ: ((هذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ))
يَعْنِي الخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(عن ابن عباس عن النبي : قال هذه وهذه سواء) يعني: الخنصر والإبهام. وقال في الأول:
حسن غريب، وفي الثاني: حسن صحيح، وصدق. خرّجه البخاري وغيره. والعارضة في ذلك
تبین في مسألتين:
إحداهما: أن الناس اتفقوا على ما تقدمت روايته في الأصابع إلا في الأولى، وهي أنه
رُوِيّ أن عمر بن الخطاب فاضل بينها في رواية لو صحّت لحكيتها مالها إلى تفضيل بعضها على
بعض وتقديم الإبهام وتجمع في الكل الآية كلها في اليدين، وهو قول لو صحّ خالف نص
الحديث الصحيح، فيجب أن يقدم الحديث الصحيح عليه.
الثانية: أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدّية، فإذا بلغته اعتبرت جراحاتها من ديتها، وبه
قال مالك والليث وعمر بن عبد العزيز وعطاء وقتادة. ورُوي عن ابن مسعود أن المرأة في الدّية
على النصف من الرجل، وهما في الجراح إلى السن والموضحة سواء، ثم يرجع بعد ذلك إلى
النصف، وقال زيد بن ثابت: تساوي المرأة الرجل في الدّية إلى الثلث، ثم تكون على النصف
من دية الرجل، وقال الحسن البصري: تعاقل المرأة الرجل إلى النصف من ديته ثم تعود إلى
النصف في جراحاتها من ديتها، ومطلع نظر كل فريق أن المرأة لمّا كانت على النصف من دية
الرجل وجب أن يكون جرحها على النصف من جرح الرجل في القليل والكثير كسائر الدّيات،
إلا أنه لمّا ورد قول النبي ﴾ مطلقًا في الموضحة: خمس من الإبل، وورد قوله: ((في كل
أصبع عشر من الإبل)) ولم يفرّق بين الذكر والأنثى في ذلك وجب اعتبار العموم، فإن اعتبر على
الإطلاق إلى أن تكون أصابعها تساوي نفسها، وذلك مُحال، فرجعنا إلى اعتبار جراحها من
ديتها، فإن قيل: فاعتبروها على الإطلاق من أول الحال، قلنا: يكون ذلك إسقاطًا للعموم من
كل جهة بالقياس، والأصح تقديم العموم عليه، فلما رأت الصحابة ذلك اعتبرت العموم حتى
بلغت الثلث، لأنه رأته في حدّ اليسير المعفو عنه في الممتنع، ومنهم مَن بلغ بالاعتبار إلى
النصف فرجحنا رأي مَن بلغ إلى الثلث من أربعة أوجه: أحدها: قول سعيد بن المسيب: هي
السنة، يعني أن تنقص جراح المرأة من جراح الرجل كما نقصت نفسها، خلافًا لأبي حنيفة
والشافعي، وهذا ينزل منزلة المسند إلى النبي # عندنا في الأحكام، وإن كان مرسلاً في
(١) (البخاري) الديات: باب دية الأصابع. (أبو داود) ديات: باب ديات الأعضاء. (ابن ماجه) ديات:
باب دية الأصابع. (النسائي) ديات: باب عقل الأصابع.

١٣٥
کتاب النبات/ باب •
٥ - باب مَا جَاءَ في العَقْوِ
[المعجم ٥ - التحفة ٥]
١٣٩٣ - عقدنا أحمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبي
إِسْحَقَ. حَدَّثَنَا أَبُو السَّفَرِ قَالَ: دَقْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ سِنَّ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ
مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لِمُعَاوِيَّةً: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ هذا دَقَّ سِنِّي. قَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ،
وَأَحَّ الْآخَرُ على مُعَاوِيَةً فَأَبْرَمَهُ فَلَمْ يُرْضِهِ، فَقَال لَهُ مُعَاوِيَةُ: شَأْنَك بِصَاحِبِكَ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ
جَالِسٌ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو الذَّرْداءِ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبي
يَقُولُ: ((مَا مِنْ رَجُل يُصّابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةٌ وَحَطٌّ عَنْهُ
بِهِ خَطِيئَةً)). قَالَ الأنْصَارِيُّ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ؟ قَال: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ
قَلْبِي. قَالَ: فَإِنِّي أَذَرُهَا لَهُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: لاَ جَرَمَ لاَ أُخَيْكَ، فَأَمْرَ لَهُ بِمَالٍ (١).
الحديث فهو مرسل عن النبي 18# سنة. الثاني: أنه قد رُوِيَ عن عمرو بن شعيب أن النبي ◌َ﴾و
قال: (تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث ديتها)). الثالث: أن النبي # قد سوى بين الذكر والأنثى في
دية الجنين، وأن الذّكر والأنثى يختلفان، وهذا أضعف وجوه الترجيح. الرابع: أن الأخوة للأم
قد استووا في الثلث فصار الثلث حدًّا يستوي فيه الذَّكَر والأنثى في الميراث، فجاز أن يستووا في
الجراحات.
باب ما جاء في العفو
ذكر فيه حديث (أبي السفر سعيد بن محمد الثوري أنه دق رجل من قريش سنّ رجل من
الأنصار فاستعدى عليه معاوية فقال معاوية إنّا سنرضيك وألح الآخر على معاوية فأبرمه فقال
معاوية شأنك بصاحبك فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله # يقول ما من رجل يصاب بشيء
في جسده فيتصدّق به إلا رفعه الله به درجة وحطّ عنه به خطيئة فقال الأنصاري أنت سمعته من
رسول الله ﴿ قال سمعته أذناي ووعاء قلبى قال فإني أذرها له قال معاوية لا جرم لا أُخييك وأمر
له بمال) قال أبو عيسى: غريب، ولا يعرف لأبي السفر سماع من أبي الدرداء.
العارضة: فيه أن العفو في الجراحات أصل في الدين حضّ الله عليه وندب عنه رسول
الله ◌َ*، قال: ﴿فَمَن تصدّق به فهو كفّارة﴾ [المائدة: ٤٥] وقد ذهل بعض المفسّرين عن هذه
الآية فقال: إن معنى ﴿فَمَن تصدّق به فهو كفّارة له﴾ أي: إذا تصدّق المجروح على الجارح غفر
(١) (ابن ماجه) ديات: باب العفو في القصاص.

١٣٦
كتاب الدّيات/ باب ٦
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ، وَلاَ أَغْرِفُ لأَبي
السَّفَرِ سَمَاعًا مِنْ أبي الدَّرْدَاءِ وَأَبُو السَّفَرِ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ وَيُقالُ ابْنُ مُحَمَّدٍ الثُّوْرِيُّ.
٦ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ رُضِخَ رَأْسُهُ بِصَخْرَةٍ
[المعجم ٦ - التحفة ٦]
١٣٩٤ - عقدنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، حَدِّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةً عَنْ
أَنَس قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أوْضَاحٌ، فَأَخَذَهَا يَهُودِيٍّ فَرَضَخَ رَأْسَها بِحَجَرٍ وَأَخَذَّ مَا
عَلَيْهَا مِنَ الحُلِيِّ قَالَ: فَأُدْرِكَتْ وَبِهَا رَمَقْ فَأَتِيَ بِهَا النَّبِيِّ وَهِ، فَقَالَ: ((مَنْ قَتَلَكِ أَقُلاَنٌ))؟
قَالَتْ بِرَأْسِهَا: لاَ، قَالَ: فَقُلاَنْ حتى سُمِّيَ اليَّهُودِيُّ، فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، قَالَ: فَأُخِذَ
فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ(١).
الله له، وهذا لم يقم عليه دليل فلا يجوز أن تتأوّل عليه الآية، لأنها دعوى على الله بما لم يخبر
به من فضله، وإنما المعنى أن المتصدّق والعافي يكون ذلك كفّارة له من ذنوبه، ونرجو أن يكفّر
عنه ذنوب ذلك العضو أصلاً، ويتفضّل الله بعد ذلك بما شاء من رحمته.
باب من رضخ رأسه بحجر
ذكر حديث الجارية التي قتلها اليهودي، وهو صحيح متفق عليه، فيه مسائل:
الأولى: سؤال الحاكم المجروح ما به إذا جاءه وليه أو أحد المسلمين حسبة، حتى يتحقّق
المدعى عليه فينظر فيه .
الثانية: قيام الإشارة مقام العبارة في فهم مراد المخاطب، وهذا إذا عجز عن الخطاب
لعذر، فإن قدر عليه لم تغنِ الإشارة في الحكم بأن ذلك إقدار عند أكثر الناس، والذي أراه أنها
والعبارة سواء، لأن حقيقة الرضى والكلام إنما هو في القلب، والعبارة والكناية والإشارة دليل
عليه.
الثالثة: صحة القصاص في القتل بالمثقل، وذلك أن أبا حنيفة حزّم قاعدة القصاص وأبطل
حكمة الزجر به عن انتهاك حرمة الدماء، ورأى أن مَن قتل بعمود أو صخر عمدًا لا قصاص
عليه، وإنما عليه الذّية المغلظة لحديث عبد الله بن عمرو: ((ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل
(١) (البخاري) ديات: باب إذا قتل بحجر أو بعصا ومواضع أخرى. (مسلم) القسامة: باب ثبوت
القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات وقتل الرجل بالمرأة.

١٣٧
کتاب الذیات/ باب ٧
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ، وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لاَ قَوَدَ إلا بالسَّيْفِ.
٧ - باب مَا جَاءَ في تَشْدِيدِ قَتْلِ المُؤْمِنِ
[المعجم ٧ - التحفة ٧]
١٣٩٥ - عقدنا أَبُو سَلّمَةً يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ
أبي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّ النبيَّ ◌َِرْ قَالَ:
(لَزَّوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ على اللَّهِ مِنْ قْلِ رَجُلٍ مُسْلِم) (١).
حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدْثَنَا شُعْبَةٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنِ
أبيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو نحوَهُ وَلَمْ يَرْفَتْهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا أصَحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أبِي عَدِيٍّ. قَالَ: وفي البّابِ عَنْ سعدٍ
وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَبُرَيْدَةً.
السوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة في يطونها أولادها»، فكلّ ما كان في معنى
السوط والعصى في إيجاب الدية المغلظة وإسقاط القصاص. وهذا حديث لم يصحّ سنده، وقد
اختلف العلماء في شبه العمد، وهي:
المسألة الرابعة: واختلف قول مالك فيه أيضًا، وإذا قال به في أشهر روايته فإنما هو في
قتل الوالد ابنه إذا حذفه بسيف أو بحجر ثقيل، لما رُوِيّ في الموطأ عن عمر، وعلى كل حال
فالقتل بالسوط والعصى يمكن أن يكون شبه عمد، فأما صبّ الرحا على الرأس أو رضّه بين
حجرين فلا وجه للادعاء بشبه العمد فيه، بل هو العمد المحض، وليس المحدد آلة للقتل خاصة
بل المثقل أيضًا مثله وأبلغ في مواضع منه.
الخامسة: أن النبي * إنما قتل هذا اليهودي قصاصًا بدليل أنه ماثل بين القتيلين حين رضّه
بين حجرين، ولو قتله بالحرابة ونقض العهد لقتله بالسيف، وهي مسألة المماثلة في القصاص،
وهذا الحديث أصل فيها. وقال عطاء وسفيان وأبو حنيفة: لا يقتل إلا بالسيف لأنهم لم يعلموا
هذا الحديث إلا أن يكون القتل بمحظور لم يؤذن فيه ابتداء، فلا تقع فيه مماثلة.
(١) (النسائي) تحريم الدم: باب تعظيم الدم.

١٣٨
كتاب الذيات/ باب ٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو مكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ
يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبيِِّ﴿َ. وَرَوَى مُحَمِّدُ بْنُ جَعْفٍ
وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ شُعْبَةً عَنْ يَعْلَى بْنٍ عَطَاءٍ فَلَمْ يَرْفَعْهُ وهَكَذَا رَوّى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ
يَعْلَى بْنِ عَطَاءِ مَوْقُوفًا وهذا أصَحُ مِنَ الحَدِيثِ المَرْفُوعِ.
٨ - باب الحُكْمِ فِي الدِّمَاءِ
[المعجم ٨ - التحفة ٨]
١٣٩٦ - عقثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، حَدِّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدْثَنَا شُعْبَةُ عَنٍ
الأعْمَشِ عَنْ أبي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إنَّ أَوَّلَ مَا يُحْكِّمُ بَيْنَ
العِبَادِ فِي الدِّمَاءِ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهكذا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ
الأعْمَشِ مَرْفُوعًا، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنِ الأعْمَشِ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ.
١٣٩٧ - عقدنا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِن ◌َ﴿ه: ((إنَّ أَوَّلَ مَا يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ فِي الدِّمَاءِ»(١).
١٣٩٨ - حدثنا الحُسَّيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ
عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، حَدْثَنَا أَبُو الحَكّمِ البَجَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُذْرِيَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ
يَذْكُرَانٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأهْلَ الأرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمٍ مُؤْمِنٍ
لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَأَبُو الحَكّمِ البَجَلِيُّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي
نُغم الكُوفِيُّ.
السادسة: في كتاب مسلم أن النبي # أمر بيهودي فرجم بالحجارة، وهذا عندي مراعاة
صفة الفعل بالآلة، وذلك يختلف اختلافًا بيّنَاه في المسائل، وذلك أنه رضّ رأسها، وحقيقة
المماثلة أن يكون رأسه يرض لا أن ترجم جملته، والله أعلم. وقد قال الشافعي وأبو حنيفة: لا
(١) (البخاري) ديات: في فاتحته. (مسلم) القسامة: باب المجازاة بالدماء في الآخرة.

١٣٩
كتاب الدّيات/ باب ٩
٩ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَقْتُلُ ابْنَهُ يُقَادُ مِنْهُ أُمْ لاَ
[المعجم ٩ _ التحفة ٩]
١٣٩٩ - حقثنا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّاسٍ، حَدْثَنَا المُثَنَّ بْنُ
الصَّبَّحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدْهِ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشَمٍ قَالَ:
حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ لَ﴾ يُقِيدُ الأَبَ مِنِ ابْنِهِ وَلاَ يُقِيدُ الابْنَ مِنْ أبِهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ سُرَاقَةً إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ وَلَيْسَ
إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ، زَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْن عَبَّاسٍ عَنِ المُثَنَّى بْنِ الصَّبَّحِ وَالمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ
يُضَعَّفُ في الحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَى هذا الحَدِيثَ أَبُو خَالِدِ الأخْمَرُ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أَزْطَاةً عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، وَقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُرْسَلاً، وهذا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أنَّ
الأَبَ إِذَا قَتَلَ ابْنَهُ لاَ يُقْتَلُ بِهِ وَإِذَا قَذَفَ ابْتَهُ لاَ يُحَدُّ.
١٤٠٠ - عقلنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ، حَدَّثَنَا الأخمَرُ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةً عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَّرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِّ ◌ِ لَهِ يَقُولُ: ((لاَ
يُقَادُ الوَالِدُ بِالولّدِ»(١).
١٤٠١ - حقثنا مُحَمِّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أبي عَدِيٍّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ: ((لاَ تُقَامُ الحُدُودُ في
المَسَاجِدِ وَلاَ يُقْتَلُ الوَالِدُ بِالْوَلَدِ))(٢).
يقتل الرجل بابنه ولو ذبحه ذبحًّا، لِما روى أبو عيسى عن المثنى بن الصباح، وعن الحجاج بن
أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رسول الله﴾ قال: (لا يُقاد الوالد بالولد).
قالوا: وإذا قذفه لا يحدّ، وهذا حديث ضعيف لا يعوّل عليه، وقد حضرت فخر الإسلام ببغداد
يناظر القاضي أبا ثعلب الواسطي، وكان من جملة أصحابه عليّ الشيرازي في هذه المسألة فقال
القاضي أبو ثعلب: (لا يقتل الوالد بابنه) لأنه سبب وجوده فلا يكون سبب عدمه، فقال له
الشاشي فخر الإسلام: هذا يبطل به إذا زنى بابنته، فإنه سبب وجودها ثم يقتل بزناه بها، وجرى
(١) (ابن ماجه) ديات: باب لا يقتل الوالد بولده.
(٢) (ابن ماجه) الديات: باب لا يقتل الوالد بولده. القصة الثانية والحدود: باب النهي عن إقامة الحدود
في المساجد القصة الأولى.

١٤٠
كتاب الذّيات/ باب ١٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لاَ نَعْرِفُهُ بهذا الإِسْنَادِ مَرْفُوعًا إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ
إِسْمَاعِيلَ بْنٍ مُسْلِمٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمِ المَكْيُ قَدْ تَكَلِّمَ فِيهِ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ مِنْ قِبَلٍ
حِفْظِهِ.
١٠ - باب مَا جَاءَ لا يَحِلُ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإحدَى ثَلاَثِ
[المعجم ١٠ - التحفة ١٠]
١٤٠٢ - حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَةً عَنْ
مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((لاَ يُحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ
يَشْهَدُ أنْ لاَ إلهَ إلا الله وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنّفْسُ
بِالنّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَّاعَةِ))(١).
قَالَ: وفي الّابِ عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةً وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الكلام إلى آخره، وكذلك جرى له نحوه مع إبراهيم الدهشاني إمام الحنفية، فعجبت لفطنته
وسرعة جوابه.
السادسة(٢): في الأسباب المُبيحة للقتل. رُوِيّ عن ابن مسعود حديثًا صحيحًا: (لا بحلّ
دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، أو قتل نفسًا بغير نفس، أو التارك
لدينه المفارق الجماعة). وقد ال بعض أصحابنا: أسباب القتل عشرة، ولا تخرج عن هذه
الثلاث بحال، فإن مَن سحر أو سبّ الله أو النبي أو الملك فإنه كافر، وقوله: (المفارق
للجماعة) يعني لا يخرج عن الدين باسم الكفر صريحًا ولكنه يخرج به بتأويل كالقدرية
والخوارج، فإنهم يقتلون في أصحّ القولين لكفرهم بتأويل، واحتجاجهم بمشتبه التنزيل، وفيه
خلاف کثیر بیانه في موضعه.
(١) (البخاري) ديات: باب قول الله تعالى: ﴿إن النفس بالنفس﴾. (مسلم) القسامة: باب ما يباح به دم
المسلم.
(٢) هكذا بالأصل، وهي السابعة من حيث الترتيب.