النص المفهرس

صفحات 1-20

غَضَة الأَوْدِيُ
ضَحِيحُ الْتَزَعِدِىُّ
بِشَرْحِ
للأِمَامِ الْحَافِظِ أبِي بَكَر ◌َّبْن عَبْدُ لِلّه بِنْ عَّ بْ عَبْدُاللَّهِ
المُعْرِوِفِّ بَابْنِ إِلْعَرَبِي ◌َالَكِيْ
المتوفى سنة ٥٤٣هـ
وضع حواشيه
الشِّخْ بَالْ مَرْعَشْلِي
طبعة جديدة رقبة الكتب والأبواب والأحاديث وموافقة الأمقام العجم المنوس الألفاظ
الحديث البري ولعمدة الأمران المحافظ المركب
تنبيه
رضنا تحت الجامع الاتمع للشحن بأعلى الصفراء مشكولا
شكلاً ا ملك ،ووصف المشروع ابن العربي خصوصا في هيخط
الجُزء السَادس
منشورات
مد عَلى بيض
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفقية محفوظة لحار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تفضهد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسبت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجقه على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطبة.
Copyright @
All rights reserved
Exclusive rights by DAR Al-KOTOR
ILMIYAH Beirut - Lebenen. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطَّبعَة الأولى
١٤١٨ هـ - ١٩٩٧مـ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس : ٢٦٤٢٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart blog., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon

بسم الله الرحمن الرحيم
٦٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةِ النَّجْشِ فِي الْبُيُوعِ
[المعجم ٦٥ - التحفة ٦٥]
١٣٠٤ - حقَّدها قُتَيْبَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾.
وَقَالَ قُتَنِيَةُ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((لاَ تَنَاجَشُوا))(١).
بسم الله الرحمن الرحيم
باب ابتياع النخل بعد التأبير والعبد وله مال(٢)
ذكر حديث ابن شهاب عن سالم ونافع عن عمر عن النبي 8#: ((من باع نخلاً بعد أن
تؤبر فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع، ومَن باح عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن
يشترط الميتاح)).
(١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٨٣ - باب لا يبيع على بيع أخيه، حديث رقم ١٠٨٣.
وأخرجه مسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، حديث رقم ١١.
(٢) هذه الأبواب المقبلة قد تقدمت في المتن في الجزء السابق، وهي هنا كترتيب نسخة الشارح التي
بأیدینا.

٤
كتاب البيوع/ باب ٦٥
قَالَ: وفي البّابِ عَنِ ابنِ عُمَرٌ وَأَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةً حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ
أهلِ العِلْمِ. كَرِمُوا النَّجْشَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالنَّجْشُ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ الَّذِي يَفْصِلُ السِّلْعَةَ إلى صَاحِبِ السِّلْعَةِ
فَيَسْتامُ بِأَكْثَرَ مِمَّا تَسْوَى. وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَحْضُرُهُ المُشْتَرِي، يُرِيدُ أَن يَغْتَرَّ المُشْتَرِي بِهِ،
وَلَيْسَ مِنْ رَأْيِهِ الشِّرَاءُ، إِنَّمَا يُرِيدُ أنْ يَخْدَعَ المُشْتَرِيّ بِمَا يَسْتَامُ.
وهذا ضَرْبٌ مِنَ الخَدِيعَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ نَجَشَ رَجُلٌ، فَالنَّاحِشُ آئِمٌ فِيمَا يَصْنَعُ، وَالبَيْعُ جَائِزٌ. لأَنَّ الْبَائِعَ
غَيْرُ النَّاجِشِ.
قال ابن العربي رحمه الله: للثمرة ثلاثة أحوال: أحدها: أن تكون معدومة في أجواف
الشجر لمّا تخرج بعد. الثانية: أن تطيب بالزهر والاحمرار، أو الرطوبة واللين، أو جريان
الحلاوة في ذوات المياه منها(١). فالحالة الأولى أن بيعها لا يجوز من باب بيع المعدوم،
والموجود المجهول لا يجوز لغرره فكيف المعدوم. الحالة الثانية: الظهور، وقد تقدم الكلام في
بيعها وصفته جائزًا وممنوعًا على معنى الإشارة. الحالة الثالثة: إذا بَدَا صلاحها ولا خلاف في
جواز البيع، وقد اختلف الناس فيها على ثلاثة أقوال: الأول: قال قوم: إن كانت أبزت فهي
للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، ومعناه إذا برزت عن أكمامها وانشقّ عنها خفاؤها وإن كانت كامنة
فهي للمبتاع، قاله مالك وغيره. الثاني: قال آخرون هي للبائع في الحالين قاله أبو حنيفة.
الثالث: قال ابن أبي ليلى: الثمرة للمبتاع في الحالين، وهي مسألة مشكلة لم أطّلع في رحلتي
على مَن علمها مكتوبة أو مقولة إلا شيخًا واحدًا من أعلام الدين اهتديت به، وهلهنا أوردها
لعظيم موقعها ببدع مما حصّلتها به على الاختصار.
وأما قوله: (مَن باع عبدًا وله مال فماله البائع إلا أن يشترط المبتاع) حديث اختلف في
إسناده عن ابن عمر إلى النبي ول#، أو عن أبي عمر، فأوقفه قوم وأسنده آخرون وأدار الحديث
بين نافع ومولاه سالم، وكلاهما صحيح، لأن إيقافه لا يناقض إسناده. وقوله: (وله مال) يقتضي
ملك العبد، لأن الإضافة وقعت بالمال إلى آدمي حتى يصحّ أن يملك فملك، بخلاف باب الدار
وسرج الدابة. والذي يوجب العلم في ذلك ويقطع العذر أنه يشتري العبد بالذهب وماله الذهب
فيملكهما جميعًا، ولولا أن المال الذي بيد العبد ملك له جاز للسيد أن يشترطه فيكون البائع قد
(١) لم يذكر الحال الثالث.

كتاب البيوع/ باب ٦٥
باع منه صريحًا ذهبًا وسلعة بذهب، وهذا لا يجوز عند مالك في الكثير، ولولا أنه ملك العبد
وإنما دخل تبعًا لما جاز ذلك، وهي رخصة من الشرع لا تعلق لها بمسائل الربا، ولذلك قال ابن
القاسم خلافًا لأشهب: لا يجوز أن يشترط بعده لأنه يخرج من طريق الرخصة التبعة إلى
التصريح بالمبايعة، فيكون سلعة وذهبًا بذهب، إلا أن يشتريه بعرض عنده أو يكون مال العبد
عرضًا حتى يخلص من الربا وهلة. قال بعض المتكلمين: رُوِيّ الحديث على وجهين: ((إلا أن
يشترطه المبتاع)) و((إلا أن يشترط)» فمَن أثبت الهاء لم يجز عنده اشتراط البعض، ومَن أسقط الهاء
جاز عنده اشتراط البعض.
تنبيه: إن الضمير وإن سقط فإنه مضمر عربية ضرورة، والمضمر والمظهر فيه واحد، وقد
بيّنًا الفرق بين استثناء الكل من مال العبد أو بعضه في موضعه بدليله، وقال الشافعي: لا يجوز
بيعه العبد بماله إلا بما يجوز به سائر البيوع، وهو الأقوى في النظر لأن النبي ◌َّ قال: ((مَن باع
عبدًا وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع) وإذا اشترطه وجب أن يجري على حكم
الشرع. وقد قال قوم: إن مال العبد تبع له في العتق والبيع، ورووا في ذلك أثرًا. وقال آخرون:
إن ماله لسيده فيهما جميعًا، قاله الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما، لأنه إذا لم يتبعه في البيع فالعتق
مثله، وقال مالك: العتق خلاف البيع، يتبعه ماله فيه، لأنه إذا قال له: أنت حرِّ، فقد رفع يده
وجعل له حکم نفسه، فیکون ماله له.
باب خيار المجلس
ذكر فيه الحديث المشهور (نافع عن ابن عمر أن النبي ، قال: ((المتبايعون بالخيار ما لم
يتغزقا)) أو (يختار»، قال: فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعًا وهو قاعد قام ليجب له). ورُوِيّ عن
(حكيم بن حزم قال رسول الله #: ((البائعان بالخيار ما لم يتفرّقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما
في بيعهما، وإن كانا كذبا وكتما محقت بركة بيعهماا) صحيح. وذكر حديث (أبي برزة من
النبي #) مقطوعًا.
أخبرنا أبو الحسن الأزدي، أخبرنا أبو الطاهر الطبري، أخبرنا الدارقطني، وذكر حديث
الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله ◌ِ﴾
قال: ((البائعان بالخيار ما لم يتفرّقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحلّ له أن يفارقه خشية أن
یستقیله)).
قال ابن العربي رحمه الله: اضطرب الناس في هذا الحديث اضطرابًا كثيرًا، وقد ورد
بألفاظ مختلفة، والصحيح منها: ((إلا بيع الخيار))، ومنها قوله: ((أن يقول أحدهما لصاحبه
اختر"، ورُوِيَ ((يتفرّقا)) عن عبد الله بن دينار: ((كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرّقا إلا بيع
الخيار».

٦
کتاب البيوع/ باب ٦٥
وجملة ذلك أقوال: الأول: من الناس مَن ردّه لأنه خبر واحد يخالف أصول الشريعة، فإن
البيع كما رُوِيّ عن عمر بيعان: بيع صفقة أو بيع خيار، فأما بيع خيار كله فليس في الأصول.
الثاني: منهم مَن تأوّله، لأن معناه المتبايعان المتراوضان في الإيجاب والقبول، فإن قال البائع:
بعت، فالأمر لم ينعقد، وكلٌّ منهما بالخيار حتى يقول الآخر: قبلت، قاله محمد بن الحسن.
قال: وهي حقيقة المتبايعين ما داما متشاغلين بالبيع، فأما إذا كملا البيع وعقداه فليسا بمتبايعين
حقيقة، وإنما يطلق عليهما اسم المتبايعين مجازًا، والحقيقة أولى من المجاز. الثالث: منهم مّن
قال: إنما هما المتساومان، ويقال لهما المتبايعان لأجل إقبالهما على البيع وشروعهما فيه
ومقاولتهما عليه، كما يقال: المتقاتلان لمَن حاول القتل مع صاحبه بالمشي والطعن والضرب،
ولمّا يقع بعد ذلك يُروّى عن أبي يوسف. الرابع: منهم من قال: معناه ما لم يفترقا بالأقوال.
وفيها أذِنّ لنا أبو الحسين بن يوسف، عن بشر، عن أبي عمر الزهري، أن أبا موسى النحوي
سأل أبا العباس أحمد بن يحيى: هل يفترقان واحد أم غيران، فقال: أخبرنا ابن الأعرابي عن
المفضل فقال: يفترقان بالكلام أو يفترقان بالأبدان. الخامس: قال بعضهم: لو كان الأمر كما
قال مالك وأصحابه وغيرهم لخلى الحديث عن فائدة وسقط معناه، وذلك أن كل أحد يعلم أن
المتبايعين إذا قال البائع: بعت وقبل أن يقول الآخر قبلت نعم وقبل أن يقول البائع: بعت كل
واحد منهما بالخيار على صاحبه، لأن لكل أحد قوله وعقده ومالكه وملكه لا يشكل هذا على
أحد ولا يحتاج إلى بيان، فإذا عقد البيع كانا متبايعين، كما لا يكونا سارقين ولا زانيين، إلا إذا
فعلا ذلك، فحينئذ يكونان بالخيار. وقد روى أيوب عن نافع في بعض ألفاظ الحديث إلا أن
يقول لصاحبه: اختر. السادس: قال مالك ليس لهذا الحديث عندنا حذّ معروف ولا أمر معمول
به. السابع قال أهل ما وراء النهر من الأصوليين: هذه حاجة تعمّ من البلوى لا يقبل فيها خبر
الواحد. الثامن: قال النهرية من الفقهاء: المراد به خيار الإقالة التي في حديث عبد الله بن عمر:
(((لا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله))، والدليل عليه أنه أضافه إليها والإقالة هي التي تقف
عليهما جميعًا وترتبط بهما، وأما خيار المجلس على مذهب الحكم فإنما هو لكل واحد منهما
ملك بنفسه وبانفراده. التاسع: يأتي إن شاء الله التنقيح. أما قولهم: يخالف أصول الشريعة، فقد
تقدم الجواب عن هذا الفصل في حديث المصراة، وكذلك التبايع في قوله: إن هذا تعمّ به
البلوى، تقدم الكلام عليه في باب الذكر بغاية البيان في الوجهين. وإما من حمله على
المتساويين والمتحاورين بالإيجاب والقبول، فالذي كان يليق بالفصاحة لو كان كما قالوه ويعضده
بالشريعة أن يقول فيه المتبايعان بالخيار ما لم يتعاقدا، والذي يدلّك على انتظام هذا واستقامته أنه
كان يكون تقدير الكلام: المتبايعان حقيقة بالخيار ما لم يعقدا ما تبايعا فيه، فإذا تعاقدا فيه فهما
بالخيار ما لم يفترقا عن مكان تبايعهما، وكذلك ورد في الحديث، وكذلك كان يفعل ابن عمر
كما يأتي بيانه إن شاء الله. وأما الذي نقله المفضل أو نقل عنه من الفرق بين التفعّل والافتعال

٧
كتاب البيوع/ باب ٦٥
فلا يشهد له القرآن ولا يعضده الاشتقاق. قال الله تعالى: ﴿وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من
بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة: ٤] فذكر التفرّق فيما ذكر فيه النبي # الافتعال في قوله:
((افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)).
وأما الخامس(١) فلا بأس به وهو مذهب الشافعي وابن عمر.
وأما السادس، وهو قول مالك: ليس لهذا الحديث عندنا حدٍّ معروف ولا أمر معمول به،
فمَن لا تحصيل له من أصحابنا يظن أنه يعني به أن عمل أهل المدينة بخلافه فقدّم العمل عليه،
ولم يفعل ذلك ولا فعله قطّ، ولا ترك قطّ مالك حديثًا لأجل مخالفة أهل المدينة له بعملهم
وفتواهم، وقد توهم عليه ابن الجويني فقال: يروي الحديث عن نافع عن ابن عمر عن رسول
الله ** ثم يتركه لعمل أهل المدينة، يريد هنا الحديث، ولم يفهم الجويني عنه بل أقام في جون
فلم يتطلّع عليه، والذي قصد مالك من المعنى قوله: هو أن النبي 18 لمّا جعل المتعاقدين
بالخيار بعد تمام البيع ما لم يتفرّقا ولم تكن تفرقتهما وانفصال أحدهما عن الآخر وقت معلوم
ولا غاية معروفة إلا أن يقوموا أو يقوم أحدهما على مذهب المخالف، وهذا جهالة يقف عليها
انعقاد البيع فيصير من بيع المنابذة والملامسة، بأن يقول له: إذا لمسته فقد وجب البيع، وإذا
نبذته أو نبذت الحصاة فقد وجب البيع، وهذه الصفة مقطوع بفسادها في العقد، فلا يتردد
الحديث ولم يتحصل، المراد منه مفهوم وإن كان فسره ابن عمر راويه بفعله وقيامه عن المجلس
ليجب له البيع، فإن فسّره بما يبين الجهالة فيه فيدخل تحت النهي عن الغرر عمومًا، وتحت
النهي عن بيع الملامسة والمنابذة تنبيهًا، وليس من قول النبي #. ولا تفسيره، وإنما هو من فهم
ابن عمر وتقديره. وأصل الترجيح الذي هو معضلة الوصول أن يقوم المقطوع به على المظنون،
والأكثر رواية على الأقل، فهذا الذي قصد مالك مما لا يدركه إلا مثله ولا يتفطن له أحد قبله
ولا بعده، وهو إمام الأمة غير مدافع في ذلك، وكيف لابن الجويني أن يزوّده في تأويل إن سلم
في نقل، هيهات يا أبا المعلى ليس هذا الموضع ترقى إليه، ولا تعالي في قدرك، وافهم أمرك
والله ينفعك به برحمته. على هذا، فلتعوّلوا يا معشر المتفقهة والفقهاء.
وأما قول ما وراء النهر، وقد قاله بعض العراقيين من أن المراد به خيار الإقالة فليس ذلك
بواجب، وإنما هو مندوب إليه، ونحن نقضي به في الأحكام ونمضي عليه القضاء بالحلال
والحرام. فإن قيل: فقد قال مالك: إن الخيار لا يتقدّر بالمجلس في التمليك ونحوه. قلنا: ذلك
طلاق، وهو يعلّق على الأغوار والأخطار وقدوم زيد ودخول الدار فافترقا، ومن العجب لأبي
المعالي أن شيخه الشافعي فسّره فقال: معنى قول النبي (118: ((إلا بيع الخيار)» أن يخيّر البائع
(١) يقصد المؤلف الخامس من الأقوال التي تقدمت.

٨
كتاب البيوع/ باب ٦٥
المشتري بعد إيجاب البيع، فإذا خيّره فاختار البيع فليس له خيار بعد ذلك، فأين هذا من تفسير
ابن عمر أو من معنى الحديث؟ فأتيّ الإمامين أقوم قيلاً وأهدى إليه سبيلاً إذا تمهدت الأقوال
وشاعت الأمثال وتبيّن لك المثال؟ وقد روى أبو عيسى حديثًا قال: حدّثنا عمر بن حفص
الشيباني، حدثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن ابن الزبير، عن جابر أن النبي وت لهو خير أعرابيًا
بعد البيع. وقد قرأته على المبارك، أخبرنا طاهر، عن الدارقطني، حدثنا أبو بكر النيسابوري،
حدّثنا هلان، حدّثنا المعافى، حدثنا موسى بن أعين، عن يحيى، عن أيوب بن جريج، أخبرنا
أن ابن الزبير المكّ حدّثه، عن جابر أن النبي﴾ اشترى من أعرابي حمل خبط، فلما وجب له
قال له النبي 8#: ((اختر)، قال الأعرابي: ما رأيت كاليوم مثله بيعًا، عمرك الله ممن أنت؟ قال:
(من قريش))، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وذكر حديثًا غريبًا عن أبي هريرة أن النبي وَ لو
قال: ((لا يقترس بيع إلا عن تراضٍ)»(١)، وهذا كله خارج عن اتصال الندب إلى العرض عن
المشتري وعلى البائع أيضًا، لئلا يجري في المسألة غين ويقع بعد ذلك ندم، فيخرج عن طريق
الندب الذي إليه ندب.
باب الخديعة في البيع
ذكر حديث قتادة (من أنس أن رجلاً كان في عقدته ضعف وكان يبتاع، وأن أهله أتوا
النبي # فقالوا: يا رسول الله، إنه لا يصبر عن البيع، فقال: ((إذا بايعت فقل: ها، ولا
خلابة»). وهذا حديث حسن غريب.
العارضة: هذا الرجل هو منقذ بن عمرو جدّ واسع بن حبان، ضرب مأمونة في الجاهلية
فحلّت لسانه، فقال له النبي ◌َّر ذلك، فقال عمر: فأنا سمعته يقول: لا خزاية لا خزاية.
أخبرناه أبو الحسن علي بن الحسن الموصلي، قراءةً وسماعًا بدار الخلافة عمّرها الله أخبرنا أبو
طاهر عبد الغفار بن محمد، أخبرنا ابن الشيخ الأسدي، أخبرنا بشر بن موسى، حدّثنا
الحميدي، حدّثنا سفيان، وقد رُوِيّ أنه كان عمّر مائة وثلاثين سنة، وقيل أكثر فضعفت عقدته
لكبر سنّه. وقد رُوِيّ أن حيان بن منقذ كان صاحب القصة، والأول أصح. وفي رواية
عبد الله بن دينار عن أبي عمر أن رجلاً ذكر لرسول الله # أنه يخدع في البيع، فقال له: ((إذا
بايعت فقل لا خلابة»، وفي رواية غير مالك: ((ولك الخيار ثلاثًا في كل سلعة تبتاعها»،
وروى الدارقطني أن أهله أتوا النبي * فقالوا له: احجر على فلان، فإنه في عقدته ضعف،
فنهاه عن البيع، فقال: إني لا أصبر، فجعل له الخيار ثلاثًا. وتعلّق بها مَن قال: لا يحجر
على الضعيف العقدة، وقال أبو حنيفة: وإنما ينبغي لمَن يحتج بهذا الحديث على ترك الحجر
(١) هكذا بالأصل.

٩
کتاب البيوع/ باب ٦٥
على الضعيف العقل، فجعل له الخيار ثلاثًا من طريق الحكم، فأيّ معنى للعمل ببعض الخبر
وترك البعض لغير دليل؟ ومن غريب الأمر في هذا الحديث أن الرجل المذكور كان يخدع في
البيوع فيحتمل أن الخديعة كانت في العيب أو في الغين في الثمن، وليست قضية عامة فتحمل
على العموم، وإنما هي خاصة في عين وحكاية حال، ولا يصحّ دعوى العموم فيها عند أحد
حسبما ذكرناه في الأصول، وإنما ينبغي أن يقال في هذا في غير هذا الحديث: إنه كلِّ
مخصوص لصاحبه على صفة لا تتعدى إلى غيره. فإن قيل: كيف تدعون الخصوص في هذا
الحديث وقد أخبركم ابن أبي القاسم، عن ابن أبي محمد، عن ابن عمر قال: حدّثنا
محمد بن مخلد، حدّثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدّثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن
لهيعة، حدّثنا حبان بن واسع، عن طلحة بن يزيد بن كنانة أنه كلّم عمر بن الخطاب في البيوع
فقال: ما أجد لكم شيئًا أوسع مما جعل رسول الله وَالر لحبان بن منقذ، إنه كان ضرير البصر
فجعل له رسول الله 8# عهدة ثلاثة أيام، إن رضي أخذ وإن سخط ترك. قال ابن عمر:
وأخبرني أحمد بن إسحق بن بهلول، حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدّثنا عبد بن فروة،
عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن جدّه قال: قال عمر لما استخلف: أيها
الناس، إني نظرت فلم أجد في بيوعكم شيئًا أمثل من العهدة التي جعلها النبي وقل 9 لحبان بن
منقذ، ثلاثة أيام، وذلك في الرقيق.
قال ابن العربي: قلنا هذان حديثان ضعيفان فيهما ابن لهيعة، فلا متعلق فيهما لا سيما
(١) عبد الله بن
وقد ثبت ما هو أقوى منه: أخبرنا أبو الحسن الأزدي، أخبرنا الدارقطني،
أحمد نصر الدقاق والحسين بن إسماعيل الحاملي قالا: حدثنا محمد بن عمرو بن العباس،
حدّثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحق، قال: وحدّثني محمد بن يحيى بن حبان، قال:
وهو جدّ منقذ بن عمر، وكان قد أصابته آفة في رأسه فأصابت لسانه ونازعته عقله، وكان لا
يدع التجارة ولا يزال يغبن، فأتى رسول الله ◌َّه فذكر ذلك فقال: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة،
ثم كل سلعة تبتاعها، بالخيار ثلاثة أيام، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على
صاحبها))، وكان عمّر عمرًا طويلاً عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان بن عفان حين
مشى الناس وكثر البيع في السوق، ويرجع به إلى أهله وقد غبن غبنًا قبيحًا، فيلومونه
ويقولون: ابتاع، فيقول: أنا بالخيار إن رضيت أخذت وإن سخطت رددت، قد كان رسول
الله لر جعلني بالخيار ثلاثًا، فيرة السلعة على صاحبها من الغد وبعد الغد، فيقول: والله لا
أحملها قد أخذت سلعتي وأعطيتني دراهمي، فقال: يقول رسول الله 18 جعلني بالخيار ثلاثًا،
وكان يمر بالرجل من أصحاب رسول الله # فيقول للتاجر، وبحك إن قصد صدق رسول
(١) هنا يوجد كلمة من كلمات التلقّي ساقطة، وهي: حدّثنا، أو: أخبرنا، أو: أنبأنا، أو: عن، الخ.

١٠
كتاب البيوع/ باب ٦٥
الله ◌َ﴾، قد كان جعلها بالخيار ثلاثًا، قال: وما علمت ابن الزبير جعل العهدة ثلاثًا إلا بذلك
من أمر رسول الله * في منقذ بن عمر، وهذا أصح من الأول، ولو شارك في المرجع بالغبن
أحدًا لمنقذ بن عمر ولا أحتجّ به. وقام في زمان الخلفاء بطلبه، وإنما تحقّقوا أن ذلك كان
أمرًا مخصوصًا فلم يتعرض له أحد بنقض، ليس له في الشريعة نظير وفيه اختلاف كثير في
صفقة البيع، وبيانه في الكتاب الكبير، ومن أغرب ما فيه قوله: (واشترط ظهره إلى المدينة)
ويعارضه قوله: (وأفقره ظهره إلى المدينة) والإفقار هو الإعارة. أخبرنا أبو محمد بن فضيل،
أخبرنا عثمان، أخبرنا محمد بن عبد الملك، أخبرنا أحمد بن إبراهيم، حدّثنا إبراهيم بن
عبد الله القصّار، حدثنا محمد بن إسحق بن خزيمة، حدّثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا
يحيى بن كثير أبو غسان العنبري، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن جابر، قال:
بعت النبي # جملاً فأفقرني ظهره إلى المدينة، وقد جعلها كثير من الناس أصلاً في بيع
وشرط كما تقدم. ورأى أن هذه القصة أصلاً وشرط كما في جواز الشرط في البيوع، ولو كان
على وجه الشرط لما جاز إلا في اليسير من العمل والقليل من المدة، رخصة وتوسعة واستثناء
من المنهي عنه. ورأى الشافعي وأبو حنيفة ومَن تابعهما فيها، قالوا: إن ذلك لا يجوز، ورأى
الأوزاعي وأحمد وإسحق أنه جائز ويكون بيعًا وإجارة، والمسألة دائرة بين نظرين: إما أن
يكون بيعًا وإجارة، فليس في ذلك تناقض، وإما أن يكون إعارة، لا يدخل على البيع شرطًا
ولا وكسًا ولا شططًا ولا معاوضة، وعليه يدل آخر الحديث في قول النبي # لجابر: ((أتراني
ماكستك لآخذ جملك، ودفع له الجمل والثمن بعد أن أطلقه له من حبسة الإيداع، وصيّره
عنده من أغبط المتاع.
باب الانتفاع بالرهن
الشعبي (عن أبي هريرة أن النبي * قال: ((الظهر يركب إذا كان مرهونًا، ولبن الدرّ يشرب
إذا كان مرهونًا وعلى الذي يركب ويشرب نفقته)»). قال: وقد رُوِيَ عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة موقوفًا، ولا يعرف وقفه إلا من طريق الشعبي.
الإسناد: قال ابن العربي: اختلف في لفظ هذا الحديث، فروى هناد بن السري أبو السري
عن ابن المبارك عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن الشعبي عن أبي هريرة عن النبي وَي# قال:
(لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونًا، والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب
ويحلب النفقة)». أخبرنا أبو الحسن الأزدي، أخبرنا الطبري، أخبرنا الدارقطني، حدّثنا أبو
محمد بن صاعد، حدثنا عبد الله بن عمر، حدّثنا العائدي، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن
سعيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وهو متفق على صحته.

١١
كتاب البيوع/ باب ٦٥
العربية: تكلم الناس في قوله: (لا يغلق الرهن) والأمر فيه قريب، لو قدّر الله بالتقريب.
ومعناه: لا يهلك فيذهب هدرًا ويمضي باطلاً. قال أبو بجير:
يوم الوداع فأمسى الرمن قد غلقا
وفارقتك برهن لا فكاك له
يقال غلق الرهن بكسر اللام في الماضي وفتحها في المستقبل.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في هذا الحديث المتعلق بالرهن على أقوال: الأول: قال مالك
والشافعي وغيرهما: ظهر الرهن منفعة لمالكه وهو الراهن، وعليه نفقته ليس للمرتهن فيه إلا حق
الحبس والوثيقة في أداء ما ارتهن من الدين فيه. الثاني: قال أحمد بن حنبل وإسحاق: الغلة
للمرتهن والنفقة عليه، يحلبه ويركبه بمقدار سواء، ولا يُزاد أحدهما على الآخر. الثالث: ويرجح
ركوب المرتهن الدابة واستخدام العبد بقدر نفقته. الرابع: قال أبو حنيفة: منافع الرهن عطل.
قال ابن العربي رضي الله عنه: قد أتينا في مسائل الخلاف من هذه المسألة على بيان
شافٍ.
نكتة: إن مذهب أبي حنيفة في غاية الضعف مخالف للحديثين اللذين تلوناهما آنفًا عن
سعيد بن المسيب، عن الشعبي، وكلاهما عن أبي هريرة، مخالف للمعنى المعقول من الشريعة
والمصلحة التي أتيت عليه المّة. وكيف يصحّ أن ينعقد بين مسلمين عقد يؤدي إلى إتلاف المال
وذهاب المنافع هدرًا أن تكون مُباحة لمَن تناولها بعد أن كانت متملكة محفوظة على صاحبها؟
هذا لا يقتضيه لفظ العقد الذي بمقداره ولا حكمه، وبعد بيان فساد هذا لم يبق إلا مذهب أحمد
ومذهب مالك. وذلك يتبيّن بالبحث، فإن قوله: ((الظهر يركب ولبن الدرّ يشرب إذا كان مرهونًا)»
لم يبيّن من الراكب ولا الحالب، ولو كان وسمّى مَن الحالب والراكب راهنا أو مرتهنّا مالكا أو
حابسًا لكان الأمر بيِّن، ولا كما صحّ ما قرأنا في الدرس من قوله وَله: «لا يغلق الرهن من
راهنه الذي رهنه له غُتْمُهُ وعليه غُرْمُهُ)) لكان ذلك أيضًا راهنًا للخلاف، ولكنه كان عضلاً على
المالكية في قوله: ((وعليه غرمه)) إذ لا ترى أن الخسارة على الراهن في الرهن إلا في الذي يُغاب
عليه على تفصيل أيضًا، ومما يجب أن تعرفوه أن مالكًا رضي الله عنه كان يتوقّى مخالفة الحديث
كثيرًا. وأما رجالاته فكانوا يسترسلون لأنهم لم يقرأوه، فلما لم يصح هذا الحديث لم يبقَ إلا أن
الغّة والفائدة لمَن له المُلك، وليس للراهن إلا حق التوثّق والحبس، فإن شاء الراهن أن يجعل
للمرتهن الغلة بما يتفقان عليه كان ذلك له، إذ كان الاتفاق جائز ولا يجوز أن يقول الراهن
للمرتهن: اركب وانتفع وخذ الغلة والحليب، فإنها معاوضة مجهولة لا تجوز بإجماع، وهذا هو
الذي أراد النبي ◌َّه بقوله في الحديث الصحيح: ((الرهن يركب ولبن الدرّ يشرب)) أي: لا يقطع

١٢
كتاب البيوع/ باب ٦٥
رهنه الانتفاع للمالك بغلته على وجه لا يبطل حق الرهن وينفق عليه، فإن تخلى عن نفقته ولم
يضيّعه المرتهن فله أن ينتفع بما أنفق على وجه المعروف، فإن تحاققا فصل بينهما بالمحاسبة
والمراجعة، قاله أبو ثور. قال ابن العربي: وهذه المسألة تنبني على أصل، وهو أن القبض هل
هو شرط في استدامة الرهن؟ فقال مالك: هو شرط، فإن رجع إلى يد الراهن بطل الرهن، وقال
الشافعي وغيره: إن رجع إلى يده لم يبطل الرهن، فهذا الأصل ينبغي لمن أراد المسألة أن
يستغل وعليه المعوّل، وقد بيّنّاه في مسائل الخلاف. قوله: (وعليه غرمه) وهي:
الثالثة: الثابت الصحيح منه عن سفيان بن عيينة عن زياد «له غنمه وعليه غرمه))، وهذا إنما
لم يرد إلا الراهن، وإن كان لم يرد في الصحيح، وفيه للعلماء ثلاثة أقوال. قال الشافعي: الرهن
من الراهن إن هلك أدّى المال الغريم، وهو بيده أمانة. وقال أبو حنيفة: هو مضمون باقي،
وقال مالك: إن كان مما لا يُغاب عليه فهو أمانة، وإن كان مما يُغاب عليه فهو مضمون إلا أن
تقوم بينة بخلافه، فاختلفت الروايات عنه فيه، قال ابن القاسم: تكون أمانة، وقال أشهب: قبضه
على الضمان فلا يزول الوصف الذي قبضه عليه عنه، والخبر عامّ إلا أن أصحابنا يرون أن
يخصّوا ما يُغاب عليه من عمومه بالقياس، ولا قياس، فإنهم عوّلوا على أن الرهن متردّد بين
الأمانة والمضمون، فوجب أن يوفّر عليه حكم الشبهين، ولهذا لو صحّ إنما يكون ذلك الفرق
بين أحوال الرهن لا بين أعيانه، ومذهب الشافعي أظهر والله أعلم.
باب اشتراط الولاء والزجر عن ذلك
ذكر فيه حديث عائشة وبريرة، وشهرته أغنت عن بسطه، وبحره عظيم المدى.
العارضة: أن ابن خزيمة الحافظ انتهى في معانيه إلى نيّف ومائتين وخمس وعشرين من
فائدة ورواية. قالت: كانت في بريرة ثلاثة سنين وما بينهما مندوحة للخلق، فمن سريع وبطيء،
ومن مصيب ومخطئ، وركن الـ سألة الحديث لمَن اقتصد فيه مسألتان: الأولى: في شراء العبد
بشروط الغين. الثانية: في اشتراط ما لا يجوز في العقد.
فأما الأولى فمنعه أبو حنيفة وغيره، وأجازه في جماعة مالك والشافعي، والقياس مع أبي
حنيفة، لأن شرط في البيع يناقض مقصود العقد لا يجوز، وإنما عوّل على جوازه على حديث
بريرة، ولأصحاب أبي حنيفة فيه تأويلان. الأول: قالوا: هذا حديث يناقض قاعدة الشريعة في
استحالة الأمر بالنهي لامتناع قلبه فيكون نسخًا أو صحبة في نفسه، ولذلك لا يستقيم، لأن قوم
بريرة قالوا لعائشة: نبيعُكِها على أن يكون ولاؤها لنا بعد أن قالت لهم عائشة في رواية: أبتاعها
وأعتقها. وفي رواية: إن أحب أهلكِ أن أُعذّ لهم ثمنك عدة واحدة فعلت، وفي أخرى: إن
أحبّوا أن أقضي عنك كتابتك، وسألت النبي ويتهم فقال: ((ابتاعيها وأعتقي)). وفي رواية: ((ابتاعيها

١٣
كتاب البيوع/ باب ٦٥
واشترطي لهم الولاء لمّن أعتق)»، وهذه الروايات كلها تناقض قاعدة الشريعة في كل فصل منها،
قلنا: أما قوله: (اشترطي لهم الولاء) فقد قال بوم: معناه اشترطي عليهم الولاء خلاف ما طلبوا،
وقد يأتي لهم بمعنى عليهم كما قال: ﴿أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ [الرعد: ٢٥] يعني:
عليهم. وقال آخرون: أعلميهم بأن الولاء لمَن أعتق، وبناء شروط حيث ما وقع للإعلام، ومنه
أشراط الساعة أي علاماتها، رواه الطحاوي عن الشافعي عن مالك. وقيل: أذِنَّ النبي ◌َ﴾ أن
يجعل لهم الولاء، ويكون شرطًا باطلاً مضافًا إلى عقد صحيح، ولم يبن بعد ذلك أن الشرط
ساقط فبيّن ذلك أن كل شرط لا يصحّ أُضيف إلى عقد صحيح يسقط الشرط ويصح العقد، وقد
قيل به كما تقدم في حديث الثلاثة الفقهاء، ويكون بيانه بالفسخ بعد الشرط أبلغ وأمضى، كما
كان فسخ الحج إلى العمرة أبلغ وأمضى من الأمر بها قبل ذلك، وقيل: هذا إنما قاله النبي
مؤكدًا للتهديد، وهي:
الثانية: وقيل إنهم أنفذوا البيع وأرادوا استبقاء الولاء وذلك هو الجائز وهو التأويل
الثاني، لئن يبلغ المكاتب جائز ويكون الولاء لمّن كاتبه، وموضع الإنكار على عائشة، وإذا بيع
المكاتب فإنما يقع على كتابته بما يجوز من قبل ثمنه بعد الأجل تعجّل للعتق، فأما رقبته فلا
سبيل إليها لأجل ما استقر من عقد الكتابة فيه، وما كان النبي 988 يغرّهم ويقول لعائشة غريهم
بالولاء وأعطه لهم ويرذه بعد ذلك إليها، وهذا ليس فيه غرور لأنه إنما كان يكون غرورًا لو
حطّوا لأجله من الثمن، وهي قد قالت: أعدّه لهم عدّة واحدة وهو: الرابع(١). وقيل إن قوله:
(واشترطي لهم الولاء) غير محفوظ، وهذا لا يساوي سماعه، فإنها محفوظة عن رواية مالك،
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة وغيره. وقد روى ذلك الأعمش، عن إبراهيم، عن
الأسود، عن عائشة أن أهل بريرة أرادوا أن يبيعوها ويشترطوا الولاء، فذكرت ذلك لرسول
الله فقال : (اشتربها وأعتقيها))، وعن إبراهيم بمثله «خذها ولا يمنعك فإنما الولاء لمّن
أعتق))، وخطب رسول الله* وأنكر اشتراط الولاء، واللام بمعنى على أضعفها والتهديد
أقواها، وذلك هو الحديث الذي يرويه عبد الله بن دينار ونافع عن ابن عمر أن النبي (188 نهى
عن بيع الولاء وعن هبته، لقوله فيه: ((وإنما الولاء لمّن أعتق))، ورواية أبي عيسى وغيره:
(«لمّن أَعطِي الثمن ووَلِيَ النعمة»، وأخبر أنه لمَن تولّى العتق لا لغيره بلفظ الحصر، وهي
الألف واللام، أو بكلمة: إنما، هي أبلغ حسبما بيّنّاه من ذلك في مسائل أُصول الفقه
والخلاف، وأن ذلك له لم تجز هبته، فسمع من النبي ﴿ النهي عن بيعه، وسمع منه النهي
عن هبته لقوله: (الولاء لحمة كلُحمة النسب) وهذا بيِّن بالغ، وهو: التأويل الخامس (٢): فإن
(١) إن كان المقصود التأويل، فهو الثاني وليس الرابع.
(٢) هنا يذكر تأويلاً خامسًا، في حين أنه قد ذكر في بداية الكلام أن هناك تأويلان فقط، فتدبره.
عارضة الأحوذي/ ج ٦ / م ١٨

١٤
كتاب البيوع/ باب ٦٥
قيل: فكيف أجبتم السائبة وهي هبة الولاء، قلنا: اختلف الناس في عتق السائبة، وقد بيّاه في
كتاب الأحكام، وقد كرهه مالك وأجازه سحنون، وله صورتان: إحداهما: أن يقول: أنت
سائبة وينوي العتق، والثانية: أن يقول عتقك سائبة، فيكون ولاؤه عند ابن القاسم ومطرب عن
مالك لجماعة المسلمين، كما لو قال: أعتقت عن فلان. الثاني(١): قال ابن نافع وابن
الماجشون: يكون ولاؤه لمعتقه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وبه أقول، وهي لفظة جاهلية لا
ينبغي أن يرتب علها حكم شرعي.
تكملة: قال ابن العربي رحمه الله: في هذا الحديث اختلاف كثير، ومساق مضطرب، وما
أتقنه إلا أم أيمن الحبشي. قال: واللفظ للبخاري عنه: دخلت على عائشة فقلت: كنت لعتبة بن
أبي لهب ومات وورثني بنوه، وإنهم باعوني من ابن عمرو المخزومي فأعتقني ابن أبي عمر،
واشترط بنو عتبة الولاء، فقالت: دخلت بريرة عليّ وهي مكاتبة فقالت: اشتريني وأعتقيني،
قلت: نعم، قالت: لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي، فقلت: لا حاجة لي بذلك، فسمع ذلك
النبي # أو بلغه، فذكر لعائشة، فذكرت عائشة ما قالت، فقال: ((اشتريها فأعتقيها، ودعيهم
يشترطون ما شاؤوا)، فاشترتها عائشة فأعتقتها، واشترط أهلها الولاء فقال النبي وَر: ((الولاء لمّن
أعتق وإن اشترطوا مائة شرط)»، فهذا نص في جواز الشراء على شرط العتق، ولا تبالي عمّا
شرط البائع على المشتري ما لم يحطّ من الثمن كما فعلت عائشة، فإذا حطّ من الثمن شيئًا لما
كان الشرط دخله الغرور وأكل المال بالباطل فلم يجز، وهذا أصل الباب والله أعلم. وقد أعاد
أبو عیسى الحديث وهذا كلامه.
قال ابن العربي: في هذا الحديث دليل على بيع المكاتب.
باب الشراء والبيع الموقفين
حديث حكيم بن حزام، ورواه عنه حبيب، عن أبي ثابت، ولم يسمعه من رسول
الله : (بعث حكيم بن حزام يشتري له أضحية بدينار فاشترى أضحية فأربح فيها دينارًا فاشترى
أخرى مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى النبي # فقال؛ ((ضحّ الشاة وتصدّق بالدينار)))،
وذكر حديث أبي لبيد لمازة بن زياد (عن عروة البارقي قال: دفع إليّ رسول الله ال# دينارًا
لأشتري له شاة، فاشتريت له شاتين فبعت إحداهما بالدينار، وجئت بالشاة والدينار إلى
النبي ◌َ﴾، فذكر له ما كان من أمره فقال: ((بارك الله لك في صفقة يمينك))، فكان يخرج بعد
ذلك إلى كناسة الكوفة فيربح الربح العظيم، فكان أكثر أهل الكوفة مالاً).
(١) ماذا يقصد بالثاني، الله أعلم.

١٥
كتاب البيوع/ باب ٦٥
الإسناد قال أهل الصناعة: مسألة البيع الموقوف والنكاح الموقوف ليس فيها حديث
صحيح، أما حديث حكيم فرُوِيّ عن رجل مجهول ومن طرق مقطوعة، وأما حديث عروة فيرويه
شبيب بن فرقد، عن رجل من أهل الحيّ، عن عروة، وأما النكاح الموقوف فاختلف في نكاح
النبي وَله لأم حبيبة، فقيل: أنكحه، وأرسل إلى النبي ◌َ ه فقبله، هكذا يرويه عروة عن أم حبيبة
ولم يلقها، ورواه الزهري وقتادة أن النبي وَ ل* تزوجها حين قَدِمت المدينة، ورُوِيَ أن النبي الَ#
وكّل عمرو بن أمية الضمري على النكاح، وأضيف إلى النجاشي لأنه قدر المهر ووزنه، وهذا
هو الصحيح منها على حالها من عدم شروط الصحة التي اتفق عليها أهل الصناعة، وأما حديث
عروة فقد خرّجه البخاري وهو الصحيح، وفيه: حدّثني رجال من الحيّ ولم يحلّ إلا على من
يرضى، وهو خبر فيقبل، ولو كان شهادة لم يجز حتى يعين، لأجل الإعذار، وهلهنا المتخبر
خبره لنفسه ولغيره فلا إعذار في معينه، فلا حاجة إلى تسميته صورة.
المسائل: كنت ببغداد في مجلس فخر الإسلام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي حتى
دخل علينا الشيخ الإمام أبو علي حسن الصاغاني الحنفي الماوراء نهري، فسُئل عن هذه المسألة
وذكرت له بلغتها، وقيل له: ما تقول في بيع الفضولي هل يصحّ أم لا؟ فقال: بيع المتفضل
صحيح، وليس بفضولي بل هو متفضل، لأنه ناب عن الغير وكفاه التعب في التسويق والنداء
على مَن يريد، فإن أعجبه ما فعل أمضاه، وإن لم يعجبه رده عليه وشكر له ما سعى إليه، وآخره
الله فيما اكتسب، وهذا موضع الأخر والفضل، وكان هذا دليله في المسألة وأعجب الحاضرين
وسقط معنى كلامه. الصورة الثانية: أن يشتري له سلعة باسمه ويعلمه بذلك، فإن أرادها قبلها
وإن كرهها رذها. الصورة الثالثة: أن يكون يعقد النكاح لرجل على امرأة وليها ثم يعلمها، أو
يمسكه ممّن تجوز له مباشرته، فأما صورة البيع فاتفاق مالك وأبو حنيفة على جواز وقفه لا على
الإجازة، وأما صورة النكاح فاستمر أبو حنيفة على إلحاقه بالبيع، وأما علماؤنا فتردّدوا على
وقوفه على الإجازة أو لا يقف؟ وإذا وقف فلا يطول ذلك أبو يبعد، وإذا لم يطل وذلك في
تفريع طويل يكاد لا يوجد عليه دليل، وأما الشراء فاتفق الشافعي وأبو حنيفة على أنه لا يقف
على الإجازة، ولحقه مالك بالبيع وهو عسر المأخذ، وقد مهّدنا ذلك كله في مسائل الخلاف،
والعارضة لا تحتمله، فأما حديث عروة فصحيح كان أكثر من خبر الواحد، ففي البخاري أنه
قال: سمعت الحيّ يتحدّثون، فخرج من خبر الواحد إلى الاستفاضة. وقد كان شبيب يقول:
حدّثني رجل من الحيّ ثم سمعه من الحيّ، فأسنده إليهم تارة وإليه أخرى، كما كان سمعه.
باب المكاتب إذا كان عنده ما يؤذي
حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، (عن ابن عباس، عن النبي ◌َّلإر: ((إذا أصاب
المكاتب حدًا أو ميراثًا ورث بحسب ما عتق منه)، وقال النبي وله: ((يؤذي المكاتب بحصة ما

١٦
کتاب البيوع/ باب ٦٥
أذى دية حرّ، وما بقي ديّة عبد). وروى يحيى بن أبي ونيسة، (عن عمر بن شعيب، عن أبيه،
عن جدّه، قال: سمعت النبي # يخطب يقول: ((مَن كاتب على مائة أوقية فأذاه إلا عشر أواقي
أو عشرة دراهم ثم عجز فهو رقيق))، وذكر حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة (عن أم
سلمة قال رسول الله : ((إذا كان عبد مكاتب إحداكن ما يؤدّي فلتحتجب منها). قال أبو
عيسى: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ: صحيح.
قال ابن العربي: هذه مسألة اختلف فيها الناس قديمًا وحديثًا ولم ينتج فيها شيء، وليس
فيها حديث صحيح مع نباهة هؤلاء الرواة وهم أشبه مَن روى فيه، ولهم في ذلك تسعة أقوال:
الأول: أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. الثاني: أنه حرِّ بمقدار ما أدى وقد تقدما. الثالث:
أنه لا يرجع إلى الرقّ أبدًا، وإنما يتبع لكتابته ويستسعي فيها إلا أن يجد مَن يشتريه فيعتقه.
الرابع: أنه يستسعي حولين، فإن قدر على شيء وإلا ردّ في الرقّ، قاله عليّ، رواه عنه الشعبي
عن الحارث. الخامس: إذا أدّى شرط كتابته كان غريمًا ولا يرجع رقيقًا، يُروَى عن عمر، وبه
قضى عبد الملك بن مروان. السادس: إذا أدّى الثالث فهو مثله، ورُوِيّ عن ابن مسعود، قاله
الشعبي. السابع: قال عطاء: إذا بقي عليه الربع فهو غريم. الثامن: أن المكاتب إذا أدّى قيمته
فهو غريم لا يعود رقيقًا، رُوِيّ عن ابن مسعود أيضًا. التاسع: إذا بقي عليه الربع فأقل فهو حرٍّ،
يُروَى عن الشافعي في الجملة. ورُوِيّ: لا يعود رقيقًا رُوِيّ عنه بهذا التقرير، وذلك لأن عنده أن
حطّ شيء من الكتابة واجب. واختلف قولهم في قدر ما يحطّ منها، وأكثر هذه الأقوال غير
صحيح، وهي تحكّمات. وأمثلها القولان اللذان ذكرهما أبو عيسى في الحديثين، وأصحّها أنه
عبد ما بقي عليه درهم، ولم يثبت حديث أم سلمة، وإنما يعوّل في ذلك على أنه أصل العبودية
والرق، والمكاتبة عقد بشرط، فإذا وجد الشرط نفذ العتق، وإذا عدم عدنا إلى أصل العبودية،
فالمسلمون عند شروطهم، ولا يهدم هذا البناء إلا ما هو مثله أو أقوى منه.
قال ابن العربي: مسائل الكتابة عظيمة، وليس فيها خبر وإنما هي تعليلات، فأطنب الفقهاء
وقصر المحدّثون، وترجع إلى أصلين: أحدهما: الكتابة فيها شائبة المعاوضة. الثاني: أنها عتق
على شرط، كقولك لعبدك: إن دخلت الدار فأنت حرَّ، فلا يعتق حتى يدخل. ومَن قال ذلك
لعبده لزمه الوفاء بالشرط، فيخرج عن هذين الأصلين مسائل المكاتب إن شاء الله .
باب إذا أفلس الرجل فيجد البائع عنده متاعه
ذكر حديث مالك، لكن رواه عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم، عن
عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، (عن أبي هريرة، عن رسول اللهم108، قال:
«أيما امرىء أفلس ووجد رجل سلعته عنده بعينها فهو أولى بها من غيره))).

١٧
كتاب البيوع/ باب ٦٥
الإسناد: رواه مالك ورواه الليث ورواه عنهم بأعيانهم فزاد فيه: ((فإن مات فهو أُسوة
الغرماء»، ورواه الدارقطني: ((أيما رجل مات أو أفلس فوجد صاحب المتاع ماله فهو أحق به من
الغرماء)». وما زاده مالك من الأسوة في الموت من قول الراوي: ((وما زاده من استواء الموت
والفلس)) لم يصح.
الأحكام: لأن العلماء اختلفوا في ذلك على أقوال أمهاتها ثلاثة: أحدها: أحق في الفلس
والموت، قاله الشافعي. الثاني: أنه أَسوة الغرماء، قاله أبو حنيفة. الثالث: القول بين الفلس
والموت، قاله مالك. ولم يعوّل أبو حنيفة على شيء من الحديث وإنما عوّل على المعنى فلا
يلتفت إليه، ورام القول بتأويل الحديث وإنما عوّل على المعنى، وقول مالك في الفرق بين
الفلس والموت فإن الموت ليس فيه عن النبي ### نص، وإنما الخبر في الإفلاس، والفرق بين
الإفلاس والموت ظاهر، لأن الموت قد برئت به الذمة، فليس للغرماء الذين لم يجدوا متاعهم
بعينه محل يرجعون إليه، فاستوى جميعهم. وإذا أفلس إن أخذ ذلك الذي وجد متاعه بعينه ما له
كان لسائر الغرماء محل يرجعون إليه، وهو ذمته، والله أعلم.
باب
ذكر أبو عيسى دفع المسلم إلى الذمّيّ خمرًا ليبيعها له، وأدخل حديث أبي سعيد المتقدم
في منع النبي ◌َيقر بيع خمر اليتيم، وقد تقدّم الجواب عنه. وفقه الباب أنه ربما توهم متوهم أنه
كان مطلق اليد على بيع الخمر، ممكن أن يخطر ببال أحد أن تدفع إليه لبيعها إذ هو المطلق
على ذلك، وهذا لا يصحّ، لأنه إن أعطيها على أنها له فهو عون على المعصية، وإن أُعطيها
على أنه وكيل لمعطيها فقد تقدّم أن الله إذا حرّم شيئًا حرّم ثمنه.
باب
ذكر حديث أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي (عن أبي هريرة عن النبي #: ((أدٌ
الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُن مَن خانك)))، وقال: هو حديث حسن غريب.
قال ابن العربي: هذه مسألة متكررة في ألسنة الفقهاء والناس، وقد بيّنّاها في غير موضع
وأوضحنا مطلعها ومتعلق كل فريق في قولهم منها، ولهم فيها أربعة أقوال: الأول: ظاهر
الحديث: ((أدُّ الأمانة إلى مَن ائتمنك ولا تَخْن مَن خانك)). الثاني: خُن مَن خانك، قاله
الشافعي. الثالث: إن كان ذلك مما ائتمنك عليه من خانك فلا تخنه، قاله مالك، وإن كنت
ظفرت له بشيء مما لم يجعله في يدك أمانة فخذ منه حقك، وإن كان غير ذلك فلا. الرابع: إن
كان من جنس حقك فخذ، وإن كان من غير جنسه فلا تأخذ، قاله أبو حنيفة، ومطلع النظر في
هذه المسألة قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾

١٨
كتاب البيوع/ باب ٦٥
[البقرة: ١٩٤] فسمّى الجزاء اعتداءً كما سمّى الاقتضاء في الحديث خيانة، وليس الجزاء
والاقتضاء بخيانة، ولكن سمّاها باسم ما قابلها كما تفعل العرب في إطلاقاتها، وإنما نزل القرآن
وتكلم الرسول بلسانهم إذ هو إمامهم وإمام الجميع تسليمًا. ويعارض قوله: ﴿فَمَن
اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] وقوله:
﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ [النحل: ٩١] فإذا عاقدت رجلاً أو عاهدته على عقد وحفظ
وارتبطتما إليه، وكان بينكما عقد آخر وعهد ارتبطتما إليه، وإن أحدهما مرتبط بالآخر فهذا مما لا
خلاف فيه، وإن كانا عقدين منفصلين فهذا موضع الأقوال المختلف فيها، والصحيح منه جواز
الاقتضاء وجزاء الاعتداء، بأن تأخذ مثل ما مضى لك سواء كان من جنسه أو من غير جنسه وإذا
اعتدلت، لأن ما للحاكم أن يفعله بينكما جاز لك إذا قدرت أن تفعله لنفسك مع الضرورة، ما
لم تخف طروء مكروه عليك في دينك أو دنياك، والأصل في ذلك حديث هند، إذ قالت: يا
رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي بالمعروف، فهل عليّ
حرج أن آخذ من ماله؟ قال: ((لا، بالمعروف)).
باب العارية مؤداة
ذكر حديث (أمامة: سمعت النبي # بقول في الخطبة في حجة الوداع: ((العارية مؤادة،
والزعيم غارم، والدين مقضي) وقال: هو حسن. وذكر حديث الحسن (عن سمرة قال
النبي : (((على اليد ما أخذت حتى تؤدّي))) وقال: حديث حسن صحيح. وقال قتادة: ثم
نسي الحسن وقال: هو أمينك لا ضمان عليه.
الإسناد: ليس في العارية حديث صحيح.
قال ابن العربي رحمه الله: لم يصح في هذا الباب بلفظه حديث، وقد رويت فيه ثلاثة
أحاديث: الأول: حديث صفوان وألفاظه مختلفة، أحدها: قال: يا رسول الله أعارية مؤداة؟
قال: ((عارية مؤداة))، وكانت ثلاثين درعًا أو ثلاثين شعيرًا، والدرع أصح. وفي بعض طرقه:
أغصبًا يا محمد؟ قال: ((بل عارية مضمونة))، قال: فضاع بعضها فعرض عليه أن يضمنها، قال:
لأن قلبي من الإسلام غير ما كان يومئذ. الثاني: حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه:
(ليس على المستعير غير المقل ضمان، وعلى المستودع غير المقل ضمان)) ولم يصح، إنما هو
من قول شريح. الثالث: عن عطاء أنه ذكر في تفسير ((العارية مؤداة)) قال: أسلم قوم وفي أيديهم
عواري من المشركين، قالوا: قد حرزنا الإسلام ما بأيدينا من عواري المشركين، فبلغ ذلك
رسول الله 5 فقال: ((إن الإسلام لا يحرز لكم ما ليس لكم، العارية مؤداة)) فأذى القوم ما كان
بأيديهم من تلك العوراي، وهو حديث مرسل.

١٩
كتاب البيوع/ باب ٦٥
..
الأحكام: في العارضة أن العلماء اختلفوا في العارية على ثلاثة أقوال على نحو ما تقدم في
الرهن المقطع، واحد في الأحوال كلها إلا أن العارية تزيد على الرهن بنكتة، وهي أن الرهن في
قبضه منفعة لمَن هو بيده من الاستيثاق، ومنفعته لمّن دفعه لأن المعاملة عليه وقعت إذا كان في
أصل العقد، فأما العارية فإنما هي لمنفعة القابض وحده، فلذلك صرّح الشافعي على أنها
مضمونة، ونظر مالك وأبو حنيفة إلى أن قبضها بإذن المالك لانتفاع، فأما أبو حنيفة فطرد الأمانة
في الذي يغلب عليه وما لا يغلب عليه، فمشى أثره. وأما مالك فاختلف قوله، فعسر الأمر في
الضبط، وأفلت في الربط. وقد مضت في مسائل الخلاف بحسب الوسع.
باب الاحتكار
ذكر حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيب، عن
(معمر بن عبد الله بن نضلة، قال: سمعت رسول الله* يقول: ((لا يحتكر إلا خاطىء») وهو
حدیث حسن.
العربية: قوله: (خاطىء) لفظة مشكلة اختلف ورودها في لسان العرب، فيقال خطىء في
دينه خطئًا إذا أثِمَ، ومنه قوله: ﴿إنه كان خطئًا كبيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] ويقال أخطأ إذا سلك
سبيل خطأ عامدًا أو غير عامد، وقد يكون الخطأ فيما لا إثم فيه، قال سبحانه: ﴿وما كان
لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ) [النساء: ٩٢] وقد يكون أخطأ في معنى أثم، قال سبحانه:
﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وإذا اشترط ورودها لم تفسرها إلا
القرائن.
الأحكام: فقوله: ﴿لا يحتكر إلا خاطىء) يعني الآثم، وللحكرة محل وزمان، واختلف في
ذلك. فأما المحل فقال مالك والثوري: الاحتكار في كل شيء إذا أضرّ بالناس، إلا الفواكه.
وقال ابن حنبل الاحتكار في الطعام وحده في مكة والمدينة والثغور لا في الأمصار، وقيل:
ليست الحكرة إلا في القوت لا في الإدام، ولأجل ذلك كان يحتكر سعيد بن المسيب الزيت،
وأما زمان الاحتكار فاختلف أيضًا فيه، فقيل: إنه في كل وقت، وقيل: إنما ذلك عند مسيس
الحاجة إليه، والذي يضبط لكم هذا العقد أن النبي 3 18 قال: ((لا يحتكر إلا خاطىء))، فبني على
هذا الحديث أو بني على قوله: ((لا ضرار))، وبني على إجماع الأمة على هذا المعنى من القصد
إلى ما يضرّ الناس على الخصوص أو العموم لا يجوز، وكذلك فعل ما يضرّ بهم، فنقول: إذا
كان المحتكر يقبض إليك عن الشيء المحتكر من مال نفسه وكسب يده فلا حرج عليه في
احتكاره وانتظار رفع السوق وحفظها، أما أنه إن كان ينتظر غلاء متفاوت فذلك أن عناده فهو
إثم، وإن خاف على نفسه وعلى الناس وتأهب له يكن آئمًا. وأما إذا كان المحتكر يشتري من
السوق فذلك جائز بثلاثة شروط: الأول: سلامة النيّة. الثاني: أن لا يضرّ بالناس في السوق

٢٠
كتاب البيوع/ باب ٦٥
فيرفع في سوقهم بكثرة الطلب. الثالث: أن لا يكون من أصول المعاش كالطعام والدهن، ففيه
الخلاف. نعم، قد تكون الحركة مستحبة إذا كثر الجالب، فإن لم يشتر منه ردّ الطعام فيكون
الشراء حينئذ جائزًا والحركة حسنة.
نكتة: فإن زاد السعر لحاجة تنزل بالناس بسبب من أسبابها فلا يخلو أن يكون الذي يزيد
فيه بلديًّا أو طارئًا يصنع كيف شاء، وإن كان بلديًّا يقال له: إما أن تبيع بسعر الناس وإلا فاخرج
عن سوقنا، كما فعل عمر بحاطب، ولقد كان الخليفة ببغداد إذا زاد السعر يأمر بفتح المخازن
ويبيع بأقل مما تبيع الناس حتى يرجع الناس إلى ذلك السعر، ثم يقول: نبيع بأقل من ذلك حتى
أرة السعر إلى أوله أو إلى القدر الذي يصحّ بالناس ويغلب المحتكرين، والجالبة بهذا الفعل
قسرًا فيدفع عن المسلمين ضرًا، وذلك كان من حُسن نظره عفى الله عنه.
باب اليمين الفاجرة
ذكر حديث ابن مسعود والأشعث وهو حديث صحيح فيه كلام طويل مختصر في أربع
مسائل:
الأولى: أن قوله: (كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني) دليل على جواز
مشاركة المسلم للذمّيّ في الأرض، لأن النبي تؤ9 أقرّه ولم ينكره، ولا أمره بمفارقته. وقال
علماؤنا: لا ينبغي مشاركة الذمّيّ ومَن يجوز أكل طعامه وأخذ الجزية منه وهو آكل، ربما جازت
شركته ولا فرّق بينهما. وقد دللنا عليه وأسبقنا القول في غير هذا.
الثانية: قوله: (ألك بينة قلت لا قال اليهودي احلف) دليل على أن حكم الشرع في
الأحكام بين أهل الذمة وأهل الإسلام سواء.
الثالثة: قوله: (فقدّمته إلى رسول الله (1) دليل على أن الحكم إنما يكون إلى إمام
الإسلام.
الرابعة: قوله: (إذن يحلف ويذهب بمالي) فأنزل الله الآية، وقد بيّنّاها في كتاب الأحكام،
وهو دليل على أن خطاب الشرع بالنهي عن المعاصي متوجه على الكافر توجّهه على المؤمن،
والوعيد وسائر خطابات الشرع، وقد بيّاها في أصول الفقه.
الخامسة(١): قوله: (لقي الله وهو عليه غضبان) يعني بالغضب إرادة عقوبته، وعقوبته نفسها
إذا تغيّر بالغضب عن الوجهين جميعًا، وإذا لقيه وهو يريد عقابه أو قد عاقبه جاز بعد ذلك أن لا
(١) ذكر في البداية أنها أربع مسائل، وهنا يورد الخامسة.