النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كتاب البيوع/ باب ١
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِد عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ
الثّعمانِ بْنِ بَشِيرٍ.
الخامسة: بيّن الله ما أباح وبين ما حرّم في كتابه وعلى لسان رسوله، وبينهما مشتبهات.
ويُروى هذا الحرف على ثلاثة أوجه: مشتبهات على وزن مفتعلات بكسر العين، ومشبهات
على وزن مفعّلات بتشديد العين، ومشبهات على الوزن المتقدم لكن العين مكسورة. فالأول
معناه: اكتسبت الشبهة من وجهين متعارضين، ومعنى الثاني أي: مشبهة بغيرها مما لا يتبيّن به
حكمها على التعيين، ومعنى الثالث: مثله لكن أضاف الفعل إليها وهو مجاز سائغ عربي
فصيح. ولا يصحّ أن يكون المثال الأول مفتوح العين، لأن افتعل مما لا يتعدّى إلى مفعول
فيكون منه بناؤه، وإنما من الأفعال اللازمة فأطلق الشرع الأيدي على الحلال وقصرها عن
الحرام، ووزّع عن المشتبه في قول ومنع منه في آخر على ما يأتي بيانه مختصرّاً إن شاء الله.
وفصل آخرون، وهي:
السادسة: بين المعاني فقالوا: إن كان من الفواحش الكبائر التحقت فيه الشبهة بالحرام،
وإن كان من غير ذلك بقي على هذا الأصل، فمَن باع سلعة بعشرة إلى أجل، ثم اشتراها ممّن
باعها منه بخمسة نقدًا فهذا حلال محض وعمل صحيح، ولكن يشبه مَن أعطى خمسة بعشرة إلى
أجل، فلما خاف من الناس إذا لم يخف الله جاء بهذه الصورة، فصاحب الدين صوّرها بذلك لئلا
ينكرها الغريم، والغريم استسهلها لنفسه قلّة دين أو ضرورة، فقال كثير من العلماء: ذلك جائز،
وقال كثير منهم: ذلك حرام، وما أخذ بهما من الشرع جميعًا، والأقرب من الأمرين مَن قال:
إنه حرام، فإن الله لا تخفى عليه خافية والأعمال بالنيّات، فهذا بيع انعقد على غير قانون الشرع
فكان حرامًا. فإن قيل: ولعله لم يعقد عليه، قلنا: فقد آل إليه، فإن قيل: ومَن لم ينوِهِ يُجاب
عليه، فكيف يقضى بفسخه عليه؟ ولا يفسخ دينًا إلا ما يحرم ويعاقب به الأخرى. قلنا: إذا حزم
الشرع معنى الفسخ نواه الفاعل أو لم ينوه. فإن قيل: وأنت إنما حرّمت هذا خوفًا من القصد،
وأنت لم تعلم قصده، قلنا: هذه نكتة المسألة وسرّها الأعظم، وذلك أنه لما كان هذا أمرًا
ء مخوفًا حسم الباب فيه، ومنع من صورته لتعذّر الوقوف على القصد فيه، والشريعة إذا علّقت
الأحكام بالأسباب الباطنة أقامت الظاهر مقامه، كالمشقّة في السفر التي علّقت عليها الرخص،
لما لم تنضبط علّقت على صورة السفر، والعدّة لما وضعت لبراءة الرحم علقت على وجود
الوفاة، والطلاق، ولم يعتبر بصورة الزوجة في إمكان الوطء وعدمه وخوف الحمل والأمن منه،
لأن ذلك ما لا يتحصّل للخلق.
السابعة: ركّب أصحابنا على ذلك مسائل سموها: ذريعة الذريعة، وسمّاها آخرون: شبهة
الشبهة، وذلك مما لا معنى له، فإنه ليس للشبهة شبهة إنما هي وشبهتها شبهتان مما للتي صارت
شبيهًا لها شبهة، وهذا لا يتفطن له الأعراض، وقد بيّاه في المسائل.
عارضة الأحوذي/ جـ

١٦٢
كتاب البيوع/ باب ١
الثامنة: معنى أصل في الحلال ومعنى آخر في الحرام، وأجلّ ما تكلم فيه عالِمنا وكبيرنا
الحارث بن أسد، فمن الأصول التي زعم قول السعدي عن النبي والقر: ((لا بلغ العبد أن يكون
من المتّقين حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس))، ونحو هذا بينه في درجة، وبين درجة
أخرى فقال عن أبي ذر: «تمام التقوى أن يتقي الله العبد بترك بعض الحلال مخافة أن يكون
حرامًا حجابًا بينه وبين الحرام)). وذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له: ألا تشرب من ماء زمزم،
فقال: لو كان دلو لشربت، إشارة إلى أن الدلو من مال السلطان، وكان مال السلطان مشتبهًا.
وذكر أن سعدًا حرق كرمه وقال: ليس الشيخ أنا إن بعت الخمر، وقال أيضًا: إنما حرّك في
الصدر شبهة تجتنب. ورُوِيّ عن النبي * قال: ((افتِ نفسك وإن أفتاك المفتون))، وأطال القول
في ذلك وأفاد فيما أعاد، وجدّد فيما لولا تعلقه بأحاديث ضعاف وبناء الأصول عليها، فإن أوقف
عليها علماء الحديث سخروا من ذلك وهزؤوا به، مع أنه لقي أخبار الدنيا فيه كابن أبي شيبة
وغيره، والذي عندي في ذلك والله أعلم ما رويناه عن أحمد بن حنبل يستجيز بين الحديث في
الورع رضي الله عنه عن البخاري الذي لم يرّ أن يتعلق القلب ولم يرتبط الدين إلا بالصحيح،
وبه نقول، ولو مِلنا إلى مذهب أحمد فلا يكون التعلّق بلين الحديث إلا ما في المواعظ التي
ترقّق القلوب، فأما في الأصول فلا سبيل إلى ذلك. والذي تقيد في الأصول في باب الشبهات
من الحديث الأول في الأقوال حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي وهاب
اليمني، فجاءت سوداء فقالت: قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك
أرضعتني ولا أخبرتيني، فأرسل إلى آل أبي أهاب فسألهم، فقالوا: ما أرضعت صاحبتك، فركب
إلى النبي وهر قال: فأتيت النبي إليه فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان فجاءت امرأة سوداء فقالت
لي: قد أرضعتكما، وهي كاذبة، فأعرض عنه وتبسم، فأتيته من قِبَل وجهه فقلت: إنها كاذبة،
قال: ((وكيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك))، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى.
الثاني: عن أبي هريرة عن النبي وسلم أنه قال: ((إني لأنقلب إلى أهلي فآخذ التمرة ساقطة على
فراشي فأرفعها لآكلها فأخشى أن تكون من الصدقة فألقيها))، وعن أنسٍ مرّ النبي * بتمرة ساقطة
فقال: ((لولا أن تكون صدقة لأكلتها)». الثالث: سُئِلَ عثمان عن الأختين هل تجمعان بملك
اليمين؟ فقال: أحلّتهما آية والتحريم أولى، وساعده على ذلك عليّ والزبير، واتفق الناس عليه
فصار الأول والثالث أصلاً في الشبهة .
العارضة: للعبد من الأقوال في نوعين: أحدهما من جهة الخبر، والثاني الذي هو الثالث
من الأمثلة في تعارض الأدلة، وصار الثاني من الأمثلة في الثمر أصلاً في الشكر الطارئء عن
العبد في باب الكسب الذي ورع النبي ﴾ فيه، وأخبر عن فساد أمره في آخر الزمان، فقال:
((يأتي على الناس زمان لا يبالي العبد فيه من كسب المال)»، فهذا صحيح. زاد الناس فيه ما لم
يصح. فقالوا: (مَن لم يُبالِ من حيث كسب المال لم يُبالِ الله من حيث أدخله النار))، والحديث

١٦٣
کتاب البيوع/ باب ١
باطل. ومن الشبه في تعارض الأقوال إذا قال لامرأته: أنت طالق إلى شهر، فقال كثير من أهل
العلم إذا جاء رأس الشهر فهي طالق، وقال مالك: تطلق في الحال بناء على أن هذا القول تأنيث
للحلّ في الفرج وإنهاء له إلى أجل فصار ما لو ابتدأ عقد النكاح على ذلك، وقال المخالف:
ليس الابتداء في ذلك كالاستدامة، فإنه لو عقد النكاح إلى قدوم زيد لم يجز، ولو انتهى الحلّ
إليه بعد النكاح فقال: أنتِ طالق إذا قَدِمَ زيد لم تطلق، فكما لم يلتحق به في قدوم زيد كذلك
لم يلتحق في رأس الشهر، فانقطع الشبه وزالت المضارعة، ورجعت المسألة إلى أن مذهب
المخالف أقوى، وقد نصرنا المسألة في مسائل الخلاف بما فيه كفاية. ومن المشتبه في
المعاملات ما روى مسلم أن معمر بن عبد الله أرسل غلامًا بصاع قمح فقال: بِعْه واشتَرٍ به
شعيرًا، فذهب الغلام فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمر أخبره بذلك فقال له
معمر: ولم تأخذ إلا مثلاً بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله * يقول: الطعام بالطعام مثلاً
بمثل، وكان طعامنا يومئذ الشعير، قيل: فإنه ليس بمثله، قال: أخاف أن يضارع أي یشابهه،
فعلم أنه ليس بمثله ولكنه خاف أن يضارع، وسنستقصي المسألة إن شاء الله، وروى البخاري عن
ابن عباس أنه قال: قال رسول الله وَل﴾: ((مَن ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه))، قال ابن
عباس: وأحسب كل شيء مثله.
الثامنة(١): قوله: (لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام) يشهد بتعيّن
محتمل من محتملات المشبهات، وهو التعارض في الأدلة، لقوله: (أمن الحرام هي أم من
الحلال) فدل على أنه من أحدهما. وقوله: (كثير من الناس) دليل على أن هنالك قليل من
يعلمها، فينبغي للمقصّر أن يقف عنها ويرجع إلى العالم بها فيعمل على قوله فيها، إما بتنبيه على
دليلها فيكون من باب الذكرى، وإما لمجرد الإعلام فيكون من التقليد، وقد تعارض الأدلة على
النازلة فيكون فيها للعلماء ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها من قسم الحلال توسعة ورفعًا للحرج.
الثاني: أنها من قسم الحرام أخذًا بالاحتياط في الترك. ومن الناس مّن طلب دليلاً آخر أن
وجدها، وإلا تركها وهو الاستبراء الذي نبّه عليه في قوله: ((ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ))،
وهي:
التاسعة: ومعنى استبرأ استفعل، من البراءة وهي ذهاب الشيء المُلابس للآخر منه، وهو
مستعمل في العُزْف بالمكروه. قال الله سبحانه: (إني بريء مما تعبدون] (٢) و﴿الله بريء من
المشركين ورسوله﴾ [التوبة: ٣] و﴿إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ [الممتحنة: ٤]،
(١) هي المسألة الثامنة في العارضة.
(٢) ليس هناك بين دفتي كتاب الله آية بهذا اللفظ، بل هناك في سورة الزخرف [٢٦]: ﴿ ... إنني براء
مما تعبدون﴾.

١٦٤
كتاب البيوع/ باب ١
فمعنى استبرأ أزال نفسه عن المكروه وأزال المكروه مما يريد أن يلتبس منه، ومن ألفاظ
الصحيح: ((وبينهما أمور مشتبهة، فمَن ترك ما شبّه عليه من الإثم كان لما استبان الترك، ومَن
اجترأ على ما شك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان. قوله: «لعرضه))، وهي:
العاشرة: وقد بيّنًا العرض في موضعه، والمراد من معانيه هلهنا اعتقاد الناس فيه وذكرهم
له عدّته مجازًا، لأن الخبر عنه يكون، وذلك أن الرجل إذا رُؤِيّ مسترسلاً ◌ُنَّ به ترك الاحتراز
واحتمل عندهم الوقوع فيما لا ينبغي، فبأقل خبر يقال أو علامة محتملة تظهر، قالوا: إن الظن
به أنه يفعل وإن كان محترزًا متحرّيًّا لم يقبل عليه خبر ولا اتهم بمحتمل، وحمل على السلامة
وقُضِيَ له بالبراءة.
الحادية عشرة: قوله: (ودينه) المعنى كان لدينه مصونًا لما جعل بينه وبين الحرام من وقاية
ترك الشبهة بل والحرام، وإذا استرسل على المباحات لم يأمن أن تقع باعتماد الشهوات والترسّل
باللذّات في مشتبه، فيقوده ذلك إلى الحرام، وذلك معلوم بالاعتبار مشاهد في العباد، فالخير
عادة والشرّ لحاجة، فلذلك قال وهي:
المسألة الثالثة عشر (١): ((يكون كالراعي حول الحمى أوشك أن يواقعه)» لطول المجاورة له
ومشقة تمادي الاحتراز منه، حتى يميل فيلقي بيده إلى التخلّي، فيقع فيه، وإذا أبعد عنه أمِنَ مع
الاسترسال الوقوع فيه، فضرب النبي * في هذا مثلاً الأربعة بأربعة: الباري تعالى وله المثل
الأعلى والمحرّمات والشبهات، والمتعبد بالأمر والنهي بالملك ولا ملك إلا لله. والحمى ما
يجاوره الراعي، فلا أحد أغير من الله، ومن غيرته حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فإذا
حرّم المتعبّد بالأمر والنهي نفسه على المحرمات كان كالراعي جانب حمى الملك بسائمته، وهو
نفسه وهو المبتدأ، وإذا سرح نفسه في رياض الشهوات وأوطنها أودية الغفلات وسامحها
بالمشتبهات، كان كالراعي دار بماشيته حول الحمى ودنى منه في سرحه وتدلّى، ولا يأمن أن
يقع فيه ويتردّى وهو الثاني، وإن أكبحها عن المُباحات ومنع متاعها من الجائزات كان بمنزلة
الراعي إذا أدبر بماشيته وانتوى، ولم يكن لشيء من أرض الحمى، وهو الثالث منه، فتنتظم به
حال الراعي وتحصل له السلامة، وهو المنتهى الرابع من الأمثال. قد روى الحارث بن أسد أن
عمر بن الخطاب كانت له أهل لم يكن في أهله أو في صدره منها، فلما وَلِيَ أمر الناس قال:
لم يكن أحد أخوف من أن يشاركني في أمانتي منها، فطلّقتها مخافة ذلك، فلما حفظ الله مني ما
كنت أخاف ذكرت وذي إيّاها فكتبت إلى أهلها أخطبها، فأتاني الجواب فأنا حين أقلعها من قبرها
(١) هكذا بالأصل، وهي الثانية عشر من حيث الترتيب.

١٦٥
كتاب البيوع/ باب ١
كتبنا جوابك في الموذج(١) من المشتبه تقدم ذكر صدرها، وهي تعلق الكرم ببيع الخمر. قال
بعض علمائنا: لا بأس أن تساقي الذمّي كرمك إذا أقنت أن يعصره خمرًا، وهذا لا سبيل إلى
حصول الأمن منه أبدًا، إلا بأن لا تفارقه حتى يقطعه ويزيّبه ويبيع زبيبه، فإذا خرج عن يده حينئذ
يأمن أن يتخذ منه خمرًا، أو (٢) قدم فقالوا: إن هذا مبني على القول بمخاطبة الكفّار بفروع
الشريعة أو لا يخاطبون، وقد اجتمعت الأمة على جواز أكل طعامهم، ولا ينتجون الخمر فدلّ
على أن أمرهم كله عفو عندنا، سمح الله به لنا، فلا تدخل معاملتهم ولا مساقاتهم في شيء من
الشبهة، وإسقاطه من باب الورع أيضًا. حديث الموطأ أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، إنه يأتينا
ناس من أهل البادية بلحمان لا ندري أسمّوا الله عليها أم لا، فقال: ((سمّوا الله وكُلُوا»، ولم
يكن حولهم ذمّيّ وإنما كانت العرب أهل أوثان وإشارتهم إنما كانت إلى أن البادية يغلب عليهم
الجفاء والجهل، فلا يدري إذا جاؤوا بها هل استوفى شروط الذكاة فيها أم لا؟ فقال النبي #:
(سمّوا الله وكُلُوا))، المعنى: عليكم بما توجه عليكم من التسمية في أكلكم، ودعوا فعلهم
واكتفوا بظاهر إسلامهم، ولذلك جاز أكل لحوم الجزارين وإن لم يوثق بهم في التسمية حملاً
على ظاهر الإسلام، إلا إن تعاين منهم مَن يترك التسمية فحينئذ يجتنب الأكل، كما جرى
لعبد الله بن عباس بن أبي ربيعة حين أمر غلامه أن يسمّي، فقال: سمّيت، وأبى أن يعلق بها
کما أمره بترکها تورعا، لأنه لم يثق به.
الثالثة عشرة: هذا إنما ذكره العلماء في فاتحة البيوع لينبّه الخلق عن الاحتراز من كل
أمر مشتبه في طريق الكسب يضارع المحرم، فيجتنب المسلم الذي يريد أن يسلم له دينه،
والله العاصم لا ربّ غيره. وقد قرأت على الشريف الكامل نقيب النقباء أبي الفوارس
طراد بن محمد الزيتي، أخبرنا أبو الحسن بن بشران، حدّثنا أحمد بن محمد الجویزی،
أخبرنا ابن أبي الدنيا، حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن
محمد بن إسحق، أن عمر بن الخطاب استعمل النعمان بن عدي بن فضلة عن نيسان من
أرض البصرة فقال أبياتًا:
بميسان يسقي في زجاج وحنتمٍ
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها
ورقّاصة تحذو على كل منسٍ
إذا شئت غنّتني دهاقين قرية
ولا تسقني بالأصغر المتثلم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني
تناومنا في الحوشن المتهدم
لعل أمير المؤمنين يسوءه
(١) هكذا بالأصل.
(٢) بياض بالأصل.

١٦٦
كتاب البيوع/ باب ٢
٢ - باب مَا جَاءَ فِي أُكْلِ الرِّبَا
[المعجم ٢ - التحفة ٢]
١٢٠٦ - عقدنا قُتَنْيَةُ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنٍ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ﴿﴿ آكِلَ الرِّبًا وَمُوكِلَهُ
وَشَاهِدَيْهِ وَكاتِبَهُ(١).
فلما بلغت أبياته عمر قال: نعم، إن ذلك والله يسوؤني، فمَن لقيه فليخبره أني قد عزلته،
فلما قَدِمَ اعتذر وقال: والله يا أمير المؤمنين ما صنعت شيئًا مما بلغك، ولكن كنت امرأً شاعرًا
أوجدت فضلة من قول فقلت، فقال عمر حين بلغه ذلك: أي والله يسوؤني ثم عزله. وقال
غيره: وأوفده فقال له: ما فعلت، وإنما كان فضلة من قول، وقال له: ألم تر أن الله يقول:
﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم ترّ أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾
[الشعراء: ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦] فقال له: عذرك، سقط عند حدّك ولا تعمل لي عملاً أبدًا،
والمعنى في ذلك أن عمر لمّا رأى القول يسترسل خاف أن يتعدّى إلى الفعل، فإن اللسان
ترجمان الفؤاد، فإما قال ليفعل، وإما همّ، وإما أعجبه، والكل مكروه وبعضه أدنى من بعض.
باب في أکل الربا
ذكر من رواية (عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لعن رسول الله ## آكل الربا وموكله
وشاهدیہ و کاتبه) حديث حسن صحيح.
العارضة: الحاضر فيه أن هذا اسم لم يثبت له في ديوان أكثر الناس رسمًا، إذ لم يعلموا
حقيقة الربا، وهو في لسان الشريعة عبارة عن كل بيع فاسد ومعاملة حرام لا يختصّ ذلك الأعيان
المقتاتة، ولا يقف على المطعومة المؤخرة، بل كل عقد وقع على وجه لا يجوز في أيّ نوع
كان من أنواع المال، فإنه الربا. وقد بيّنًا ذلك في كتاب الأحكام بيانًا شافيّا، فمَن أراد الإيعاب
فلينظره هناك إن شاء الله تعالى. والنكتة فيه أن الله سبحانه قال: ﴿وأحلّ الله البيع وحرم الربا﴾
[البقرة: ٢٧٥] فقسم الأمر قسمين في المعاملة: جائز ومحرّم فاسد، وليس هناك قسم ثالث.
ويفسّره ويوضّحه في سبيل السُّنة ما ثبت في الصحيح أنه لما نزلت آية الربا خرج رسول الله ؤهم
إلى المسجد فحزم التجارة في الخمر، وهذا الفصل لم يتفطّن له إلا أبو حنيفة ومالك، وغاب
عنه الشافعي في فطنته، فلم يكن في معرفته بإذن الله في البيع، وهو نقل الأملاك والأموال
(١) أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٤ - باب في آكل الربا وموكله، حديث رقم ٣٣٣٣.
وأخرجه النسائي في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ١٣ - باب إحلال المطلقة ثلاثًا، وما فيه من التغليظ.

١٦٧
كتاب البيوع/ باب ٣
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَجَابِرٍ وَأَبِي جُحَيْفَةً.
قَالَ آبُو عِیسی: حَدِيثُ عَبْدِ اللّهِ حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٣ - باب مَا جَاءَ في التّغْلِيظِ في الكَّذِبِ وَالزُّورِ وَنخْوِهِ
[المعجم ٣ - التحفة ٣]
١٢٠٧ - حقدنا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى الصَّنْعَانِيّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، عَنْ
شُعْبَةً. حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبيِّ ◌ِلَّ (في الكَبَائِرِ) قَالَ:
(الشّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أنَّسٍ، حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
المأذون في الانتفاع بها من حذّ إلى حد، وتحويلها من استيلاء بعوض مقدّر، وتولّى الشارع
تقدير أعواض بعض الأموال ووكّل تقدير بعضها إلى المتناقلين. والربا هو كل زيادة لم يقابلها
عِوَض المال، والتجارة كل معاوضة تقابلت فيها الأعواض الشرعية، وما عداها أكل المال
بالباطل، فاقتضت الإتيان كتاب البيوع كله على العموم والشمول دون التفصيل، وفصله النبي تكلفة
في ستة وخمسين حديثًا، فإن أردت اليقين في التبيين، والبلاغ الشافي المعين فعليك بكتاب
الأحكام إن شاء الله، فهو المستعان للمستعين لا ربّ غيره.
باب التغليظ في الكذب والزُّور
ذكر حديث (أنس في الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقول الزُّور) صحيح
حسن، یرویه عبد الله بن أبي بكر بن أنس عنه.
قال ابن العربي رحمه الله. الباب عظيم، قد بيناه في التفسير، وربطناه في قانون التأويل،
والمراد منه هلهنا قول الزور وهو الكذب، وحقيقته الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه،
حرّمته الشرائع وكرهته النفوس لما فيه من فساد القانون في القول والفعل، أو توصل إلى غرضه،
وأشذه الكذب على الله وثانيه الكذب على رسول الله، وهو هو أو نحوه، وثالثه الكذب على
الناس وهي شهادة الزُّور في إثبات ما ليس بثابت على أحد، أو إسقاط ما هو ثابت، ففيه
(١) أخرجه البخاري في: ٥٢ - كتاب الشهادات، ٤ - باب ما قيل في شهادة الزور، حديث رقم ١٢٩٠.
وأخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان، حديث رقم ١٤٤.

١٦٨
كتاب البيوع/ باب ٤
٤ - بطب مَا جَاءَ في التَُّجَّارِ وَتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ إِيَّاهُمْ
[المعجم ٤ - التحفة ٤]
١٢٠٨ - حقثنا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُ وَنَحْنُ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَقَالَ: ((يَا
مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالإِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ. فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَرِفَاعَةٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ قَيْسٍِ بْنِ أَبِي غَزْزَةً حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ مَنْصُورٌ
وَالأَعْمَشُ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ. وَلاَ
تَعْرِفُ لِقَيْسٍ عَنِ النَّبِيَِِّ﴾ٌ غَيْرَ هذا.
المضرّة وتصوير الباطل في صورة الحق في مجلس الحق عند نائب الحق، فتضاعفت الخطايا
الخمس وتناصرت بعظم أمرها، وتضاعفت بتضاعيف إثمها، ولذلك كان النبي # إذا حذّر عنها
يقول: ((وقول الزُّور وقول الزُّور)»، وما زال يكررها حتى قال الصحابة: ليته سكت. ورابعه:
الكذب للنفس وهو أمر طويل لكثرة متعلقاته، ومن أشده الكذب في المعاملات، وهو أحد
أركان الفساد الثلاثة، وهي كذب عن عشر، فإذا خلصت المعاملة من هذه الثلاثة فهي التجارة
التي أذِنَّ الله فيها، وهي التي مدح صاحبها في الحديث الذي خرّجه أبو عيسى وغيره عن الحسن
عن أبي سعيد قال رسول الله وَز: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)،
وهذا الحديث وإن لم يبلغ درجة المتّفق عليه من الصحيح فإن معناه صحيح، لأنه جمع الصدق
والشهادة بالحق والنصح للخلق وامتثال الأمر المتوجّه إليه من قِبَل الرسول وَل، وإن زاغ عن
هذا بعث كما قال في الحديث الذي رواه وصححه (من رفاعة أنه خرج مع النبي # إلى
المصلى فرأى الناس بتبايعون فقال: ((يا معشر التجار، فلستجابوا لرسول الله # فقال: ((إن التجار
يُبعثون يوم القيامة فجَارًا، إلا مَنْ اتقى وبرّ وصدق))). كما روى عنه (قيس بن غرزة قال: خرج
علينا رسول الله ) ونحن نسمّى السماسرة، فقال: ((يا معشر التجار، الشيطان والإثم يحضران
البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة)))، ورواه أيضًا أبو عيسى وصححه. وفي رواية: فسمّانا باسم هو
(١) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب البيوع، ١ - باب في التجارة يخالطها الحلف واللغو، حديث
٣٣٢٦. وأخرجه النسائي في: ٣٥ - كتاب الإيمان، ٢٢ - باب في الحلف والكذب لمّن لم يعتقد
اليمين بقلبه.

١٦٩
كتاب البيوع/ باب ٤
حَدَّثَنَا هَنَّدٌ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ بْنِ سَلَّمَّةً، (وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو
وَائِلٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِي غَرَزَةً، عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
وفي البَابِ عَنِ الْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ وَرِفَاعَةَ.
قَالَ أبُو عِیسی: وهذا حديثٌ صحيحٌ.
١٢٠٩ - عقدنا مَنَّدٌ. حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ
أبي سَعيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ، مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَاء))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. لاَ نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ
عَنْ أَبِي حَمْزَةً. وَأَبُو حَمْزَةَ اسمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ. وَهُوَ شَيْخٌ بَضْرِيٍّ.
حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبي
حَمْزَةٌ، بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ.
١٢١٠ - عقدنا أَبُو سَلّمَةً يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُثمانَ بْنِ خُثَيمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةً، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ
النَّبِيِّ ◌َ﴿ إلى المُصَلَّى. فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الثُّجَّارِ))! فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولٍ
اللّهِ ﴿، وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ. فَقَالَ: ((إنَّ الثُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا. إلاَّ
مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ))(٢).
قَالَ أُبُو عیسی: هذا حديث حسنٌ صَحِيحٌ.
وَيُقَالُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةَ أيْضًا.
أحسن من اسمنا، فقال: ((يا معشر التجّار)). قال ابن العربي رحمه الله: يحتمل أن يكون *
أخذه من قوله سبحانه: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ [النساء: ٢٩] فاشتق لهم اسمًا
مما اختار الله سبحانه أنه فعلهم، ويحتمل أن يكون الوحي أنزل عليه بهذا الاسم، وكلا الوجهين
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.
(٢) أخرجه ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ٣ - باب التوقّي في التجارة، حديث ٢١٤٦.

١٧٠
كتاب البيوع/ باب ٥
٥ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ حَلَفَ على سِلْعَةٍ كاذِبًا
[المعجم ٥ - التحفة ٥]
١٢١١ - حقثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: أَنْبَأْنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَني
عَلِيُّ بْنُ مُذْرِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ،
عَنْ أَبِي ذَرِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((ثَلاثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ)). قُلْتًا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَقَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا. فَقالَ: ((المَنَّانُ،
وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الكاذِبِ)»(١).
صحيح جائز. ومعنى قوله: ((يُبعَثون فجّارًا))، أي عُصاة. وفي الحديث: ((عليكم بالصدق فإنه
يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي
إلى النار). يقال صدق وبرّ وكذب وفجر، وقوله: ((إن الشيطان يحضر البيع)) صحيح أنه تخرج
الشياطين فتضرب الرايات في الأسواق، وتبثّ في الخلق، وتدور مع كل سوقي ومتسوّق، يد
الشيطان بيده، وحركته بحركته، ولسانه بلسانه، ووساوسه بحديث قلبه، ولا يزال يُلابسه ويجذبه
حتى يوقعه في معوان مملكته إلا مَن عصم الله. وقوله: ((والإثم))، مجاز. والمعنى: أنه إذا
حضر الشيطان الداعي إلى الإثم فقد حضر الإثم، كما يقال إن الحرب يحضرها القتل والموت،
أو الموت والسيف والموت، فيكون حضور السبب وهو القتال والسلاح سببًا لحضور القتل
والموت، فيقال له. والأمثال والأشعار في ذلك كثيرة، قال الشاعر:
سائل بني أسد ما هذه الصوتُ
يا أيها الرجل المزجى مطيته
قويريكم إني أنا الموت (٢)
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا
تركيب: وأشد ما يجري في البيع الحلف الكاذب، روى أبو عيسى (عن خريشة بن الحر،
عن أبي فرّ قال النبي : ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)،
فقلت: مَن هم يا رسول الله))؟ خابوا وخسروا، فقال: ((المنان، والمُسبِل إزاره، والمنفق سلعته
بالحلف الكاذب))). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الإسناد: قال ابن العربي رضي الله عنه: هذا باب فيه أسانيد صحاح من طرق لا أطوّل
بذكرها مهنا وفوائد يكتفى بها. المنان هو الذي يعطي ليأخذ أكثر، والذي يعدّ عطاءه على
المعطي تفاخرًا عليه وتكبّرًا، كأنه يرجع إلى الأول لأنه يطلب من الاستخدام به والاستدلال له.
(١) أخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان، حديث رقم ١٧١.
(٢) هكذا بالأصل.

١٧١
کتاب البيوع/ باب ٥
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أَمَامَةَ بْنٍ ثَعْلَبَةً وَعِمْرَانَ بْنٍ
حُصَيْنٍ وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ .
والمسبل إزاره هو الذي يتجاوز به الكعبين شرعًا. والمنفق سلعته بالحلف الكاذبة هو الذي
يحلف على سلعته بالجودة والسلامة من العيب والكذب في الصفة، فأما الأول فإن الذي يطلب
أكثر مما أعطى فإنه جائز وإن كان دينًا، وقد بيّنّاه في قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في
أموال الناس فلا يربو عند الله﴾ [الروم: ٣٩] فلينظر هنالك، وأما الذي يطلب التفاخر فهو الذي
يبطل عمله بقوله ذلك، كما بيّنّاه في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ
والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقد بيّنا ذلك في موضعه، وأخبرنا بالدليل أن الإبطال إنما يكون
بالموازنة لا بمجرد الإحباط، كما قالته المبتدعة، والذي يمنّ بعطائه ويعدّ نعمه وهو المولى
الأعظم على العبد الأحقر، فمحاول ذلك مُتعاطٍ صفة لا تنبغي إلا لله وحده، وأما المُسبِل إزاره
فيرجع إلى الفخر والخيلاء والتعظيم للنفس، وذلك من الكبائر، فإن صفة التعظيم والتكبّر لا
تكون إلا الله، قال : ((قال الله: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمَن نازعني واحدًا منهما
قذفته في النار)». وأما المنفق سلعته فلا يخلو أن يحلف على حق أو يحلف على باطل، فإن
حلف في سلعته على حق لينفقها فإنه بين الناس فكيف في الزيادة في الكسب؟ وإن كان حلف
على الباطل فقد بيّا قول وجه تضاعف الإثم فيه. وفي الصحيح: ((اليمين الفاجرة منفقة للسلعة
مُمحقة للبركة))، فإنها وإن رغبت المتاع وكثرت الربح فذلك محق في المعنى، لأنها تأكل
الحسنات وتأخذ من يدي صاحبها وتعطيها للمحلوف له المكذوب في معاملته، وربما كانت
ممحقة في المال في الحال والمآل فذهب عنه حظّ الدنيا الذي حرص عليه ودخل في ذلك
لأجله، ويذهب عنه حظ الآخرة فيخسر الوجهين ويفوته المقصود في الدارين.
الفائدة العظمى: في هذا الحديث من حظ الأصول ما تضمن من الجزاء والوعيد العظيم
من: أن الله لا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم، وقد مهّدنا في غير موضع أحاديث الوعيد
ومقاصدها وبيّنًا أن الله ينفذ وعده ووعيده حقًّا لا بدّ من ذلك، ويغفر الذنوب للمؤمنين إن شاء
الله، والمعنى في ذلك، أن آيات الوعيد متشابهة محتملة، وآيات الوعد محكمة، وقد بيّن الله
وبيّن على لسان نبيّنا محمد 18 وتعالى ربّنا وتقدّس أن الله يغفر لمَن يشاء من عباده، فيكون
الوعيد نافذًا في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص وفي بعض الأعمال وعند عدم ما يقابله من
الطاعات أو يزمن عليه من حُسْن النيّات كما بيّناه في التفسير والأصول، كالذي رُوِيّ في
الصحيح: ((رحم الله أمراً سَمْحًا إن باع أو اشترى))، واقتضى هذا لفظ البخاري. وروى الترمذي
وغيره أن النبي وَّه قال: ((مَن أنظر مُعسِرًا أو وضع له أظلّه الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم
لا ظلّ إلاّ ظلّه)) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة. وذكر من حديق شقيق عن ابن مسعود أن
رسول الله 8* قال: ((حوسب رجل ممّن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان
رجلاً موسرًا، وكان يخالط الناس، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا على المُعسِر، فقال الله: نحن

١٧٢
كتاب البيوع/ باب ٦
قَالَ ابُو عِیسَی: حَدِيثُ أبي ذَرِّ، حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٦ - باب مَا جَاءَ في التَّبْكِيرِ بِالتِجَارَةِ
[المعجم ٦ - التحفة ٦]
١٢١٢ - عقدنا يَعْقُوبُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَدْثَنَا هُشَيْمٌ. حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ
عَنْ عُمَارَةَ بْنِ جَدِيدٍ، عَنْ صَخْرِ الْغَامِدِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَله: «اللَّهُمَّ! بَارِكْ لِأُمَّتِي
في بُكُورِهَا».
قَالَ: وَكَانَ إِذَا بَعثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا، بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ.
وكانَ صَخْرٌ رَجُلاً تَاجِرًا. وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةٌ بَعَثَهَا أوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ
مّالُهُ(١).
أحق بذلك منه، تجاوزوا عنها، هذا كله صحيح متفق عليه مخصوص لعموم الوارد في آيات
الوعيد، ولذلك قال # كما تقدم: ((وإن هذا البيع يحضره الشيطان والإثم، فشوبوه بالصدقة))،
فإن الحسنات يغلبن السيئات، والوعد يقضي على الوعيد لاحتماله، وليس الوعيد كالوعد في
جزمه وعمومه واسترساله كما قالت المبتدعة، وقد بيّنّاه والله أعلم. وأشدّ ما رُوِيّ في هذا الباب
الحديث الصحيح واللفظ للبخاري: أن رجلاً أقام سلعته وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطى
بها ما لم يعط، ليوقع رجلاً من المسلمين، فنزلت ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا
قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية وهذا الحديث بلفظه ومعناه خارج عن الأصل الذي قدمناه من
الوقت والحال والحالف والنيّة، وربما خرج به القصد إلى الاستهانة بالشريعة، والاستحقار للأمر
والنهي فينزل عن منزلة الإيمان، وكان الوعيد فيه على العموم وهذه معاني لا يفهمها إلا شبعان
من طعم التحقيق، ريّان من بحر الأخبار، والسغب الظمآن بمعزل عن هذا كله.
باب التبكير في التجارة
ذكر فيه أبو عيسى حديث صخر العامري لم يروٍ غيره: قال يعلى بن عطاء عن عمار بن
جدير (عن صخر العامري قال: قال رسول الله 18 بارك الله لأمتي في بكورها قال وكان إذا بعث
سرية أو جيشًا بعثهم أول النهار وكان صخر رجلاً تاجرًا وكان إذا بعث تجارة بعث أول النهار
فأثري وكثر ماله). قال ابن العربي رحمه الله: يُروَى عن ابن عباس وغيره أن ما بعد صلاة
(١) أخرجه أبو داود في: ١٥ - كتاب الجهاد، ٧٨ - باب الابتكار في السفر، حديث ٢٦٠٦. وأخرجه
ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ٤١ - باب ما يرجى من البركة في البكور، حديث ٢٢٣٦.

١٧٣
كتاب البيوع/ باب ٧
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلَيَّ وَابْنٍ مَسْعُودٍ وَيُرَيْدَةً وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابٍِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ صَخْرِ الْغَامِدِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وَلاَ تَعْرِفُ لِصَخْرِ الغَامِدِيِّ،
عَنِ النّبِيِّ نَ﴿ِ غَيْرَ هذا الحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ شُعْبَةً، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، هذا الحَدِيثَ.
٧ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ فِي الشّرَاءِ إِلى أَجَلٍ
[المعجم ٧ - التحفة ٧]
١٢١٣ - عقدنا أَبُو حَفْصِ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ. أخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. أخْبَرَنَا عُمَارَةُ بْنُ
أبي حَفْصَةَ. أخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ ثوْبَانِ قِطْرِیَّانِ
غَلِيظَانٍ. فَكَانَ إِذَا فَعَدَ فَعَرِفَ، ثَقُلاَ عَلَيْهِ. فَقَدِمَ بَزِّ مِنَ الشَّامِ لِفُلاَنِ الْيَهُودِيّ. فَقُلْتُ: لَوْ
بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنٍ إلى المَيْسَرَةِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا يُرِيدُ. إِنَّمَا
يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي، أوْ بِدَرَاهِمِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ه: ((كَذَبَ. قَدْ عَلِمَ أَنِي مِنْ
أَثْقَاهُمْ لِلَّهِ وَآَدَاهُمْ لِلأَمَانَةِ»(١) .
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَأَسْمَاءَ بِئْتِ يَزِيدَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حدِيثُ عَائِشَةً حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
الصبح وقت يقسم الله فيه الرزق بين العباد، وثبت أنه وقت ينادي فيه الملك اللّهمّ أعطٍ منفقًا
خلفًا، وأعطٍ ممسكًا تلفًا، وهو وقت ابتداء الحرص ونشاط النفس وراحة البدن وصفاء الخاطر،
فيقسم لأجل ذلك كله وأمثاله. وقد روينا هذا الحديث من طرق كثيرة تقيد كل منها في موضعه.
باب في الشراء إلى أجل
ذكر أبو عيسى حديث عمارة بن حفصة عن عكرمة (عن عائشة قالت كان على رسول
الله * ثوبان قطريان غليظان فكان إذا بعد فعرق ثقلا عليه فقَيمَ بزمن الشام لفلان اليهودي فقلت
لو بعثت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة فأرسل إليه فقال قد علمت ما يريد إنما يريد أن
يذهب بمالي أو بدراهمي فقال رسول الله # كذب قد علم أني من أتقاهم وآداهم للأمانة) وذكر
(١) أخرجه النسائي في: ٤٤ - كتاب البيوع، ٧٠ - باب البيع إلى الأجل المعلوم.

١٧٤
کتاب البيوع/ باب ٧
وَقَدْ رَوّاهُ شُعْبَةُ أَيْضًا عَنْ عُمَّارَةَ بْنِ أبِي حَفْصَةً.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ فِرَاسِ البَصْرِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا داوُدَ الطَّيَالِسِيَّ يَقُولُ:
سُئِلَ شُعْبَةُ يَوْمًا عَنْ هذا الحَدِيثِ فَقَالَ: لَسْتُ أُحَدِّئُكُمْ حتَّى تَقُومُوا إلى حَرَبِيِّ بْنِ
عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَقْصَةٌ، فَتُقَبُّلُوا رَأْسَهُ.
قَالَ: وَحَرَبِيُّ في القَوْمِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: أَيْ إِعْجَابًا بِهِذَا الحَدِيثِ.
١٢١٤ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدِّثَنَا ابْنُّ أبي عَدِيٍّ وَعُثْمانُ بْنُ أبي عُمَّرٌ عَنْ
هِشَامٍ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ النّبِيِّ :﴿ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ
بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَخَذَهُ لأَهْلِهِ (١).
قَالَ أبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنَّ صَچیحٌ.
حديث هشام بن سنان عن عكرمة (عن ابن عباس توفي النبي ودرعه مرهونة بعشرين صاعًا من
طعام أخذه لأهله) حديث حسن صحيح. وذكره قتادة عن أنس قال: مشيت إلى النبي بخبز شعير
وإهالة سنخة، ولقد رهن له درع مع يهودي بعشرين صاعًا أخذه لأهله، ولقد سمعت ذات يوم
يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب، وإن عنده يومئذ لتسع نسوة. وهو
حديث حسن صحيح، وعضد الحديث الأول، فإن شعبة سُئِلَ عن حديث عمارة ابن أبي حفصة
هذا، فقال: لست أحدثكم حتى تقوموا إلى حرمي بن عمارة فتقبلوا رأسه وحرمي في القوم،
قال أبو عيسى إعجابًا بهذا الحديث: قال ابن العربي رحمه الله: ويرًّا بوالديه، لإفادته هذا
الحديث، وعلى ذلك لم يخرجه "صحيح.
العربية: فيه القطري نوع من البرود يُصنَع باليمن. البزّ الثياب التي لها قدر. الإهالة هي
الغلالة من الدهن تكون على المرقة رقيقة السنخة المتغيرة الرائحة.
الأحكام: في سبع مسائل: الأولى: في معنى الترجمة: وهي الرخصة في الابتياع إلى
أجل، فجعلوها رخصة وهي في الظاهر عزيمة، لأن الله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأنزلها أصل في الدين،
(١) أخرجه النسائي في: ٤٤ - كتاب البيوع، ٨٣ - باب مبايعة أهل الكتاب. وأخرجه ابن ماجه في: ١٦
- كتاب الرهون، ١ - أبواب الرهون، حديث ٢١٣٩.

١٧٥
كتاب البيوع/ باب ٧
١٢١٥ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدِّثَنَا ابْنُ أبي عَدِيٌّ عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. ح قَالَ مُحَمِّدُ بْنُ هِشَامٍ: وَحَدْثَنَا مُعاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أبِي عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَشَيْتُ إلى النّبِيِّ ◌َ﴿هَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ. وَلَقَدْ رُهِنَ لَهُ ذَرِعْ
عنْدَ يَهُودِيُّ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ طعَامِ أَخَذَهُ لأَهْلِهِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ يَقُولُ: مَّا أَمْسَى
في آلِ مُحَمَّدٍ وَهَ صَاعُ تَمْرٍ وَلاَ صَاعُ حَبِّ. وَإِنَّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذٍ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ(١).
ورتبها على كثير من الأحكام، ولكن المعنى في ذلك أن المرء لمّا كان لا يعلم هل يوافي ذلك
الأجل حيًّا عينًا فتبرأ ذمته مما التزم، أو يأتيه بغير الأشياء له، أو ميتًا فلا يؤدي ما عليه، أو تبقى
ذمّته مرتهنة. ولكن أذِنَّ الله في ذلك إذا خلصت النيّة في العزم على الأداء. ففي الصحيح قال
رسول الله له: ((مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومَن أخذها يريد إتلافها أتلفه
الله))، فإذا اذان بهذه النيّة جعل الله له مخرجًا في الدنيا والآخرة.
الثانية: كان رسول الله ) يلبس الخشن ويأكل البشع لتقلّله من الدنيا وإيثاره ما عند الله
تعالی.
الثالثة: مداینة النبي ګ﴾ لليهود مع أنهم يأكلون الربا کما أخبر الله عنهم وقد نهوا عنه دليل
على أن الله تعالى عفى لنا عمّا يعتقدونه، وجعلوا في حقنا حلالاً وإن كان في حرامًا(٢)، فانتقاله
إلينا منهم بالوجه الجائز بيننا وبينهم، والانتقالات في الممتلكات تتخالف بين المحلّلات
والمحزّمات، كشاة بريرة لمّا انتقلت حلّت، وهم عندنا مخاطبون بفروع الشريعة على كل حال،
وقد أخذ النبي # كما روى أبو عيسى شعيرًا من يهودي ورهنه درعه، فبيّن جواز معاملتهم مع
تجارتهم بالربا والخمر، وساقاهم خيبر على شطر ما يخرج منها، وكره بعض العلماء مساقاة
الذمّيّ في الكرم إلا أن يأمن أن يعمل منه خمرًا، وهذا لا يلزم في الربا، فإنه مما عفى الله عنه
عند المسلمين، وأباحه لهم منهم وسقاهم وأخذ أموالهم، فقد سبق رسول الله وغير ذلك فيهم.
الرابعة: قوله: (ولقد أمسى آل محمد في تسعة أبيات وليس عندهم إلا صاع من بز) قد
كان يقيم الأيام الثلاثة، كذلك الشهر لا يوقد عندهم نار والأنوار تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم
وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن أمامهم ومن خلفهم.
الخامسة: رهنه درعه دليل على أن جواز رهن آلة الحرب في بلد الجهاد عند الحاجة إلى
الطعام، ويقدم ذلك على الحاجة إليها والحماية للبيضة والدفاع عن الملة، لأنه إذا تعارض أمران
قدّم الأهم، والحاجة إلى القوت أهم فقدّمت.
(١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ١٤ - باب شراء النبي { ل* بالنسيئة، حديث ١٠٤٦.
(٢) لعلها: وإن كان في حقّهم حرامًا.

١٧٦
کتاب البيوع/ باب ٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٨ - باب مَا جَاءَ فِي كِتَابَةِ الشُّرُوطِ
[المعجم ٨ - التحفة ٨]
١٢١٦ - عقدنا مُحَمَّدٍ بْنُ بَشَارٍ. أخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ لَيْثٍ صَاحِبُ الكَرَابِيسِيِّ البَصْرِيُّ.
أُخْبَرَنَا عَبْدُ المَجِيدِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ لِيَ الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذّةً: ألاَ أَقْرِتُكَ كِتَابًا كَتَبَهُ
السادسة: قول عائشة رضي الله عنها: (إلى الميسرة) لم ترد إلى أن تستغني بما يؤتيك الله،
لأنه أجل مجهول ولا يجوز بإجماع من الأمة، وإنما تعني به إلى وقت رجاء الميسرة، وذلك في
وقت الجذاذ والحصاد، والبيع إليه جائز عندنا. وقال الشافعي وأبو حنيفة: هو مجهول، ولا
يجوز أن يجعل واحد منهما أجلاً، قلنا: هو معلوم بلا إشكال، ويجعل الأداء فيه إذا سُمْي في
موضعه وأكثره، وقد بيّاء في مسائل الخلاف.
السابعة: رهن السلاح مع الحاجة إليها في زمن الجهاد عند الحاجة إلى الطعام فيقدّم
الأهم، فالأهم، والله أعلم.
باب كتاب الشروط
قال ابن العربي رحمه الله فى الشرط:
العربية: هو العلامة. ومنه: أشراط الساعة. وهو عبارة عن كل شيء يدل على غيره ويعلم
من قبله، ولمّا كانت العقود يعرف بها ما جرى سُمِّيت شروطًا، وسُمِّيت وثائق من الوثيقة وهي:
ربط الشيء لئلا ينفلق ويذهب، وسُمِّيت عقودًا لأنها ربطت كتبه كما ربطت قولاً، وقد أمر الله
بذلك في كتابه العزيز لقوله سبحانه: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]
وقد أتينا بحجة الله على جملة من لسياق توفي على الغاية بالإنسان في هذه الآية في كتاب تفسير
القرآن، وناسخه ومنسوخه، وذكرنا اختلاف الناس في ذلك، والصحيح منه أن الحق في الكتابة
والشهادة للمتعاملين، فمَن دُعِيَ منهما إليها لزم الآخر الإجابة إليه، وإذا ابتدأها كانت. وقد ذكر
أبو عيسى في الباب حديث العداء بن خالد بن هوذة وليس في الباب غيره مختصرًا. وكذلك
أخبرنا المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن قاسم الأزدي، قال: أخبرنا القاضي أبو الطيب
الطبري، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الحافظ الدارقطني، فذكر
أسانيد، منها: حدّثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدّثنا أبو خالد عبد العزيز بن معاوية القرشي،
(حدثنا عباد بن ليث صاحب الكرابيسي، حدثنا عبد الحميد بن وهب، قال: قال العداء بن
هوذة: ألا أُقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله ﴾؟ فذكر، وقال): عبدًا، أو: أمة، شكّ عباد بن

١٧٧
كتاب البيوع/ باب ٨
لِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. فَأَخَرَجَ لِي كِتَابًا (هذا مَا اشْتَرَى العَدَّاءُ بْنُ
خَالِدِ بْنِ هَوْذَةً مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿َ. اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا لَوْ أَمَةً. لاَ دَاءَ وَلاَ غَائِلَةً وَلاَ
خِبْئَةَ، بَوَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ)(١).
ـب الكرابيسي، لم يروه غيره. قال أبو عيسى: حديث حسن غريب، وفيه فوائد:
قيس صـ
بداية باسم الناقص قبل الكامل في الشروط، والأدنى قبل الأعلى، بمعنى: أنه الذي
الأولى
، كان هو الذي طلب الخبر عن الحقيقة كما وقعت، وكتب حتى يوافق المكتوب
اشترى
المقربة
وتذكر على وجه المنقول. الثانية: الفائدة في كتب رسول الله 8و ذلك، وهو ممّن
يؤمن عهده ولا يجوز عليه أبدًا نقضه التعليم للخلق، حتى إذا كان هو مع أمن ذلك فيه يفعله
فكيف بغيره الذي لا يؤمن عليه تبدل الأحوال عند تقادم الأزمان، وتغير القلوب على الخلق،
وترددها بين الإقرار والإنكار بنزغات الشيطان. الثالثة: أن ذلك على الاستحباب، لأنه قد باع
وابتاع حتى من اليهود، ولو لم يكن في الصفقة شهود، ولو كان أمرًا مفروضًا في الشريعة لقام
به * قبل الخلق. الرابعة: يكتب الرجل اسمه واسم أبيه وجده، حتى ينتهي إلى جدّ يقع به
التعريف، ويرتفع الاشتراك الموجب للإشكال عند الاحتياج إلى النظر. ألا ترى قوله: ((محمد
رسول الله (9)؟ فوقع التعريف وارتفع الإشكال بالاسمين، فلم يزد عليه.
الخامسة: لا يحتاج إلى ذكر النسب إلا إذا أفاد تعريفًا ورفع أشكالاً، والناس اليوم يكتبونه
افتخارًا، مَن ليس بمشهور إلى ذكره لحيازته، ولا يحتاج إلى ذكر البلد إلا لرفع الإشكال عند
توقع الاشتراك. السادسة: قوله: (هذا ما اشترى العداء من رسول الله اشترى منه) فكرر لفظ:
اشترى، وقد كان الأول يكفي، ولكنه لمّا كانت الإشارة بهذا إلى المكتوب ذكر الاشتراء في
القول المنقول. السابعة: قوله: (عبدًا) ولم يصفه، ولا ذكر الثمن، ولا قبضه العداء الذي
اشترى، واقتصر على قوله: (لا داء) وهو ما كان في الجسد والخلقة (ولا خبثة) وهو ما كان في
الخلق (ولا غائلة) وهو سكوت البائع على ما يعلم من مكروه في البيع. وهذا الذي قصد
النبي * والله أعلم إلى كتبه الشروط لسببه، ليبيّن كيف يجب أن يكون عمل المسلم في بيعه.
فأما تلك الزيادات فإنما أحدثها الشرطيون لما حدث في العالم من التخاذل والخيانة، فكل معنى
يتوقع أن يقوم به جعلوا له وصفًا وعيّنوا فيه فصلاً وأدخلوه شرطًا، حتى أدخلوا من ذلك ما لا
يجوز، وتخيلوا فيه التجوّز فلم يجز، ولا يجوز أبدًا وإن أمضوه وجوّزوه، فالله ورسوله أحق أن
يرضوه. الثامنة: قوله: (بيع المسلم المسلم). قال في صدر العقد: ((اشترى)) ثم قال: ((بيع
المسلم المسلم، ليبيّن أن الشراء والبيع واحد، وقد فرّق بينهما أبو حنيفة وجعل كل واحد
(١) أخرجه البخاري تعليقًا في: ٣٤ - كتاب البيوع، ١٩ - باب إذا بيّن البيعان ولم يكتما، ونصحا.
وأخرجه ابن ماجه في: ٢ - كتاب التجارات، ٤٧ - باب شراء الرقيق، حديث ٢٢٥.
عارضة الأحوذي/ ج ٥/ م ١٢

١٧٨
كتاب البيوع/ باب ٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ لَيْثٍ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ هذا الحَدِيثَ، غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ.
٩ - باب مَا جَاءَ في المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ
[المعجم ٩ - التحفة ٩]
١٢١٧ - حقثنا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الوَزْ نِ عَنْ
حُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِكْرِمّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ لاصحابِ
المِكيّالِ وَالمِيزَانِ: (إِنَّكُمْ قَدْ وُلْيْتُمْ أَمْرَيْنٍ، هَلَكَثْ فِيهِ الأُمَمُ السَّالِفَةُ قَبْلَكمْ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفوعًا إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ حُسَيْنِ بْنِ غَيْسٍ.
وَحُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ يُضَعَّفُ في الحَدِيثِ.
وَقَدْ رُوِيّ هذا بِاسْتَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفًا.
منفردًا، والكلام في ذلك طويل وإن قلّ فيه التحصيل، وقد بيّناه في مسائل الخلاف. التاسعة:
في هذا الحديث يؤتى الرجل البيع بنفسه، وذكر بعضهم في حديث اليهود تولّي الرجل الشراء
بنفسه، وكره بعضهم لئلا يسامح ذو المنزلة فيكون نقصًا من أجره، وجاز ذلك للنبي و18 لعصمته
في نفسه.
باب المكيال والميزان
ذكر حديث عكرمة (عن ابن عباس قال: قال رسول الله * لأصحاب الكيل والميزان:
إنكم قد ولّيتم أمرين هلكت فيهما الأمم السابقة قبلكم). قال: يرويه الحسن بن قيس، عن
عكرمة، وهو يضعف في الحديث. والصحيح وقفه عن ابن عباس.
قال ابن العربي رضي الله عنه: إنه الأصل في أمر المكيال والميزان القرآن، قال الله
سبحانه: ﴿ألاَّ تطغوا في الميزان﴾ [الرحمن: ٨] ما ذكر الله مخبرًا عن شعيب مع قومه في
ذلك. وقد روى مالك عن ابن عباس موقوفًا مقطوعًا: ((ما نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع
عنهم الرزق))، قال علماؤنا: أرادوا التكثّر من المال بغير طريقه، فقطع الله عنهم الرزق من
عنده. وقد رُوِيّ: المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان مكة. وقال النبي وسلم: ((اللّهمّ
بارك في صاعهم ومدّهم»، وقال مالك لأشهب: البركة في صاعنا أكثر مما عندكم.
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.

١٧٩
كتاب البيوع/ باب ١٠
١٠ - باب مَا جَاءَ فِي بَيْعِ مَنْ يَزِيدُ
[المعجم ١٠ - التحفة ١٠]
١٢١٨ - عقدنا حُمّيْدُ بْنُ مَسْعَدَةً. أخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ شُمَيْطِ بْنِ عَجْلاَنَ. حَدِّثَنَا
الأخْضَرُ بْنُ عَجْلاَنَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الحَنَّفِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ بَاعٌ
جِلْسًا وَقَدَحًا. وَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِي هذَا الحِلْسَ وَالقَدَحَ))؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَم.
فَقَّالَ الَّبِيِّ ◌َ﴿ِ: ((مَنْ يَزِيدُ على دِزْهَمٍ؟ مَنْ يَزِيدُ على دِزْهَمٍ))؟ فَأَغْطَّاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ.
فَبَائِ نَُ مِنْهُ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ الأخْضَرِ بْنِ عَجْلاَنَ.
وَعَبْدُ اللَّهِ الحَتَّقِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْ أَنَسٍ، هُوَ أَبُو بَكْرِ الحَنَفِيُّ. وَالعَمّلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ
أهْلِ الْعِلْمِ. لَمْ يَرَوْا بَأْسًا بِنَيْعٍ مَنْ يَزِيدُ في الغَنَائِمِ وَالْمَوَارِيثِ.
وَقَدْ رَوَى المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ النَّاسِ عَنِ الأخْضَرِ بْنِ
عَجْلاَنَ، هذا الحَدِيثَ.
باب بيع من یزید
ذكر حديث الأخضر بن عجلان عن عبد الله الحنفي (عن أنس بن مالك أن رسول الله﴾
باع حلسًا وقدحًا وقال من يشتري هذا الحلس والقدح فقال رجل أخذتهما بدرهم فقال النبي !
مَن يزيد على درهم فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه). فقال: وقد رواه عن الأخضر غير واحد
من كبار الناس. قال ابن العربي رحمه الله: هذا مبين لحديث النهي عن البيع على بيع أخيه، فإن
ذلك مخصوص عند التراكن والاقتراب من الإبعاد، فأما حال التسويق وطلب الزيادة قبل ذلك
فلا بأس به، وعليه يدل الحديث، وقد ذكر أبو عيسى عن بعضهم أنه يجوز في الغنائم
والمواريث، والباب واحد والمعنى مشترك لا تختص به غنيمة ولا ميراث.
(١) أخرجه النسائي في: ٤٤ - كتاب البيوع، ٢٢ - باب البيع فيمن يزيد. وأخرجه اب ماجه في: ١٢ -
كتاب التجارات، ٢٥ - باب بيع المزايدة، حديث ٢١٩٨.

١٨٠
كتاب البيوع/ باب ١١
١١ - باب مَا جَاءَ فِي بَيِعِ المُذَبَّرِ
[المعجم ١١ - التحفة ١١]
١٢١٩ - حقثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدِّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيّيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
جَابِرٍ؛ أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ دَبَّرَ غُلاَمًا لَهُ. فمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالاً غَيْرَهُ. فَبَاعَهُ النَّبِيِّ ◌َِهُ.
فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النّحَامِ.
قَالَ جَابِرٌ: عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ الأوَّلِ، في إِمَارَةِ ابْنِ الزَّبَيْرِ(١).
باب بيع المدبر
ذكر حديث عمرو بن دينار (عن جابر أن رجلاً من الأنصار) ذكر الحديث. ولفظ البخاري
في الصحيح: أن رجلاً من الأنصار (دبّر مملوكًا ولم يكن له مال غيره، فبلغ النبي { فدعى
به، وقال: (مَن يشتريه مني)) فاشتراه نعيم بن النحام) بثمانمائة درهم، فأخذ ثمنه فدفعه إليه. قال
جابر: عبدًا قبطيًّا مات عام أول، زاد غيره في الصحيح: فدفعها إليه وقال: «ابدأ بنفسك فتصدّق
عليها، فإن فضل شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فلكذا وكذا)، يقول: من
بين يديك وعن يمينك وعن شمالك. وفي رواية: ((من بني عذرة)).
الإسناد: قال علماؤنا: إنما صوابه نعيم النحام، لأن النبي * قال لنعيم هذا: ((دخلت
الجنة فسمعت نحمة، فالتفتّ فإذا هو أنت به))، ولذا ستّي النحام، والنحمة السعلة.
العارضة: فيه فوائد: الأولى: في حقيقة التدبير، وهي: عتق الرجل مملوكه بعد موته إما
بلفظ التدبير، أو بأن يقول له: إذا مت فأنت حرَّ، فالمعنى واحد وإن لم يكن بلفظ. والأحكام
لما تثبت بمعاني الألفاظ لا تفسر، وهذا عقد لازم عندنا لا يجوز للسيد الرجوع فيه، وبه قال
أبو حنيفة. وقال الشافعي: هو غير لازم ويرجع فيه بما شاء بمنزلة الوصية، والدليل على أنه
بمنزلتها الحقيقة والحكم، أما الحقيقة فلأن عتقه بعد موته، وأما الحكم فلأنه بالثلث بالإجماع،
إلا عند مسروق، ولولا كونه وصيّة لا تعتبر إلا بعد الموت لخرج من رأس المال، كالمعتق إلى
أجل. قال علماؤنا: لمّا علّق المعتق على صفة استحقه ضرورة، وإنما قضى فيه بالثلث لأنه
حكم يظهر بعد الموت، وكل حكم يظهر بعد الموت فهو في الثلث كان وصية أو تدبيرًا، فإن
تعلّق بالحديث المتقدم قلنا: هذا الحديث ليس من النبي فمقال يلزم الانقياد إليه على كل حال،
وإنما هي قضية في عين وحكاية في حال، فلا تعدّى إلى غيرها إلا بدليل، هكذا إذا كانت
مجردة عن الاحتمال وإذا تطرق إليها التأويل سقط منها الدليل، والذي يدلّ على الاحتمال فيها
(١) أخرجه البخاري في: ٨٤ - كتاب كفّارات الأيمان، ٧ - باب عتق المدبر وأم الولد والمكاتب في
الكفارة، حديث رقم ١٠٨٤. وأخرجه مسلم في: ٢٧ - كتاب الأيمان، حديث رقم ٥٩.