النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
کتاب النكاح/ باب ٢٩
عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكُلُ فَرْجِ سِوَى
هذَيْنِ فهُوَ حَرَامٌ(١).
٢٩ - بلب مَا جَاءَ في النَّهي عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ
[المعجم ٢٩ - التحفة ٢٩]
١١٢٣ - عقدنا مُحَمِّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبي الشّوَارِبِ. حَدِّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ.
حَذْثَنَا حُمَيْدٌ (وَهُوَ الطّويلُ) قَالَ: حَدْثَ الحَسَنُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ، عَنِ النَّبِيِّ 10
قَالَ: ((لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ وَلاَ شِغَارَ في الإسْلامِ. وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْيَةً، فَلَيْسَ مِنَّ))(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَفي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي رَيْحَانَةً وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَمُعَاوِيَةً وَأَبِي هُرَيْرَةً
وَوَائِلٍ بْنِ حُجْرٍ.
١١٢٤ - حقثنا إسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ. حَدْثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّ النَّبِيِّ :﴿َ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ(٣).
عن تحريم نكاح المتعة ما كان مشهورًا لديهم، حتى رأى عمر معاوية بن أبي سفيان وعمر بن
حريث قد استمتعا فنهاهما، والله أعلم وبه التوفيق.
نكاح الشغار
(الحسن، عن عمران بن الحصين، عن النبي #: ((لا جلب ولا جنب ولا شغار في
الإسلام، ومَن انتهب نهبة فليس منا) وحديث مالك عن نافع (عن ابن عمر نهى النبي ) عن
الشغار).
الإسناد: روى فيه عبد الله بن سعد وغيره، عن يحيى، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن
عمر، قال عبد الله: قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: أن يقول الرجل زوجني ابنتك، أو زوجني
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.
(٢) أخرجه أبو داود في: ١٥ - كتاب الجهاد، ٦٣ - باب في الجلب على الخيل في السباق، حديث
٢٥٨١. وأخرجه النسائي في: ٢٦ - كتاب النكاح، ٦٠ - باب في الشغار.
(٣) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب النكاح، ١٤ - باب في الشغار، حديث رقم ٢٠٧٤. وأخرجه ابن
ماجه في: ٩ - كتاب النكاح، ١٦ - باب النهي عن الشغار، حديث رقم ١٨٨٣.

٤٢
کتاب النكاح/ باب ٢٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
لاَ يَرَوْنَ نِكَاحَ الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ أنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، على أنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَّهُ أوْ
أُخْتَهُ. وَلاَ صَدَاقَ بَيْنَهُمَّا.
أُختك، وفي رواية: لا مهر بيننا. وفي مسلم عن ابن عمر: ((لا شغار في الإسلام)»، وزاد أبو
داود من طريق مسند أن الشغار مفسّر كما تقدم، وزاد: ((ولا صداق بينهما»، كذلك رواه مالك.
العربية: نقل المعربون في الشغار ثلاثة أوجه: الأول: أنه من شغر الكلب إذا رفع رجليه
ليبول، فكأنه إذا فعل ذلك كان علامة على قوّته على الفساد، فيكون معناه على هذا عن نكاح
الكلب كما قال: ((العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئها. الثاني: أن الشغار النفر، كأنه نفر
عن طريق الحق. الثالث: أنه يقول: بلد شاغر إذا كان خاليًا عن المناظر، وهذا النكاح قد خلا
عن المحلّل وهو المهر، والمعاني متقاربة وكلها صحيح. وفيه من الأحكام مسائل:
الأولى: في صورته، وهي على خمسة أنحاء: الأول: أن يقول: أزوجك ابنتي على أن
تزوّجني ابنتك، أو أُختك، ولا مهر بيننا.
الثاني: أن يقول: أزوّجك ابنتي بمائة على أن تزوّجني ابنتك، ويذكر المهر من إحدى
الجهتين.
الثالث: أن يذكر المهر من الجهتين جميعًا.
الرابع: أن يسكت عن إيجاب المهر أو إسقاطه.
الخامس: أن يذكروا فيه عن مهر المثل الذي كان يتزوج به لو لم يكن على هذا الشرط.
الثانية: في توجيه الأقوال. اعلموا علمكم الله أنه لو كان التفسير الذي عن نافع عن
النبي # لكان ملجأً وفصيلاً، ولو كان من قول ابن عمر لكان قويًّا، لأن ابن عمر خلق عربيًّا
يفهم المعنى بسليقته، ولكان تفسيره أيضًا محمولاً على ما فهم عن النبي ◌َّ، فهو أولى ممن لا
يسمع الكلام إلا بواسطته، أو أن يقول: مَن كان في الأصل أعجميًا ثم صار من العرب لا سيما
ولم يستعمل في لسانهم كما يحكى عن نافع، فإنه كان لحينه لم يكتسب عربيته في الأحوال،
فكيف في المقال؟ فلما كانت الحال هكذا اختلف مقاطع العلماء في تفسير الحديث لحملهم إياه
على المعاني المفهومة من غيره، والسند طريق النظر، أنه يفتقر إلى آية أو حديث يحتاج في
معرفته إلى آخر، وهو المتشابه الذي يختصّ بدركه الراسخون في العلم. فأما الصورة الأولى
فقال أبو حنيفة والليث وأحمد بن حنبل والطبري: إن معناه عقد النكاح بشرط أن لا يكون فيه
مهر، فثبت العقد وتقرر المهر، قلنا: هذا فاسد من وجهين: أحدهما أنه إذا تزوّجها على أن لا
مهر فقد اختلف علماؤنا فيه، فمنهم من قال: يفسخ قبل وبعد وهو قول ابن القاسم الأول، لأنه
الشغار المصرّح به المنهي عنه، وقد قال النبي صل﴾: ((لا شغار في الإسلام»، ثم رجع إلى أنه

٤٣
كتاب النكاح/ باب ٢٩
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: نِكاحُ الشِّغَارِ مَفْسُوخٌ وَلاَ يَحِلُ، وَإِنْ جُعِلَ لَهُمَا صَدَاقًا.
وَهُوَّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَّذَ وَإِسْحَقَ. وَرُوِيّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ أَنَّهُ قَالَ: يُقْرَّانِ على
نِكَاجِهِمَا، وَيُجْعَلُ لَهُمَا صَدَاقُ المِثْلِ، وَهُوّ قَوْلُ أهلِ الكُوفَةِ.
يفسخ قبل ويثبت بعد، ذهابًا إلى أنه فساد في صداق. ومن أغرب الروايات ما قال ابن حبيب أنه
إذا تزوج على أن لا صداق، فهو مخيّر قبل البناء بين أن يثبت لها صداق ربع دينار أو يفارقها،
لأنها رضيت بترك الصداق، فإذا أثبت لها صداقًا شرعيًّا لم تكن له حجة. وقال أشهب: إن
دخل بها فلها ربع دينار، ولأن الزائد وهبته، وهذا كله ضعيف، والنكاح مفسوخ قبل ويثبت بعد
صداق المثل. قال ابن العربي رحمه الله: وهذا خلاف نكاح الشغار المفسر في الحديث، لأنه
تزوج بضع أشبه فجعل البضع نكاحًا وصداقًا، فأوجب فيه الاشتراط والتبعيض، وذلك مبطل
للنكاح لأنه يجتمع الحل والحرمة فتغلب الحرمة، كما لو طلّق نصف زوجه، ولهذا اطّرد أبو
حنيفة أصله وقال: إنه لو تزوج نصف امرأة صخ النكاح في جميعها، وقد بيّنًا في مسائل
الخلاف بطلانه، وكذلك إذا ذكر البضع من المال، فإن الحكم مثله، وهو الدليل بعينه، وأما إذا
ذكر المهر من الجهتين فيدخله وجهان من الفساد. أحدهما: أنه نكح بماله وبضع ابنته فجعل
لهما نصيبًا من المهرية، أو جعله شرطًا، فإن كان في مهر المثل فهو شرط، وإن نقص فهو
شريك. وأما إذا سكت عن المهر من الجهتين فهو عندي شغار محض، ورجع إلى شرط أن لا
صداق صورةً، فإذا ذكر المهر من إحدى الجهتين فسخ نكاح المسكوت عنها قبل وبعد، وثبت
نكاح المذكور مهرها بعد بناء على ما تقدم، وفيه القول الآخر بأنهما يثبتان جميعًا بعد، والله
أعلم. (تركيب) قال مالك: لا ندري أن النكاح بالشغار إلا في الابنتين خاصة، وتعلق بظاهر
الحديث، وهذا إنما يصحّ لو كان من قول النبي وَله. وقال غيره: ذلك فيما يجبر على النكاح،
فأما مَن يختار فلا يدخل ذلك فيه، قلنا: هذا جهل عظيم، الحق فيه للحق سبحانه، فأيّ فرق
بين أن يكون فيمن يجبر أو يخيّر؟ وهذا بيِّن والحمد لله. فإن قيل: غاية ما يذكرون أنه نكاح بلا
مهر، قلنا: بل غاية ما يذكرون قول النبي * لفظًا ومعنى، والعلة فيه الاستدراك في البضع،
وذلك يبطل النكاح لاستحالة ملك البضع من شخصين، وهذا ظاهر والله أعلم. فأما قوله في
الحديث: ((لا جلب)»، فقد فسروه بوجهين: أحدهما: لا يجلب على فرسه بالسبق بالتحريض
والضرب حتى يسبق الآخر، وهذا عندي ضعيف في الدليل وإن كانوا قد ذكروه عن إمامنا، لأني
أُجيزه ولا حرج فيه، لأن مطلبه السبق له دخل، وعليه بدل الحظر فجاز له السعي فيه بهذا.
الثالث(١): قالوا: لا يحشر لمصدق الأموال إلى حيث هو فتجلب إليه ليصدقها، وإنما عليه أن
يمشي إليها حيث كانت.
(١) هو الوجه الثاني من فساد ذكر المهر من جهتين.
١

٤٤
كتاب النكاح/ باب ٣٠
٣٠ - بلب مَا جَاءَ لاَ تُنْكَحُ المَرْأةُ على عَمَّتِهَا وَلاَ على خَالَتِهَا
[المعجم ٣٠ - التحفة ٣٠]
١١٢٥ - عقدنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ. حَدِّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَّى. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
أبي عَرُوبَةٌ عَنْ أبي حُرَيْزٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النّبيَّ ◌ِ ﴾َ نَهَى أَنْ تُزَوَّجَ المَرْأةُ
على عَمَّتِهَا، أو على خَالَتِهَا(١).
وَأَبُو حُرَيْزِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنٍ.
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ. حَدِّثْنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ
أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، بِمِثْلِهِ.
قالَ: وفي البَابِ عنْ عَلِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي أُمَامَةً
وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي مُوسَى وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ.
١١٢٦ - هقثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلاَّلُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ أبي
مِنْدٍ. حَدِّثْنَا عَامِرٌ عَنْ أبي هُرَيْرَةً؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَهَ نَهَى أَنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ على عَمْتِهَا أوٍ
العَمَّةُ على ابْنَةٍ أَخِيهَا أوِ المَرْأَةُ على خَالَتِهَا، أَوِ الخَالَةُ على بِئْتِ أُخْتِهَا. وَلاَ تُنْكَحُ
الصَّغْرَى على الكُبْرَى، وَلا الكُبْرَى على الصُّغْرَى(٢).
وقوله: (لا جنب) يعني: لا يجنب في السباق فرسًا أخرى لتكون صعدة، وإذا كان
المركوب دوال عليهما حتى يسبق، قاله مالك. وقال الليث: الجنب إذ يكون من جنبه يهتف،
ومعناه: يمشي، لا يحرض الفرس لا من خلف ولا من جنب. وقول مالك أصح، فإن
التحريض به عند السباق المطلق.
باب لا تنكح المرأة على عمّتها ولا خالتها
حديث ابن عباس (عن النبي 18 نهى النبي إر أن تتكح المرأة على عمتها، أو خالتها).
وعن الشعبي عن أبي هريرة (أن رسول الله 18 نهى أن تنكح المرأة على عمّتها أو العمة على ابنة
أخيها، والمرأة على خالتها، أو الخالة على بنت أختها). وعن الشعبي: (على بنت أُختها، ولا
تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى)، حسن صحيح.
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.
(٢) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب النكاح، ١٢ - باب ما يكره أن يجمع بين النساء، حديث رقم
٢٠٦٥.

٤٥
كتاب النكاح/ باب ٣٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على
هذا عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، لَ نَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلافًا، أنَّهُ لاَ يَجِلُّ لِلرَّجُلِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ المَرْأةِ
وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا. فَإِنْ نَكْحَ امْرَأَةً على عَمَّتِهَا أو خَالَتِهَا أَوْ العَمَّةَ على بِنْتِ أَخِيهَا، فَيَكاحُ
الأُخْرَى مِنْهُمَا مَفْسُوخٌ. وَبِهِ يَقُولُ عَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ.
الإسناد: فيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حديث عبد الله بن حسن، عن عكرمة، عن ابن عباس، قد رواه أبو داود
عن نصيب، عن عكرمة.
الثانية: قال أبو عيسى: وفي الباب عن تسعة من الصحابة، وأعجب لتعاطي مَن ذكر أنه لم
يرو، عن النبي # إلا أبو هريرة. وقد أدخله البخاري عن الشعبي عن جابر، والناس لا يعلمون
إلا قليلاً.
الثالثة: اختلف رواة هذا الحديث على أصل النهي أن تجمع الثاني، لا تنكح المرأة على
ابنة الأخ ولا ابنة الأخت على الخالة، وقال ابن أشهب في بعض الروايات: فترى خالة أبيها
وعمّة أبيها بتلك المنزلة.
الرابعة: لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها.
الخامسة: لا يجمع بين المرأة وعمّتها، وبين المرأة وخالتها.
الأحكام: في تسع مسائل:
الأولى: أننا إذا قلنا نهى بالرواية الواحدة، فإنه من البيان في الدرجة الثانية كما تقدم، وإن
قلنا برواية لا يجمع، فهو الأصل في البيان، فإن النبي # جاء بصيغته الموضوعة له، ففيه يكون
الكلام وعنده الأحكام، وقد جاء في بعض الروايات في الصحيح كما تبعناه بلفظ: كره، وهو
في عُرْف الفقهاء يحمل على منزلة دون التحريم. فأما عند الأول فإنه والحرام بمنزلة، لأن حقيقة
العربية في الكرامة إرادة الترك للفعل ثم غير، وهي: المسألة الثانية.
الثالثة: فهم الروايات عن النبي # أن الجمع بينهما حرام، فتارة ذكر عنه كما قال: لا
يجمع، وتارة قالوا بالمعنى، وتارة ذكروه من الجهة الواحدة كقوله: ((لا تنكح المرأة على
عمّتها))، وتارة: ((لا تنكح العمّة على ابنة أخيها)، وتارة جمع الراوي بالكل وذكر: ((الكبرى على
الصغرى والصغرى على الكبرى))، وجوز ذلك الشعبي عن أبي هريرة. قال البخاري: سماعه من
أبي هريرة صحيح، لكن البخاري أدخله عن عراك عنه.
الرابعة. إذا ثبت هذا، فإن ما ذكر في هذا الحديث على اختلاف روايته ثابت بالإجماع،
ويتركّب عليه أن العمّة عمّة وإن علت، والخالة خالة وإن علت، يحرم الجمع في القصوى

٤٦
كتاب النكاح/ باب ٣٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: أَذْرَكَ الشعْبِيُّ أَبَا هُرَيْرَةً وَرَوَى عَنْهُ.
وَسَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هذا، فَقَالَ: صَحِيحٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرَوَى الشِّغْبِيُّ عَنْ رَجُل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
كما يحرم في الدنيا، ويحتمل أنهم حملوها على الوارث من قول عليها في الأم والبنت عليا
ودنیا .
الخامسة: هذا الحديث خصّص عموم قوله بعد ذكر المحرّمات ﴿وأحلّ لكم ما وراء
ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]، وهو عموم مخصوص في كثير من بلغت المحرمات(١) في كتب الأحكام
والفقه قريبًا من الأربعين امرأة باختلاف أنواع التحريم، ولا خلاف في تخصيص عموم القرآن
بالسنة.
السادسة: هذا حكم غير مقال، وتعليله تكلّف، وقد قال الله تعالى لنبيّه عليه الصلاة
والسلام: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ [ص: ٨٦]، فقالها وما عملها،
ولقد انتهى التكليف بقول حتى قالوا: لا يجمع بين المرأة وربيبتها، ونسبوا ذلك إلى ابن أبي
ليلى والحسن وعكرمة، وهو خطأ فاحش، لأنه حكم بغير قول ولا استنباط من قول، وقد فعل
ذلك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وسعد بن موحاء من الصحابة.
السابعة: لا يجمع صورتان إحداهما في العقد والثانية في الحل، فإن جمع بينهما في العقد
بطل النكاحان وفسخا أبدًا. وهل يحدّ فاعل ذلك؟ يأتي في بابه إن شاء الله. الحل ثبت نكاح
الأولى، وثبت نكاح الثانية ودخل بهما أو بإحداهما أو لم يدخل بهما، إن قامت على ذلك
البيّنة، فإن لم تكن هناك بيّنة قُبِلَ قول الرجل في ذلك، رواه محمد عن أشهب. قال محمد:
وهذا أصوب أن تخالفه التي يترك، فإنه يحلف، لأنه يدّعي سقوط المهر أو فساده، فيكون فسخه
بطلاق .
الثامنة: أن جمعهما في سبب حلّ نكاح إحداهما وشراء الأخرى، وقال محمد عن ابن
القاسم: إذا نكح إحدى الأختين فلم يبنٍ بها حتى وطىء الثانية بملك اليمين، أنه يوقف فيهما
حتى يحرم فرج أمته عليه. وقال أشهب: وطء الأمة حرام فلا يؤثر وطؤه، ولكن يمنع من وطء
الأمة. قال عبد الله وأشهب: ذلك جائز ويطأ أَمته، لأن الأولى حُرِّمت عليه بالنكاح، وبه قال
الشافعي، وقال ابن القاسم: لا يجوز أن يعقد النكاح حتى يحرم من وطىء، لأن التحريم
موجود، إذا ورد النكاح على فرج مباح فلا بدّ من تحريمه حتى لا يتصوّر الجمع، ولذلك قال
عبد الله: الملك يفسخ النكاح لأنه عقده على وجه منهي.
(١) هكذا بالأصل.

٤٧
كتاب النكاح/ باب ٣١
٣١ - باب مَا جَاءَ في الشَّرْطِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكاح
[المعجم ٣١ - التحفة ٣١]
١١٢٧ - عقثنا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنَا وَكِيعْ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْتَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ أبي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ
الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إنَّ أحَقَّ الشُرُوطِ أنْ يُوفّى بِهَا، مَا اسْتَخْلَلْتُمْ بِهِ
الفُرُوجَ))(١) .
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ
جَعْفَرٍ، نحوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ
مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ ◌َ﴿. مُنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ قَالَ: إذا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَاةً، وَشَرَطَ لَهَا أَنَّ
باب الشرط في عقد النكاح
يزيد بن عبد الله اليزني (عن عقبة بن عامر قال رسول الله مصر: أحقّ الشروط أن يُوفى به
ما استحللتم به الفروج).
الأحكام: قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله: الشروط في النكاح على قسمين:
أحدهما: أن يكون من حقوق الزوجين الخالصة، أو أن يكون من حقوق الله سبحانه، فإن كان
من حقوق الزوجين جاز إسقاطه ولم يؤثر في النكاح. وهل يلزم ذلك أم لا لاختلاف الناس في
ذلك؟ فقال مالك: يجزئه الوفاء به، وقال الشافعي وأحمد وإسحلق: يلزم الوفاء به، وقال
علي بن أبي طالب: شرط الله قبل شرطهما، وبه قال سفيان. وهذا لا يلزم، لأن الله تعالى لم
يشترط ذلك لنفسه سبحانه، وإنما جعله حقًّا للزوج فيسقط بإذنه في الأحيان، فجاز أن يسقط
بإذنه في عموم الأزمان. قال ابن العربي: تحقيقه أن الله نهى عن بيع وشرط، وسيأتي تحقيقه إن
شاء الله. وقال النبي #: ((إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج))، وقال:
((المسلمون عند شروطهم؛، معناه: أن هناك يظهر الإسلام والعمل بمقتضى الدين. وأغرب ما
في الباب أن نعين أن تشترط المرأة أن لا يتزوج عليها، وأن ذلك لجائز، فإنها إذا تأذّت بذلك
فلا أن تدخل في إيذائه، وقد قال النبي و 98: ((إن بني المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنة أبي
(١) أخرجه البخاري في: ٥٤ - كتاب الشروط، ٦ - باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح، حديث
١٣١١. ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، حديث رقم ٦٣.

٤٨
کتاب النكاح/ باب ٣٢
لاَ يُخْرِجَهَا مِنْ مِصْرِهَا، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُخْرِجَهَا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ
الشّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلَيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: شَرْطُ اللَّهِ قَبْلَ شَرْطِهَا.
كأنَّهُ رَأَى لِلزَّوْجِ أنْ يُخْرِجَهَا وَإِنْ كانَتِ اشْتَرَطَتْ عَلَى زَوْجِهَا أنْ لاَ يُخْرِجَهَا. وَذَهَبَ
بغضُ أهْلِ العِلْمِ إلى هذا، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ وَبَعْضِ أهْلِ الْكُوفَّةِ.
٣٢ - بلب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ
[المعجم ٣٢ - التحفة ٣٢]
١١٢٨ - حقئنا هَنَّدٌ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أبي عَرُوبَةَ، عَن مَعْمٍ، عَنِ
الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَمَرَ؛ أنَّ غَيْلاَنَ بْنَ سَلَمّةٌ الثَّقَفِيَّ أُسْلمَ وَلَهُ
عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ. فَأَمَرَهُ النَّبِيِّ وَ﴿ أَنْ يَتَخَيّرَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنْ أَبِيهِ.
جهل علي بن أبي طالب، وإني لا آذن ثم لا آذن، وما لي تحريم ما أحلّ الله، وإن فاطمة
بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله إلا
أن يريد ابن أبي طالب أن يطلّق ويتزوجها)). وفي هذا الحديث بدائع وسترونها في موضعها إن
شاء الله، منها في الباب قوله: ((وما لي تحريم ما أحلّ الله)، ولكنه لما كان أمرًا يؤذي رسول
الله ◌َ﴾ لم يجز بحال، وليس في تحريم ما أحلّ الله من جمع زوجين، ولكن إنما كان فيه
عرض إذاية رسول الله # منعه، وللمسلمة أن تمنع من إذاية غيرها. قال النبي صل#: ((لا تسأل
المرأة طلاق أختها لتكفى في صحقتها، فإن لها ما قُدِّر لها منها»، أن تقول: لا أتزوجك إلا
أن تطلّق فلانة، وهذا محرّم طلبه عليها وجائز فعله للزوج، وتفصيل الشروط في نفسها
وتصريف إدخالها على العقد مذكور في مسائل الفقه، والضابط في هذه العارضة ما أشرنا إليه
من قبل.
باب الرجل يسلم وتحته أكثر من أربع
(معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم
وله عشر نسوة في الجاهلية، وأسلمن معه. فأمره النبي # أن يختار أربعًا منهن).
(١) أخرجه ابن ماجه في: ٩ - كتاب النكاح، ٤٠ - باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، حديث
رقم ١٩٥٣.

٤٩
کتاب اانجاح/ باب ٣٣
قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: هذا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَالصَّحِيحُ مَا
رَوَى شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةً وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحَمْزَةَ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمِّدٍ بْنِ سُوَيْدٍ
الثّقَفِيِّ، أَنَّ غَيْلاَنَ بْنَ سَلَمَةً أُسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أنْ رَجُلاً مِنْ ثَقَيفٍ طَلْقَ
نِسَاءَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمْرُ: لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ، أَوْ لأَرْجُمَنَّ قَبْرَكَ، كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالعَمَلُ على حَدِيثٍ غَيْلاَنَ بْنِ سَلَمَةً عِنْدَ أَصْحَابِنَا. مِنْهُمُ الشّافِعِيِّ
وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ.
٣٣ - باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ
[المعجم ٣٣ - التحفة ٣٣]
١١٢٩ - عقدنا تُتَيْبِيَّةُ. حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةً عَنْ أبي وَهْبِ الجَيْشَانِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ
فَيْرُوزّ الدَّيْلمِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَِّ﴿ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إني أُسْلَمْتُ
وَتَخْتِي أُخْتَانِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اخْتَرْ أَيَتَهُمَا شِئْتَ))(١).
١١٣٠ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أبي قَالَ: سَمِعْتُ
يَخْيَى بْنَ أَيُوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيب، عَنْ أَبِي وَهْبِ الجَيْشَانِيِّ، عَنٍ
الضَّحَاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أسْلَمْتُ وَتحْتِي أُخْتَانِ.
قَالَ: ((اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ))(١).
(وروى ابن فيروز الديلمي عن أبيه أنه قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أُختان، قال:
((اختر أيتهما شئت)).
الإسناد: سكت عن ذكر الأولى، وذكر البخاري أنه غير محفوظ، والصحيح ما روى
شعيب بن أبي جمرة وغيره، عن الزهري أنه قال: حدّثت عن محمد بن سويد الثقفي، أن
غيلان أسلم وعنده عشر نسوة، وحديث فيروز رواه ابن لهيعة، فصار الحديثان موقوفين، وقد
روى حديث غيلان سراد بن محشر، عن أبيه، عن نافع وسالم بن عمر، وقد اتفقوا على صحة
(١) أخرجهما أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ٢٥ - باب مّن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع، أو
أختان، حديث رقم ٢٢٤٣. وأخرجه ابن ماجه في: ٩ - كتاب النكاح، ٣٩ - باب الرجل يسلم
وعنده أختان، حديث رقم ١٩٥٠.
عارضة الأحوذي/ ج ٥/ ٢ ٤

٥٠
كتاب النكاح/ باب ٣٣
هذا حَدِيثٌ حَسَنَّ. وَأَبُو وَهْبِ الجَيْشَانِيَّ اسْمُهُ الدِّيْلَمُ بْنُ هُوشَعٍ.
المرسل عنه. أخبرنا الطيوري، أخبرنا الطبري، أخبرنا الدارقطني، أخبرنا محمد بن مخلد،
حدّثنا الزيادي، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أسلم غيلان، مثله. أخبرنا
ابن مخلد الطیقاني، أخبرنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب، وبلغني
عن عثمان بن أبي سويد أن النبي والإ قال، مثله. وقد روى الواقدي: حدّثنا عبد الله بن أبي
سفيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: أسلم غيلان بن سلمة وعنده عشر نسوة، فأمره
النبي® أن يمسك أربعًا ويفارق سائرهن، وأسلم صوان وعنده ثمان نسوة، فأمره أن يمسك
أربعًا ويفارق سائرهنّ. حدثنا محمد بن مخلد، حدّثنا محمد بن إسحق، يعني الصنعاني، حدّثنا
يعلى، يعني ابن منصور، حدّثنا هاشم، وأخبرني ابن أبي ليلى كلاهما، عن حيضة بن الشمردل،
عن قيس بن الحارث. وفي حديث هشيم: الحارث بن قيس، أنه أسلم وعنده ثمان نسوة، فقال
النبي : ((اختر منهنّ أربعًا)). وذكره بأوعب، قال: وأخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد
النيسابوري الأزهر أحمد بن الأزهر، حدثنا وهب بن جرير، حدّثنا أبي، سمعت يحيى بن
أيوب، حذّثني ابن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز
الديلمي، عن أبيه، فذكره.
الأصول: قد تقدم بيان مَساق هذه الأحاديث، فأما حديث ابن شهاب عن عمر: فليس
يمتنع أن يروي ابن شهاب الحديث من ثلاثة طرق فيسوقهنّ، ولكن قد ثبت عنه المرسل ونحن
ومخالفنا أبو حنيفة يرى القول بالمرسل، وأما حديث فيروز نقدر بيانه من غير طريق ابن لهيعة.
الأحكام: معوّل القول على المعنى، وهو مشترك بيننا وبينهم، ومعوّلنا على هذه
الأحاديث، وقد بيّنّاها، وإذا صحّت لنا الحجة عليهم في حديث غيلان صحّت في حديث
فيروز، لأن المسألة واحدة وبيّاها في مسائل الخلاف، والإشارة فيه ما ذكره أبو المعالي: ترك
الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يستنزل منزلة العموم في المقال، لحديث غيلان،
فإنه أسلم وتحته عشر نسوة فقال النبي وَل﴾: ((اختر منهنّ أربعًا وفارق سائرهنّ))، ولم يفصل له
القول بفرق بين الأوائل والأواخر.
تركيب: فلو مات قبل أن يختار حكم بميراثهن، وأخذت صداقها مَن دخل بها وأخذت
مَّن لم يدخل خمس صداقها، لأنه لم يكن بهنّ إلا صداق أربع فيقسم ذلك بينهنّ، قاله ابن
المؤاز وتفصيله في مسائل الفقه.
تركيب: فلو طلّق منهنّ أربعًا لم يكن له أن يختار غيرهنّ، لأنه اختيار منه لهنّ، قاله ابن
عبدوس.

٥١
كتاب النكاح/ باب ٣٤ ,٣٥
٣٤ - باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الجَارِيَةَ وَهِيَ حامِلٌ
[المعجم ٣٤ - التحفة ٣٤]
١١٣١ - حقثنا عُمِرُ بْنُ حَفْصِ الشَّيْبَانِيُّ البَصْرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ
النّبَِِّ﴿ قَالَ: (مَنْ كانَّ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَسْقِ مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ)(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، لاَ يَرَوْنَ لِلرَّجُلِ، إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَهِيَ حَامِلٌ، أَنْ
يَطَأَهَا حتى تَضَعَ.
وفي البَابِ عَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَأبي سَعيدٍ .
٣٥ - باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَسْبِي الأمَّةَ وَلَهَا زَوْجٌ،
هَلْ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَطَأْهَا
[المعجم ٣٥ - التحفة ٣٥]
١١٣٢ - عقثنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدَّثَنَا هُشَيمٌ. حَدَّثَنَا عُثمانُ البَقِيُّ عَنْ أبي الخَلِيلِ،
عَنْ أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ قَالَ: أصبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أوْطَاسٍ، وَلَهُنَّ أَزْوَاجْ فِي قَوْمِهِنَّ. فَذَكَّرُوا
ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ﴾، فَتَزَّلَتْ: ﴿وَالمُخْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾
[النساء: ٢٤](٢) .
باب الرجل يشتري الأمة وهي حامل أو يسبيها ولها زوج
ذكر حديث (رويفع عن النبي#: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد
غيره) ولا خلاف فيه. وأما مسألة المسبية فذكر حديث أبي الخليل صالح بن أبي مريم (عن أبي
سعيد الخدري: أصبنا سبايا يوم الأوطاس، ولهنّ أزواج. فذكروا ذلك لرسول الله والقر، فنزلت:
﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾) الآية. هذا رواه جماعة، عن أبي الخليل، عن
(١) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب النكاح، ٤٤ - باب في وطء السبايا، حديث رقم ٢١٥٨.
(٢) أخرجه مسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع، حديث رقم ٣٣. وأخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب
النكاح، ٤٤ - باب في وطء السبايا، حديث رقم ٢١٥٥.

٥٢
كتاب النكاح/ باب ٣٥
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عُثمانَ البَتِّيِّ، عَنْ أبي
الخَلِيلِ، عَنْ أبي سَعِيد. وَأَبُو الخَلِيلِ اسْمُهُ صالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ.
أبي سعيد الخدري. ورواه قتادة كما أخبرنا القاضي أبو الحسن الفسطاطي، عن
عبد الرحمن بن عمر، عن حمزة، عن أحمد بن شعيب، أخبرنا محمد بن عبد الأعلى،
حدّثنا يزيد، هو ابن ربيع، حذّثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة
الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري أن النبي# بعث جيشًا إلى أوطاس، فقاتلوهم وظهروا
عليهم فأصابوا منهم سبايا لهنّ أزواج في المشركين، فكان المسلمون يتحرّجون من غشيانهنّ،
فأنزل الله ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤]، زاد أبو داود: ((فهنّ
لكم حلال إذا انقضت عدتهن». أخبرنا أبو بكر القريشي، أخبرنا التستوري، أخبرنا
العبدوري(١)، أخبرنا أبو بكر البغدادي، قال: أخبرنا الهاشمي، أخبرنا اللؤلؤي، وأخبرنا ابن
عمار، أخبرنا ابن الوليد، أخبرنا ابن حبيب، أخبرنا ابن داسة، قال: أخبرنا أبو داود، حدّثنا
التغلبي، حدّثنا سكن، حدّثنا شعبة، عن يزيد بن حميد، عن عبد الرحمن بن جبير، عن
أبيه، عن أبي الدرداء أن النبي - كان في غزوة، فرأى امرأةً (٢) ألمّ بها، قالوا: نعم يا رسول
الله، قال: «لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورث وهو لا يحلّ له؟
وكيف يستحرمه وهو لا يحلّ له))؟ خرّجه مسلم.
العربية: السبي الأخذ قسرًا للآدمي دون غيره، والغنيمة تعمّ الكل. الحجج بالحاء المهملة
التي أولادتها(١).
الأحكام: في سبع مسائل:
الأولى: لا يحلّ وطؤها بملك اليمين لمَن اشتراها بلا خلاف، للعلة التي بيّنها رسول
الله وَ﴾ لأمته التي همّ بها، على لعن فاعله. أما أنه لو وطئها وعزل عنها لم تستحق لعنّا، لأن
اللعن إنما كان للعلة التي قالها، وهي: «كيف يورثه وهو لا يحلّ له؟ أو كيف يستحرمه وهو لا
يحلّ له؟)) وهو دليل التقسيم الصحيح عند العلماء، لأنه لا يخلو إما أن يكون حملاً صحيحًا، أو
يكون منفيًّا، ويتجدّد الحمل أو يبتدىء بوطئه، فإن ملكه ربما كان ولده، وإن ورثه ربما كان ولد
المشرك، والفروج على التحريم حتى يتعيّن دليل الإباحة، فإنما ينبني الأمر هنا على اليقين،
ولم يلتفت إلى الشك لأن الشك لا يوجب حكمًا في الدين بحال، لا تحريمًا ولا إباحة.
الثانية: إذا لم تكن المسبيّة حاملاً فلا يجوز وطؤها أيضًا، للحديث الصحيح في النازلة
على الراوي بعينه أبي سعيد أن النبي ## قال: ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى
(١) هكذا بالأصل.
(٢) بياض بالأصل.

٥٣
کتاب النكاح/ باب ٣٥
ورَوَى هَمَّامٌ هذا الحَدِيثَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أبي الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةً
الهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيد، عَنِ النَّبِيِّ وََّ. حَدِّثَنَا بِذلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ
هِلاَلٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ.
تحيض)»، والعلة فيهنّ أنهنّ موطوآت فأرحامهنّ مشحونة بالماء الفاسد، فلا يحلّ لرجل أن يضع
ماءه الحلال الصحيح على ماء حرام فاسد، ولهذه العلة لم تتزوج الزانية حتى تستبرىء، كان
الزاني بها الذي يقربها أو غيره.
الثالثة: الزوجة المسبيّة النازلة فيها الآية وهي من معضلات الآيات، وقد بيتاها في الأحكام
نهاية البيان، وتحقيقه أن ملك المسبية يحلّ لمالكها وطؤها، لأن الأول لا عبرة به ولا حكم له،
وكان القياس أن هدمه الإسلام كما يهدمه السبي، إلا أن الشرع نظر للإسلام فيما أبقى له معه
تأليفًا وتحرّيًا على الدخول فيه عليه، وبقي الحكم في السبي على أصله، وهذه المسألة حيّرت
عقول الأصحاب وإن كانوا أولي الألباب، واختلفت الروايات فيها، ولا إشكال عليها، وحاشا
للعلم أن يسبي الزوجان أو أحدهما فيبقى له حكم نكاح يعتبر لهما، ومن الغريب أن يبطل السبي
ملك المال ويبقى ملك النكاح، وصرّح أبو حنيفة على أن الزوجين إذا سُبِيا معًا لم يبطل النكاح،
قال: لأن الرقّ لا يمنع من ابتداء النكاح فكذلك لا يقطعه. قلنا: حدوث الرقّ هو الذي يبطله
ثم هذا يبطل بالخلع، فإنه يقطع النكاح ولا يمنع من ابتدائه.
الرابعة: وطء السبايا حينئذ هل كان وهو على الوثن أو بعدما أسلم؟ وقد أجاز ذلك عطاء
وعمرو بن دينار، ومنعه سائر الناس. وقال بعض المتأوّلين: إن ذلك السبي لم يوطأ منهنّ
واحدة حتى أسلمت، وهذه قلة بصيرة في الحديث، ففي الصحيح واللفظ لمسلم عن أبي سعيد
قال: غزونا بني المصطلق، يعني: قبل أوطاس، بمدة فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا الغربة
ورغبنا في الفداء، وأردنا أن نعزل، فسألنا فقال: ((لا عليكم ألا تفعلوا ولو أسلموا، فافدوا بهنّا
وهذا بيِّن ظاهر.
الخامسة: هل ذلك منسوخ أم لا؟ هو مبيِّن في موضعه فلينظر فيه.
السادسة إن كانت المسبيّة يائسة، فإن القاسم ومالكًا يرويا عن الليث قريبًا منه، قالوا:
الاستبراء فيه لقول النبي #: ((حتى تحيض))، والنبي 9 قال: ((حتى تحيض)) فدل على أن
المراد من يتصوّر الحيض، ودليلنا أنه رحم يستأنى به ظاهر البراءة في العدة، فكذلك الاستبراء
بمثله، أصله التي تحيض، وقد رُوِيّ مثل هذا عن أبي يوسف.
السابعة: إن كانت بكرًا، قال عبد الله بن عمر: لا تستبرىء المرأة رحمها، وهذا لا يصح
نظرًا، فإنه قد ثبت وجود الحمل على البكارة فوجب، لا يقدم على الرحم حتى تستبرىء، والله
أعلم.

٥٤
كتاب النكاح/ باب ٣٦
٣٦ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةِ مَهْرِ الْبَغْيِّ
[المعجم ٣٦ - التحفة ٣٦]
١١٣٣ - حقثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أبي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهَ عَنْ ثَمّنِ الكَلْبِ ومَهْرِ
الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الكامِنِ(١).
باب مهر البغي
أبو بكر بن عبد الرحمن (عن ابن مسعود الأنصاري، نهى رسول الله 85* عن: ثمن الكلب
ومهر البغي) حسن صحيح.
أما ثمن الكلب فيأتي في البيوع، ومهر البغي فلا خلاف في تحريمه، وهو ما تستأجر به
المرأة نفسها على الزنا. وأما ثمن الكلب، فممّا اختلف في حالها وفي جواز إنشائها وفي ثمن
بيعها، والشافعي يقول: لا تباع بحال، وأبو حنيفة يجوِّز بيعها، واختلف أصحاب مالك عن
مالك ولا يفوتكم ما وصيتكم به مرارًا من أن مذهب مالك المعوّل عليه ما في موطأه، أقرأه
عمره كله، فما قال لصاحب أو أزال به سائلاً، لا يعارضه ما أقرأه ليلك ونهارك عمرك كله،
ورواه عنه ألف رجل أو يزيدون. قال مالك في الموطأ: أكره ثمن الكلب الضاري أو غير
الضاري، نهى رسول الله * عن ثمن الكلب. وأما الشافعي فجعل جواز الاتخاذ في الكلب
الحاجة الأصل في الإذن بالانتفاع خاصة، فأما بيع الكلب فلم يقِسْه على جواز اتخاذه، لأن
الرخصة لا يقاس عليها، وأما أبو حنيفة فعوّل على الأحاديث المروية في الترخيص عن
عبد الله بن معقل وغيره أن النبي # أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما لي وللكلاب))؟ ثم رخص
في كلب الصيد وكلب آخر، وثبت أنه قال: ((إقتلوا منها كل أسود بهيم))، فحمل النهي على
الثمن عند الأمر بالقتل، فهذه رؤوس المسائل، ونزيدها تحقيقًا في مسائل الخلاف. والعارضة
الأحكام هلهنا في تسع مسائل:
الأولى: في جواز اتخاذ الكلب، لا خلاف أن الكلاب كانت عندهم متخذة مكسبة
يصرفونها في منافعهم، ثم أمر النبي وهم بقتلها، فأرسل إلى أقطار المدينة وأطرافها، فلا ندع كلبًا
إلا قتلناه، حتى إنّا لنقتل كلب المرأة من أهل البادية يتبعها، كذا: في الصحيح عن ابن عمر،
وألفاظ مسلم هذه. ثم رُوِيّ عنه أنه قال: أمر بقتلها إلا كلب صيد أو غنم أو ماشية، زاد أبو
(١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ١١٣ - باب ثمن الكلب، حديث رقم ١١٢٢. وأخرجه
مسلم في: ٢٢ - کتاب المساقاة، حديث رقم ٣٩.

٥٥
كتاب النكاح/ باب ٣٦
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ وَأَبِي ◌ُحَيْفَةً وَأَبِي هُرَيْرَةً وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي مسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
هريرة في آخره: وكلب حرث. وفي مسلم عن عبد الله بن معقل أن النبي ول# أمر بقتل الكلاب
ثم قال: ((ما بالهم وبال الكلاب»؟ ثم رخّص في كلب الصيد والغنم والزرع، وأخبر أن اتخاذه
ينقص من الأجْر قيراطًا، وفي الأكثر قيراطان، كلاهما في صحيح مسلم عن ابن عمر وأبي
هريرة. قال: وفي الموطأ عن سفيان بن أبي زهير: ((قيراط)) عنهما. قال ابن العربي رحمه الله:
فهاتان حالتان، إحداهما: قتلها كلها، الثانية: اتخاذ ما يحتاج إليه منها في ثلاث، وتحريم ما
سواه مما أخبر أنه ينقص من أجره، وكل ما أَدخل وزرًا فهو حرام.
الثانية: إذا جاز اتخاذها لهذه الخصال فهل يجوز لغيرها أم لا؟ في ذلك كلام بيّنَاه في
الكتاب الكبير، أصحّه أنه يجوز اتخاذه للحراسة في الدور والطرق إذا خاف صاحبه وأغنى عنه.
الثالثة: إذا قلنا يجوز اتخاذها هل يجوز بيعها؟ قال أبو حنيفة: حدّ المال كلٍّ منتفع به
شرعًا، فإذا جاز وضع اليد عليه والانتفاع به صار من الأموال الشريفة فجاز بيعه، قلنا: إنما صار
متخذًا منتفعًا به ضرورة، فلا يلحق بالمكتسب المنتفع به اختيارًا، فإن في الكلب منفعة ومضرّة،
فلما تعارضا أذِنّ في اتخاذه فكانت رخصة، فلم يطُرد عليه حكم الأموال.
الرابعة: أن النبي * نهى عن ثمنه مع الأمر باتخاذه لتكون المنفعة به عند مّن يره عليه
وغيره، کما نھی عن ثمن السنور، وهي:
الخامسة: لتكون من الطّافين والطوّافات فتعمّ منفعته ولا يتملّك، وهذا أبدع في المصلحة
وأحرى في قوانين الشريعة، وقد ثَبَتَ عن ثَبْتٍ عن أربع بن جريج عن رسول الله صل* واللفظ
لمسلم، قال: ((ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث))، فعيّن ثمن
الكلب ومهر البغي لأنه معوّض لا تجوز مقابلته بالعوض، وأطلق القول في كسب الحجام،
وهي:
السادسة: بجهالته بأنه يعامل على غير عمل مقدّر، فلو كان معلومًا لجاز، كما فعله
النبي # في أن أعطى الحجام، ولو كان حرامًا ما أعطاه.
السابعة: قوله: (فاقتلوا منها كل أسود بهيم) زاد مسلم في رواية جابر: «ذا نقطتين فإنه
شيطان، وهو شرع مربوط بعيب، فتمثيل لا تعليل.
الثامنة: إذا لم يجز بيعه فإن على مَن قتله قيمته في حديث ابن عباس: ((مَن جاء يطلب
ثمنه فاملا كفّيه ترابًا»، وهذا في ما لا منفعة فيه لا يجوز قتله، وإذا لم يجز إبطال منفعته تعيّنت
عليه القيمة، وليس كل ما لا يجوز بيعه تبطل قيمته، وهذا كله مستوفى في موضعه.

٥٦
كتاب النكاح/ باب ٣٧
٣٧ - باب مَا جَاء أنْ لاَ يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةٍ أُخِيهِ
[المعجم ٣٧ - التحفة ٣٧]
١١٣٤ - حقئنا أحمَدُ بْنُ مَنِيعِ وَقُتَيْبَةٌ قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. عَنْ
التاسعة: (حلوان الكاهن) حرام بإجماع، لأن الكهانة كفر وأجرة الكفر لا خلاف في
تحريمها، والله اعلم.
باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه
ذكر حديث أبي هريرة وفاطمة بنت قيس وكلاهما صحيح. وفي ذلك من الفقه إحدى عشر
مسألة.
الأولى: لا خلاف أنه لا يجوز لأحد أن يخطب على خطبة غيره، لنهي النبي وَالر عنه.
وقد اختلف في صفة الخطبة على الخطبة التي نهى النبي # عنها على قولين: أحدهما: أن
يركن كل واحد من الزوجين إلى صاحبه ويتفقا على صداق معلوم، يعني: ولا يبقى إلا الإعلان
أو الإشهاد بالتواجب. الثاني: أن لا تجوز الخطبة إذا تراكنا وإن لم يتفقا على صداق، قاله ابن
القاسم وابن وهب ومطرب وابن الماجشون وابن عبد الحكم والشافعي، وساعده ابن نافع على
الرواية المشهورة عن مالك المذكورة في موطأه. قال ابن العربي رحمه الله: وتحقيق القول في
ذلك أن للخطبة مبدأ ومنتهى، فأما المبدأ فلا خلاف في جواز دخول بعضها على بعض، وأما
المنتهى فلا خلاف في تحريم الخطبة فيها، وهي ما إذا لم يبق إلا التواجب، فأدخل على ذلك
أحد خطبة، وإنما القول في حال المراوضة، فإن تراكنا وتقاربا في الرضا لكن لم يَجرِ ذكر
صداق، فهذا موضع الخلاف، فمَن قال: تجوز الخطبة، قال: لأن الاتفاق بعد، إذ قد يذكران
من الصداق ما لا يتفقان عليه، ومَن قال: لا تجوز، قال: لأن الموجب قد يقع بغير صداق.
والأول أصح، لأن السكوت على الصداق نادر، وهو أصل الاتفاق، فإن لم يذكر فليس بركون
ولا مقاربة .
الثانية: قال علماؤنا: هذا إذا كان شكلين (١)، فأما إذا لم يكن الزوجان متشاكلين جاز
للمشاكلة أن يدخل عليه، وهذا مما لا ينبغي أن يكون فيه خلاف مع ثلاثة مَن اقتحم النهي
وخطب آثم، وروى علماؤنا تأديبه.
الرابعة: هل يفسخ نكاحه؟ قال ابن القاسم: لا يفسخ، قاله عبد الملك والشافعي وأبو
حنيفة، وروى ابن قرين عن ابن نافع: يفسخ، قيل: وروى غيره أنه يفسخ بكل حال، والصحيح
(١) هكذا بالأصل.

٥٧
كتاب النكاح/ باب ٣٧
سَعِيدٍ بْنِ المُسَيْبِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ (قَالَ قُتَيْبَةُ: يبلُغُ بِهِ النَّبِيِّ ◌َ. وَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ): ((لاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ على بَيْعٍ أخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ»(١).
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ سَمُرَةً وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حدِیثْ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إِنَّمَا مَعْنَى كَرَاهِيَةِ أنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةٍ أَخِيهِ، إذا
خَطَبَ الرَّجُلُ المَرْأةَ فَرَضِيَتْ بِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أنْ يخْطُبَ على خِطْيَتِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى هذَا الحَدِيثِ (لاَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ)، هذا عِنْدَنَا
إذا خَطَبَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَرَضِيَتْ بِهِ وَرَكَنَتْ إلَيْهِ، فَلَيْسَ لأحَدٍ أنْ يَخْطُبَ على خِطْبَتِهِ. فَأَمّا
قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ رِضَاهَا أَوْ رُكُونَهَا إِلَيْهِ، فَلاَ بَأْسَ أنْ يَخْطُبَهَا.
وَالحُجَّةُ فِي ذلِكَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، حَيْثُ جَاءَتِ النَّبِيِ﴿ فَذَكَرَتْ لَهُ؛ أنَّ
أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذّيْفَةً وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أبي سُفْيَانَ خَطَبَاهَا. فَقَال: ((أمَّا أَبُو جَهْم، فَرَجُلٌ لاَ يَرْفَعُ
عَضَاهُ عَنِ النِّسَاءِ. وَأمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوٌ لاَ مَالَ لَهُ. وَلَكِنٍ أَنْكِجِي أُسَامَةَ)).
فَمَعْنَى هذا الحدِيثِ عِنْدَنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أنَّ فَاطِمَةَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِرِضَاهَا بوَاحِدٍ مِنْهُمّا.
وَلَوْ أخْبَرَتْهُ، لَمْ يُشِرْ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الَّذِي ذَكّرَتْ.
عدم الفسخ، لأن النهي وقع في غير العقد فلم يؤثر فيه، وإنما عليه الإثم. واختلف علماؤنا
وهي:
الخامسة: هل الحق في ذلك الله أو للخاطب؟ فمنهم من قال: الحق في ذلك للخاطب
فليتحلّل، فإن لم يفعل فارقها، قاله ابن وهب، وهذا لا يصح لأنه رآه مستوجبًا حقًّا في النكاح،
وهذا لا يصح، وقد فات محل حقه. أما أنه إن حلل خلص من مطالبته .
السادسة: روى الأعرج عن أبي هريرة هذا الحديث، فقال: (لا يخطب أحدكم على خطبة
أخيه)، ورواه سعيد بن المسيب فزاد فيه: (لا يبيع الرجل على بيع أخيه)، وكذلك روى
عبد الله بن نافع عن ابن عمر أن النبي ® قال: ((لا يبع))، و((لا يخطب))، فإما لم يسمعه مالك
منه وإما فضله، على اختلاف العلماء في فصل الموصول إذا لم يكن منه.
(١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٥٨ - باب لا يبع على بيع أخيه، حديث رقم ١٠٨٣.
وأخرجه مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، حديث ٥١.

٥٨
كتاب النكاح/ باب ٣٧
١١٣٥ - عقدنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَني
أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبي الجَهْمِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ على فَاطِمَةَ بِئْتٍ
قَيْسٍ. فَحَدَّثَتْنَا؛ أَنْ زَوَجَهَا طَلَّقَهَا ثَلاثًا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِهَا سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةً. قَالَتْ: وَوَضَعَ
لِي عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ عَنْدَ ابْنِ عَمِّ لَهُ: خَمْسَةٌ شَعِيرًا وَخَمْسَةً بُرًّا. قَالَتْ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَخلـ
فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لَهُ. قَالَتْ: فَقَالَ: ((صَدَقَ)). قَالَتْ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمّ شَرِيكٍ. ثمّ
قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إنَّ بَيْتَ أُمّ شَرِيكٍ بَيْتٌ يَغْشَاهُ المُهَاجِرُونَ. وَلكِنِ اعْتَدْي في
بَيْتِ ابْنِ أُم مَكْثُومٍ. فَعَسَى أنْ تُلْقِي ثِيَابَكِ وَلاَ يَرَاكِ. فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَجَاءَ أحَدٌ
يَخْطُبُكِ، فَآذِنيني".
فَلَمَّا أَنْقَضَتْ عَذَّتي، خَطَبَنِي أَبُو جَهْم وَمُعَاوِيَةُ. قَالَتْ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾،
فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَّهُ. فَقَالَ: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ لَّ مَالَ لَهُ. وَأمَّا أَبُو جَهْم فَرَجُلٌ شَدِيدٌ على
النِّسَاءِ)).
السابعة: قال مسلم في رواية ابن عمر: ((ولا يخطب على خطبة أخيه إلا بإذن له»، فقد
ترك الركون جزالة النصل ابن الصلت(١).
الثامنة: قوله: ((لا يبع على بيع أخيه)) يعني به السوم، لأن البيع لو تم لم يتصور آخر
غيره، يبيّنه حديث عن عديّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رسول الله صل# نهى أن
يستام الرجل على سوم أخيه.
التاسعة: في هذا الوجه هو الكلام، فأما لو انعقد العقد في البيع لم يكن له كلام في أنه
حرام لا يجوز ولا ينعقد، والقول في ورود العقد على البيع يتصور عن الشافعي في خيار
المجلس إذا تعاقدا ولم يفترقا، وقد بيّن الراوي أن النبي # أراد بيع السوم وكيفها منع البيع،
وإنما ذلك إذا اتفقا وسمّيا الثمن، ولم يبق إلا أن يشترطا وزنًا أو تبرأ من عيب ونحو ذلك مما
يفهم منه الاتفاق. وقال الثوري: ذلك أن يقول: عندي ما هو خير منه، فأرج حتى ترى ما
عندي. وقال أبو حنيفة بقول مالك في ذلك، وإنما تجوز المواسمة في الابتداء.
العاشرة: إذا وقع البيع فاختلفت الروايات عن مالك وأصحابه، وأنكر ابن الماجشون أن
مالكًا قال بفسخه، والتعليل قريب من الذي تقدم في النكاح فعول عليه.
الحادية عشرة: من غريب الفقه أن الأوزاعي يقول: يجوز مساومة المسلم على الذميّ،
لقول النبي * قال: ((على بيع أخيه))، ولا أخوة بين المسلم والذميّ، فلم يدخل في النهي.
(١) هكذا بالأصل.

٥٩
كتاب النكاح/ باب ٣٨
قَالَتْ، فَخَطَبَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَزَوَّجَنِي، فَبَارَكَ اللَّهُ لِي فِي أُسَامَةَ(١).
هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الجَهْمِ نَحْوَ هذا
الحَدِيثِ. وَزَادَ فِيهِ: فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ وَّرِ: ((أَنْكِحِي أُسَامَةً)) .
حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي الجَهْم بِهِذَا.
٣٨ - باب مَا جَاءَ في العَزْلِ
[المعجم ٣٨ - التحفة ٣٨]
١١٣٦ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبي الشَّوَارِبِ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ.
حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيِى بْن أبي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ
قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا نَعْزِلُ. فَزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّهَا المَوْؤُودَةُ الصُّغْرَى. فَقَالَ:
(كَذَبَتِ الْيَهُودُ. إِنَّ اللَّهَ إِذَا أُرَادَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ»(٢).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَأَبِي سَعِيدٍ.
١١٣٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ وَابْنُ أبي عَمْرَ قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ، وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ(٣).
وسائر العلماء على منعه، لأن لهم حق الذمّة والعهد أن لا يرزأوا في أبدانهم ولا في أموالهم ولا
أمانيهم ولا أولادهم، ومن الرزء السوم عليه، وإخراجه مما دخل فيه، وإبعاده مما قرب منه.
ومسائل حديث فاطمة في باب الطلاق إن شاء الله.
باب العزل وكراهيته
ذكر حديث (جابر: يا رسول الله إنّا كنا نعزل، فزعمت اليهود أنها الموءودة الصغرى،
فقال: ((كذبت اليهود، إذا أراد الله أن يخلقه لم يمنعه)))، هذه رواية محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر، ورواية (عطاء عنه: كنا نعزل والقرآن ينزل). وذكر حديث
(١) أخرجه مسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، حديث رقم ٣٦. وأخرجه أبو داو في: ١٣ - كتاب
الطلاق، ٣٩ - باب في نفقة المبتوتة، حديث ٢٢٨٤.
(٢) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.
(٣) أخرجه البخاري في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٩٦ - باب العزل، حديث رقم ٢١٣٨. وأخرجه مسلم
في: ١٦ - كتاب النكاح، حديث رقم ١٣٦.

٦٠
کتاب النكاح/ باب ٣٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَقَدْ رَخْصَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ ﴿ وَغَيْرِهِمْ، في العَزْلِ. وَقَالَ
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: تُسْتَأْمَرُ الحُرَّةُ فِي العَزْل، وَلا تُسْتَأْمَرُ الأمَّةُ.
٣٩ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةِ العَزْلِ
[المعجم ٣٩ - التحفة ٣٩]
١١٣٨ - حدثنا ابْنُ أبي عُمَرَ وَقُتَيْبَةُ قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أبي
نجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أبي سَعِيدٍ قَال: ذُكِرَ العَزْلُ عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ وَر
فَقَالَ: ((لِمَ يَفْعَلُ ذُلِكَ أَحَدُكُمْ))(١)؟
قزعة (عن أبي سعيد قال: ذكر العزل عند رسول الله # فقال: لم يفعل ذلك أحدكم) ولم يقل
لا يفعل ذلك أحدكم، أحاديث صحاح، ورواية عطاء أصح.
الإسناد: في البخاري عن أبي سعيد: قال النبي وَله: ((وإنكم لتفعلون ثلاثًا، ما من نسمة
كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة) !. وخرج مسلم من رواية معبد: ((لا عليكم ألاّ تفعلوا،
فإنما هو القدر)، وفي رواية: ((ما من نفس مخلوقة إلا الله خالقها»، وفي رواية أبي الوداك:
(ما من كل الماء يكون (٢) إذا أراد الله بخلق شيء لم يمنعه شيء»، وذكر أحاديث كثيرة في
المعنى.
الأصول: في مسألتين:
الأولى: لا خلاف بين أهل السُّنّة في أن الأمور تجري على قضاء الله وقدره وعلم سابق
وكتاب مقدّم، وإن كان علّقها بالأسباب فلا حظّ للأسباب فيها إلا أنها علامات على وجود ما
قدر وعلم وخلق، فأما أن يكون لها تأثير أو ينسب إليها عمل فلا سبيل إلى ذلك في التوحيد.
الثانية: لله إرادة صفة من صفاته تتعلق بالمخلوقات فيما عليه من الصفات والتقدم والتأخر،
إلا ما ليس إلى الأوقات لا موجود إلا بها ولا يخرج عنها، وإن يخلق للمخلوق إرادة فإنما هي
تحتها ومصرِّفة بحكمها، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾
[الإنسان: ٣٠]، فإذا اجتهد العبد واستنفذ الوسع وتعلقت إرادته بشيء لم يردّه الباري وإن دفعه
وقد شاء وجد على رغم أنفه. وخالفت القدرية فقالت: إرادة العبد تنفذ وإرادة الله تبطل، تعالى
(١) أخرجه البخاري في: ٩٧ - كتاب التوحيد، ١٨ - باب: هو الله الخالق البارىء المصوّر، حديث
١١٢٠. وأخرجه مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، حديث رقم ١٣٢.
(٢) بياض بالأصل.