النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الحج/ باب ٤٥
٨٧٢ - حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَّرَ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالاً: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنْ أَبِي
إِسْحَقَ، تَحْوَهُ وَقَالاً: زَيْدُ بْنُ يُقَبِعٍ وهذا أُصَحُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَشُعْبَةُ وَهِمَ فِيهِ فَقَالَ: زَيْدُ بْنُ أَثَيْلِ.
٤٥ - باب مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الكَعْبَةِ
[المعجم ٤٥ - التحفة ٤٥]
٨٧٣ - حقثنا ابْنُ أبي عُمّرَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، عَنِ ابْنِ
أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ : ﴿ مِنْ عِنْدِي، وَهُوَ قَرِيرُ العِيْنِ طَيِّبُ النَّفْسِ.
فَرَجَعَ إليَّ وَهُوَ حَزِينَ فَقُلْتُ لَهُ؟ فَقَالَ: ((إنِّي دَخَلْتُ الكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنِي لَمْ أُكُنْ فَعَلْتُ.
إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُكُونَ أَتَعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وخذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] أو: استروا عوراتكم، وعهد النبي # حينئذ
بالنداء: لا يطوف بالبيت عريان.
الثالثة: قوله: (ولا يجتمع المسلمون والمشركون) لما نزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما
المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] فمنعهم الله أن يدخلوا
لشركهم ونجاستهم، أمر النبي # أن ينادى بذلك في الناس.
الرابعة: لما تمكّن الإسلام أمر النبي # أن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأن يتبرأ منهم،
وحكم بأن مَن كان بينك وبينه عهد بقي إلى مدته، وإن لم يكن له مدة وكان عهده مطلقًا فإن الله
قد فسخ ذلك ورفعه، فله في الأرض یسیر أربعة أشهر، فنبذ الحکم بذلك ووقع النداء به،
فأسلم الكل عند ذلك ليرتفع عنهم الخوف والقتل.
باب دخول الكعبة
روى ابن أبي مليكة (عن عائشة خرج النبي {18 من عندي، وهو قرير العين. ثم رجع وهو
حزين، وقال: إني دخلت الكعبة ووددت أن لم أكن فعلت. إني أخاف أن أكون أتعب أمتي من
بعدي) حسن صحيح.
(١) أخرجه ابن ماجه في: ٢٥ - كتاب المناسك، ٧٩ - باب دخول الكعبة، حديث رقم ٣٠٦٤.

.
٨٢
كتاب الحج/ باب ٤٦
٤٦ - باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاَةِ فِي الكَعْبَةِ
[المعجم ٤٦ - التحفة ٤٦]
٨٧٤ - حقّثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ
بِلاَلٍ؛ أنَّ النَّبِيِّ ◌ِ صَلَّى فِي جَوْفِ الكَّغْيَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُصَلِّ وَلِكِنَّهُ تَبَّ(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أُسَامَّةٌ بْنِ زَيْدٍ وَالفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةً وَشَيْئَةً بْنٍ
عُثْمَانَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ بِلاَلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمْلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أهْلٍ
العِلْمِ. لاَ يَرَوْنَ بِالصَّلاَةِ فِي الْكَعْبَةِ بَأْسًا.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لاَ بِأْسَ بِالصَّلاَةِ النَّافِلَةِ في الكَعْبَةِ. وَكَرِهَ أنْ تُصَلَّى المَكْتُوبَةُ
في الكّعْبَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لاَ بَأْسَ أنْ تُصَلَّى المَكْتُوبَةُ وَالتَّطَوُّعُ في الْكَعْبَةِ. لأنَّ حُكْمَ النَّافِلَةِ
وَالمَكْتُوبَةِ، فِي الطَّهَارَةِ وَالْقِبْلَةِ، سَوّاءٌ.
العارضة: صلوات الله عليه ورحمته وسلامه كان بنا رؤوفًا رحيمًا، وكان قد علم أننا نقتفي
آثاره ونتبع سُتّته، فأذِنَّ وأنه سيكون في ذلك نصب ومشقة، فتذكر بعد ذلك على هذا فتمنى أن
لم يفعل، واختلف هل صلّى فيها أم لم يصلُ؟ فروى عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال
أنه لم يصلُ فیه، ولکنه کېر ودعا في نواحيه. وفي الصحيح أنه صلّی فیه، رواه عن ابن عمر،
عن بلال سالم ابنه، ونافع مولاه، عن بلال أنه صلّى فيها. وروى عكرمة، عن ابن عباس أن
النبي # لم يصلُ فيها. وكان ابن عمر يحجّ كثيرًا ولا يدخل الكعبة. وقال العلماء: إن المثبت
للدخول أولی من النافي، لأن الذي أثبت أفاد حكمًا، وهذا إنما یکون لو كان الخبر عن اثنين،
فأما وقد اختلف قول ابن عمر فأثبت مرة ونفى أخرى، وقوّى النفي رواية ابن عباس، فلا أدري
ما هذا؟ غير أن هذا الأمر لمّا لم يكن من مناسك الحج خَفِيَ فيه الأمر، وقد اختلف الناس في
هذه المسألة فأجازه الشافعي في الفريضة والنافلة، ومنعه ابن حبيب من أصحابنا في الكل،
واختلف في قول مالك: فتارة منعه أصلاً، وتارة جوّزه في النافلة، وكرهه في الفريضة،
والصحيح: جوازه، لأن النبي # وإن كان قد اختلف عنه من طريق ابن عمر، فقد ثبت فعله
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.

٨٣
كتاب الحج/ باب ٤٧
٤٧ - باب مَا جَاء فِي كَسْرِ الكَعْبَةِ
[المعجم ٤٧ - التحفة ٤٧]
٨٧٥ - حدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْطَقَ، عَنِ
الأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ؛ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لَّهُ: حَدِّثْنِي بِمَا كَانَتْ تُفْضِي إِلَيْكَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ. يَعْنِي
عَائِشَةَ. فَقَالَ: حَدّثَتْنِي أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ لَهَا: ((لَوْلاً أنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ
بِالجَاهِلِيَّةِ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ))(١).
قَالَ، قَلَمَّا مَلَكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، هَدمَهَا وَجَعَلَ لَّهَا بَابَيْنِ.
قَالَ ابُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
من أصحّ روايات ابن عمر وثبت عن عائشة ما رواه أبو عيسى عنها أن النبي # أمرها بالصلاة
في الحجر، وأخبرها أنه من البيت.
باب كسر الكعبة أمرها غريب
قد نقلوه من النيرين مختصرًا، اتفقوا على حقيقته. وذلك أن الأسود بن يزيد وغيره رووا
(عن عائشة، قال ابن الزبير الأسود بن يزيد: إن عائشة رضي الله عنها كانت تسرّ إليك كثيرًا،
فما حدّثتك في الكعبة؟ قال: قالت لي: سألت النبي * عن الجدار أمن البيت؟ قال: ((نعم)،
قلت: ما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ قال النبي 8#: ((يا عائشة، ألم تري قومك حين بنوا الكعبة
اقتصروا على قواعد إبراهيم قصرت به النفقة، فاستقصرت بناء، وجعلت له خلفًا))، قلت: فما
شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم؟ قال: ((هل تدرين لِمَ كانوا قومك رفعوا بابها)»؟ قلت:
لا، قال: ((تعذّر ألا يدخلها إلا مَن أرادوا، وكان الرجل إذا أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا
كاد أن يدخلها دفعوه فيسقط))، قلت: يا رسول الله، ألا تراها على قواعد إبراهيم؟ قال: ((إن لولا
قومك حديثو عهد بالكفر فأخاف أن تنكر قلوبهم، أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه في
الأرض، وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لنقضت الكعبة ثم بنيته، فأدخلت فيه ما أخرج
من الحجر، وجعلت له بابين: بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا). ورُويَ: ((حلقتين))، يعني: بابين
موضوعين في الأرض (بابًا يدخل الناس منه وبابًا يخرجون منه، ولأنفقت كنز الكعبة في سبيل
الله، وبلغت به أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل) ويُروَى: كالأسنة. قال جرير بن حازم:
(١) أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج، ٤٢ - باب فضل مكة وبنيانها، حديث رقم ١٠٧. ومسلم
في: ١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ٤٠٥.

٨٤
كتاب الحج/ باب ٤٨
٤٨ - باب مَا جَاء في الصَّلاَةِ في الحِجْرِ
[المعجم ٤٨ - التحقة ٤٨]
٨٧٦ - حقَّدنا قُتَنْيَةُ. حَدِّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلْقَمّةَ بْنِ أبِي عَلْقَمّةً، عَنْ
أُمّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أَدْخُلَ البَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ. فَأَخَذَ رَسُولُ
اللَّهِ * بِّدِي فَأَذْخَلَنِي الحِجْرَ. فَقَالَ: ((صَلْي في الحِجْرِ إِنْ أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ، فَإِنَّمَا
هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ، وَلَكِنْ قَوْمُكِ اسْتَقْصَرُوهُ حِينَ بَتَوُا الْكَعْبَةَ، فَأَخْرَجُوهُ مِنَ البَيْتِ))(١).
فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر فأشار إلى مكان، فقال: هلهنا،
قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع. وكان ابن عمر يقول إذا سمع ذلك: ما أرى النبي
ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم، فلما احترق
البيت زمن اليزيد بن معاوية حين غزاها ابن الشامي تركه ابن الزبير حتى قَدِمَ الناس الموسم يريد
أن يحريهم أو يحزيهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال ابن الزبير: يا أيها الناس أشيروا
عليَّ في الكعبة النقضها ثم أبني بناءها وأصلح (٢) وهي منها، قال ابن عباس: فإني قد فرق
في رأيي فيها، أرى أن تصلح وهي منها، وتدع بيتًا أسلم عليه الناس، وبعث عليه النبي 15،
فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده، فكيف بيت ربكم، إني مستخير
ربي ثلاثًا، ثم عازم على أمري. فلما مضت الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضه، فتحاماه الناس
أن ينزل، فأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، فصعد رجل ثم ألقى منه حجارة، فلما لم يره
الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها
الستور حتى ارتفع بناؤه. قال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي 18 قال: ((لولا أن
الناس حديثو عهد بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه، لقد كنت أدخلت فيه من
الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له بابًا يدخل الناس منه وبابًا يخرج الناس منه))، قال: فأنا اليوم
أجد ما أُنفق، ولست أخاف الناس. فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى أسًّا نظر الناس
إليه؟ فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، فلما زاد فيه اقتصره فزاد فيه عشرة
أذرع، وجعل لها بابين: أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه، فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج
إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أساس نظر إليه
العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزبير بشيء، أما ما زاد
في طوله فأقرّه، وأما ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه، وسترى الباب الذي فتحه فنقضه
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٩٢ - باب في دخول الكعبة، حديث ٢٠٢٨. والنسائي
في: ٢٤ - كتاب المناسك، ١٢٩ - باب الصلاة في الحجر.
(٢) بياض بالأصل.

٨٥
كتاب الحج/ باب ٤٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَلْقَمَّةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ هُوَ عَلْقَمَةُ بْنِ
پلآلٍ.
٤٩ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الحَجَرِ الأسْوَدِ وَالرُّكْنِ والمَقَام
[المعجم ٤٩ - التحفة ٤٩]
٨٧٧ - حدثنا تُتَيْبَةُ. حَدِّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَطاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مُبَيْرِ، عَنِ
أَبْنِّ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴾: ((نَزَّلَ الْحَجَرُ الأسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ
اللَّنِ، فَسَوَدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ)(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأْبِي هُرَيْرَةً.
قالَ ابُو عِیسی: خَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٨٧٨ - حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدْثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعِ عَنْ رَجَاءٍ، أَبِي يَحْيِى قَالَ: سَمِعْتُ
مُسَافِعًا الحَاجِبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾َ يَقُولُ:
وأعاده إلى بنائه، فوفد الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على عبد الملك بن مروان في خلافته،
فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب يعني ابن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها،
قال: سمعتها تقول: قال رسول الله ): ((إن قومك اقتصروا بنيان الكعبة، ولولا حدثان عهدهم
بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي يبنوه فأهمي لأريك ما تركوا»، فأراها
قريبًا من سبع أذرع. قال عبد الملك للحرث، أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، فنكث ساعة
بعصاه ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل، ولو كنت سمعت هذا قبل أن أهدمه لتركت ما بناه
ابن الزبير. ورُوِيّ عن ابن هارون الرشيد قال: إني أُريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يرد
إلى بنيان ابن الزبير، لما جاء في ذلك عن النبي # واثلة بن الزبير، فقال له مالك: ناشدتك
الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقضه وبناه،
فتذهب هيبته من صدور الناس.
باب فضل الحجر الأسود
ذكر حديث ابن عباس (قال: قال رسول الله ◌َله: نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد
بياضًا من اللبن، فسؤدته خطايا بني آدم).
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.

٨٦
كتاب الحج/ باب ٤٩
(إنَّ الرَّكْنَ وَالمَّقّامَ يَاقُوتَتَانٍ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا. وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمّا
لِأَضَاءَتَّا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مَوْقُوفًا قَوْلُهُ.
وفيهٍ عَنْ أَنَسٍ أيضًا. وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
الإسناد: خرجه أبو عيسى عن جرير، عن عطاء بن السائب. وخرّجه النسائي عن حماد بن
سلمة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عنه. وذكر أبو عيسى حديث عبد الله بن عمر (أن الركن
والمقام باقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما. ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين
المشرق والمغرب) قال محمد: هذا الحديث عن عبد الله بن عمر موقوفًا.
الأصول: هذا لا يؤمن بالله ولا به (٢) من أمره إلا نسي، والقدرية تنكره من وجهين:
أحدهما: أن الجنة لم تخلق، والثاني: أن الخطايا لا تسوّد ولا تبيض، لا حقيقة ولا توليدًا
على أصلهم في التوليد. وقد أقمنا الأدلة الواضحة على خلق الجنة وأنها مُعدّة للمثّقين، وأما
خلق السواد في الأبيض والبياض في الأسود فليس في قدرة الله بمستنكر، فإن تبديل الأعراض
من أهون مقدوراته وكلها هين، ولا يكون خطايا لنبي آدم مسوّدة ولا مبيّضة، ولكنها علامة
على ما يفعل الله، كما ليست الأعمال الصالحة موجبة للجنة، ولا الأعمال السيئة موجبة للنار،
ولكنها علامات على ما وجب بقضاء الله وقدره. وقد رُوِيّ في الحجر خلاف هذا، وأن
إبراهيم وضع رجليه عليه إبان غسلت زوج إسماعيل رأسه فتمثّل رجله في الحجر من هيبته
على الحجر حتى لانَّ، ولأفعال الأنبياء تأثير معلوم وقته بهم في الجمادات، كما كان ضرب
موسى الحجر يفجره، وضرب الحجر الذي فرّ بثوبه يندبه ويخرجه، وقد رأيت بالصخرة
المقدسة المسمّاة بالواقعة أثر قدم النبي # حين ركب عليها البراق، أشبه شيء بأثر أبيه
إبراهيم في المقام طولاً وسعة وخمصًا، ومالت الصخرة به فرفدتها الملائكة من الجانب
الغربي، فيها أثر أصابعهم مختلف، كنت أدخل منها مجموع أصابعي في أصبع، ومنها ما يسع
فيها أصبعين وحده، وما بينهما نحو من ذلك، وقد يحتمل أن يكون الباري يطمس نورهما
لأن الخلق لا يحتملونه بأبصارهم كما أطفأ حزّ النار حين أخرجها إلى الخلق من جهنم،
يغمسها في البحر مرتين حتى صارت إلى هذا الحد من الشدة والحرّ. وقد روى الضعفاء
حديثًا أن النبي 8 9 قال: «الحجر يمين الله في الأرض، يصافح بها عباده»، وهو حديث باطل
فلا تلتفتوا إليه. كما رووا أيضًا مثله في الضعف والفساد أن عليًا حين سمع عمر يقول: إني
لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﴿ قبلك ما قبّلتك، قال له:
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.
(٢) هكذا بالأصل.

٨٧
كتاب الحج/ باب ٥٠
٥٠ - باب مَا جَاءَ في الخُرُوجِ إِلَى مِنَّى وَالمَقَامِ بِهَا
[المعجم ٥٠ - التحفة ٥٠]
٨٧٩ - هذثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَجْلَحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
مُسْلِمٍ، عَنْ عَطَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ لَهُ بِمِنَى، الظُّهْرَ وَالعَصْرَ،
والمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ وَالفَجْرَ، ثُمَّ غَدَا إلى عَرَفَاتٍ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَدْ تَكْلِّمُوا فِيهِ مِنْ قِيَلِ حِفْظِهِ.
٨٨٠ - هذّلنا أبُو سَعِيدِ الأشْجُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأجْلَحِ عَنِ الأعْمَشِ، عَنِ
الحَكَّمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النّبِيَّ ◌َهُ صَلَّى بِمِنَّى الظُّهْرَ وَالفَجْرَ. ثُمَّ غَدًا إلى
عَرَفَاتٍ(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنّسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ مِقْسَمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عَلَيُّ بْنُ المَدِينِي: قَالَ يَحْيَئُ: قَالَ
شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعِ الحَكْمُ مِنْ مِقْسَمٍ إِلاَّ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ، وَعَدَّهَا. وَلَيْسَ هذا الحَدِيثُ فِيمَا عَدَّ
شُعْبَةُ.
بلى إنه يضرّ وينفع، إن الله لما أخذ المواثيق على بني آدم وأشهدهم على أنفسهم، ألست
بربّكم؟ قالوا: بلى، كتب ذلك في كتاب وأودعه الحجر الأسود، وهو يشهد بما فيه. وليس
له أصل ولا فصل فلا تشغلوا به لحظه.
باب في الخروج إلی منی والوقوف بها
عطاء عن (ابن عباس قال: صلّى بنا رسول الله وَ * الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم
غدا إلى عرفات). وذكر حديث الحكم عن مقسم (عن ابن عباس أن النبي # صلّى بمنى،
الظهر والفجر. ثم غدا إلى عرفات، فقلت: أخبرني عن حجة النبي * قال: ركب النبي ◌َّه
فصلّى بنا الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس). وفي
صحيح مسلم عن جابر أنهم خرجوا إلى منى يوم التروية، وركب رسول الله### فصلى بنا الظهر
والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وسار رسول الله #
وذلك يوم عرفة حتى نزل في قبته، فلما زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت، فأتى بطن
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.

٨٨
كتاب الحج/ باب ٥١
٥١ - باب مَا جَاءَ أَنَّ مِتَّى مُناخ مَنْ سَبَقَ
[المعجم ٥١ - التحفة ٥١]
٨٨١ - هقدنا يُوسُفُ بْنُ عيسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ أُبَانٍ قَالاَ: حَدِّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مّاهَكَ، عَنْ أُمَّهِ مُسَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! ألاَ نَبْنِي لَكَ بَيْئًا يُظِلُّكَ بِمِنَى؟ قَالَ: ((لاَ. مِنَّى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صچیحٌ.
الوادي، فخطب الحديث. قال القاضي أبو بكر بن العربي: مررت من ذات عرق فألفيت الحاج
كله بائنًا بعرفة ليلة عرفة، وليس على مَن فعل ذلك شيئًا ولكنه ترك فعل رسول الله (8*، ولقد
خاب مّن تركه. وفي البخاري عن عبد العزيز بن رفيع قال: خرجت إلى منى يوم التروية فلقيت
أنسّا راكبًا على حمار، فقلت: أين صلَّى النبي # هذا اليوم الظهر؟ قال: انظر حيث يصلّي
أُمراؤك فصلٌ.
باب مِئِی مُنَاخ مَن سبق
مسألة: عن عائشة قالت: قلنا: يا رسول الله ألا أُنشىء لك بيتًا يظلّك من مِنَّى، قال:
((لا، مِنِّى مناخ من سبق)). قال ابن العربي: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وهو يقتضي
بظاهره أن لا استحقاق لأحد بمِنّى إلا بحكم الإناخة بها لقضاء النسك في أيامها، ثم يبني
بعد ذلك بها ولكن في غير موضع النسك، ثم خربت فصارت قفرًا، وكنت أرى بمدينة
السلام يوم الجمعة كل أحد يأتي بحصيره وخمرته فيفرشها في جامع الخليفة، فإذا دخل
الناس إلى الصلاة تحاموها حتى يأتي صاحبها فيصلّي عليها، فأنكرت ذلك وقلت لشيخنا
فخر الإسلام أبي بكر الشاشي: أويوطن أحد في المسجد وطنًا، أو يتخد منه سكنًا؟ قال:
لا، ولكن إذا وضع مصلاه كان أحق بذلك الموضع من غيره، لقول النبي {18: (مِنّى مُناخ
مَن سبق)، فإذا نزل رجل بمِنّى برحله ثم خرج لقضاء حوائجه، لم يجز لأحد أن ينزع
رحله لمغيبه منه. قال ابن العربي: وهذا أصل في جواز كل مُباح للانتفاع به، خاصة
الاستحقاق والتملك.
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٨٩ - باب تحريم مكة، حديث رقم ٢٠١٩. وابن ماجه
في: ٢٥ - کتاب المناسك، ٥٢ - باب النزول بمنى، حديث رقم ٣٠٠٦، ٣٠٠٧.

٨٩
كتاب الحج/ باب ٥٢
٥٢ - باب مَا جَاءَ في تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ بِمِنّ
[المعجم ٥٢ - التحفة ٥٢]
٨٨٢ - حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا أَبُو الأخْوَصِ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْخْلقَ، عَنْ
حَارِثَّةَ بْنٍ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَّعَ النّبِيِّ ﴿ بِمِنَّى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرَهُ، رَكْعَتَيْنِ (١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ.
قَالَ أبو عِیسی: حَدِيثُ خَارِثَةً بْنِ وَهپٍ حدیثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرُوِيّ عَنِ ابْنِ مَسْعِودٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلْيْتُ مَعَ النَّبِيِّ # بِمِنْی رَكْعَتيْنٍ. وَمَعَ أپِي بَكْرٍ
وَمَعَ عُمَرَ. وَمَعَ عُثْمانَ رَكْعَتَينٍ، صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِي تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ بِمِنَّى لأَهْلِ مَكَّةَ. فَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ:
لَيَْ لأَهْلٍ مَكَّةَ أنْ يَقْصُرُوا الصَّلاَةَ بِمِنَى إِلاَّ مَنْ كانَ بِمِنَى مُسَافِرًا. وَهُوّ قَوْلُ ابْنِ جُرَنْجٍ
وَسُفْيّانَ الثَّوْرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سعِيدِ الْقَطَّانِ والشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ.
باب تقصير الصلاة بمنى
ذكر أبو عيسى حديث خارجة بن وهب (صليت مع رسول الله 155 آمن ما كان الناس وأكثر
ركعتين) حسن. وحديث ابن مسعود (صليت مع رسول الله ## وأبي بكر وعمر وعثمان صدرًا
من إمارته). قال ابن العربي رضي الله عنه(٢).
الإسناد: حديثان صحيحان. ومثل ما رُوِيَ عن ابن مسعود في الصحيح عن ابن عمر،
وزاد فقال: ومع عمر ركعتين، ثم تفرّقت لكم الطرق، فليت حظي من أربع ركعات متقبلتان.
ولم يختلف أحد في هذه المسألة إلا لأهل مكة، لقول عمر حين كان يصلّي بهم ركعتين: أتمّوا
صلاتكم، فإن قومًا سفروا به. قال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: وكذلك عندهم أهل منى،
وقال مالك والأوزاعي وغيرهما: يقصر أهل مكة بمنى وبعرفة، لأن النبي ## لم يقل لهم ما قال
عمر، والنبي ور أحق أن يتبع، ولما قال عمر لأهل مكة: أتمّوا صلاتكم قال عثمان لأهل
الموقف: أتموا صلاتكم، وأتم بالكل كما قدّمناه من قبل. قال ابن العربي: أما الشافعي وأبو
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٧٦ - باب القصر لأهل مكة، الحديث رقم ١٩٦٥.
والنسائي في: ١٥ - كتاب تقصير الصلاة في السفر، ٣ - باب الصلاة بمنى.
(٢) كلام ابن العربي ساقط.

٩٠
كتاب الحج/ باب ٥٣
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ بَأْسَ لأَهْلِ مَكّةَ أنْ يَقْصُرُوا الصَّلاَةَ بِمِنَّى. وَهُوَ قَوْلُ الأوْزَاعِيِّ
وَمَالِكِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُنَيْنَةً وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ.
٥٣ - باب مَا جَاءَ في الوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَالدُّهَاءِ بِهَا
[المعجم ٥٣ - التحفة ٥٣]
٨٨٣ - عقدنا قُتَيْبَةُ حَذْثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعِ الأنْصَارِيُّ وَنَحْنُ وُقُوفٌ
بِالمَوْقِفِ (مَكَانًا يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو) فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللّهِ ﴿ إِلَيْكُمْ يَقُولُ: ((كُونُوا عَلَى
مَّشَاعِرِكُمْ. فَإِنَّكُمْ عَلَى إِزْثٍ مِنْ إزْثِ إِبْرَاهِيمَ))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَليَّ وَعَائِشَةَ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَالشّرِيدِ بْنِ سُوَيْدِ الثَّقَفِيِّ.
حنيفة فقد جروا على الأصل في أن مَن كان من أهل مكة يتم إذا لم يسافر مسيرة يوم من بلده،
وأما مالك فاتبع السنة إذا لم يرو ذلك عن النبي $، ولكن غرضه أنه مّن سافر أقلّ من يوم
يقصر، وقد قيل إن أهل مكة بمنى وعرفة تبع للحاج فدخلوا مدخلهم، وهذا لا يستقيم، والحجة
غير هذا والله أعلم وبه التوفيق.
باب الوقوف بعرفة والدعاء فيها
قال أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: ذكر أبو علي أحاديث الوقوف بعرفة في أربعة
أبواب، وأحاديث المزدلفة في ثلاثة، وبعضها يتعلق ببعض، فنجمعها بالتفصيل لتحصيل البيان
وتفسير ما نرجم، ولم يذكر حديث من الدعاء بها شاء الله(٢) روى يزيد بن سنان (قال: أتانا ابن
مربع، يعني: يزيد بن مربع، ونحن وقوف بالموقف مكانًا يباعده عمرو، فقال: إني رسول(٣)
الله : إليكم، يقول: ((كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم)). قال أبو
عيسى: لم يره(٤) غيره. قال ابن العربي رضي الله عنه: الوقوف بعرفة هو ركن الحج ومعناه
الأعظم ومقصوده الأكبر. أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار مرتين، أخبرنا أبو الطيب
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٦٢ - باب موضع الوقوف بعرفة، حديث رقم ١٩١٩.
والنسائي في: ٢٤ - كتاب المناسك، ٢٠٢ - باب رفع اليدين في الدعاء بعرفة.
(٢) هكذا بالأصل.
(٣) هكذا في الأصل، والصحيح: رسول رسول اله.
(٤) هكذا في الاصل، ولعل الصحيح: يروه.

٩١
کتاب الحج/ باب ٥٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ مِرْبَعِ الأَنْصَارِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ
حَدِيثٍ ابْنِ عُيَيْنَةً عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. وَابْنُ مِرْبَعٍ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ مِرْبَعِ الأنْصَارِيُّ. وَإِنَّمَا
يُعْرَفُ لَهُ هذَا الحَدِيثُ الوَاحِدُ.
٨٨٤ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ البَصْرِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّفَاوِيُّ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَتْ قُرَيْشٌ
وَمَنْ كانَ على دِينِهَا، وَهُمُ الحُمُسُ، يَقِفُونَ بِالمِزْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: نحْنُ قَطِينُ اللَّهِ. وَكَانَ
مَنْ سِوَاهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ثمّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ (١).
قَالَ ابُو عیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَمَعْنَى هذا الحَدِيثِ أنَّ أهْلَ مَكّْةَ كانُوا لَّ يَخْرُجُونَ مِنَ الحرَمِ. وَعَرَفَةُ خَارِجْ
مِنَ الحَرَمِ. وَأَهْلُ مَكَّةً كَانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ قَطِينُ اللَّهِ، يَغَنِي سُكَانَ اللَّهِ.
وَمَنْ سِوَى أهْلٍ مَكَّةً كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ. فَأَنْزِّلَ اللَّهُ تَعَالى: ثمّ أُفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَّ
النَّاسُ. وَالحُمْسُ هُمْ أَهلُ الحَرَمِ.
القاضي، أنا الدارقطني، حدّثنا علي بن عبد الله بن مبشر، نا أحمد بن سنان القطان، نا أبو
أحمد الزبيري، نا سفيان، عن بكر بن عطاء، حدّثني عبد الرحمن بن معمر الرملي، قال: أتيت
النبي # وهو واقف بعرفة، فأتاه ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله ما الحج؟ قال: ((الحج
عرفة، الحج عرفة))، من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من يوم النحر فقد تمّ حجّه، أيام مِنى
ثلاثة، مَن تعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومَن تأخر فلا إثم عليه)). قال أبو عيسى: ورادف وأمر
منادیًا ینادي بذلك.
الأصول: إرسال النبي* إليهم رسوله يخبرهم بهذا الأمر وهم معه بالموقف دليل على
أن الاجتزاء بخبر الفرع مع القدرة على الأصل جائز، بخلاف الشهادة.
الأحكام: قوله: (كونوا على مشاعركم) في هذا اللفظ بيان معنى يرتبط الحكم به. قال في
الحديث: ((مشاعركم)) واحده مشعرة مفعلة، من شعرت أي: تفطنت وعلمت. وقال في القرآن
﴿شعائر الله﴾ واحدها شعيرة فعيلة منه أيضًا. وقد قال ابن القاسم عن مالك: إن ذلك عرفة
(١) أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج، ٩١ - باب الوقوف بعرفة، حديث رقم ٨٦٧. ومسلم في:
١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ١٥١.

٩٢
كتاب الحج/ باب ٥٤
٥٤ _ باب مَا جَاءَ أنَّ عَرَفَةَ كلَّهَا مَوْقِفٌ
[المعجم ٥٤ - التحفة ٥٤]
٨٨٥ - حقثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ. حَدَّثَنَا سَفْيَانُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَيَّاشٍ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَليَّ، عَنْ أپِیهِ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبي رافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾
بِعَرَفَةَ فَقَالَ: ((هذه عَزَّفَةُ. وهذا هُوَ المَوْقِفُ. وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ)، ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتِ
الشّمْسُ. وَأَزْدَّفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَجعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ على هِينَتِهِ، وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا
وَشِمَالاً، يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، ثُمَّ أَتَى جَمْعًا فَصَلَى بِهِمْ
الصَّلاَتَيْنِ جَمِيعًا. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: ((هذا قُزَحُ وَهُوَ المَوْقِفُ،
وَجَمْعْ كُلُّهَا مَوْقِفْ)) ثُمَّ أَفَاضَ حتى انْتَهَى إِلى وَادِي مُحَسٍِّ. فَقَرَعَ نَاقَتَهُ فَخَبَتْ حَتَّى جَاوَزٌ
الوَّادِي فَوَقَفَ. وَأَرْدَفَ الفَضْلَ ثُمَّ أَتَى الجَمْرَةَ فَرَمَاهَا. ثُمَّ أَتَى المَنْحَرَ فَقَّالَ: «هذا
المَنْحَرُ. وَمِنَّى كُلُّهَا منْخَرًا.
وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَةٌ مِنْ خَثْعَمِ. فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخْ كَبِيرٌ قَدْ أذرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي
الحَجِّ، أَفَيُجْزِىءُ أنْ أُحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: ((حُجِّي عَنْ أبِيكِ)).
والمزدلفة والصفا والمروة. ووقف هلهنا وحقه أن يضيف إليها البدن. وقد قيل: وحقها أن يقال
إنها دين الله كله. وقد قيل: والصحيح أنها مناسك الحج التي فطن لها إبراهيم بخلق الله له العلم
بها، خصّت بهذا الاسم.
الثانية: قوله: (على إرث من إرث إبراهيم: فنسبه إليه. والبيت موضوع في الأرض منذ
خلقت، وفي الإسرائيليات أن آدم قد طاف به ومن بعده من الأنبياء إلى إبراهيم، أن نسك به
واستوفی له علمه.
الثالثة: قوله: (الحج عرفة) ذكره أبو عيسى من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان
مرة واحدة، وذكره الدارقطني عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان وكرره مرتين تأكيدًا، قال
علماؤنا: معناه معظم الحج وركن الحج، والذي عندي فيه نكتة حسنة، وهي: أن العرب كانت
تحج على إرث من إرث إبراهيم مبدل، ومن جملة التبديل فيه ما قالت عائشة: كانت قريش
ومن كانت على دينها، وهم: الحمس، يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطبن الله، يعني: سكان
حرم الله وأمنه، وكان من سواهم يقفون بعرفة، فأنزل الله ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾
[البقرة: ١٩٩] وهذا خطاب لهم باتباع من الناس عليه، وقرأه أهل النسيان: ثم أفيضوا من حيث

٩٣
كتاب الحج/ باب ٥٤
قَالَ: وَلَوَى عُثْقَ الفَضْلِ. فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمْ لَوّيْتَ عُنُقّ ابْنٍ عَمِّكَ؟
قَالَ: ((رَأَيْتُ شَابًا وَشَابَةٌ، فَلَمْ آمَنِ الشّيْطَانَ عَلَيْهِمّ)).
ثُمَّ أَتَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أنْ أَحْلِقَ. قَالَ: «احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ
وَلاَ خَرَجْ)).
قَالَ: وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! إنّ ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أَزْمِيَ، قَالَ: ((أَزْمٍ وَلاَ
حَرَجٌ)).
قَالَ: ثُمْ أَتَى الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ ثُمَّ أَتَى زَهْزِمَ فَقَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ المُطْلِبِ! لَوْلا أَنْ
يَغْلِيَكُمُ النَّاسُ عَنْهُ، لَنَزَعْتُ))(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ جَابِرٍ.
أفاض الناسي بالياء، يعني: آدم، وهو جهل بالرواية والدراية، فلما سأل أهل نجد النبي 18# عن
الحج، اعتمد بالبيان الوقوف بعرفة مما كان فيه من التبديل والنسية(٢) حتى يجمعهم عليه قولاً
وعملاً. وفي الصحيح عن ابن مطعم قال: أضللت بعيري فطلبته بعرفة، فرأيت رسول الله #
واقفًا فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه هلهنا؟ وهذا إنما كان قبل الهجرة إذ قد بيّنًا أن
النبي 18 حج قبل الهجرة حجّتين.
الرابعة: اختلف الناس بعد اتفاقهم أن الوقوف ركن في زمانه، فقال جماعة منهم أبو حنيفة
والشافعي، وقته النهار، وقالت طائفة وهم أقل عددًا: وقته الليل، وقالت طائفة منهم أحمد بن
حنبل: وقته الليل والنهار، أي: وقت وقف منهما أجزأه. وقد بيّنًا التحقيق فيها في مسائل
الخلاف، ونكتته أن النبي # ليس له في ذلك قول إلا واحد، وهو حديث عرة بن مضرس،
خرّجه أبو عيسى وغيره، وهو من لوازم الصحيحين وإن لم يخرجاه، وفيه: ((مَن صلَّى معنا هذه
الصلاة" يعني الصبح ((بالمزدلفة وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجّه)). وقد رُوِيّ
فعله في الصحيح أنه أقام وصلّى الظهر حين زاغت الشمس، ثم أقام فصلى العصر ولم يصلٌ
بينهما، ووقف يدعو حتى غربت الشمس، وحينئذ دفع. فأما مّن قال: إن الفرض النهار فلأنه
وقف فيه، وأما من قال: الليل فإنه لم يبرح من موقفه حتى دخل، وأما من قال: كل واحد
منهما موقف، فلقوله: «ليلاً أو نهارًا»، وهو الذي يصح في الدليل، وغيره تكلف، وقد بيّتّاه في
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٦٤ - باب الصلاة بجمع، الحديث رقم ١٩٣٥. وابن
ماجه في: ٢٥ - كتاب المناسك، ٥٥ - باب الموقف بعرفة، الحديث رقم ٣٠١٠.
(٢) هكذا بالأصل.

٩٤
كتاب الحج/ باب ٥٤
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَليٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ عَلِيٍّ إلا مِنْ هذَا
الوَجْهِ. مِنْ حَدِيثٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَيَّاشٍ. وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ
الثُّوْرِيِّ، مِثْلَ هَذَا. وَالعَمَلُ عَلَى هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. رَأوْا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ
بِعَرَفَّةٌ، فِي وَقْتِ الظُّهْرِ.
وَقَالَ بَغْضُ أهْلِ العِلْمِ: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ فِي رَحْلِهِ، وَلَمْ يَشْهَدِ الصَّلاَةَ مَعَ الإمَامِ،
إِنْ شَاءٌ جَمَعَ هُوَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ مِثْلَ مَا صَنَعَ الإمَامُ.
قَالَ: وَزَيْدُ بْنُ عَلِيَّ هُوَ ابْنُ حُسَيْنٍ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
مسائل الخلاف. وقد رام أصحابنا أن يتعلقوا في ذلك بحديث قيس بن محرمة أن النبي 140
قال: ((إن المشركين كانوا يدفعون غروب الشمس حتى تعمّ بها رؤوس الجبال، وإنّا ندفع بعد
غروب الشمس، فلا تعجلوا» ولم يصح. وليس في هذا الباب حديث صحيح بحال، فلا تلتفتوا
إليكم، فجاءكم من هذا أن الأفضل فعل النبي #: أن وقوف ساعة بعرفة ليلاً أو نهارًا يجزىء.
الخامسة: في تعيين الموقف. لا خلاف أنه عرفة، وهي معلومة الحدود عندهما: أولها من
القبلة العلم إلى الوادي إلى الجبال ما عدا وادي عرنة إلى نعمان إلى كبكب، ولا تحد إلا
بالعين، وأفضلها حيث وقف النبي #، وبه وقفت والحمد لله، لأن الخليفة أخذ في ذلك المقام
وأصحابه فكثّا منهم فوقفنا معهم، ولما حان وقت صلاة العصر دفع الحاج كله إلا الخليفة في
جملته وابن أبي هاشم، فإنهم وقفوا حتى غربت الشمس ليخرجوا بحجتهم عن خلاف العلماء.
وكان ذلك من نعمة الله علينا، فإنهم لو دفعوا نهارًا لم يمكنّا البقاء دونهم للخوف، فكان حجّنا
حينئذ مختلفًا فيه، فإن وقف أحد بعرفة فاختلف في هذا الناس، والأشهر أنه لا يجزىء، وعن
مالك روايتان: أحدهما، ألا يجزيه، والآخر يجزيه وعليه دم، والارتفاع عن بطن عرنة لم
یثبت ! .
السادسة: في قوله لعروة وغيره: (مَن أدرك معنا هذه الصلاة وقد وقف قبل ذلك بعرفة
فقد تم حجّه)) دليل على أن المبيت بالمزدلفة ليس بواجب، فأما الوقوف بالمزدلفة فإن جماعة
قالوا: إن مَن لم يقف بالمشعر الحرام فلا حج له، تعلقًا بلفظ الحديث، وهو قول الثوري
والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد: عليه دم، تفصيل
بينهم، وتعلقوا بأن النبي وَه قدّم ضَعَفَة أهله بليل، فلو كان صلاة الصبح عليه السلام أصلاً في
الحج ما أذِنَّ لأحد في تركها، ولكن لا بد من الوقوف فيها لأن النبي 18 بات فيها ولأنها
مذكورة في كتاب الله، قال تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾
[البقرة: ١٩٨] فذكر الوقوف بعرفة خبرًا، وذكر الوقوف بالمشعر الحرام أثرًا، وقد ذكرها

٩٥
كتاب الحج/ باب ٥٥
٥٥ _ باب مَا جَاءَ في الإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ
[المعجم ٥٥ - التحفة ٥٥]
٨٨٦ - حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدْثَنَا وَكِيعٌ وَبِشْرُ بْنُ السِّرِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُنَيْنَةَ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النّبِيِّ : ﴿ أُوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسْرٍ.
وَزَادَ فِيهِ بِشْرٌ (وَأَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ وَعَلَيْهِ السّكِينَةُ. وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ).
وَزَادَ فِيهِ أَبُو نُعَيْمِ (وَأَمَرّهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلٍ خَصَى الْخَذْفِ. وَقَالَ: ((لَعَلِّي لاَ أَرَاكُمْ
بَعْدَ عَامِي هذا))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ .
قَالَ آبُو عِیسی: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
النبي 18 في حديث عروة مع عرفة فلا بذ منها، وهي عندي ركن في الحج كما قال الأوزاعي
وحماد الثوري، وإنما عنى بالركن: الوقوف، لا مجرد الكلام.
السابعة: إذا مرّ بعرفة ولم يعلم بها، فرُوِيّ عن أبي حنيفة والشافعي أنه يجزيه، لقول عروة
للنبي *: ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، لأنه لم يعلم الموضع الذي يوقف فيه فوقف في
الكل، وهذا ليس بدليل، لأن هذا وقف بالنيّة فصادف الموقف، وإنما الحجة لهم أن النيّة في
العبادة إنما تلزم في أوائلها، ثم أركانها تشملها تلك النية، ولا يلزم فيها استئناف النية.
الثامنة: إذا خلط فوقف قبل عرفة أو بعده، فاختلف العلماء فيه اختلافًا كثيرًا، وفيه أربعة
أقوال: الأول: لا يجزىء قبل ولا بعد، قاله أبو ثور. الثاني: يجزىء قبل وبعد، قاله عطاء
والحسن وأبو حنيفة، ورُويّ عن ابن القاسم وسحنون. الثالث: يجزيهم يوم النحر ولا يجزيهم
يوم التروية، قاله مالك وأحد قولي الشافعي. وقد نزلت هذه المسألة في زمن عمر بن الخطاب
وفي سنة أربعمائة، والصحيح إجزاؤها قبل وبعد، لما في ذلك من المشقة عن الخلق.
التاسعة: قال: إذا نشؤوا في الوقوف ثم طردتهم الفتنة، كما جرى في سنة العلوي أجزأهم
ذلك، كمّن منع عن الصلاة بفعله أجزاء بالنيّة. وقد قدّمنا عن النبي 18 أنه قال: ((صومكم يوم
تصومون وأضحاكم يوم تضخّون) إشارة إلى أنه إذا صمتم متى لزمكم أو ضخّيتم متى لزمكم في
(١) أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ٣١٣، وأبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٦٥
- باب التعجيل من جمع، حديث رقم ١٩٤٤.
عارضة الأحوذي/ ج ٤/ م ٢٣

٩٦
كتاب الحج/ باب ٥٦
٥٦ - باب مَا جَاءَ في الجَمْعِ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ
[المعجم ٥٦ - التحفة ٥٦]
٨٨٧ - حقثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدِ القَطَّانُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ
عَنْ أَبِي إِسْحَقْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ؛ أنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى بِجَمعٍ. فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ
بِقَامَةٍ، وقَالَ: رأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَعَلَ مِثْلَ هذا، في هذا المكانِ(١).
٨٨٨ - عنثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدِّثَنَا يَحْيِّى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبِي خَالِدٍ،
عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبِيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمْرٌ، عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿، بِمِثْلِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ: قَالَ يَخْتِى.
والصّوَابُ حَدِيثُ سُفْيَانٌ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيَّ وَأَبِي أَيُّوبَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فِي رِوَايَةٍ سُفْيَانَ، أُصَحُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
أبي خَالِدٍ. وَحَدِيثُ سُفْيَانَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنَّ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. لأنّهُ
لاَ تُصَلَّى صَلاَةُ المَغْرِبِ دُونَ جَمْعٍ. فَإِذَا آتَى جَمْعًا، وَهُوَ المُزْدَلِفَةُ، جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ
بِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَتَطَّوَّعْ فِيمَا بَيْنَهُمَا. وَهُوَّ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ وَذَهَبَ إِلَيْهِ.
الظاهر ثم بدا خلاف ذلك أنه أمر قد مضى، فأما الصوم فيقضي اليوم لخفّته، وقد اختلف الناس
فيه، وأما الحج فيمضي لمشقة إعادته.
العاشرة: قوله: (وأردف أسامة) يعني على بعيره كما أردف الفضل في اليوم الثاني وقد
كذب بعض المؤرخين في هذا الحديث بكذبة سخيفة، قال: إن العرب لما أردف النبي 0#
أسامة بعد انتصاره وقيل لهم: هذا حِبُّهُ، وكان أسود أفطس، أضمروها في أنفسهم حتى ارتدوا
من أجلها، وهذا شيء ما أنزل الله به من سلطان ولا تحدّثت به نفس إنسان.
الحادية عشرة: قوله في حديث علي: (وجعل يشير بيده على هنته كأنه نصبها ورفعها
وخفضها) أي: اسكنوا وارفقوا. وفي الصحيح: ((يشير إليهم بسوطه))، وهذا دليل على أن
الإشارة لمَن بعد تعمل عمل الكلام، وكذلك لمّن قرب لأنه كان منهم بعيد عنه وقريب منه.
(١) أخرجه البخاري في: ١٨ - كتاب تقصير الصلاة، ٦ - باب يصلّي المغرب ثلاثًا في السفر، حديث
٦٠٣. وأخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ٢٨٨.

٩٧
كتاب الحج/ باب ٥٦
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثُّوْرِيِّ. قَالَ سُفْيَانُ: وَإِنْ شَاءَ صَلَّى المَغْرِبَ ثُمَّ تَعَشِّى وَوَضَعَ ثِيّابَهُ ثُمَّ
أَقَامَ فَصَلَّى العِشَاءَ. فَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجْمَّعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ، بِأَذّاٍ
وَإِقَامَتَيْنٍ. يُؤَذِّنُ لِصَلاَةِ المَغْرِبِ وَيُقِيمُ، وَيُصَلِّي المَغْرِبَ. ثُمَّ يُقِيمُ وَيُصَلّي العِشَاءَ. وَهُوَ
قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرَوَى إِسْرَائِيلُ هذا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي إِسْحْقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَخَالِدٍ، ابْنَيْ
مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ.
وَحَدِيثُ سَعِيدٍ بْنِ جُبّيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمْرٌ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَيْضًا. رَوَاهُ
سَلّمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ. وَأَمَّا أَبُو إِسْحَقَ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَخَالِدٍ، ابْتَيْ
مالِكِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
الثانية عشرة: قوله: (والناس يضربون يمينًا وشمالاً) يعني: الإبل. وكذلك رواه شداد بن
أویس، عن أبي أحمد، في مسند سفيان الثوري وفي حديث
(١) لا يلتفت إليهم، وقد رُوِيّ
أن النبي * قال: ((ليس البرّ بالإسراع))، ولقد فضلنا من عرفات بعد غروب الشمس ولم يكن
إسراعًا وإنما كان عدوًا.
الثالثة عشر: أن رواية مَن روى (يلتفت إليهم) بإسقاط كلمة، الأصح لأنه كان ينظر إليهم
يضربون الإبل يوجفون، فأشار إليهم يمينًا وشمالاً للسكينة.
الرابعة عشر: قوله: (ثم أتى جمعًا فصلّى الصلاتين). في الحديث الصحيح عن أسامة:
أن رسول الله﴾ دفع من عرفة، حتى إذا بلغ الشعب نزل فبالَ ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء،
فقلت له: الصلاة، قال: ((الصلاة أمامك))، فجاء المزدلفة فأسبغ الوضوء، ثم أُقيمت الصلاة، ثم
صلّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أُقيمت الصلاة فصلّى ولم يصلٌ بينهما ولا
على إثر واحدة منهما. وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود: حجّ عبد الله فأتينا المزدلفة حين
الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلاً فأذّن وأقام، ثم صلّى المغرب وصلّى بعدها
ركعتين، ثم دعى بعشائه فتعشّى، ثم أمر أرمى فأذن وأقام. قال عمر، ويعني: شيخ البخاري:
لا أعلم الشك من زهير، يعني: شيخه. ثم صلّى العشاء ركعتين، فلما كان حين طلع الفجر
قال: إن النبي # كان لا يصلّي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال
عبد الله: هما صلاتان تحوّلتا عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس من المزدلفة،
والفجر حين يبزغ الفجر. قال: رأيت النبي ## يفعله. وفي مسلم: عن الأعمش، عن عمارة،
(١) بياض بالأصل.

٩٨
كتاب الحج/ باب ٥٧
٥٧ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أَذَرَكَ الإمَامَ بِجَمْع فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ
[المعجم ٥٧ - التحفة ٥٧]
٨٨٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيِّى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ
قَالَ: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَْنِ بْنٍ يَعْمُرَ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ
أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِن ◌َ﴿ وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَسَألُوهُ. فَأَمْرَ مُنَادٍ فَنَادَى («الحَجُّ عَرَفَةُ. مَنْ جَاءَ لَيْلَةً
جَمْعٍ قَبْلَ ◌ُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجّ. أيَّامُ مِنِّى ثَلاثَةٌ. فَمَنْ تَعَجْلَ فِي يَوْمَيْنٍ فَلاَ إِثْمَ
عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأْخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)).
قَالَ: وَزَادَ يَحْيى (وَأَردَفَ رَجُلاً فَتَادَى)(١).
٨٩٠ - هقتنا ابْنُ أبِي عُمَّرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنْ سُفيّانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ
بُكَّيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ﴿ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: سُفْيَانُ بْنُ عُنَيْنَةً. وهذا أجْوَدُ حَدِيثٍ رَوّاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
قَالَ أَبُو عِيسى: وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ
أَصْحَابِ النّبِيِّ﴾ وَغَيْرِهِمْ؛ أنَّهُ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَاتٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ فَاتَّهُ الحَجُ.
وَلاَ يُجْزِىءُ عَنْهُ إِنْ جَاءَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ. وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةٌ وَعَلَيْهِ الحَجُ مِنْ قَابِلٍ. وَهُوَ
قَوْلُ الثَّوْرِيُّ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحُقٌ.
عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: ما رأيت رسول الله صلّى صلاة إلا لميقاتها،
إلا صلاتين: المغرب والعشاء يجمع، وصلّى الفجر يومه قبل ميقاتها. قال الإمام ابن العربي:
الأكثر من هذه الروايات أنه صلاهما بإقامة واحدة، ولم يذكر أذانًا. قوله: ((توضأ فلم يسبغ
الوضوء)) في كتاب مسلم: وضوء ليس بالبالغ، ولم يذكر فيه أنه توضأ مرتين، وإنما ذكره وضوءًا
واحدًا، فيحتمل هذا الوضوء الثاني المروي في هذا الطريق أن يكون وضوء الجدد لحدث طرأ
بينهما، ويحتمل أن يكون لم يكمل الوضوء في المرة الأولى فأكمله في الثانية، وقيل: يحتمل أن
يكون الوضوء الأول الاستنجاء والثاني وضوء الصلاة، والأول أصح من أنه لم يتوضأ، والثاني
الأول أصح في معنى توضّيه وإن كان لتجدّد حدث.
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب الحج، ٦٨ - باب مَن لم يدرك عرفة، حديث رقم ١٩٤٩.
وأخرجه النسائي في: ٢٤ - كتاب المناسك، ٢٠٣ - باب فرض الوقوف بعرفة.

٩٩
كتاب الحج/ باب ٥٧
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطاءِ نَحْوَ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ. قَال:
وَسَمِعْتُ الجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا أَنَّهُ ذَكَّرَ هذا الحَدِيثَ فَقَال: هذا الحَدِيثُ أُمّ
المَنّاسِكِ.
٨٩١ - حقثنا ابْنُ أَبِي عُمَّرَ. حَدْثَنَا سُفْيَانُ عَنْ داوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ
خَالِدٍ وَزَكّرِيًّا بْنِ أبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ بْنِ أَوْسٍ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ
لاَمَ الطَّائِيْ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِع ◌ْ﴿ بِالمُزْدَلِفَةِ، حِينَ خَرَجَ إلى الصَّلاَةِ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّىءٍ. أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي. وَاللَّهِ! مَا تَرَكْتُ
مِنْ حَبْلٍ إِلاَّ وَقَّفْتُ عَلَيْهِ. فَهَلْ لِي مِنْ حَجِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾َ: (مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنَا
هذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنًا حتى نَذْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةً قَبْلَ ذلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتمَّ حَجَّهُ
وَقَضَى تَفَتَهُ))(١).
قَالَ ابُو عِیسی: هذا حَدِيثٌ خَسَنْ صَجِيحٌ.
قَالَ: قَوْلَهُ تَفَّتَّهُ يَعْنِي نُسُكَهُ. قَوْلُهُ: مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلِ إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ. إذَا كانَ مِنْ
رَهْلٍ يُقَالُ لَهُ: حَيْلٌ. وَإِذَا كَانٌ مِنْ حِجَارَةٍ يُقَالُ لَهُ: جَبَلٌ.
الخامسة عشر: قوله: (الصلاة أمامك) فإن صلّى قبل المزدلفة المغرب والعشاء فاختلف
الناس في ذلك على ثلاثة أقوال، قال ابن القاسم: يعيد، لأن النبي # ضرب لهما ميقاتًا، وقال
أشهب: يُعيد العشاء وحدها إن صلاها قبل مغيب الشفق، لأن قول النبي : ((الصلاة أمامك))
معناه الرفق والرخصة لا الوجوب والإلزام. وقد قيل: إن صلّهما بعرفة أجزاء. قال أبو يوسف
ومحمد في أحد قوليه: وليس هذا بمذهبنا، إنما المعروف في كتبهما أنه إن صلّى المغرب في
الطريق أعادها في المزدلفة عند أبي حنيفة ومحمد ما لم يطلع الفجر، وقال أبو يوسف: لا
يُعيد، هذا صريح مذهبهم، وله نكتة بديعة، وهي: أن النبي ◌ِ ﴾ قال: ((الصلاة أمامك)» يعني
بالمزدلفة بعد مغيب الشفق، فإذا طلع الفجر فإن ألزم القضاء لا يكون عملاً بحديث أسامة،
وإنما يكون عملاً بغيره، والقضاء بعد الوقت مثل الفائت لا عينه فيفتقر إلى دليل، والصحيح أن
بصلیها حیث قال رسول الله (#، فعّن تعدّاه فهو من عمله رد.
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٦٨ - باب مَن لم يدرك عرفة، حديث رقم ١٩٥٠.
والنسائي في: ٢٤ - كتاب المناسك، ٢١١ - باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام
بالمزدلفة .

١٠٠
كتاب الحج/ باب ٥٨
٥٨ - بلب مَا جَاءَ في تَقْدِيم الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ
[المعجم ٥٨ - التحفة ٥٨]
٨٩٢ - حقتنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُوبَ، عَنْ عِكْرِمَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﴾َ فِي ثَقَلٍ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ(١).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةً وَأُمِّ حَبِيبَةً وَأَسْمَاءَ بِئْتِ أبِي بَكْرٍ، وَالفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ.
٨٩٣ - حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَثْنَا وَكِيعٌ عَنِ المَسْعُودِيِّ، عَنِ الحَكْمِ عَنْ مِقْسَمِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النَّبِيِّ﴾﴾ قَدْمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ وَقَالَ: ((لاَ تَرْمُوا الجَمَرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ
الشّمْسُ)(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا الحَدِيثِ
عِنْدّ أهْلِ العِلْمِ. لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أنْ يَتَقَدِّمَ الضَّعَفَّةُ مِنَ المُؤْدَلِفَةِ بِلَيْلِ، يَصِيرُونَ إلى مِنِّى.
وَقَالَ أَكْثِرُ أهْلِ العِلْمِ بِحَدِيثِ النّبِيِّ وََّ؛ أَنْهُمْ لاَ يَرْمُونَ حتى تَطْلُعَ الشّمْسُ.
وَرَخَّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فَي أن يرْمُوا بِلَيْلِ. وَالعَمَلُ على حَدِيثِ النَّبِيِِّ﴿؛ أَنْهُمْ لاَ
يَرْمُونَ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالشّافِيِّ.
السادسة عشر: يؤذّن لهما ويقيم لهما، قاله مالك: وقال أبو حنيفة: يؤذِّن للأول ويقيم
للثانية خاصة. قال الثوري: يصلّيهما بإقامة واحدة. وقال الشافعي: يصلّيهما بإقامة إقامة. وقد
قدّمنا الروايات في ذلك عن النبي# فكل مذهب وافق رواية فهو صحيح وكل ما خالفه فهو
فاسد .
السابعة عشر: قوله حتى أتى قدح فوقف عليه فقال هذا الموقف وجمع كلها موقف وخفّ
في بطن محسر حتى أبان الوادي قال مالك: إذا نزل بالمزدلفة ولم يقف بالمشعر الحرام ولم
ينزل بالمزدلفة كان عليه دم وقد تقدم الخلاف فيه والدليل عليه.
الثامنة عشر: قوله أردف الفضل فيه وفي إرداف أسامة ركوب الاثنين على الدابة.
(١) أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج، ٩٨ - باب مَن قدّم ضَعَفَة أهله، حديث رقم ٨٧٣.
وأخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ٣٠٠.
(٢) أخرجه البخاري في: ٣٥ - كتاب الحج، ٩٨ - باب مَن قدّم ضَعَفَة أهله بليل، حديث رقم ٨٧٣.
وأخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ٣٠١ و٣٠٢.