النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
کتاب الحج/ باب ١٧
قَالَ: وَيَقُولُونَ (وَأَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمْ).
قَالَ: وفي البّابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنَّ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ
العِلْمِ.
لي: هم يزعمون أن عليًّا خرج من الكوفة فأحرم من هذا الماء، قلت له: ومَن روى هذا؟ قال
لي: هم رووه، قلت لهم: إذا كان كل صاحب مذهب يعمل له حديثًا فالأمر غير مضبوط،
والحكم الله العليّ الكبير.
الأصول: قال ابن عمر في هذا الحديث: وبلغني أن رسول الله ﴿ قال: ((ويهلّ أهل
اليمن من يلملم)). لم يختلف أحد من العلماء في الصاحب إذا أرسل حديثًا عن النبي 83 18 ولم
يخبر ممّن سمعه أنه حجة، لقداتهم عند الناس. فإن ابن العربي رضي الله عنه واثقه بانتقائهم عمّا
يحدّثون، وإلا فقد روى الصاحب عن التابع عن رسول الله *، فيحتمل أن سمع الصاحب
فأرسله. من الأحاديث من تابع عن صاحب ولكن ابن عباس أسنده عن النبي # في أحاديث
الإحرام.
مسائل: الأولى: أهل العلم متفقون على هذه المواقيت. وقد رُوِيّ عن جابر، وعمر بن
شعيب، والحرث بن عمر، وعائشة أن النبي عليه السلام وقّت لأهل العراق ذات عرق، وكان
الشافعي يستحب أن يهلّ من العقيق مَن جاء من العراق، ولا يحرم من العقيق إلا رجل غافل عن
النظر، فإن الرواية فيه عن النبي #: اختلف على حالها، والذين رووا ذات عرق أكثر، فإن كان
ترجيح بالرواية فذات عرق، وإن كان ترجيح آخر ففعل عمر أولى، وغير ذلك غفلة.
الثانية: اتفق العلماء على أن توقيت المكان وتعيين هذه المواضع للإحرام رخصة من الله ورفق
بالناس، فَمّن زاد عليها فقد استسمن طاعته واستكثر توبته. وبد بيّنًا في كتاب الحق أن الصحابة
فسّرت قول الله: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ [البقرة: ١٩٦] بأن إتمامها أن تحرم بهما من دورة
أهلك. وقد روى إبراهيم النخعي أنهم كانوا يستحبّون لمَن لم يحج أن يحرم من بيته، ولما
حضر ابن عمر التحكيم مع أبي موسى وعمرو بن العاص بدومة الجندل خرج منها إلى بيت
المقدس وأحرم منها إلى مكة. وقد رأيت بنهر معلى في جامع الخليفة يوم الجمعة بعد الصلاة
سنة تسعين وأربعمائة الشيخ المغازي الصوفي قد قام من مصلاه، فأحرم بالحج وشرع في التلبية،
وخرج من باب المسجد متوجهًا. وقد كنت أقول بقول من قال: إن الإحرام من المواقيت
أفضل، إلا أني رأيت أن خيار الصحابة زادوا عليها، وهم بمراد الله ورسوله أقعد، ولا شك أن
الإحرام من المواقيت أرفق، لقد أحرمت بذات عرق عائشة يوم الثلاثاء وحللت في اليوم الخامس
يوم السبت بمنى ضحى، لأنّا كثّا مراهقين.

٤٢
كتاب الحج/ باب ١٧
٨٣٢ - عقدنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي زِبادٍ، عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبيِّ :﴿ وَقْتَ لأَهْلِ المَشْرِقِ العَقِيقَ(١).
المسألة الثالثة: قوله ﴿ في المواقيت: ((هنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ من غيرهنّ))، يقتضي
لمَن سُمِّي له ميقاتًا إذا جاء من غيره توجه عليه الخطاب بالإحرام منه، كعراقي يرد على المدينة،
أو شامي يرد على يلملم. ونشأت همهنا مسألة، وهي: شامي يرد على المدينة إذا أراد الحج،
واختلف الناس هل يحرم من ذي الحليفة أو يصبر إلى ميقاته؟ فإن خرج من المدينة يريد الحج
تعيّن عليه أن يحرم من ذي الحليفة لأنه ليس من أهلها وقد أتى عليها؟ ولا ينفعه ولا يضرّنا أن
يكون ميقاته، فإنه لا يمنع ذلك أن يكون من غير أهل ذي الحليفة، فلا بد له من الإحرام منها،
فإن تركه فعليه دم. وقد روى النسائي أن النبي * قال: ((ولأهل مصر والشام الجحفة)) وليس
ذلك بطريق مصر، فتبيّن أنه إنما أراد أن يبيّن أن مَن له طريق عليها ممّن كان من أهل الجحفة
ولم يكن يحرم منها. وفي حديث ابن عباس: ((ومَن كان من دونهنّ فمن أهله حتى أهل مكة
يهلّون منها)).
الرابعة: قوله فمن أراد الحج والعمرة يقتضي أن مَن دخلها لحاجة لا يريد الحج والعمرة
ألا يحرم، ولمالك في ذلك روايتان، وللشافعي قولان، وأبو حنيفة صرّح أنه لا يدخلها إلا
حرامًا ولو كان من أهلها، ولو كان الكل من الخلق سواء لّمَا خصّ مُريد الحج والعمرة بالبيان
في وقت الحاجة. وعمدتهم قوله: ((لم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنما أُحِلّت
لي ساعة من نهار وعادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس»، ولم يرد به حلّ القتال لأنه حلال له
أبدًا، بل واجب وكذلك غيره، فدل على أنه أراد بما اختصّ به من ذلك حلّ الإحرام. ولتعارض
الأدلة اختلف قول العلماء، والاحتياط للإحرام إلا مَن كثر دخوله فيرتفع للمشقّة، والله أعلم.
الخامسة مَن ترك الميقات وراء ظهره وخلفه غير محرم فلا يخلو أن يريد الحج والعمرة
أو يريد حاجة بالحرم، فإن أراد الحج والعمرة فلا خلاف أن الإحرام عليه واجب، وإن تركه له
عدوان يجبره بدم، وإن أراد مكة لحاجة فاختلف العلماء هل يلزمه الإحرام أم لا؟ وقال
سعيد بن جبير: إن لم يرجع إلى الميقات فلا حجّ له، وقال عطاء والنخعي: لا دم عليه، وقال
الحسن: يرجع إلى الميقات فيحرم منه بعمرة. وجه قول الحسن: أنه فاته الإحرام من الميقات
في نُسك فيجبره بنُسك آخر، وجه قول سعيد: أنه فاته عقد الحج في موضعه بنيّته، فلم يصح
له. وجه مَن قال: لا دم عليه، أنه لم يخلّ بعمل وإنما أخْره، والدم إنما يجب على مَن ترك
شيئًا وأسقطه. وأقواها قول سعيد بن جبير، فإن الله جعل للإحرام ميقاتين، ميقات زمان وميقات
مكان، فلو قدّم الإحرام على ميقات الزمان فقد قيل: إنه لا ينعقد حجّه، فأفعال الحج متعلقة
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٨ - باب في المواقيت، حديث ١٧٤٠.

٤٣
کتاب الحج/ باب ١٨
قَالِ أَبُو عِيسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيَّ هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمِّدُ بْنُ
عَلِيّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ.
١٨ - باب مَا جَاءَ فِيمَا لاَ يَجُوزُ لِلْمُخْرِمِ لُبْسُهُ
[المعجم ١٨ - التحقة ١٨]
٨٣٣ - عقدنا قُتَّيْبَةُ. حَذْثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ماذَا تَأْمُرُنَا أنْ نَلْبَسَ مِنَ الثَّابِ في الحَرَمِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّ:
بزمان ومكان، وهذا مما حقّره الغافلون وهو جهل في النظر، والمسألة تنتهي على أن الإحرام
بجوز تقديمه على ميقات الزمان وينعقد الحج فيه، وقد بيّاها في مسائل الخلاف واستوفينا النظر
فيها بغاية البيان. وأما ميقات المكان فإن سعيد بن جبير يوافقنا على أن جواز التقديم عليه لا
يؤثّر في إبطال الحج، وكذلك التأخير عنه. وقد خرج ابن عمر من المدينة إلى مكة فأحرم من
الفروع، وقالوا: إنه خرج لا يريد الحج ثم بَدًا له من الفرع، وهذا محتمل. ولعلّ ابن عمر أخر
ليبيّن الجواز، كما قدّم الإحرام من بيت المقدس ليبين الجواز، وكذلك قال إبراهيم وعطاء: لا
دم عليه في مجاوزته.
السادسة: إذا أراد العمرة فخرج حتى جاء الميقات أحرم منه للعمرة كما يحرم للحج،
كذلك فعل النبي *، إلا في عمرة الجعرانة حين قسم غنائم خيبر، فإنه أحرم من
الجعرانة.
فإن قيل: فقد دخلها يوم الفتح بغير إحرام، قلنا: قد قال: ((لم تحلّ لأحد قبلي، ولا
تحلّ لأحد بعدي، وإنما أَحِلْت لي ساعة من نهار ثم عادت حُرمتها اليوم كحُرمتها بالأمس،،
ولأن النبي 88 خرج غازيًا مقاتلاً، فلم يتأهب للمناسك. وسيأتي القول في الدم وجبرانه إن شاء
الله .
باب ما لا يلبس المحرم
ذكر حديث ابن عمر المشهور وحديث ابن عباس مختصرًا، وهما صحيحان، وفيهما
فوائد:
الأولى: أن النبي * سُئِلَ عمّا يلبس المحرم، فأجاب بما لا يلبس، وذلك لمّا كان أقلّ
وأحقر فالقول له أخصر، وذلك غاية البيان ونهاية الفصاحة، وقد بيّا منه في النيرين.
والثانية: قوله: (من الثياب) يريد: من أنواع الثياب، كما يقال: ما يأكل الإنسان من
الطعام، يريد: من أصنافه وأنواعه.

٤٤
كتاب الحج/ باب ١٨
(لاَ تَلْبَسُوا القُمُصَ وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ وَلاَ الْبَرَانِسَ وَلاَ العَمَائِمَ وَلاَ الخِفَافَ. إلاَّ أنْ يَكُونَ
أَحَدٌّ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنٍ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا مَا أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ. وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا
مِنَ الثّابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلاَ الْوَرْسُ. وَلاَ تَنْتَقِبِ المَرْأةُ الحَرَامُ، وَلاَ تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ)»(١).
الثالثة: قوله: (لا تلبسوا القمص ولا السراويل ولا البرانس) فنهاه عن أصول أنواع
المّخيط، فالمطلوب أصل فيما يعمّ البدن من المَخيط وستره، والسراويل أصل فيما يعمّ العورة
من المخيط، والبرنس أصل فيما يحلّ على المنكبين مَخيطًا.
الرابعة: قوله: (ولا العمائم) وذلك أصل في كشف الرأس عن كل نوع يستره.
الخامسة: قوله: (ولا الخفاف. وذلك أصل فيما يستر الرجلين عن الغسل.
السادسة: قوله: (ولا تلبسوا من الثياب ثوبًا فيه زعفران أو ورس) كان ذلك أصلاً في
اجتناب الثياب المصبغة بالطيب وما يشم فهو الطيب، فإن الزعفران أطيب، والورس وإن لم يكن
طيبًا فله رائحة طيبة، فأراد النبي # أن يبيّن الطيب المحظور، وما يشبه الطيب في ملاذ الشمّ
واستحسانه. يكون الحج أشعث تقلاً لساعة الإحرام، وتفله لشيء من ذلك كان قبل الإحرام،
كما يدفن الشهيد بدمه من جرح القتل ويغسل دم وبول وعذرة كانا قبل ذلك، أو من غير ذلك
الدم.
السابعة: فإن كان غسل من الزعفران فكرهه مالك، لا يجوز عليه صبغ من مشق مع عدم
غيره، وقد أفاد بعض أصحابنا من غير هذه البلاد، أن يحيى بن عبد الحميد الحماني وغيره،
رووا عن أبي معاوية، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي $ قال: ((لا
تلبسوا ما مسّه ورس ولا : -غران، إلا أن یکون غسل)).
الثامنة: ورأى عمر بن الخطاب على طلحة ثوبًا مصبوغًا بمداد فأنكر وقال: إنكم أيها
الرهط أئمة يُقْتّدَى بكم، وإن الجاه إذا رأى هذا قال: إن طلحة كان يلبس الثياب المصبوغة في
الإحرام. فأفادك هذا.
مسألة تاسعة: وهي أن المصبغ مكروه في الحج، وإنما هو البياض. وكما ندب النبي #
إلى الكفن في الثياب البيض، كذلك يجري الندب في الإحرام، لأنه يشبه بالبعث.
، العاشرة: نهى النبي # عن ليس المعصفر على الإطلاق، فإن ليسه في الإحرام لم تكن
عليه فدية، لأن العصفر ليس طيبًا. وقال أبو حنيفة وغيره: هو طيب، وعلى المحرم إن لبسه
فدية. وأبو حنيفة في اعتقاده أن العصفر طيب واهم، كمَن اعتقد أن الزعفران ليس بطيب، فهو
(١) أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج، ٢١ - باب ما لا يلبس المحرم من الثياب، حديث ١١٣.
مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ١ و٢ و٣.

٠
.
٤٥
كتاب الحج/ باب ١٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ.
واهم أيضًا. والخطأ في الزعفران أشد منه في العصفر، وإنما كره العصفر لأنه ينفضَ فإنه نوع
من التلويث لما يكون معه من ثوب وللبدن، وإنما ينبغي للمرء أن يحمل ثوبًا يتلقى قوته،
ويحمل دونه لا یکسبه شيء من ذلك.
الحادية عشرة: الخفّ وهو ما يحتمل على الرجل للصيانة في المشي إذا سترها، فليس
بخفّ. وقد تقدمت صفته في كتاب الطهارة، منعه 18 في الإحرام ثم أذِنَ فيه إن لم يجد غيره
مطلقًا في طريق وفي سائر الطرق، وليقطعه أسفل من الكعبين حتى يكشف رجليه، فإن الله يبعث
الخلق حُفاة عُراة ولو نظر بعضهم إلى سوءة بعض لرآها، ولكن قال النبي عليه السلام: ((الشأن
أعظم من ذلك)) ولم يقل: لأن الآخرة ليست بدار تكليف كما يقول المتحذلقون، ولكن اختفى
المرء فأبلغ مآذن مكة فأذِنَ في النفل للرجعة فمنع الخفّ (١) وكان قوله: (وليقطعهما أسفل من
الكعبين) بيان للحديث المطلق إن لم يجد نعلين فيلبس الخُفّين، ولم يذكر قطعًا وبه قال عطاء
وأحمد، فأما عطاء فكثيرًا ما يهمّ في الفتوى. وأما أحمد فعلى صراط مستقيم، وهذه القولة لا
أراها صحيحة، فإن مَن حمل المطلق على المقيد أصل أحمد، وهذا أبو حنيفة الذي لا يراه
يقول هلهنا: لا بد من قطع الخُفين، والدليل يقتضيه فكيف هذا؟ ونشأت ملهنا:
المسألة الثانية عشر: إذا قطع الخُفّين وقد وجد النعلين هل تلزمه فدية إن لبسهما
مقطوعين؟ فروى مالك وغيره أن عليه الفدية، وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه، والذي أقول إنه إن
كشف الكعب لبسهما أن لم يجد نعلين، وإن وجد نعلين لم يجز حتى يكونا كهيئة النعلين لا
يستران من ظاهر الرّجل شيئًا.
المسألة الثالثة عشر: قال: وإن لم يجد إزارًا فيلبس السراويل، ولم يذكر شيئًا: ومن
العجب لمَن لم يفهم، وذلك أن شقّ السراويل فُسَّرت، وقطع الخف أسفل من الكعب لا يفسّر،
ورخّص عن وجد لا فساد فيه.
المسألة الرابعة عشر: قوله في حديث ابن عمر: (ولا تنتقب المرأة) وذلك لأن سترها
وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به،
وتعرِض عن الرجال ويعرضون عنها.
٠
المسألة الخامسة عشر: قوله: (ولا تلبس القفّازين) إنباء عن وجوب كشف وجهها ويديها،
فذلك إحرامها. ولهذا المعنى نظر الفضل إلى وجه المرأة حين سألت النبي 18 في المزدلفة وهو
ينظر إليها وهي تنظر إليه، وكان ردف النبي عليه السلام لأنها كانت محرمة سافرة الوجه.
. (١) هكذا بالأصل.

٤٦
كتاب الحج/ باب ١٩
١٩ - باب مَا جَاءَ في لُبْسِ السَّرَاوِيلِ وَالخُفَّيْنِ لِلْمُخْرِمِ
إِذَا لَمْ يَجِدِ الإزَارَ وَالثَّعْلَيْنِ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
٨٣٤ - هذئنا أحمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِيُّ الْبَصْرِيُّ. حَدْثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ.
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌َ﴾
يَقُولُ: (المُخْرِمُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ، فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ. وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الثَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ
الخُفْيْنِ))(١).
حَدَّثْنَا قُتَنِيَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو. نَحْوَهُ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابٍ .
قالَ أَبُو عِيسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلٍ
العِلْمِ. قَالُوا: إذَا لَمْ يَجِدِ المُخْرِمُ الإزَارَ لَّبِسَ السَّرَاوِيلَ. وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الثَّعْلَيْنِ لَّبِسٌ
الخُفْيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَد.
المسألة السادسة عشر: للمفتي والقاضي والشاهد أن ينظر إلى وجه المرأة إذا كلّمتهم في
الفتوى والقضاء والشهادة، فأما القاضي والشاهد فلا بدّ من كشف وجهها له ليعلم على مَن
يقضي وعلى مَن شهد، إذ العلم بالمقضي عليه والمشهود عليه شرط، فأما المفتي فلا ينظر إليها
إلا إذا كانت سافرة بسبب. أو كان ذلك مما يتعلق بالفتوى. ومن العلماء مَن قال: ينظر إليها،
فإنها مأمورة بسؤاله وهو مأمور بإجابتها، وكلاهما عورة أباحته الفتوى، فكذلك رؤيتها لأن ذلك
يتمّ بالرؤية .
المسألة السابعة عشر: إذا أخرج المحرم وجهه فأجازه الأصم ومنعه ابن عمر، وبه قال
مالك وأبو حنيفة، فإن فعل افتدى، قال مالك: يعني إذا كان ذلك كثيرًا أو انتفع به وهو
الصحيح، لأنه كلّف أن يكشف رأسه فالوجه أولى وأحرى، وهذا أمر خفي على الخلق وليسوا
فيه على الحق، وإنما سمّى لذا الإشكال الذي خَفِيَ على أعيان الرجال أن النبي * قال في
المحرم الذي وقع عن راحلته: «كفّنوه في ثوبيه ولا تخمّروا وجهه ولا رأسه)»، وفي رواية:
((خارجًا وجهه ورأسه، فإنه يبعث يوم القيامة يلبّي)). ولقد رأيت بعض أصحابنا من أهل العلم
(١) أخرجه البخاري في: ٧٧ - كتاب اللباس، ١٤ - باب السراويل، حديث ٨٩٣. ومسلم في: ١٥ -
كتاب الحج، حديث رقم ٤.

٤٧
كتاب الحج/ باب ٢٠
وَقَالَ بَعْضُهُمْ (عَلَى حَدِيثٍ ابْنٍ عُمْرَ عَنِ النَّبِيِِّ﴾﴾: إذا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْبَلْبَسِ
الخُفِيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثُّوْرِيِّ وَالشّافِيِّ. وَبِهِ يَقُولُ
مَالِكٌ.
٢٠ - باب مَا جَاءَ في الْذِي يُخْرِمُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
٨٣٥ - عقدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إذْرِيسَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ،
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ يَعْلِى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ :﴿ أَغْرَابِيًّا قَدْ أَخْرَمَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ. فَأَمَرَهُ أنْ
يَنْزِعَهَا(١).
ممّن يتعاطى الحديث والفقه بيني المسألة على أن الوجه من الرأس !!. فعجبت من ضلالته عن
دلالته ونسيانه لصنعته، إن ربي بكل شيء مُحيط.
باب منه
(حديث يعلى بن أمية في الذي أحرم وعليه جبة).
الإسناد: قال أبو عيسى: في الحديث قصة وله علّة، فأما علّته: فرُوِيّ عن عطاء، عن
يعلى، ورواه على الصواب عمرو بن دينار، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فقال فيه: يعلى بن
منية بالنون والياء باثنين من تحتها، ويقال: ابن أمية. ومَن قال: ابن منية بالنون وبالياء فهو نائم
لا نباهة له، وإنما هو يعلى بن أمية بن أبي عبدة بن همام بن الحرث بن بكر بن زيد بن
مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي الحنظلي أبو صفوان حليف بني نوفل،
أسلم يوم الفتح، وشهد ما بعده، وأَمه منّة بنت الحارث بن جابر بن وهب عمّة عُتبة بن غزوان،
وفي ذلك خلاف، وقيل: هي جذّة أم أبيه. وأما القصة: ففي الصحيح واللفظ للبخاري عن
يعلى أن رجلاً أتى النبي# بالجعرانة وعليه جبّة وعليه أثر الخلوف، أو قال: صفرة، فقال:
كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: فأنزل على النبي ## فاستتر بثوب، قال: وكان يعلى
يقول: وددت أني قد رأيت النبي عليه السلام وقد أنزل عليه، قال عمر: يا يعلى، أيسرّك أن
تنظر إلى النبي عليه السلام وقد أنزل عليه؟ قلت: نعم، قال: فرفض طرف الثوب، فنظرت إليه
فإذا له غطيط، قال: أحسبه كغطيط البكر، فلما سُرِّيَ عنه قال: «أين السائل عن العمرة)»؟ فقال:
(١) أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٧ - باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، حديث
٨١٥. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، حديث ٦ - ١٠.
عارضة الأحوذي/ ج ٤/ ٢ ٢٠

٤٨
كتاب الحج/ باب ٢٠
٨٣٦ - عقدئا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْن دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ
صَغْوَانَ بْنِ يَعْلى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النبيِّ {#، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ. وهذا أُصَحُ. وفي الحَدِيثِ
قِصّةٌ(١).
((اخلع عنها الجبة واغسل عنها أثر الخلوق))، أو قال: ((أثر الصّفرة، واصنع في عمرتك كما
صنعت في حجّتك)). وفي الموطأ: وعليه قميص، وفي رواية ابن جريج، عن عطاء، عن
صفوان، عن أبيه: وعليه جبّة متضمخ بطيب. والذي أخبرنا به القاضي أبو الحسن الزاهد
بالقرافة: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر، أخبرنا حمزة، أخبرنا أحمد بن شعيب، أخبرنا
محمد بن منصور المكّي، أخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن
أبيه، أن رجلاً أتى النبي 8 وقد أهلّ بعمرة، وعليه متقطعات وهو متضمخ بخلوق، فقال:
أهللت بعمرة فما أصنع؟ فقال له النبي #1: ((ما كنت صانعًا في حجّها))، قال: كنت ألقي هذا
أو أغسله، قال: ((ما كنت صانعًا في حجتها فاصنع في عمرتها)). وفيه: وهو مصفرٌّ لحيته
ورأسه.
الفقه: في تسع :
الأولى: قوله أحرم، هو دليل على أنه لم يسأله إلا وهو قد دخل بالإحرام في العمرة،
وعليه الجبّة والطيب، فأمر النبي ## بالغسل والخلع ولم يأمره بقربة، وإن كان قد داوم عليه
وانتفع بعد الإحرام بهما، وإنما كان كذلك لأنه لم يكن بعد عنده بلاغ من الشرع ولا من غيره،
وإنما كان عند استئناف حكم فلزم حيث علم، وهذا أصل من أصول الفقه.
الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه المسألة جرت بالجعرانة بقسم غنائم خيبر
عام الفتح في شوّال سنة ثمان، وقد قال له النبي #: ((ما كنت صانعًا في حجّتها فاصنعه في
عمرتها)، فقال: كنت أغسل هذا وأخلع هذا، وهو دليل على أن خلع الثياب ونبذ الطيب كان
أصلاً عندهم في الجاهلية للحاج، وكانوا يستسهلون ذلك في العمرة، فأخبرهم النبي # أن
مجراهما في ذلك واحد.
الثالثة: قوله: (وعليه جبّة) وفي لفظ آخر (وعليه قميص) وفي آخر (وعليه أخلاق)
فتعارض بعضه، والصحيح أنه كان عليه جبّة وليست بالقميص، ويمكن أن يكون القميص والجبّة
أخلاق، أو لا يصح إلا جبّة أو قميص لتعارضهما، والقضية واحدة، والذي عليه الحفّاظ
والأكثرون: الجبّة، والمعنى المطلوب من نبذ المخيط يحصل بهما.
الرابعة: قوله: (طيب) وفي لفظ آخر (خلوق) ليس بمتعارض، الخلوق: طيب.
(١) انظر الحديث السابق.

٤٩
كتاب الحج/ باب ٢٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: هكَذَا رَوَاهُ قَتَادَةُ وَالحَجَّاجُ بْنُ أَزْطَاةَ وَغَيرُ وَاحِدٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ
يَعْلَى بْنِ أَمِيَّةَ. وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ
يَعْلى، عَنْ أَبِهِ، عَن التَِّيِّ ﴾.
الخامسة: لا خلاف أن الطيب محرم على المحرم بعد الإحرام جائز قبل الإحرام، فإن
يبقى منه شيء بعد ما أحرم مما كان يلبس به قبل ذلك فاختلفوا فيه قديمًا وحديثًا، فقال مالك:
لا يجوز، وكرهه محمد بن الحسن، ويجوز عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي، وفوقهم خلاف
كثير، ومتعلق مالك ومَن قال به حديث الأعرابي آنفًا في أمر النبي : ﴿ له بغسل الطيب، والمعنى
في ذلك أن الطيب حُرِّم للانتفاع به قائم بعد الإحرام بما تطيب به قبل الإحرام كاللباس سواء،
إنما هو بمعنى الارتفاق والإشفاع، ولو دام على اللباس لم يجز بعد الإحرام، فكذلك على
الطيب. معوّلهم على حديث عائشة: كنت أنظر إلى الطيب في مفارق رسول الله # وهو
محرم، وفي الصحيح: طيبت رسول الله 98 لإحرامه بزريره. وأجاب عن ذلك علماؤنا
()(١): الأول: قالوا: هذا خصوص للنبي ﴾ لما كان عليه من محبة الطيب والنساء.
الذي يدلّ عليه أن عمر أمر معاوية بغسل الطيب الذي قال له إن أم حبيبة طيبتني. الثاني: أن
هذا كان في عمرة الجعرانة سنة ثمان، وبعد ذلك تطيّب النبي عام حجة الوداع. الثالث: أن
معنى قوله وبيص الطيب يعني: أثره، لا عينه. الرابع: أن الإحرام كما يمنع من استدامة
محظوراته كلها من اللباس والصيد وإما ابتداء، كذلك يمنع من الطيب مثله. قال الإمام ابن
العربي رضي الله عنه: ولهذه الاحتمالات قال مالك: وترك الطيب عند الإحرام أحبّ إليّ، ولم
يحرمه. وقد بيّنّاه في مسائل الخلاف. فما نكتته أن أحاديث رسول الله# ليس فيها بقاء عين
الطيب عليه، وفي حديث الأعرابي إزالة عين الطيب، وهذا بديع. فأما بقاء أثره من فريق وأرج
فلا حرج فيه، ولما روى أبو عيسى أن النبي # كان مذهن وهو محرم بالزيت غير المقتب،
يعني: غير المطيّب.
السادسة: قوله: (اخلع عنك الجبّة) يعني جرّدها. وقال الحسن وسعيد بن جبير عن
اختلاف عنه والشعبي والنخعي: يسعه الحديث. ورُوِيّ عن جابر أن النبي {® فعله حتى أعلم
أن هديه قد قلّد، وهو حديث ضعيف لم يصح عن جابر، ويعارضه الحديث الصحيح عن عائشة
أنها فتلت قلائد هدي رسول الله ﴿، فبعث به ولم يحرم عليه شيء أحله الله له.
السابعة: قال الشافعي: مَن نسي وأحرم فلبس أو تطيّب لم يكن عليه فدية، لأن هذا
الأعرابي نسي فجعل النبي ولد عليه فدية، وهذه دعوى ضعيفة لا تليق بهم لفضلهم وإمامتهم،
وقد تقدم كلامنا أن المعنى في ذلك جهل الأعرابي حتى يبيّن له النبي 3* الشرع، فثبت من ذلك
(١) بياض بالأصل.

٥٠
كتاب الحج/ باب ٢١
٢١ - باب مَا يَقْتُلُ المُخْرِمُ مِنَ الذَّوَابّ
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
٨٣٧ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي الشّوَارِبِ. حَذْثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعٍ.
حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ: ((خَمْسُ
فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ وَالعَقْرَبُ وَالْغُرَابُ وَالحُدَيَّا وَالكَلْبُ العَقُورُ))(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَأَبِي سَعيدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
اليوم لا بنسيان الأعرابي. وقد ساعدنا الشافعي على أن كلام الناسي في الصلاة وهو منهيٌّ عنه
يجبر بالسهو مع رفع الحرج عن الناس، فكيف يجبر الإحرام بالفدية عند الوقوع في محظوره
نسيانًا؟ وليس له عليه جواب ينفع، وقد بيّاه على استيفاء في مسائل الخلاف.
الثامنة: إذا أكل المحرم طعامًا فيه طيب، فإن لم يجد له طعمًا ولا ريحًا فاتفقوا على أنه لا
بأس به، وإن وجد فيه طعمه أو ريحه فاختلف العلماء فيه، فمنعه الشافعي في تفصيل: مثل أن
يصبغ الزعفران لسانه أو يبقى على فيه رائحته، وقد أجاز مالك أكل الخبيص المطيّب
والخشكنان، وهو إن كان بطيب ويطيب، فذلك طيب طعام لا طيب زينة وشهوة، وإنما منع من
طيب الزينة لا من المستهلك في الأكل.
التاسعة: اتفقوا على أن المحرم إذا نزل يستظلّ فإن ركب هل يظل عليه؟ اختلفوا فيه،
وقال مالك: إذا ظلّل الراكب افتدى، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا فدية، وجعله مالك لباسًا
للرأس، وهذا أمر يضعف فليس بلباس. والظل لا يمنع في الركوب كما لم يمنع في حال
الجلوس، ولا يكون بمنزلة الثوب المتصل بالرأس راكبًا، كما لم يكن بمنزلته جالسًا والله أعلم.
والذي يقطع العذر في ذلك ما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أم الحصين قالت: حججت
مع النبي # حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، فأحدهما أخذ بخطام ناقة رسول الله 100
والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ حتى رمى الجمرة.
باب ما يقتل المحرم من الدواب
(عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله #: خمس فواسق يقتلن في الحلّ
والحرم: الفأرة والغراب والعقرب والحدأة والكلب العقور) صحيح حسن. وعن أبي
(١) أخرجه البخاري في: ٢٨ - كتاب جزاء الصيد، ٧ - باب ما يقتل المحرم من الدواب، حديث ٩٢٦.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ٦٩.

٥١
كتاب الحج/ باب ٢١
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةً حَدِيثٌ حَسَنْ صَچیخٌ.
٨٣٨ - عقدنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدْثَنَا هُشَيْمٌ. أخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أبي زِيَادٍ عَنِ ابْنِ أبي
نُعْمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النبيِّ ﴿ قَالَ: ((يَقْتُلُ المُخْرِمُ السَّبُعَ العَادِيّ، وَالكَلْبَ العَقُورَ
وَالقَّْرَةَ وَالعَقْرَبَ وَالحِدَأَةَ، وَالغُرابِ)) (١).
سعيد (من النبي # يقتل السبع العادي والكلب العقور والفأرة والعقرب والحدأة
والغراب).
الإسناد: قد رُوِيَ عن ابن عمر في الصحيح عن النبي ◌َ﴾: سمعت ورُوِيّ عنه، وقد
سُئِلَ: ما يقتل المحرم من الدواب؟ حدّثني بعض نسوة النبي # ما يقتل المحرم من الدواب؟
وكذلك في الموطأ عن يحيى بن يحيى النيسابوري: ما يقتل المحرم؟ وفي الصحيح عن عائشة
قال النبي ﴾: ((خمس فواسق يقتلن في الحلُّ والحرم: الحية، والعقرب الأبقع، والفأرة،
والكلب العقور، والحرباء))
الفقه: هذا الحديث من معضلات الأخبار، ومما تباينت فيه طرق الأخبار لتعارض الأدلة
فيه، وجملة المذاهب انتهت إلى فقهاء الأمصار إلى ثلاثة أقوال: الأول: أنه يقتل كل سبع عاد
يعقر ابتداء: كالأسد والنمر والفهد والفيل. قال مالك في الجملة، والثوري: ولا كفّارة فيه. زاد
مالك: وسباع الطير مثله، كالغراب والحدأة، ولا جزاء عليه في ذلك. الثاني: قال أبو حنيفة:
يقتل الذئب والكلب العقور والغراب والحدأة. وخالفنا في السبع والفهد والنمر وغيرها من
السباع، فقال: إن قتله المحرم فداه. الثالث: قال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد فلا
جزاء فيه، إلا السبع: وهو المتولّد من الذئب والضبع. قال ابن العربي: هذه أصول المذاهب،
ونزيدها بيانًا بالتفصيل إن شاء الله، ومأخذ كل مذهب قد بيّنّاه في مسائل الخلاف، ونشير إليه
هلهنا فنقول: أما مأخذ مالك فيشترك مع الشافعي في وجه وينفرد عنه في آخر: فأما الطريقة
الأصلية فهو أن النبي 18 قال: ((خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم))، وذكر هذا وجه الدليل
من هذا الخبر من أوجه: الأول: أنه أمر بالقتل وعلّل بالفسق، فتبعد الحكم إلى كل محل
وجدت فيه العلة، وإلا فلم يكن لذكرها فائدة. ألا ترى أنه لمّا علْل في الهرة بأنها: ((من
العطوّافين عليكم أو الطّافات)» تعلّق الحكم بالتطاوف وتعدّى إلى كل طواف. الثاني: أنه نبّه
بالخمسة على خمسة أنواع من الفسق، فنبّه بالغراب إلى ما يجانسه من سباع الطير، وكذلك
بالحدأة، ويزيد الغراب على الحدأة بحلّ سفر المسافر ونقب حدبهم، والحدأة تقتصر على ما
ظهر منه، ونبّه بالحيّة على كل ما يلسع، وبالعقرب كذلك، والحية تلسع وتفترس والعقرب تلسع
(١) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٣٩ - باب ما يقتل المحرم من الدواب، حديث ١٨٤٨.
وابن ماجه في: ٢٥ - كتاب المناسك، ٩١ - باب ما يقتل المحرم، حديث ٣٠٨٩.

٥٢
كتاب الحج/ باب ٢١
قالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَن. والعَمَلُ عَلَى هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. قَالُوا:
المُخْرِمُ يَقْتُلُ السَّبُعَ العَادِيّ. وَهُوّ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشّافِعِيِّ. وَقَالَ الشّافِعِيُّ: كُلُّ سَبْعِ
عَدًا عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى دَوَابْهِمْ، فَلِلمُخْرِمِ قَتْلُهُ.
ولا تفترس، ونبّه بالفأرة على ما يجانسها من هوامّ المنازل فيها، ونبّه بالكلب العقور وبقوله:
(السبع العادي) على كل مفترس مبتدىء، ومعنى فسقهنّ خروجهنّ عن حدّ الكفّ إلى العداء
والإذابة. الرابع: يحقّقه أنك إذا تأملت بصادق النظر رأيت أن أخاه في النظر في ميدان الفكر
قوله : ((أربع لا يجزين في الضحايا: العوراء البيّن عورها، والعرجاء» الحديث ونبّه به عن
العمياء. الخامس: أن الذئب مقتول غير مُفتدى بالإجماع، وليس في لفظ الحديث ما يدل على
أنه لما قتل لمعناه. السادس: أن هذه الحيوانات لمّا كانت جبلتها الإذاية غالبًا أُقيم مقام ظهور
فعلها، كما أُقيم السفر مقام المشقّة في الترخيص فيه. فإن قيل: لا حجة في هذا الحديث، فإن
النبي ذكر الفسق ولم يرد به تعدّي حدود الله، فإنه لا خطاب عليها ولم يرد به الخروج إلى
ما ليس بها، لأن كل حيوان يعيش مما ليس له، وإنما أراد الخروج إلى حقوق الآدميين بالعداء
عليها والتجاوز لها، وهذه الخمس هكذا أبدًا: الفأرة لسكناها معنا وهي تضرّنا، فاجتمع
الوجهان، ألا ترى إلى اليربوع يخطف أكثر من الفأرة وجعل الصحابة فيها جفرة لمفارقتها لنا،
وكذلك الغراب فإنه مقيم بيننا وعيشته منّا وضرره لنا، وكذلك السبع الهادي وهو الذئب، لإذايته
في الأغنام ينبش عليها العقرب والوزغة والقراد والبرغوث، فأما الأسد فمفارق لنا مقامًا فلا يضرّ
إلا نادرًا، والنادر لا يقوم العين مقام العلّة فيه حتى يكون غالبًا، وكذلك البازي والصقر فيقنع بما
يصيد من الطيور المُباحة، ولا يخالطنا واحد منها، والخنزير شديد الخوف منّا ولا يؤذي بطبعه
إلا إذا قصد، فنحن اعتبرنا المقام والمرعى وأنتم اعتبرتم الطبع، ومثال صحة منزعنا أن الكافر
الحربي أُقيم عنه مقام الحرابة فقيل: إنه أعدّ نفسه لذلك، والذمِّي يعتقد محادتنا بدينه ولكنه لمّا
لم يكن في مكان منعة لم يضرّ عقره. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: وهذا
منتهى تحقيقهم. فالجواب: أنّ نقول: هذا تطويل ليس له تعويل، نحن علّلنا بما علّل به صاحب
الشريعة من الوجوه الأربعة، واستدللنا بما وقع في كلامه الشريف منها بأمرين لا فائدة في
تكراره، وأنتم لم تردّوا بدليل وإنما ادّعيتم أنه ينضاف إلى فسقها وعداها مخالطتها لنا وكونها بين
أظهرنا واتصال إذايتها وضررها بنا، فكذلك مَن اتصل ضرره وبلغ إلينا إيذاؤه يكون مثلها ولو مرة
واحدة، ألا ترى أن الصيد إذا صال مرة أباح صوله قتله، وسقطت الكفّارة فيه وإن كان لا يدوم
ذلك منه فينا ولا يتصل ضرره بنا؟ وأما الأسد، فقولهم فيه عاد. ولو كان الأسد مخالطنا ما كان
على ظهرها من دابّة، وليست العلة في الأسد طبعًا ولا غيبًا، وإنما هي بإرادة موجودة وهي
أعظم بأن يحاورنا أو يتصل بنا. وأما الصقر والبازي فسنتكلم عليه إن شاء الله. وأما الخنزير
فداؤه كثير، وقاتله أجير، ومن مفاخر عيسى روح الله، فكيف يجوز أن يكون غيئًا في حرم الله؟
وأما الكافر الذمّي فهو كالحربي في الإذاية إلا أنه أخذ عهدًا منع من قتله مع قيام المُبيح في

٥٣
کتاب الحج/ باب ٢١
ذاته، وهو يقوم المبيح في العين كاملاً مستقلاً، ويطرأ عليه ما يسقط حكمه كالملك في الجارية
إذا زوجها سيدها، فإن الملك مُبيح على الكمال حجب حكمه الزواج مأخذنا مع الشافعي،
ويدخل فيه أيضًا أبو حنيفة بوجه، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم
حرم﴾ [المائدة: ٩٥] وأراد به الصيد ههنا إجماعًا على ما بيّنّاه في الأحكام بخلاف الأخرى،
ولم أرَ لأئمة العراق في ذلك كلامًا ينفع، أما أني رأيت علماء خراسان قد عوّلوا على هذه الآية
منهم ومن أصحاب أبي حنيفة، وأما أصحاب الشافعي فقالوا: إن ما لا يؤكل لحمه صيد لأنه
يقصد لأجل جلده، وهذا سفساف من وجهين: (أحدهما) أن الصيد ما يقصد لحمه، وأما الجلد
فلا يصحّ ذلك بحال في لفظ ولا معنى، ألا ترى أن الأسد يقصد جلده والذئب والميتة؟ وأما
أصحاب أبي حنيفة منهم فسلكوا في أخيل من هذا ولا طائل وراءه، قالوا: إن الله لمّا قال: ﴿لا
تقتلوا الصيد﴾ فنهى عن قتله لم يفرّق بين حلاله وحرامه، لأنه كان صيدًا وغذاء قبل الشرع،
فلما جاء الشرع وحرّمه بقي الاسم، كما تقول في الصيد الحلال في الحرم فإنه يحرم صيده، ولا
يقال إن أخذه ليس بصيد لما كان حرامًا، فكذلك ما نحن فيه. قال الإمام بن العربي رضي الله
عنه: هذا غوص لا معنى له، قلنا: لما أمر الشرع بقتلها لم يبيّن فيها نظر الفدية ولا جزاء.
(جواب آخر) لما غيّر حكمها وحزّمها لم يبيّن لها اسم صيد، لأن العرب إنما كانت تسمّي صيدًا
ما تأكل، فبقي الشرع الاسم فانتفى الحكم المبني عليه. (تفصيل) ذكر النبي 18 في الحديث
أسماء، وحمل عليها العلماء عنها على الوجه السابق، فأردنا أن نكشف قناع الخفاء عنها، فتعيّن
القول فيها اسمًا اسمًا. قال مالك: لا يقتلون في الحرم، الزريعة: الاصطياد، إلا أن يؤذياه.
وقال ابن القاسم: لا يقتلهما حتى يؤذياه، ورواه ابن وهب وأشهب عنه، فإن ابتدأ قتلهما لم
يكن عليه جزاء، وقال أشهب: لا يبتدئهما. وقال ابن مصعب يقتلان ابتداءً، وأصل المذهب عند
مالك إن لا يقتل من الصيد إلا ما آذاه بخلاف غيره مما سمّاه، فإنه يقتل ابتداءً. وقد روى ابن
حنبل أن النبي 8* قال: ((يرمي الغراب ولا يقتله)) من طريق ابن أبي نعيم، ولا يصح، وكذلك
خرّجه أبو داود. ولمّا قال مالك إنهما تؤكلان في قول، منع من قتلهما، وهذا يقتضي أن يفديا.
ولعل النبي # أمر بقتلهما ذكر حرامين، فلما نسخ ذلك التحريم كله بآية الأنعام صار صيدًا،
وأما غير هذين من سباع الطير فلا يقتلهما، ويقديهما إن قتلهما لأنهما صيد يؤكلان على أحد
قوليه، ولم يصحّ حديث: (كل ذي مخلب من الطير حرام)) على ما يأتي بيانه إن شاء الله، إلا
أن يبتدئك بأذی فاقتله كسائر الصيود، ولا شيء علیك، إلا إن قدرت على صرفه دون قتل
فتعدّيت، قاله ابن القاسم في كتاب محمد. وأما الغراب الأبقع فكثيرًا ما كنت أبحث عنه فلا
أرى إلا جاهلاً به أو مستورًا عليه بما لا علم له به، حتى أخبرنا القاضي أبو الحسن بن علي بن
الحسين، أخبرنا ابن النحاس، أخبرنا حمزة، عن النسائي، أخبرنا أبو داود، أخبرنا سليمان بن
أيوب، حدثنا حماد بن سلمة، حدّثنا أبو جعفر الخطبي، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال:

٥٤
كتاب الحج/ باب ٢١
كثّا مع عمرو بن العاص بمرّ الظهران، إذا نحن بامرأة في هودج واضعة يديها على هودجها،
فلما نزل داخل الشعب وأدخلنا معه قال: كنا مع رسول الله # في هذا المكان فإذا نحن بغربان
كثيرة منها غراب أعصم أحمر المنقار والرّجلين، فقال رسول الله الله: ((لا يدخل الجنة من
النساء إلا كقدر هذا الغراب من الغربان)). (الحية والعقرب والفأرة) اختلف قولنا في أكلها، ويبنى
القول على ذلك فيها. قال مالك: مَن أكل الحيّة فلا يأكلها حتى يزكّيها، وإني لأكره أكل
العقرب والفأر من غير أن أراه حرامًا. قال الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: ويقال: إن
العقرب دواء من دائه ومن غيره، فيؤكل لأجل ذلك. والذي عندي أنها تقتل كلها، لقول
النبي # ذلك فيها وخصوصًا الحيّة، وما زال النبي # يأمر بذلك فيها ويقول: ((ما سالمناهنّ
منذ حاربناهنّ)). وقد روى أبو عبيدة، عن أبيه، قال: كنّا مع رسول الله 18 ليلة عرفة التي قبل
عرفة، فإذا حسّ الحيّة، فقال رسول الله *: ((إقتلوها)). فدخلت شقّ حجرة، فأدخلنا عودًا
فقلعنا بعض الحجر وأخذنا سعفة وأحزمنا فيها نارًا، فقال رسول الله #: ((وفاها الله شرّكم
ووقاكم شرّها. (الكلب العقور) هو عند مالك الكلب الوحشي كما تقدم تفسيره، وعند أشهب أنه
الإنسي لأنه قال: يقتل الكلب وإن لم يعقر، والصحيح أنه كل كلب عقور على العموم، والسبع
الهادي مثله.
مسألة: قال مالك: لا يقتل المحرم قردًا ولا خنزيرًا لا وحشيًّا ولا أهليًّا ولا خنزير الماء،
فإن قتل سائر ذلك أطعم، ولا شيء أحقّ بالقتل من الخنزير والقرد كما تقدم.
مسألة: الوزغ. قال مالك: لا يقتل المحرم الوزغ لأنه ليس من الخمسة. قال: فإن قتلها
تصدّق، وهذا يكشف لك القناع أن لمالك قولين: أحدهما قصر الحديث على مورده، والثاني
تعلیله، والصحيح تعلیله.
مسألة: ويقتل الوزغ، لأنه ثبت أن النبي # أمر بقتله وسمّاه فويسق، فتناوله الحكم بقيده
وتعلیله.
مسألة: فرق ابن القاسم في تفصيل وأشهب بين الصغار والكبار، لأن النبي # قال:
((خمس فواسق))، والفواسق بوزن فواعل، والصغار لا فعل لهنّ، هذه عمدة القاضي أبي إسحق.
قال الإمام ابن العربي: ولقد قال الله في قوم نوح: ﴿ولا يلدوا إلا فاجرًا كفّارًا﴾ [نوح: ٢٧]
فأغرقهم لعلمه بالكفر فيهم، وقتل الخضر الغلام لعلمه بمآله في الكفر، فكيف لا يقتل ولد
المؤذي من السباع؟ إن هذا لهو البيان العظيم والدليل المبين. قال الإمام ابن العربي رضي الله
عنه: الظنبور يقتل على الصحيح من قولنا بخلاف النحلة، لما لها من المنفعة، ولا تقصد بإذاية
إلا أن یتعرّض لها.

كتاب الحج/ باب ٢٢
٢٢ - بلب مَا جَاءَ في الحِجَامَةِ لِلْمُخْرِمِ
[المعجم ٢٢ - التحفة ٢٢]
٨٣٩ - عقدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاؤُسٍ
وَعَطَّاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النبيَّ ◌َّهَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُخْرِمٌ(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةً، وَجَابٍِ.
مسألة: الغراب الأبقع، قيل: الذي في بطنه بياض، وقيل: هو الشديد السواد، لأنه أكثر
إذاية. فيقتل جميع ما سمّينا من أوله إلى آخره مما جاء في الحديث أو حمل عليه، ولا جزاء في
شيء منه في الحلّ والحرم، بدأ بالإذاية أو لم يبدأ، وأحرق بالنار مَن تعذّر عليه قتله منها والله
أعلم. فتفهم جميع ما قيل لك من مذهب، ودليل، وحديث، وتعليل. وافهم والزم ثم الزم.
باب حجامة المحرم
روى أبو عيسى حديث ابن عباس (أن النبي # احتجم وهو محرم) ولم يزد. وروى مالك
أنه احتجم وهو محرم فوق رأسه، وهو يومئذ بلجى جمل: مكان بطريق مكة، مرسلاً. وأخبرنا
القاضي أبو الحسن القرافي، أخبرنا أبو الحسن الجربي، أخبرنا النيسابوري، أخبرنا النسائي،
أنبأني هلال بن بشر، حدثنا محمد بن خالد، وهو: ابن عثمة، حدثنا سليمان بن بلال، حدّثنا
علقمة بن أبي علقمة، أنه سمع الأعرج، سمعت عبد الله بن (٢) يحدّث أن رسول الله ◌ِ }
احتجم وسط رأسه وهو محرم، بلجى جمل من طريق مكة. روى النسائي أنه احتجم على ظهر
قدميه من وشي کان به.
الأحكام: ذكر أبو عيسى أن مالكًا قال: لا يحتجم إلا من ضرورة، وقال سفيان
والشافعي: يحتجم إذا لم ينزع شعرًا. قال القاضي ابن العربي رضي الله عنه: إذا احتجم في غير
رأسه فلا شيء عليه، فإن احتجم عن رأسه واحتاج إلى حلق شعره فلا يجوز إلا من ضرورة،
فإن احتاج إليه فحلقه لحجامة ففيه للعلماء أربعة أقوال: الأول: لا شيء عليه إلا أن يحلق ربع
رأسه، قاله أبو حنيفة. الثاني: أنه يفتدي بحلق شعرات، قاله الشافعي. الثالث: أنه يحلق شعرة
واحدة يفتدي، قاله مالك وإحدى قولي الشافعي. الرابع: أنه لا يفتدي إلا بحلق جميع الرأس،
فإن حلق بعضه لم يكن عليه شيء، قاله مالك في القول الآخر، بناء على أنه لا يجزىء بعض
مسح الرأس، فإن حلق بعضه لم يكن عليه شيء، قاله مالك، فإن كل حكم يتعلق بالرأس من
(١) أخرجه البخاري في: ٢٨ - كتاب جزاء الصيد، ١١ - باب الحجامة للمحرم، حديث ٩٢٩. ومسلم
في: ١٥ - كتاب الحج، حديث رقم ٨٧.
(٢) هكذا بالأصل.

٥٦
کتاب الحج/ باب ٢٣
قَالَ : أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَخْصَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ
العِلْمِ في الحِجَامَةِ لِلْمُخْرِمِ. قَالُوا: لاَ يَحْلِقُ شَعرًا. وَقَالَ مَالِكٌ: لاَ يَحْتَجِمُ المُحْرِمُ إلاَّ مِنْ
ضَرُورَةٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ التَّوْرِيُّ وَالشّافِعِيُّ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَحْتَجِمَ المُخْرِمُ، وَلاَ يَتْزِعُ شَعَرًا.
٢٣ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةٍ تَزْوِيجِ المُخْرِمِ
[المعجم ٢٣ _ التحفة ٢٣]
٨٤٠ - عندنا أحمدُ بْنُ مَّنِيع. حَدْثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. حَذَّثَنَا أيوبُ عَنْ نَافِع،
عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ. قَالَ: أَرَادَ ابْنُ مَعْمَرٍ أنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ. فَبَعَثَنِي إِلى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ
أمِيرُ المَوْسِمِ بِمَكّةَ. فَأَتَيْتُهُ فَقُلتُ: إِنَّ أَخَاكَ يُرِيدُ أنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ، فَأَحَبَّ أَنْ يُشْهِدَكَ ذُلِكَ.
قَالَ: لاَ أَرَاهُ إِلاَّ أَغْرَابِيًّا جَافِيًا. إِنَّ المُحْرِمَ لاَ يَنْكِحُ وَلاَ يُنْكِحُ. أَوْ كَمّا قَالَ: ثُمُّ حَدْثَ
عَنْ عُثْمَانَ مِثْلَهُ، يَرْقَمُهُ(١).
العبادات يعمّ جميعه كالطهارة. وأما الشافعي فبناء على قوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾
[البقرة: ١٩٦] لأن الجلدة لا تنزع والشعر جمع وأقل الجمع ثلاثة. وأما القول الآخر وهو أحد
قولي ماللك فلأن الحنث عنده يقع بشعرة واحدة، وهذا الصحيح من قوله أن الحنث عنده يقع
بالأقل على ما بيّه في مسائل الأصول والخلاف، وبناء أبو حنيفة على أن ذلك هو الواجب في
مسح الرأس عنده، كما تقدم بيانه في كتاب الطهارة. قال أصحاب أبي حنيفة في حديث النبي:
هذا مسألة أصولية، لا يرتكب النبي # ما يكمل عليه به الدم، وإنما حجم على ظهر قدمه أو
غيره مما لا شعر فيه، لأن النبي # لم يكن أشعر بل كان دقيق المسربة وهي الشعر الذي على
الصدر إلى السُّة، وكما لا يرتكب النبي # ما يكون فيه الدم كدلك لا يرتكب بعضه إلا عن
عذر. قال القاضي ابن العربي رضي الله عنه. وهذا كلام صحيح، فأما الحكم على رسول
الله ) بأنه لم يكن له عذر فدعوى لا يلتفت إليها، والصحيح أنه حلق لعذر لكن لم يذكر
الراوي فدية، والله أعلم بحقيقة القصد هل كان كما روى مالك أنه لا فدية إلا في حلق جميع
الرأس، أم كما روى جماعة أنه كان احتجم على غير الرأس، كان فدية لم تذكر أو كان
مخصوصًا بذلك كما خصّ في أحكام سواه؟
باب القول في نكاح المحرم
ذكر (حديث نبيه عن وهب عن أبان عن عثمان أنه لا ينكح)، صحيح.
(١) أخرجه مسلم في: ١٥ - کتاب الحج، حديث ٤١ - ٤٥. وأبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٣٨
- باب المحرم يتزوج، حديث ١٨٤١ و١٨٤٢.

٥٧
کتاب الحج/ باب ٢٣
وفي البَابِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ وَمَيْمُونَةً.
قالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدٌ بَعْضٍ
أصْحَابِ النبيِّ ﴿. مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عُمَّرَ. وَهُوَ قَوْلُ
بَعْضِ فُقَهَاءِ التّابِعِينَ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ. لاَّ يَرَوْنَ أَنْ يَتْزَوَّجَ
المُحْرِمُ. قَالُوا: فَإِنْ نَكَحَ، فَنِكَاحُهُ باطلٌ.
٨٤١ - هقشنا قُتَيْبَةُ. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرِ الوَرَّاقِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴿ مَيْمُونَةً
وَهُوَ حَلَاَلْ. وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلالٌ وَكُنْتُ أَنَّا الرَّسُولَ فِيمَا بَيْنَهُمَا (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ. وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْتَدَهُ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ
مَطَرِ الْوَرَّاقِ، عَنْ رَبِيعَةٌ.
وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أنَّ النبيَّ ﴾ْ تَزَوَّجَ مَيْمُونَّةً
وَهُوَ حَلاَلٌ.
رَوّاهُ مّالِكٌ مُرْسَلاً.
قَالَ: وَرَوَاهُ أيضًا سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ عَنْ رَبِيعَةً، مُرْسَلاً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ
اللَّهِ وَلَه وَهُوَ حَلاَلٌ.
وَيَزِيدُ بْنُ الأَصّمِّ هُوَ ابْنُ أُخْتِ مَيْمُونَةٌ.
وذكر حديث سليمان بن يسار (عندأبي رافع، قال: تزوج رسول الله 8# ميمونة وهو
بجلال. وبنى بها وهو حلال. قال: وكنت أنا الرسول بينهما) وذكره: حسن. وروى
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكبة، سوى الترمذي.

٥٨
كتاب الحج/ باب ٢٤
٢٤ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في ذلِكَ
[المعجم ٢٤ - التحفة ٢٤]
٨٤٢ - عقدنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدّةَ البَصْرِيّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ هِشَامٍ بْنِ
حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ تَزَوِّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوّ مُخْرِمٌ(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمّلُ على هذا عنْدَ
بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأهْلُ الكُوفَةِ.
٨٤٣ - حقَّدنا قُتَيْبَةُ. حَدِّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛
أنَّ النَّبِيِّ ◌َهْ تَزَوَّجَ مَيْمُونَّةَ وَهُوَ مُخْرِمٌ(١).
٨٤٤ - عندنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَطَّارِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ،
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشّعْثَاءِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النّبِيِّ:﴿ْ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةً وَهُوَ
مُحْرِمٌ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو الشعْثاءِ اسْمُهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَزْوِيجِ النّبِيِّ ◌ِ ﴿ مَيْمُونَةَ. لأنَّ النّبِيََِّ تَزَوَّجْهَا فِي طَرِيقٍ مَكَّةَ. فَقَالَ
بَعْضُهُمْ: تَزَوَّجَهَا حَلاَلاً، وَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرٌِ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهُوَ حَلاَلٌ،
بِسَرِفَ في طرِيقٍ مَكَّةَ. وَمَاتَتْ مَيْمُونَةُ بِسَرِفَ، حَيْثُ بَنَّى بِهَا رَسُولُ اللَّهِلَ. وَدُفِئَتْ
بِسَرِفَ.
٨٤٥ - عندما إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُه
أَبَا فَزَارَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصّمِّ، عَنْ مَيْمُونَةً؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿َ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ
(حديث ابن عباس أن النبي # تزوج وهو محرم). وذكر حديث ابن عباس من طريق
هشام بن حسان وهشام عن عكرمة ومن طريق عمرو بن دينار عن أبي الشعساء عنه، قال:
صحيح. وروى بنقل العدل عن يزيد بن الأصم (عن ميمونة أن النبي ! تزوجها وهو
(١) أخرجه البخاري في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٣٠ - باب نكاح المحرم، حديث ٩٣١. ومسلم في: ١٦
- كتاب النكاح، حديث ٤٦ و٤٧.

٥٩
کتاب الحج/ باب ٢٥
حَلاَلٌ. وَبَّنَى بِهَا حَلاَلاً. وَمَاتَتْ بِسَرِفَ، وَدَفَنَّاها في الظُّلَّةِ الَّتِي بَنَى بِهَا فِيهَا (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَرَوى غَيْرُ وَاحِدٍ هذا الحَدِيثَ عَنْ يَزِيدٌ بْنِ
الأصّمِّ مُرْسَلاً، أنَّ رَسولَ اللَّهِفَ ﴿ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةً وَهُوَ حَلاَلٌ.
٢٥ - باب مَا جَاءَ في أَكْلِ الصَّيْدِ لِلْمُخْرِمِ
[المعجم ٢٥ - التحفة ٢٥]
٨٤٦ - هنّدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ
المطّلِبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((صَيْدُ البَرّ لَكُمْ خَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ،
مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ))(٢).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أَبِي قَتَادَةً وَطْلَحَةَ.
حلال وماتت بسرف ودفتاها في الظلة التي بنى بها فيها). وقال البخاري: حديث اليزيد بن
الأصم مرسل، وأدخل في صحيحه عن سعيد بن المسيب أنه #* تزوج ميمونة وهو محرم،
يحتجّ عن مالك بحديث مدني صحيح. الدارقطني: أن النبي # تزوجها. ووجب الترجيح،
فأما تضعيف البخاري لرواية نبيه فلا يقبل عن عدل مالك لم يجرحه البخاري ولا يتوازنا ولا
يتقاوما، ثم قد فسخ عمر نكاح طريف المري فيكون الخليفة العدل المأمور باتباعه قد أخذ
بأحد الخبرين، ثم يحتمل أن يكون تزوج ميمونة وهو محرم، أي: في الحرم، ثم يحتمل
أن يكون من خصائص النبي # في النكاح كسائر خصائصه فيه، ثم كان هذا أمرًا مشهورًا
بالمدينة مستفيضًا. فهذه خمسة أمور يترجح بها أحد الخبرين على الآخر والله أعلم.
أكل الصيد
المطلب عن (جابر بن عبد الله، عن النبي قال: صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم
تصيدوه أو بصد لكم) وذلك أن حديث جابر لم يسمعه المطلب. وذكر حديث أبي قتادة في
الحمار الوحشي وحديث الصعب بن جثامة في رده الحمار الذي أهذاه واعتذاره بأنهم حرم.
والحديثان صحيحان.
(١) أخرجه مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، حديث ٤٨. وأبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٣٨ .
باب المحرم يتزوج، حديث ١٨٤٣.
(٢) أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك، ٤٠ - باب لحم الصيد المحرم، حديث ١٨٥١.
والنسائي في: ٢٤ - كتاب المناسك، ٨١ - باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال.

٦٠
كتاب الحج/ باب ٢٥
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ. وَالمُطَّلِبُ لاَ نَعْرِفُ لَهُ سَماعًا عَنْ
جَابِرٍ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ لاَ يَرَوْنَ بِالصَّيْدِ لِلْمُخْرِمِ بَأْسًا، إِذَا لَمْ
يَصْطَدْهُ أَوْ لَمْ يُصْطَذْ مِنْ أجْلِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: هذا أحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ في هذا البَابِ وَأَقْيَسُ، وَالعَمَلُ على هذا.
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَذَ وَإِسْحَقّ.
٨٤٧ - عقدنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةً،
عَنْ أَبِي قَتَادَةً؛ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ :﴿. حتى إذَا كَانَ بِبَعْضٍ طَرِيقٍ مَكَّةَ، تَخَلَّفَ مَعَ
أضْحَابٍ لَهُ مُخْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُخْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا. فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَألَ
أصْحَابَهُ أنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا. فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ. فَأَخَذَهُ ثُمْ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ
فَقَتَلَهُ. فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ وَأَبَى بَعْضُهُمْ. فَأَدْرَكُوا النّبِيِِّ ﴿ فَسَأْلُوهُ عَنْ
الإسناد: فأما حديث أبي قتادة فنصه في الصحيح، واللفظ للبخاري: قال أبو قتادة:
انطلقت مع النبي عام الحديبية، فأحرم النبي # ولم أحرم، وحدّث النبي ◌َ﴾ أن عدوًا
بعيقه فقال: ((خذوا ساحل البحر حتى نلتقي))، فتوجهنا نحوهم وكنّا بالناحة بين مكة والمدينة
على ثلاث، فبصر أصحابي بحمر وحشية وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به وأحبّوا أن
لو أبصرته، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فالتفتُّ فأبصرته يرقى على الجبال، فقمت إلى
فرس لي يقال له الجرادة فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح. فقلت لهم: ناولوني
السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت ونزلت فأخذتهما، ثم ركبت
فشددت على الحمر فعقرت منها أتانًا، فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحتملوا، فقالوا: لا
نمسْه، فاحتملته حتى جئتهم به، فشكّوا في أكله، فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا نأكل
لحم صيد ونحن محرمون، فأكل منه بعض أصحاب النبي #، وخبأت العضد معي، وحملنا ما
بقي من لحم الأتان، وخشينا أن يقتطع، فطلبت النبي # أرفع رأسي شأوًا وأسير شأوًا، فلقيت
رجلاً من بني غفار في جوف الليل، فقلت: أين تركت النبي كر؟ فقال: تركته يتعهق وهو قائل
السقيا، فلحقت برسول الله 31 حتى أتيته فقلت: يا رسول الله إن أصحابك أرسلوني يقرأون
عليك السلام ورحمة الله، وأنهم خشوا أن يقتطعهم العدو دونك فانتظرهم، قال: ففعل، فلما
أنهوا رسول اله# قالوا: يا رسول الله، إنّا كنّا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يحرم فرأينا خمرًا !.
وحشية، فحمل عليها أبو خطة فعقر منها أتانًا، فنزلتا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم
السيد ونحن محرمون، فحملتا ما بقي من لحمها، قال: ((أمعكم منه شيء))؟ فناولته العضله.
تأكلها حتى تعرفها وهو محرم، وقالوا: إن عندنا هنه فاضلة، فقال رسول الله (: (كلوا)) وهم.