النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
کتاب الزكاة/ باب ٢٢
قال: وفي البابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ تَكْلُّمَ شُعْبَةُ في حَكِيمٍ بْنِ
جُبَيْرٍ مِنْ أجْلِ هذا الحَدِيثِ.
٦٥١ - حقثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدْثْنَا سُفْيَانُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ
جُبِيْرٍ بِهَذَا الحَدِيثِ. فَقَالَ لَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ صَاحِبُ شُعْبَةَ: لَوْ غَيْرُ حَكِيمِ حَدَّثَ بِهَذَا
الحَدِيثِ! فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: وَمَا لِحَكِيم لاَ يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سُفْيَانُ:
سَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ بِهِذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ يَزِيدَ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ
بَعْض أصْحَابِتَا. وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ. قَالُوا: إِذَا كَانَ
عِنْدَ الرَّجُلِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، لَمْ تَحِلِّ لَهُ الصَّدَقَّةُ.
قَالَ: وَلَمْ يَذْهَبْ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ إلى حَدِيثٍ حَكِيمٍ بْنِ جُبَيْرٍ. وَوسَّعُوا في هذَا
وَقَالُوا: إذَا كَانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أوْ أَكْثَرُ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ. وَهُوّ
قَوْلُ الشّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أهْلِ الفِقْهِ وَالعِلْمِ.
الإسناد: تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث، وقد سمعه سفيان من زبيد
عن محمد بن عبد الرحمن فصح والله أعلم. وذكر بعد ذلك أربعة أبواب بأحاديثها، والمعنى
واحد، والعارضة في كل باب يذكر كما حضر إن شاء الله. قال الله سبحانه: ﴿إنما الصدقات
للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، فذكر ثمانية أصناف. وقد بينا الآية في كتاب أحكام
القرآن على وصف بديع بقول سميع مع أحاديثها، لبابه أن الفقير والمسكين شيء واحد فلينظر
هنالك بيانه، ولا يعجل بالإنكار سامعه، وليس للفقر والمسكنة حد محصور يمنع الزكاة ولا
يبيحها، ولا قدّر النبي ﴾ في ذلك شيئًا، وله حكمان: أحدهما: هكذا، المسألة الثانية: الأخذ
من الزكاة.
فأما مسألة المسألة فأحاديثها كثيرة، أصولها ستة أحاديث الأول: حديث ابن مسعود الذي
تقدم. الثاني: ابن عمر: ((ما يزال الرجل يسأل، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة
لحما، خرجاه جميعًا. الثالث: حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: إن النبي #
فذكر الحديث، وقال: ((من سأل وله أوقية فقد سأل إلحافّا)). وكذلك روى عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده، خرجه النسائي وأبو داود إلا عمرو بن شعيب، فإن النسائي انفرد به.
الرابع: قال أبو هريرة: سمعت رسول الله ##: ((لا يغدو أحدكم يحتطب على ظهره فيتصدق منه
ويستغني به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلاً، أعطاه أو منعه، ذلك فإن اليد العليا خير من

١٢٢
كتاب الزكاة/ باب ٢٣
٢٣ - باب ما جَاءَ مَنْ لاَ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ
[المعجم ٢٣ _ التحفة ٢٣]
٦٥٢ - حدثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمِّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ حَدَثْنَا سُفْيانُ بْنُ
سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنِ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا سفْيَانُ عَنْ سَعْدٍ بْنِ
إبْرَاهِيمَ عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النبيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَّةُ
لِغَنِيَّ وَلاَ ذِي مِرَّةٍ سويٍّ))(١).
قالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةً، وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ.
قالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هذا الحَدِيثَ بهذا الإسْنَادٍ وَلَم يَرْفَعْهُ.
اليد السفلى، وابدأ بمن تعول))، قال: حسن صحيح. الخامس: حديث قبيصة، فذكر الحديث
وقال: ((إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها،
ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش)) أو قال:
(سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: أصابت فلانًا
فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش)) أو قال: «سدادًا من عيش، فما سواهن من
المسألة سحت يا قبيصة يأكلها صاحبها سحتًا، خرجه مسلم وأبو داود والنسائي(٢). وأما مسألة
من تحل له الصدقة فأحاديثها سنة: الأول: قال رسول الله: ((لا تحل الصدقة إلا لخمس:
لغاز في سبيل الله، أو العامل عليها، أو لعادم، أو رجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار
مسكين فتصدق على المسكين فتصدق المسكين على الغني)). الثاني: روى أبو عيسى، عن
ريحان، عن عبد الله بن عمر: (لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَويّ) واتبعه حديث
حبشي بن جنادة قال: سمعت رسول الله 18 في حجة الوداع وهو واقف بعرفة، أتاه أعرابي
فأخذ بطرف ردائه، فسأله إياه فأعطاه وذهب، فعند ذلك حرمت المسألة فقال رسول الله (8#:
(إن المسألة لا تَحِلُّ لغنيّ ولا لِذي مِرَّة سَوِيّ، إلا لذي فقر مدقع أو غرم مفظع، ومن سأل
الناس ليثري به ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة، ورضفًا يأكله من جهنم، فمن شاء فليقل
(١) أخرجه أبو داود في: ٩ - كتاب الزكاة، ٢٤ - باب من يعطى من الصدقة وحدّ الغنى، حديث رقم
١٦٣٤.
(٢) أشار المصنف إلى أن أصول هذه المسألة ستة أحاديث، ولدى تعدادها ورد منها خمسة فقط،
فالرجاء ملاحظة هذا.

١٢٣
کتاب الزكاة/ باب ٢٣
وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هذا الحَدِيثِ عَنِ النّبِيِّ { ﴾ ((لا تحِلُّ المَسْألَةُ لِغَنِيٌّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ
سويً».
وإذا كانَ الرَّجُلُ قَوِيًّا مُخْتَاجًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ أَجْزَأَ عَنِ الْمُتَصَدِّقِ
عِنْدَ أهْلِ العِلمِ.
وَوَجْهُ هذا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ على المَسْألَّةِ.
ومن شاء فليكثر». الثالث: ذكر أبو عيسى عن أبي سعيد الخدري حديثًا حسنًا صحيحًا قال:
أصيب رجل في عهد رسول الله # في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله #: ((تصدقوا
عليه)، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله 9: ((خذوا ما وجدتم
وليس لكم إلا ذلك)). الرابع: وذكر أيضًا حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: كان رسول
الله* إذا أتي بشيء سال: «أصدقة هو أم هدية))؟ فإن قالوا: صدقة، لم يأكل، وإن قالوا:
هدية، أكل. وذكر في الحديث اضطرابًا، وقال: إنه حسن غريب. وذكر أيضًا حديث أبي رافع
أن رسول الله # بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما
تصيب فيها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله# فأسأله، فانطلق إلى النبي * فسأله فقال: إن
الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم من أنفسهم)). الخامس: خرج عن الرباب عن عمها سلمان
يبلغ به النبي # قال: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم تجدوا تمرّا فالماء
فإنه طهور)) وقال: ((الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدق وصلة)).
السادس: قال عبيد الله بن عدي بن الخيار إن رجلين حدثاه أنهما أتيا النبي # يسألانه من
الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين، فقال: ((إن شئتما أعطيتكما منها، ولاحظ فيها لغني
ولا لقوي مكتسب».
قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: فهذه الأحاديث الأحد عشر(١) هي التي
تكشف القناع عن المسألتين، وفيها تسع مسائل:
الأولى: فأما القول في السؤال وإباحته وحالته، فقد بيناه في تفسير القرآن في قسمي
أحكامه وتذكيره، وبالجملة فإن السؤال واجب في موضع، جائز في آخر، حرام في آخر،
مندوب على طريق. فأما وجوبه فللمريدين في ابتداء الأمر وظاهر حالهم، وللأولياء للاقتداء
وجوبًا على عادة الله في خلقه. ألا ترى إلى سؤال موسى والخضر لأهل القرية طعامًا وهما من
(١) هنا يتبيّن الخطأ المطبعي الذي وقع في إشارة المصنف إلى عدد أحاديث مسألة المسألة قبل هذا، إذ
ورد خطأ أنها ستة أحاديث ولكنها في الحقيقة خمسة، بدليل ما ذكره هنا أنها أحد عشر مع أحاديث
المسألة التي تليها.

١٢٤
كتاب الزكاة/ باب ٢٣
٦٥٣ - هقدنا عَلِيُّ بْنُّ سَعِيدِ الكِتْدِيُّ. حَدِّثْنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُجَالِدٍ
عَنْ عَامِرٍ الشّعْبِيِّ، عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ السَّلولِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ يَقُولُ في
حَّةِ الوَدّاعِ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ. أَتَاهُ أعرَابِيٌّ فَأَخَذّ بِطَرَفِ رِدَائِهِ فَسَأَلَهُ إِيَّهُ فَأَعْطَاهُ وَذَهَبَ.
فَعِنْدَ ذُلِكَ حَرُمْتِ المَسْأَلَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «إِنَّ المَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ لِغَنِيَّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ
سَوِيٍّ. إلاَّ لِذِي فَقْرٍ مُذْقِعٍ أوْ غَزْمٍ مُفْظِعٍ، وَمَّنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيّ بِهِ مَالَهُ كانَ خُمُوشًا في
وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَّامَةِ، وَرَضْفًا يَأْكُلُّهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ))(١).
الله بالمنزلة المعلومة؟ فالتعريف بالحاجة فرض على المحتاج، وإذا ارتفعت الضرورة جاز له أن
يسأل في الزائد عليها مما يحتاج إليه ولا يقدر عليه. وفي الأول قال له رسول الله# فيما رواء
أبو عيسى والنسائي وأبو داود: ((ردوا السائل ولو بظلف محرق)، وفي الثاني روى أبو داود عن
حسين بن علي أن رسول الله# قال: ((للسائل حق وإن جاء على فرس)). قال الشاعر:
مفاقره أعف من القنوع
لمال المرء يصلحه فيغنى
وإذا تحملت للمرء مفاقره وارتفعت حاجاته لم يجز له أن يسأل تكثرًا، ففي كتاب أبي داود
ومسلم عن سهل بن الحنظلية قال رسول الله #: ((من سال وله ما يغنيه فإنما يستكثر من النار))
أو (من حر جهنم))، قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ أو قالوا: ما الغنى الذي لا ينبغي معه
المسألة؟ قال: ((قدر ما يغديه أو يعشيه))، وقال: ((أن يكون له شبع يوم وليلة))، وهذا القدر يحرم
عليه السؤال المطلق الذي يظن به السامع أنه لا غداء له ولا عشاء، فأما لو بين ما يحتاج لم يكن
عليه حرج. حضرت في جامع الخليفة بنهر معللا رجلاً قام في الناس فقال في يوم الجمعة:
معشر المسلمين هذا أخوكم ليس له ثوب يقيم به سنة الجمعة إلا هذه التي عليه، فأعينوه على
إقامتها، فلما كان في الجمعة الثانية رأيته مكسوًّا فقبل أبو الظاهر بن التبريني من النساء كساه
إياه. فكشف السؤال يجعل له ما يأخذ من الحلال، وإذا أبهم السؤال وتكثر به كان جمرًا من
جهنم ولم يبق في وجهه مزعة لحم، أي: قطعة. وقوله: ((ومسالته خدوش في وجهه؛ مع ما
تقدم من الكلام البديع، وذلك أن المسألة خدش في الوجه، وكلما تكررت صارت خدوشًا،
حتى إذا عمت وتكررت صارت جراحًا، حتى إذا تكررت قطعت اللحم حتى تترك وجهه عاريًا.
ضرب مثلاً لوجهه لقلبه، أي: قصده لا ينفي له ذلك نية صالحة ولا عملاً متقبلاً، لأنها سيئات
تقابل حسناته فتزلى عليها أو تكافئها، فيأتي لا حسنة له، وهي من أمثاله البديعة الألف التي
رواها عبد الله بن عمر.
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.

١٢٥
کتاب الزكاة/ باب ٢٣
٦٥٤ - حقّثنا مَحْمُودُ بْنُّ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ عَبْدَ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَّيْمَانَ،
نَحْوَهُ.
قالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
المسألة الثانية: قدر الغناء الذي يحكم به في حل المسألة أو حرمتها. فقد تقدمت الروايتان
عن النبي 18، إحداهما: ما يغديه أو يعشيه، والثانية: أوقية، فأما الغداء والعشاء فيحرم سؤال
اليوم، وأما الأوقية فتحرم مقدار ما يسد من الفاقة للسائل، ويجوز لصاحب الغداء والعشاء أن
يسال الجبة والكساء، ويجوز لصاحب الأوقية والخمسين درهمًا على رواية عن النبي # أن
يسأل ما يحتاج من الزيادة في ذلك. قال بعضهم: إلا أن يسأل السلطان فيجوز مطلقًا من غير
تبين حاجة، بدليل ما روى أبو داود عن سمرة: قال رسول الله 18: ((إن السائل كدوح» كما
روى غيره، زاد هو (من شاء كدح ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان أو شيئًا لا يجد منه
بدا».
المسألة الثالثة: قوله: ((لأن يحتطب أحدكم على ظهره خير له من أن يسأل، حضّ على
التعفف والصبر، وطلب التعليل على المسألة، واستعمال الوجوه التي تغنى عنها. وقد روي عن
النبي عليه السلام واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك أن رجلاً من الأنصار أتى النبي #
يسأله، فقال: ((أما في بيتك شيء)»؟ قال: بلى، حلس نليس بعضه ونبسط بعضه، وقعب يشرب
فيه الماء، قال: (ائتني بهما))، فأخذهما رسول الله 18 بيده وقال: ((من يشتريها))؟ قال رجل:
أنا، بدرهم، قال: ((من يزيد على درهم)) مرتين أو ثلاثة، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين،
فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال: ((اشتر بأحدهما طعامًا وانبذه إلى
أهلك، واشتر بالآخر قدومًا وأتني به))، فأتاه به، فشد رسول الله # فيه عودًا بيده وقال:
((اذهب فاحتطب خمسة عشر يومًا ولا أرينك))، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب
عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبًا وبعضها طعامًا، فقال رسول الله وسلم: ((هذا خير لك من أن
تجيء المسألةُ نكتةً في وجهك)). قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: فأنبأه أن المسألة
وإن كانت عن حاجة فإنها تؤثر في القصد، لما فيها من التعلق بغير الله، فتكون أثرًا كالنكتة أن
يظهر تأثيرها بإسقاط جزء من الثواب. وقد روى ابن مسعود عن النبي 8#: ((من نزلت به فاقة
فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغناء، إما بموت عاجل أو غنى
عاجل» وكذلك وهي:
المسألة الرابعة: كان النبي # يدخل في بيعته لبعض الناس على أن لا يسألوا أحدًا شيئًا،
فكان يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه، ولم يكن يعم بهذا الشرط كل أحد لأنه
لا يمكن العموم به، إذ لا بد من السؤال ولا بد أيضًا من التعفف، ولا بد من الغنى ولا بد من
الفقر، وقد قضى الله بذلك كله، فلا بد أن ينقسم الخلق إلى وجهين.

١٢٦
كتاب الزكاة/ باب ٢٤
٢٤ - باب مَا جَاءَ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنَ الغَارِمِينَ وَغَيْرِهِمْ
[المعجم ٢٤ - التحفة ٢٤]
٦٥٥ - حقّدنا قُتَيْبَةُ حَدَّثْنَا اللَّيْثُ عَنْ بُكِيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشْجِّ عَنْ عِيَاضٍ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ في ثِمَارٍ
ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ)) فَتَصَدْقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ
ذلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: لُغُرَمَائِهِ: (خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ. وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ
ذُلِكَ))(١).
قالَ: وفي البَّابِ عَنْ عَائِشَةَ وَجُوَيْرِيَّةً وأَنَسٍ.
قالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَجِيحٌ.
المسألة الخامسة: وقد يكون السؤال واجبًا مندوبًا، أما وجوبه فللمحتاج، وأما ندبه فلمن
تعينه ويتبين حاجته إن استحياه هو من ذلك، أو رجاء أن يكون بيانه أنفع وأنجع من بيان
السائل، كما كان النبي وهو يسأل لغيره في أحاديث كثيرة قد كتبناها في الكتاب الكبير.
المسألة السادسة قوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) معناه اختلف فيه على أقوال،
منهم من قال: اليد العليا يد المعطي للصدقة. الثاني: ومنهم من قال: بل هي يد الآخذ. وفي
الحديث معقبًا به: ((واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة)). وقد روى أبو داود فيه بدل: ((المنفقة))
((المتعففة)). والثالث: وقد روى أبو داود أيضًا عن مالك بن نضلة: قال رسول الله الخبر: ((الأيدي
ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فأعط الفضل ولا تعجز عن
نفسك)) وهذا القول هو الرابع وإذا قلنا إن اليد العليا يد المعطي. فلأنها نائبة عن الله، إذ هو
خازنه ووكيله في الإعطاء، فأخذها منه كأخذها من يد الله. وقد قيل: اليد العليا يد السائل
لقوله *: ((إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في يد السائل)). والتحقيق فيه أن الله
عبر باليد العليا عن يده المعطية، إذ هو بأمره، وعبر عن يد السائل السفلى لأنه هو الذي يقبل
الصدقات، وكلتاهما يد الله، وكلتا يديه يمين وعليا، فلذلك كان الأقوى أن تكون اليد العليا يد
المعطي، وينفي قوله دليل على السفلى على ظاهره لأنها تتقبلها، فكانت كالذي يؤخذ بالكف
ويقع في كف السائل فيقضي بها حاجته ويسد فاقته.
السابعة: قوله: ((وابدأ بمن تعول))، ومعناه: لا تتصدق حتى يكون عندك ما يغنيك ويغني
عيالك، ولا تعمد إلى ما عندك فتعطيه ثم تبقى أنت وهم عالة تتكفون الناس، وفي الصحيح
(١) أخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ٤ - باب استحباب الوضع من الدين حديث ١٨.

١٢٧
کتاب الزكاة/ باب ٢٥
٢٥ - باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَّةِ الصَّدَقَةِ
لِلنَّبيِّ ◌َ﴿ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ
[المعجم ٢٥ - التحفة ٢٥]
٦٥٦ - حقثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ
الضَّبَعِيُّ السَّدُوسِيَّ قَالاَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُّ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدْهِ قالَ: كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ إِذَا أُتِيَ بِشَيْءٍ سَألَ ((أَصَدَقَةٌ هِيَ أَمْ هَدِّيَّةً)؟ فإِنْ قَالُوا: صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ. وَإِنْ
قَالُوا: هَدِيَّةٌ أَكَلَ (١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَلْمَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَالحَسَنِ بْنِ عَلِيَّ وَأَبِي عَمِيرَةً (جَدٌ
مَعَرَّفُ بْنِ وَاصِلٍ وَاسمُهُ رُشَيْدُ بْنُ مَالِكِ) وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَمْرٍو، وَأَبِي رَافِعٍ وَعَبْدِ الرَّحْمِنِ بْنِ عَلْقَمَةً.
وَقَدْ رُوِيَ هذَا الحَدِيثُ أيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أبي
عَقِيلٍ، عَنِ النّبِيِّ ﴿ُ. وَجَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ اسْمُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
واللفظ لمسلم: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول)). وروى أبو داود والنسائي
أن رجلاً تُصُدِّقَ عليه بئوبين، وحضر النبي # على الصدقة، فتصدق بإحدى ثوبيه فقال له
النبي #: ((خذ ثوبك)) وانتهره. وفي الباب أحاديث كثيرة.
الثامنة: قوله في حديث قبيصة ((لا تحل المسألة إلا لثلاثة)) تقسيم صحيح مستوفى على
التفصيل الذي بيناه في أصل الحاجة، وجواب السؤال كما قدمنا شرحه. وأما قوله: ((ورجل
أصابته جائحة فاجتاحت ماله، فقد أكد أبو عيسى الباب بحديث أبي سعيد بالرجل الذي أصابته
جائحة فيما ابتاع، فقال له النبي # وحث على الصدقة، حتى اجتمع له ولكن ما قضى به بعض
دینه، قال بعضهم: وهي:
التاسعة: وفي هذا دليل على أنه لا يقضى بوضع الجوائح، والبيع فيها نافذ واليمين لمن
احتج لازم. قلنا: بل القضاء بوضع الجوائح أصل. روى مسلم في الصحيح أن النبي # أمر
بوضع الجوائح، وهذا الخبر الذي قال أصيب في ثمار ابتاعها لم يبين كيف كانت الإصابة،
(١) أخرجه النسائي في: ٢٣ - كتاب الزكاة، ٩٨ - باب الصدقة لا تحلّ للنبي 18.

١٢٨
کتاب الزكاة/ باب ٢٥
٦٥٧ - هقشنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جِعْفٍَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنٍ
الحَكّمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أبي رَافِعٍ رضي الله عنه أنّ النبيَّ ﴿ بَعَثَ رَجلاً مِنْ بَنِي
مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ. فَقَالَ لأَبِي رَافِعٍ: «اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبٌ مِنْهَا، فَقَالَ: لاَ، حتى آتِيَ
رَسُولَ اللَّهِ:﴿ فَأسْألُهُ. فَانْطَلَقَ إلى النبيِّ ◌َ﴿ فَسَأْلَهُ. فَقَالَ: ((إنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لَنَا وَإِنْ
مَوَالِيَ القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(١).
قالَ أَبُو عِيسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو رافِعٍ مَوْلَى النَّبِيَِِّ ﴿وَ اسْمُهُ أُسْلَمُ،
وَابْنُ أَبِي رَافِعٍ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والجوائح التي تنزل بالثمار كثيرة، ولا يقام منها إلا بوجه واحد في حالة واحدة، فيكون
حديث مسلم فيما يصح أن يقام فيه، ويكون هذا الآخر محمولاً على ما لا يقام فيه بجائحة
الفصل.
الثاني فيمن تحل له الصدقة، وفيه مسائل:
الأولى: قوله #: ((لا تحل الصدقة إلا لخمسة)) يعني به صدقة الفرض، فإن صدقة
التطوع جائزة الغني والفقير، يثاب عليها المتصدق في الوجهين، وربما كانت في التطوع صدقتين
وثلاثة كالصدقة على ذي الرحم الكاشح.
الثانية: أباح الله الصدقة التي فرضها رزقًا للفقراء والأغنياء في سبيل الله ترغيبًا في الجهاد،
لأن الجهاد يقعد عنه ثلاثة أشياء صيانة النفس وصحبة الأهل وتوفير المال، فأباح الله للغني النفقة
في الغزو من الصدقة، توفيرًا لماله ليذهب عنه أحد الأعذار فيضعف تكسيل الشيطان. وقال ابن
القاسم: لا يجوز ذلك الغني، والقول الأول أصح.
الثالثة: العامل. وهو يأخذها أجرة، لأنه يقبل على جمعها، ويشتغل في حفظها، ويمضي
من زمانه الذي هو وقت معاشه جملة فيها، فكان له العوض من الله طيبًا حلالاً منها. فإن قيل:
فإذا كان العامل يأخذها على طريق الأجرة والمعاوضة فلم لا يحل لبني هاشم أن يكونوا عمالاً
فيها وأجراء عليها؟ قلنا: ذلك مبالغة لهم في الصيانة عنها، فإنها كما قال # لهم حين سألوا
ذلك منه فيها: إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس)». وقد قال بعض أصحابنا: يجوز
إن استأجر بني هاشم على حراستها وسوقها، لأنها إجارة محضة. وهذا لا يجوز، فإن سوقها
وحراستها لجمعها وضمها، فلا يجوز واحد منهما.
(١) أخرجه أبو داود في: ٩ - كتاب الزكاة، ٢٩ - باب الصدقة على بني هاشم حديث ١٦٥٠. والنسائي
في: ٢٣ كتاب الزكاة، ٩٧ - باب مولى القوم منهم.

١٢٩
كتاب الزكاة/ باب ٢٦
٢٦ - باب ما جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي القَرَابَةِ
[المعجم ٢٦ - التحفة ٢٦]
٦٥٨ - حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدِّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمِ الأخْوَلِ عَنْ حَفْصَةٌ بِنْتٍ
سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْن عَامِرٍ، يَبْلُغُ بِهِ النبيِّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((إِذَا أَقْطَرَ
أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالْمَاءُ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ))(١).
وقَالَ: («الصَّدَقَّةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَّةٌ. وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْثَانِ: صَدَقَةٌ
وَصِلَةٌ).
قالَ: وفي الْبَابِ عَنْ زَيْئَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَالرِّبَابُ هِيَ أُمُ الرَّائِحِ بِنْتُ صُلَيْعٍ.
وَهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَقْصَةً بِئْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ
سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِِّ لْ نَحْوَ هذَا الْحَدِيثِ.
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَقْصَةً بِئْتِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ
فِيهِ (عَنِ الرَّبَاب).
وَحَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةً أُصَحُ.
الرابعة: قوله: ((أو لغارم) يعني: المديان. واختلف في صفته، فقيل: هو الذي عليه من
الدين مقدار ماله، فيأخذ من الزكاة ما يؤدي به دينه ويبقى موفرًا ماله. وقيل: هو الذي لا مال له
وعليه دين. وقال أحمد بن حنبل وابن القاسم: إذا احتاج الغازي في غزوه إلى الصدقة، جاز له
أخذها ونفقتها وإن كان غنيًا في بلده. وتعلق الأول بظاهر حديث النبي والر وهو الصحيح في
الوجهين، أما الغازي فيأخذها وإن كان غنيًا بالنص، ولا يقال: إذا احتاج في طريقه، لأن ذلك
قد دخل في قوله: ﴿وابن السبيل﴾، وأما المديان فإن أدى دينه بجميع ماله بقي فقيرًا، فصيانته
(١) أخرجه أبو داود في: ١٤ - كتاب الصوم، ٢١ - باب ما يفطر عليه، حديث ٢٣٥٥. وابن ماجه في:
٧ - كتاب الصيام، ٢٥ - باب ما جاء على ما يستحب الفطر. حديث ١٦٩٩. وأخرج النسائي: قوله
(الصدقة على المسكين صدقة ... الخ). في: ٢٣ - كتاب الزكاة، ٨٢ - باب الصدقة على
الأقارب.
عارضة الأحوذي/ ج ٣/ م ٩

١٣٠
کتاب الزكاة/ باب ٢٦
وَهَكّذَا رَوّى ابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَقْصَةَ بِئْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ
سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ .
عن الفقر أولى من إحواجه إليه، ويعطى بعد ذلك بسببه. وقد أحل النبي # المسألة لمن تحمل
بحمالة لغني وإن كان له مال.
الخامسة: رجل اشتراها بعينها من الفقير، فهي له حلال وإن كان غنيًا، أو هاشميًا لم تكن
صدقته التي أعطاها لقول النبي 18 في شاة بريرة قد بلغت محلها.
السادسة: إذا كان فقيرًا قويًا جلدًا، فقالت طائفة: إنه لا يأخذ من الزكاة، وبه قال الشافعي
لهذا الحديث، وقالت طائفة: يأخذ، وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأن الله جعلها للفقراء وهذا
القوي فقير، والحديث محمول على المسألة كما ذكر أبو عيسى، مع أن الحديث لم يصح إسناده
إنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو، فلا ائدة للتعب فيه .
السابعة: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد. وقد بينا ذلك في غير موضع، وإني
لأعجب ممن قال من أصحابنا إن صدقة التطوع تحل لهم، وأعجب من ذلك قول أبي بكر
الأبهري إن الفرض والتطوع يحل لهم، والكتب طافحة بالأخبار بتحريمها عليهم، أما أن صدقة
التطوع رواها أصبغ عن ابن القاسم لأنها ليست من الأوساخ وإنما هي هبة مبتدأة كما يجوز
الغني، لا أرى ذلك صيانة لهم وحسمًا للباب وأخذًا بظواهر الأحاديث، وهم: بنو هاشم عند
الشافعي، وهو الصحيح الذي يعضده الحديث الصريح، وقال أبو حنيفة: لا تحل لبني هاشم إلا
لآل أبي لهب، لأن الله تعالى قد قطع صلتهم ورحمهم عنه، وقال أصبغ: هم بنو هاشم، وبنو
المطلب، وعبد مناف، وقصي، وغالب. وذلك موضح في أحكام القرآن فلا نطول به في هذه
العارضة المعجلة.
الثامنة: مواليهم. أخرجه ابن القاسم عنهم، وقد تقدم حديث أبي رافع في منع النبي والإ#
من أن يصيب منها عاملاً، فكيف يصيب منها ابتداء بغير عمالة. وقول النبي #1 في الحديث
المتقدم: ((إني أراكما جلدين، فإن شئتما أعطيتكما)) يعني من الصدقة «ولاحظ فيه لغني ولا لقوي
مكتسب)»، فكيف لا يكون لهما فيه حظ ويعطيهما؟ يدل على أنه أراد أن يورعهما ويحملهما
على الأفضل في ترك المسألة، حتى يأتي لكل أحد نصيبه منها وحظه فيها.
التاسعة: قال زفر عن أبي حنيفة: يجوز أن يأخذها الكافر والوثني. وبنى مسألة زفرة
وتعلق بعموم قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾، فلم يفضّل، فلما تعلقنا نحن بقوله:
(أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم وأردها في فقرائهم)»، وتوصيته التي في ذلك لمعاذ حين
وجهه أميرًا إلى اليمن، قال: هذه زيادة على النص وهي نسخ، وقد بينا ذلك في أصول الفقه
والأحكام، وأوضحنا أن ذلك حجة، وذكر تناقضهم واضطرابهم فيه.

١٣١
كتاب الزكاة/ باب ٢٧ و٢٨
٢٧ - باب ما جَاءَ أنَّ فِ المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ
[المعجم ٢٧ - التحفة ٢٧]
٦٥٩ - هقلنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَذَويَة. حَدْثَنَا الأسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكِ،
عَنْ أَبِي حمْزةَ، عَنِ الشّعْبِيِّ، عَنْ فاطِمةَ بِئْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ النّبِيُّ ◌ِ﴿ ﴿ عَنِ
الزَّكَاةِ فَقَالَ: ((إنَّ في المَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ) ثُمَّ تَلاَ هذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي البَقَّرَةِ: «لَيْسَ البِرِّ
أنْ توَلُوا وُجُوهَكُمْ)) الآيَةَ(١).
٦٦٠ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفيْلِ عَنْ شَرِيكِ،
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عامِرٍ الشّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِئْتِ قَيْسٍ عَنِ النّبِيََِِّّ قَالَ: ((إنَّ في
المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ. وَأَبُو حَمْزَةَ مِيْمُونَ الأعْوَرُ يُضَعَفُ.
وَرَوَى بَيّانٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشّغْيِيِّ هذَا الحَدِيثَ قَوْلَهُ. وَهذَا أُصَحُ.
٢٨ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الصَّدَقَّةِ
[المعجم ٢٨ - التحفة ٢٨]
٦٦١ - هذَثنا قُتَنْيَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ مِنْ طَيِّبٍ، وَلاَ
باب أن في المال حقًّا سوى الزكاة
روى أبو حمزة ميمون الأعور وهو ضعيف عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن رسول
الله ﴾ قال: (إن في المال حقًا سوى الزكاة ثم تلا هذه الآية ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل
المشرق والمغرب إلى قوله المتقون). وإذا كان الحديث ضعيفًا فلا يشتغل به، وتفسير الآية في
الأحكام فلتنظر هنالك فيها. وفي غيره، وقد تكرر وتقرر ووقع الشفاء منه بأبدع بيان.
باب فضل الصدقة
الإسناد: ذكر فيه أربعة أحاديث، الاثنان صحيحان مليحان: الأول قوله: (ولا
(١) أخرجه ابن ماجه في: ٨ - كتاب الزكاة، ٣ - باب ما أُدّي زكاته فليس بكنز، حديث ١٧٩٩. وأما
نصه فهو مکذا: ليس في المال حق سوى الزكاة.

١٣٢
کتاب الزكاة/ باب ٢٨
يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطََّّبَ، إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمُنُ بَيَمِينِهِ. وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةٌ. تَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمُنِ
حتى تَكُونَ أَعْظَمْ مِنَ الجَبَلِ. كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ»(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَدِيٍّ بْنِ حَاتِمِ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُوْنَى،
وَحَارِثَةَ بْنٍ وَهْبٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبُرَيْدَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةً حَدِيثٌ حَسَن صحيحٌ.
٦٦٢ - عقدنا أبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ. حَدَّثَنَا وَكِيعْ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ.
حَدِّثَنَا القَّاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُريْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: ((إنَّ اللَّهَ
يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ. حتى إِنَّ اللَّقْمَةَ
لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحْدٍ))(٢).
وَتَصْدِيقُ ذلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلٌّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ الثّوْبَةٌ عَنْ
عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وَ﴿يمْحَقُ اللَّهُ الرِّبّا وَيُزْبِي الصَّدَقَّاتِ﴾
[البقرة: ٢٧٦].
يقبل الله إلا الطيب فيأخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة تربو في كف الرحمن) وحديث
((الصدقة في رمضان أفضل))، وحديث: ((الصدقة تطفىء غضب الرب)) وهما ضعيفان وإن كان
الأخذ منهما أمثل.
-
الأصول: منها أربع مسائل:
الأولى: اختلف الناس كما قدمنا في هذه الأحاديث المشكلة، فمنهم من أمرّها كما
جاءت سواء، وقال بها ولم يفسّر ولم يمثّل ولا يشبّه، ومنهم من تأوّلها، وأنكر أبو عيسى
التأويل ومال إلى ترك التكلم، وهو مذهب أكثر السلف، وتحرج علماؤنا في التأويل،
والمقصود يتبين في أربع مسائل: الأولى: لا يخفى عليهم ما خوطبوا به بلسانهم، وخف على
الصحابة الأمر لأنهم كانوا عربًا عاربة، فيه بلسانهم وبما تكلف الناس، لكونهم مولدين معرفة
العربية وسبق إلى أسماعهم ظواهر التشبيه، فروا إلى محض الإيمان وتنزيه الرحمن، ولا بأس
(١) أخرجه البخاري في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٨ - باب الصدقة من كسب طيب، حديث رقم ٧٥١.
ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ١٩ - باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها حديث رقم
٦٣.
(٢) أصل المعنى ثابت في الحديث السابق.

١٣٣
کتاب الزكاة/ باب ٢٨
قَالَ آَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَخیحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ الْنِّيِّ :﴿ نَحْوُ هَذَا.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ في هذَا الحَدِيثِ وَمّا يُشْبِهُ هذا مِنَ الرِّوَايَاتِ مِنْ
الصَّفَاتِ. وَنُزُولِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَة إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالُوا: قدْ تَثْبُتُ الرِّوَايَاتُ
في هذَا وَيُؤْمِنُ بِهَا وَلاَ يُتَوَهِّمُ، وَلاَ يُقَالُ، كَيْفَ؟
هكَذَا رُوِيّ عَنْ مَالِكِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةً وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ أنَّهُمْ قَالُوا في هذِهِ
الأحَادِيثِ: أمِرُوهَا بِلاَ كَيْفٍ. وَهكّذَا قَوْلُ أهلِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمّاعَةِ. وَأمَّا
الجهْمِيَّةُ فَأنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا: هذَا تَشْبِيَةٌ.
وَقَدْ ذكّرَ اللَّهُ عَزّ وَجَلْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ: الْيَدَ وَالسَّمْعَ وَالبَصَّرَ. فَتَأْوَّلَتٍ
الجَهْمِيَّةُ هذِهِ الْآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَشَّرَ أهْلُ العِلْمِ. وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ
بِيّدِهِ. وَقَالُوا: إنّ مَعْنَى الْيَدِ مُهُنَّا القُوَّةُ.
عليكم، فالأمر قريب بفضل الله. اعلموا وفقكم الله أنه لا بد من التأويل في هذه الأحاديث،
فإنه قد يأتي منها ما لا سبيل إلى حمله على ظاهره ولا إلى الإيمان به كما ورد، كقوله:
﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ [النحل: ٢٦] وكقوله:
((عبدي مرضت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني)، فلو قال قائل: إنه مرض كالمرض،
وعطش كالعطش كفر، والأمير تنزيه الباري عن التشبيه والتعطيل واحد، فإنه لا يجوز عليه
شيء من ذلك، بيد أن الله تعالى بين للناس بلسانهم وعرفهم المعاني بنياتهم، والعربي يقول
الذي يريد قتله: أنا الموت، وليس به، ولكنه لما كان ينزل الموت بسببه ويجري على يديه
عبّر عن فعله بنفسه، وكذلك إخبار الباري عن فعله في السقف من الهدم والعذاب الذي يأتيهم
من قبله، وتسميته له بنفسه إعظامًا للأمر وتشديدًا في الوعد، كما كان إخباره عن عبده: مرض
وعطش لنفسه إكرامًا له وقرابها، وتأكيدًا على العبد الآخر الصحيح الراوي من الماء في عبادته
ومعونته، وبل غليله. الثانية: عبر سبحانه عن كف السائل بكفه، ولا كف له تعالى، كما عبر
عن مرض العبد بمرضه ولا مرض له تعالى، ولكنه لما كان الكف محل الأخذ والمحاولة،
ضربه الله مثلاً للقبول. وليس يمتنع ما قاله بعض الناس من أن المراد بالكف كف الملك،
ولكنه لا يحتاج إليه مع جوازه. الثالثة: قوله في الحديث الآخر ((بيمينه)) شرف الصدقة بأن
يخبر عنها بالأخذ بيمينه، وكلتا يديه يمين، وعبّر باليدين عن تصريفه للأمور وتقديره لها
وتدبيره فيها ليس بذلك لمن لا تصرف إلا بيديه. الرابعة: ذكر أبو عيسى اختلاف الناس في

١٣٤
کتاب الزكاة/ باب ٢٨
وَقَالَ إِسْحْقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدْ كَيَدٍ أوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْعٌ
كَسَمْعٍ أوْ مِثْلُ سَمْعٍ. فَإِذَا قَالَ: سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَهَذَا الْتُّشْبِيهُ.
وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَدْ وَسَمْعْ وَبَصَرٌ، ولاَ يَقُولُ كَيْفَ وَلاَ يَقُولُ مِثْلُ
سَمْعٍ وَلاَ ◌َسَمْعٍ، فَهِذَا لاَ يَكُونُ تَشْبِيهًا. وَهُوَ كَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
٦٦٣ - هقثنا مُحَمِّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. حَذَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ. حَدَثَنَا صَدَقَةُ بْنُ
مُوسَى عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ((سُئِلَ النَّبِيِّ لَّهَ: أَيُّ الصَّوْمِ أفْضَلُ بَعْدَ رَمّضَانَ؟ فَقَالَ:
(شَعْبَانُ. لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ)) قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ))(١) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَصدّقَّةُ بْنُ مُوسَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ
القّوِيّ.
الأحاديث المشكلة وأن كبارًا من السلف قالوا: مرّوها كما جاءت كمالك وغيره، وأما الجهمية
فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا التشبيه، وقالوا: إن الله تعالى لم يخلق آدم بيده، وقالوا:
إن معنى اليد ههنا القوة. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: لما كان أبو عيسى
من أهل العلم بالحديث لم يتحصل له قول الجهمية، فوهم في بعض الجهمية أصحاب جهم،
وهو مبتدع أنكر صفات الباري تعالى، وتقدس عن قولهم فقالوا: ليس لله قدرة، ولا قوة، ولا
علم، ولا سمع، ولا بصر. وقالوا: إن اليد بمعنى النعمة، والنعمة خلق من خلق الله خلق به
آدم. وما شاء من المخلوقات، وأما الذين يقولون: إن اليد هي القدرة فهم طائفة من أهل
السنة، وقالت طائفة: إنها صفة زائدة على القدرة، والأثران معلومان عندهم. وقال مالك: إنه
لم يثأول، ومذهب مالك رحمه الله أن كل حديث منها معلوم المعنى، ولذلك قال للذي
سأله: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة. وقال الأوزاعي وقد قيل: ما معنى قوله: ((ينزل ربنا
إلى السماء الدنيا) فقال: يفعل الله ما يشاء، جعله صفة فعل، من عجز عن فهم هذه
الأحاديث فليردها كما جاءت، ويسلم الله فيها مع اعتقاده أنه موجود لا مثل له ولا كيفية، ومن
قدر على فهمها فأمرها قريب بما نزل القرآن بلغة العرب، ولو جاء رسولنا ورسولهم بأمر
مشكل مع عداوتهم له وحرصهم على الطعن عليه، لبادروا إلى إنكاره عليه ولأظهروا التبريح
به، ولكنه لما كان أمرًا بينًا ومعنى مفهومًا بديعًا أذعنوا، وقد بيّنا ذلك على غاية التمام في
كتاب العواصم، والله الموفق للصواب برحمته.
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، سوى الترمذي.

١٣٥
کتاب الزكاة/ باب ٢٨
٦٦٤ - حدثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ العَمِّيَّ البَصْرِيَّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الخَزَّازُ
البَصْرِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴾: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَنُطْفِىءُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ عَنْ مِيْتَةِ السُّوءِ)(١).
الفوائد: في مسائل:
الأولى: قوله: ((إن الله لا يقبل إلاّ طيبًا». الطيب: هو المال الحلال في ذاته الحلال في
طريق كسبه، لم يحرمه الله، ولا اكتسبه مالكه من وجه لا يرضي الله. وقد بيّنا في القسم الرابع
من التفسير وغيره بنهاية البيان.
الثانية: قوله: ((يربو))، وفي رواية ((يربيها حتى تكون كالجبل))، عبر به سبحانه عن مضاعفة
الثواب على العمل كما يفعل في الصدقة، وكذلك يفعل في قيراط صلاة الجنازة، حتى يجعل
أصغره كالجبل وهو أحد. ذلك من فضل الله، على حسب ما يعمله من صدق النيات، وخلوص
الطويات، والرغبة في الخيرات، والمواطبة على الصالحات، فالأعمال للأعمال كالبنيان يشد
بعضه بعضًا. قال: وتصديق ذلك في كتاب الله: قوله: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾
[الشورى: ٢٥]، فنبه ) على أن الذي تقدم من قوله: ((يأخذها بيمينه)) و(تقع في كفه)) أن
ذلك كله عبارة عن قبوله للعبد وتضعيفه لثوابه فيه.
الثالثة: وجه ضرب المثل في التشبيه بتربية الفلوّ وهو: صغير ذوات الحافر، والفصيل:
وهو صغير ذوات الخف، لأن الولد لا يخلق كبيرًا من حين ولادته، ولكن ينمى بنجع الأم به
وتفقدها له بالرضاع ما تركه معها صاحبها، وبالقيام على مصالحه إن حوله عنها والرفق به،
وكذلك صاحب الصدقة، إن أتبعها بأمثالها وصانها عن آفاتها وقرنها بطاعات نمت، وإن اعترض
عنها بقيت وحيدة، وإن من أربى رباء بطل بذلك ثوابها كما بيناه في المشكلين وغيره.
الرابعة: كون صدقة رمضان أفضل بيّن جدًا، لما ثبت عنه أنه قال: ((من فطّر صائمًا فله
مثل أجره)) فيكون له أجر الصدقة، وأجر صومه، ومثل أجر الصائم الذي فطّر، والحمد لله على
فضله .
الخامسة: قوله: ((تطفئ غضب الرب)).
مسألة من الأصول: وقد بينا أن غضب الله قسمان: إما أن يرجع إلى إرادة العقاب، فذلك
صفة من صفاته لا تتغير ولا تحول، ولا يوصف بإيقاد ولا بانطفاء. القسم الثاني من الغضب ما
يرجع إلى العقاب فيسمى به لأنه عنه صدر، فذلك هو الذي تطفئه الصدقة كما يطفىء الماء
النار، وضربه مثلاً كما يُشاهد الصدقة والهدية تصلح نفس المعطى، وتطفىء غلته وتمحو حفره.
(١) لم يخرجه أحد غير الترمذي.

١٣٦
کتاب الزكاة/ باب ٢٩
قالَ أَبُو عيسى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ مِنْ هذَا الْوَجْهِ.
٢٩ - باب مَا جَاءَ في حَقِّ السَّائِلِ
[المعجم ٢٩ - التحفة ٢٩]
٦٦٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحمْنِ بْنِ بُجَيْدٍ، عَنْ جَدْتِهِ أُمْ بُجَيْد (وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾. أنَّهَا
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ المِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَ لَّهَا
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (إنْ لَمْ تَجِدِي شَيْئًا تُعْطِينَهُ إِيَّهُ إلاَّ ظِلْفًا مُخْرَقًا، فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ)(١).
السادسة: قوله: ((ميتة السوء) وهو من المسألة الخامسة، لأن ميتة السوء نوع من عقوبة الله
وغضبه، والصدقة ترفع البلاء، لما تكفر من الخطايا التي توجب الغضب وتحل العقاب.
السابعة: في شرح ميتة السوء. وهي مسألة خفيت على المتوسمين بالعلم المتوشحين
بتفسير مشكله، فظنوا أنها ميتة الفجأة، لما روي أن موت الفجأة أخذة أسف. وقد بينا تفسير
ذلك في كتاب الجنائز، وحقيقته أنها ميتة حزن، لأنه لو جاءه الموت بمقدمة لتأهب له بتوبة،
فإذا فوجىء به أسف لما فاته من توبته. وقيل: ميتة الشهرة، كالمصلوب مثلاً، وليس هذا
بصحيح، فإن خبيبًا قتل مظلومًا ولم تكن ميتة سوء، لأنه كان مظلومًا. وحقيقة ميتة السوء أن
تكون الميتة في سبيل معصية الله، والمعاذ من ذلك لا رب غيره.
باب حق السائل
(عبد الرحمن بن بجيد عن جدته أم بجيد وكانت ممن بايعت رسول الله # قالت: يا
رسول الله إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئًا أعطيه إياه فقال لها رسول الله *: إن
لم تجدي شيئًا تعطيه إلا ظلفًا محرقًا فادفعيه إليه) حسن صحيح. قال: وفي الباب عن حسن بن
علي.
الإسناد: قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: هي امرأة من كبار الصحابة
واسمها هو الذي تقدم، هكذا من لا يرد السائل ولو جاء على فرس، يرويه حسن بن علي عن
النبي #.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: أما إعطاء السائل من الصدقة الواجبة ففرض، وأما إعطاؤه من صلب المال فلا
(١) أخرجه أبو داود في: ٩ - كتاب الزكاة، ٣٣ - باب حقّ السائل، حديث رقم ١٦٦٧ والنسائي في:
٢٣ - كتاب الزكاة، ٧٠ - باب رة السائل. ونصه هنا: «ردوا السائل ولو بظلف (محرق)».

١٣٧
كتاب الزكاة/ باب ٣٠
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيِّ وَحُسَيْنٍ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَأَبِي أُمَامَةً.
قَالَ أَبُو عيسى: حَدِيثُ أُمِّ بُجَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَخْیحٌ.
٣٠ - باب مَا جَاءَ في إعْطَاءِ المُؤَلَّقَةِ قُلُوبُهُمْ
[المعجم ٣٠ - التحفة ٣٠]
٦٦٦ - عقلنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيّ الخَلالُ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ؛ عَنْ
يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةً قَالَ: أعْطَانِي
رَسُولُ اللَّهِ ﴾﴿ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ الخَلْقِ إِلَيَّ: فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لِأَحَبُ
الخَلْقِ إِلَيَّ(١).
يلزم إلا على تفصيل بيناه في الأحكام والتذكير وغيره. ولكنه يستحب في الجملة ألا يرجع
خائبًا، لئلا يتعين له حق فيتوجه على المسؤول عتاب أو عقاب.
الثانية: قوله: ((ولو بظلف محرق)»، اختلف في تأويله فقيل: ضربه مثلاً للمبالغة، كما
جاء: ((من بنى الله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة))، وقيل: إن الظلف
المحرق کان له عندهم قدر بأنهم کانوا یسهكونه ويسبقونه.
الثالثة: أخبرني بعضهم عن أبي الحسن القابسي أنه كان في مسجده سائل يلح، يقول: أين
المواسون، أين المتصدقون، أين المنفقون، أين الراغبون، حتى ألح في ذلك فقال له: ذهبوا مع
الذين لا يسألون الناس إلحافًا. قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: هذا الجواب قاله من قاله
غير محصل ولا داخل في سبيل العلم، وإنما هو في باب التاريخ أو الأخبار الأدبية، وقد بينا
معنى الآية في الأحكام بيانًا شافيًا بما يكفيه، أن الإلحاح والإلحاف هو التكرار، وهو يكون في
السؤال وفي المال، ولكن لا يتصور الإلحاح من السائل إلا إذا أعطي، وقبل أن يعطى لو سأل
يومه كله ما كان ملحًا وملحفًا، حتى لو أعطي لا يكون سؤالاً بعد الإعطاء إلحاحًا ولا إلحافًا إلا
بشرط أن يأخذ كفايته.
باب إعطاء المؤلفة قلوبهم
(سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله 15 يوم حتين وأنه لأبغض
الخلق إلي فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلي).
(١) أخرجه مسلم في: ٤٣ - كتاب الفضائل، ١٤ - باب ما سُئِلَ رسول الله 85* شيئًا قطّ فقال لا.
وکثرة عطائه، حديث رقم ٥٩.

١٣٨
كتاب الزكاة/ باب ٣٠
قالَ أَبُو عِيسَى: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بِهَذَا أَوْ شِبْهِهِ فِي المُذاكّرَةِ.
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أپي سَعِيدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ صَفْوَانَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
المُسَيِّبِ: أنَّ صَغْوَانَ بْنَ أُمَيَّةً قَالَ: أَغْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﴾. وَكَأنَّ هذا الحَدِيثَ أُصَحُ
وَأَشْبَهُ. إِنَّمَا هُوَ (سَعِيدُ بْنِ المَسَيِّبِ أَنَّ صَفْوَانَ).
وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِي إِعْطَاءِ المُؤْلِّفَةِ قُلُوبُهُمْ. فَرَأَى أَكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ أنْ لاَ
يُعْطَوْا. وَقَالُوا إِنَّمَا كَانُوا على عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َِ﴿ كَانَ يَتَألْفُهُمْ على الإسْلاَمِ حتى أسْلَمُوا. وَلَمْ
يَرَوْا أَنْ يُعْطَوُا الْيَوْمَ مِنَ الزَّكَاةِ على مِثْلِ هذا المَعْنى. وَهوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأهْلٍ
الكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ كَانَ الْيَوْمَ عَلَى مِثْلٍ حَالِ هِؤُلاَءِ وَرَأَى الإِمَامُ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ على
الإِسْلامِ فَأَعْطَاهُمْ، جَازّ ذلك. وَهُوَ قَوْلُ الشّافِيّ.
الإسناد: الصحيح من هذا عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية، لأن سعيدًا لم يسمع
من صفوان شيئًا، وإنما يقول الراوي: فلان عن فلان إذا سمع شيئًا ولو حديثًا واحدًا، فيحمل
سائر الأحاديث التي سمعها من واسطة عنه عن العنعنة، فأما إذا لم يسمع منه شيئًا فلا سبيل إلى
أن يحدث عنه لا بعتعنة ولا بغيرها، وقد بينا ذلك في أصول الفقه.
الآحكام: في مسائل:
الأولى: اختلف الناس في المؤلفة قلوبهم، هل كانوا مسلمين لكن إسلامهم كان يُتْوَقّع
عليه الضعف أو الذهاب فأعطوا تثبيتًا؟ وقيل: بل كانوا كفارًا أعطوا استكفاء لشرهم واستعانة
للمجاهدين المحاربين بهم، وهذا هو الصحيح، وعليه تدل الأخبار كلها.
الثانية: اختلف العلماء هل بقي اليوم منهم أحد يفعل معه مثل ذلك؟ فقال قوم: قد
قالوا بأن أظهر الله الإسلام على جميع الأديان، وعلى ذلك عوّل عمر في قطعه منهم
سفيان، وقال قوم: إذا احتاج الإمام إلى ذلك الآن فعله، وهو الصحيح عندي وبه قال
الشافعي، وقد قال النبي #: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبًا))، فكل ما فعله النبي قَ ال
لحكمة وحاجة وسبب فوجب أن السبب والحاجة إذا ارتفعت أن يرتفع الحكم، وإذا عادت
أن يعود ذلك.

١٣٩
كتاب الزكاة/ باب ٣١
٣١ - باب ما جَاءَ في المُتَصَدِّقِ يَرِثُ صَدَقَتَهُ
[المعجم ٣١ - التحفة ٣١]
٦٦٧ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النّبِيِّ وَّهِ إِذْ أَتَتْهُ امرأةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ. وَإِنَّهَا مَاتَتْ. قَالَ: ((وَجَبَ أَجْرُكَ وَرَدَّها عَلَيْكِ
الميراثُ)).
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنهَا كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. أَفَأْصُومُ عَنْهَا؟ قال: ((صُومِي
عنها) .
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنهَا لَمْ تَحُجّ قَطّ، أَفَأْحُجُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. لا يُعْرَفُ هذا مِنْ حَدِيثٍ بُرَيْدَةً إِلاَّ مِنْ
هذَا الوَجْهِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَطاء ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ.
وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَصَدِّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ
لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ شَيءٌ جَعَلَهَا لِلِهِ. فَإِذَا وَرِثِهَا فَيَجِبُ أنْ يَصْرِفَهَا في
مِثْلِهِ.
(عبد الله بن بريدة قال: كنت جالسًا عند النبي * إذ أنته امرأة فقالت: يا رسول الله إني
كنت تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت قال: وجب أجرك وردها عليك الميراث فقالت: با
رسول الله إنها كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها قال: صومي عنها قالت: يا رسول الله إنها لم
نحج أفأحج عنها قال: حجي عنها) حسن صحيح وإن كان من الأفراد، لم يروه إلا عطاء.
والعارضة فيه أن الناس اختلفوا فيما إذا عادت الصدقة بالميراث إلى الرجل، هل تحل له أم يلزمه
(١) أخرجه مسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢٧ - باب قضاء الصيام عن الميت، حديث رقم ١٥٧.

١٤٠
كتاب الزكاة/ باب ٣٢
وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَزِهَيْرٌ هذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ.
٣٢ - باب مَا جَاء فِي كَرَاهِيَةِ العَوْدِ فِي الصَّدَقَّةِ
[المعجم ٣٢ - التحفة ٣٢]
٦٦٨ - هقدنا هارُونُ بْنُ إِسْحَقَ الهَمْدَانِيُّ. حَدِّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنٍ
الزَّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ عَنْ عُمْرَ. أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ رَآهَا
تُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَّهَا. فَقَالَ النَّبيِّ ◌َ﴾: ((لاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتْكَ))(١).
قال أبُو عِيسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ.
أن يتصدق بها؟ والصحيح جواز أكلها للأثر والنظر. أما الأثر فما روي عن النبي غير أنه قال:
(وجب أجرك وردها عليك الميراث)، وأما النظر فإن الملك إذا تغاير تغايرت الأحكام، ألا ترى
أنه لو أعطي المسكين صدقة لجاز للغني أن يأكلها عنده، لأن الملك لما انتقل لغير الحكم، فهذا
مثله والله أعلم. والصوم والحج يأتي كل ذلك في بابه إن شاء الله.
باب كراهية العود في الصدقة
(حديث ابن عمر أن عمر حمل على فرس في سبيل الله ثم رآها تباع فأراد أن يشتريها فقال
له النبي #: ٧).
الأحكام: في مسائل:
الأولى: قوله: (حمل على فرس) الحمل على ثلاثة أنواع: الأول: أن تحبس عليه فرسًا لا
تباع ولا توهب، ولكن يغزو عليه خاصة ويركبه في الجهاد لا غير. الثاني: أن يتصدق به على
غيره لوجه الله سبحانه. الثالث: أن يهبه له، فأما إن حمله عليه على أنه حبس لا يباع ولا
يوهب، فذلك لا يشترى أبدًا، وإن كان صدقة ففي كتاب ابن عبد الحكيم: لا يشترى أبدًا،
وقال بعده: تركه أفضل، وهو صريح. فذهب مالك والشافعي والليث رحمهم الله وكذلك لم
يفسخوا البيع، وقال في كتاب محمد: وإذا حمل على الفرس لا للسبيل ولا للمسكنة فلا بأس
أن يشتريه .
(١) أخرجه البخاري في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٥٩ - باب هل يشتري صدقته، حديث ٧٩٦. ومسلم
في: ٢٤ - كتاب الهبات، ١ - باب كراهية شراء الإنسان ما تصدّق به ممّن تصدّق عليه،
حديث رقم ٤.