النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ أبواب الطهارة/ باب ١٠٤ قال بعضُ أهل العلم من التابعين: إذا كان الدمُ مقدارَ الدِّرْهَمِ فلم يَغْسِلْهُ وصلَّى فيه أعاد الصلاةً. الحادية عشر: إذا زال عين النجاسة من المحل بغير الماء فلا يطهر المحل بغير الماء، بل يبقى حكمه بعد ذلك كحكمه قبله، فلو غمسه في ماء يسير أو مس به موضعًا نديًا لنجس، لأن النجاسة ليست بعين تشاهد، وإنما هي حكم قدّمناه، والحكم باقٍ، فيجب أن تجري عليه وجوهه بعد ذلك كما كانت تجري قبل هذا، وهذا بيِّن لكل جاهل لا يخفى إلا على متجاهل. الثانية عشر: وكان حقها التقديم، لأنها مقصود الباب ولأجلها عقد فيه من الأقوال ما عقد، وتأخيرها وجه، وفي كتاب الله تعالى من ذلك كثير، وهو فصل بديع من النظم والترتيب، وهو أن من قسم خطابه على أقسام، فبينها ثلاثة، أو أربعة جملة ثم احتاج إلى تفسيرها أو الزيادة فيها، فهل يبدأ في التفسير بالمبتدأ به في الجملة، أم بغيره؟ فنحن نأخذ في أودية القول من ذلك بكل وجه، وتارة نبيّن من غير ترتيب، بحكم عارضة الحال ما يجب إزالته من الأنجاس إذا نسي إزالته فصلّى، ثم رآه عليه في أثناء الصلاة ففيه أربعة أقوال: أحدها: يقطع، قاله في الكتاب. الثاني: يتمادى، وينزع إن استطاع، فإن لم يستطع قطع إذا كانت في جسده فكونه، قاله في المبسوط. الثالث: قال ابن الماجشون: إن استطاع نزعه نزع، وإلا تمادى وأعاده. الرابع: يخرج ويغسل ويبني، قاله أشهب. ووجه الأول أن ما لا يجوز معه ابتداء الصلاة، لا يجوز معه استدامتها، كالحدث. وجه الثاني أن هذا الفرض من سنح الذكر دون النسيان، فصار بعض الصلاة كجميعها، ولو أتمّ جميعها ناسيًا أجزأته، كذلك ما قصر منها. وجه الثالث أن هذا الفرض مع القدرة دون العجز، بدليل أنه لو لم يكن معه إلا ثوب نجس، لم يبدله وهو عاجز في حال الصلاة عن إزالته، وهذا تحقيق بالغ بيتاه في كتاب الإنصاف في التيمم. ووجه الرابع أن هذا عذر قاطع عن التمادي، فإذا له يبني كالرعاف، وأصحّها أن ينزعه إن استطاع ويبني، لما بيناه فيه. الثالثة عشر: إذا رآها فترك إزالتها إلى وقت الصلاة، فلما كان في وقت الصلاة نسي إزالتها فصلّى بها، قال الشافعي: عليه الإعادة لأنه فرط، وهذا ضعيف، فإنه إنما تجب إزالة النجاسة وقت الصلاة، فلما لم تحضر الصلاة لم يفرط، وقد رأيت الإمام أبا حامد يحكي عن الشافعي أن إزالة النجاسة واجبة في الحال، وهذا ضعيف أيضًا عندي. الرابعة عشر: إذا لم يرَ النجاسة حتى صلّى فهل يُعيد؟ فتقدم قول علمائنا. والشافعي قولان، وعن أحمد روايتان، وقال الأوزاعي: لا يُعيد، وهو الأصح. الخامسة عشر: إذا أبصر النجاسة في ثوبه في الصلاة، فلما همّ بالانصراف نسي فتمادى، أعاد أبدًا، قاله ابن حبيب. ووجهه أن الصلاة برؤية النجاسة انتقضت، وعندي أنها ١٨٢ أبواب الطهارة / باب ١٠٤ وقال بعضُهم: إذا كان الدِّمُ أكثرَ من قَدْرِ الدرهم أعاد الصلاةَ. وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ وابنِ المباركِ . لم، فإنها لو انتقضت ما عادت بطرحه وإنما وجب عليه إزالتها، فنسيانه آخرًا كنسيانه أولاً، وإنما ذلك على أحد القولين في المرئية فافهمه. ومتى بعد، قال الشافعي: تعيد أبدًا، وقال مالك: يُعيد في الوقت، ولست أعلم مَن يقول بإعادة الوقت إلا مالكًا، ووجهه طويل بيّنّاه في كتب المسائل. السادسة عشر: ما هو الوقت؟ ففي الكتاب أنه الوقت المختار المحدود، وقال في المبسوط وفي كتاب ابن حبيب: إنه الوقت الضروري والأصح الأول، لأن الإعادة موضوعة لاستدراك الفضل لا لاستدراك الفرض، فاختصّت، بوقت الفضيلة، وهو الوقت المختار. السابعة عشر: يسير الدم يعفى عنه اتفاقًا من علمائنا من غير تجديدٌ، لقوله تعالى: ﴿أُو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وذلك يختص بالكثير دون اليسير. احدى الثامنة عشر: غيره من النجاسة، كدم الحيض الذي عقدنا الباب له والقيح والصديد، لمالك فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعفى عن يسيره. الثاني: أن ذلك في الدم وحده. الثالث: أن العفو جارٍ في كل ذلك إلا في دم الحيض، قاله ابن أشرس وابن وهب عنه، لقوله فيه: ﴿قل هو أذى﴾ [البقرة: ٢٢٢] يعمّ قليله وكثيره، وقد علّل ذلك بما لا يساوي سماعه. التاسعة عشر: ما يعفى عنه في ثوب نفسه هل يعفى عنه في ثوب غيره؟ قلت: نعم، إذا احتاج إليه. الموفية عشرين: اليسير لا يتحدد بأكثر من الاجتهاد، وقال أبو حنيفة: يتقدّر بالدرهم البعلي، يعني: الأكبر، قياسًا على موضع الاستنجاء، والقياس على الرخص لا يجوز، وله فيه تفريع قبيح. الحادية والعشرون: دم السمك والذباب والقراد هل هي نجسة أم لا؟ قولان لمالك، ووجهان لأصحاب الشافعي، وعند أبي حنيفة أنه طاهر وهو الصحيح، لأنه لو كان دم السمك نجسًا لشرعت ذكاته. الثانية والعشرون: إذا تحقق النجاسة غسلها، فإن شك فيها غسل ما علم ونضح ما لم يعلم، والنضح من أمر الناس الأول. قال مالك: وهو طهور ما شك فيه، ونقله أهل المدينة خلف عن سلف. الثالثة والعشرون: إذا ترك النضح في موضعه ثم صلّى، قال ابن القاسم وسحنون وعيسى بن دينار: يُعيد الصلاة، لأنه تارك فرض طهارة، فلزمه إعادة الصلاة كالغسل، وقال ١٨٣ أبواب الطهارة / باب ١٠٤ ولم يُوجِبْ بعضُ أهلِ العلم من التابعين وغيرِهم عليه الإعادةً وإن كان أكثرَ من قدرِ الدرهم. وبه يقول أحمدُ وإسحقُ. أشهب وابن نافع وابن الماجشون: لا إعادة عليه. قال عبد الوهاب: لأن النضح مستحب وهذا ساقط، بل النضح واجب وإنما فيه نكتة بديعة، وذلك أن الغسل شرع لإزالة النجاسة لأجل الصلاة، مع ضرب من التعبد، والنضح تعبّد محض لا إزالة فيه، فتركه ترك فرض لا يؤثر في الصلاة. الرابعة والعشرون: إذا تدمى الفم ثم مجّه بريقه حتى ذهب، فهل يفتقر إلى غسله أم يطهر بريقه؟ فيه قولان لعلمائنا، والصحيح طهارته بالماء إن كان كثيرًا، وإن كان يسيرًا عُفِيَ عنه، ولا يطهر بالريق بحال، وإن كان قد رُوِيّ في الصحيح عن عائشة أنها كانت تمضغ دم الحيض من الثوب بريقها، ومعناه: أنه كان يسيرًا لو تركته لم تُبالٍ به، فأرادت هلاك عينه بالريق . الخامسة والعشرون: إذا مسح الجسم الصقيل من النجاسة كالصادم والمدية ونحوه، فإن مسحه يجزي عن غسله، لأن المسح لا يبقى فيه من النجاسة شيئًا، وأيضًا فإن الغسل يفسده، وعلى هذه اللغة هو المعوّل. السادسة والعشرون: إذا مسح موضع النجاسة من البدن أو الثوب مسحًا منها بالغًا، فلم يبقَ شيء يعني: في رأي العين، فاختلف المتأخرون فيه هل يلزم غسله أم لا؟ والصحيح وجوب الغسل، لأنه لا بدّ من بقاء جزء منها يلتصق بالمحل وإن خفي. السابعة والعشرون: إذا مسح موضع المحاجم ولم يغسله يُعيد إن صلّى ما دام في الوقت، وقال ابن حبيب: لا إعادة عليه. وعلى هذا بنوا المسألة الأولى، والصحيح: لا إعادة عليه، لأن ما بقي من محل المحجمة دم يسير في حدّ العفو عنه، والفرق بينه وبين المسألة الأولى: أن هذا الدم الباقي من نفس المحل دعت الحاجة إليه، والأول طرأ عليه من غير حاجة إليه فتضادًا، أو لا یصح بناؤه علیه، فافهمه وتفطن له. الثامنة والعشرون: إذا سال جرحه في الصلاة، أو نكى قرحه فيها فسالت، فإن كان يسيرًا غسله ومضى، وإن كان كثيرًا ففيه قولان: أحدهما: يقطع، والثاني: يغسله ويتمادى، والأول أقیس وأحری. التاسعة والعشرون: تصلي الحائض والجُنُب في ثوبيهما إذا لم يَرَيا فيه أذى، ولا يباليان بعرق ولا شك، والأصل فيه فعل الرسول و9 ونسائه الثابت عنهم. الموفية ثلاثين: ما نسجه الكافر تجوز الصلاة فيه إجماعًا. ١٨٤ أبواب الطهارة / باب ١٠٤ وقال الشافعي: يجبُ عليه الغَسْلُ وإنْ كان أقلّ من قدر الدرهم. وشدّد في ذلك. الحادية والثلاثون: ما نسجه المجوس اختلف فيه أصحاب الشافعي، لأجل أنّ ذكاتهم غير عاملة، والشعر والصوف عندهم ينجس بالموت، ونحن لا نراعي ذلك، وقد استقصينا ذلك في موضعه. الثانية والثلاثون: ثياب شارب الخمر ومَن لا يتوقى النجاسة لا يُصلّى فيها، قال بعض المتأخرين: وكذلك السراويل من اللباس لقلّة التحفّظ في الاستنجاء، وكذلك ثياب الصبيان عندهم، والصحيح عندي مفارقة ثياب الصبيان لهم في صغرهم، لأن حواضنهم ينظّفونهم، فثيابهم محمولة على الطهارة حتى يستقلوا بأنفسهم ويقضوا حاجات الإنسان مفردين، فحينئذ تحمل ثيابهم على النجاسة، والدليل على صحة اختياري صلاة النبي # وهو حامل أمامة بنت أبي العاصي، فإن قيل: لعل جبريل أعلمه بأن الطهارة حاصلة فيها، فالجواب أن الأحكام لا تتعلق بالبواطن، فإن ذلك من اعتراضات الجهّال والمبتدعة الذين يريدون إبطال الشريعة، وإنما تتعلق الأحكام بظواهر الأفعال والأحوال، لعلم النبي * أنه يعتدّ به، ولو كان معلقًا بباطن من إعلام ملك أو غيره، تصرح به على ما وقع بيانه في كتب الأصول. الثالثة والثلاثون: إذا كان معه ثوبان نجس وطاهر ولم يعينهما، غرى ما غلب على ظنه أنه الطاهر منهما صلّى به، وقيل: إنه يصلّي بكل واحد صلاة، والصحيح الأول. الرابعة والثلاثون: إذا غسل ما حكم باجتهاده أنه نجس، ثم جمع بينه وبين ما حكم باجتهاده فيه أنه طاهر، ثم صلّى فيهما جازت، لأن أحد الثوبين طاهر بيقين والثاني طاهر بالاجتهاد. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يجوز، وهو أبو إسحق المروزي، لأنه بمنزلة ثوب واحد بعضه طاهر وبعضه نجس، وأشكل عليه فلا يجوز أن يتحرّى فيه، وهذا قلب الحقيقة، لا يكون الثوبان ثوبًا ولا الثوب ثوبين، لا حقيقة ولا حكمًا. الخامسة والثلاثون: إذا أصاب بعض ثويه نجاسة ولم يعلم موضعها لم يجز التحرّي، وغسل جميعه بخلاف الثوبين، لأن أصل الثوبين الطهارة، فإذا شك فى أحدهما، استند اجتهاده إلى أصل الطهارة، والثوب الواحد بطل فيه حكم الأصل وهي الطهارة، فلم يكن للاجتهاد مستند، وهذا أمر دقيق للفقه فتأمله. السادسة والثلاثون: إذا شق هذا الثوب الواحد نصفين لم يجز التحزي، لجواز أن تنقسم النجاسة فيهما. السابعة والثلاثون: إذا تحقق أن النجاسة أصابت أحد الگُمّین کان الاجتهاد کالثوبین، باختلاف العلماء، فإن فصلهما جاز الاجتهاد إجماعًا، والله أعلم. ١٨٥ أبواب الطهارة/ باب ١٠٥ ١٠٥ - باب ما جاء في كم تَمْكُثُ النُّفَسَاءُ؟ [المعجم ١٠٥ - التحفة ١٠٥] ١٣٩ - هذثنا نَصْرُ بنُ عليّ الجَهْضَمِيُّ حدّثنا شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ أبو بَذْرٍ عن عليّ بن عبد الأعْلَى عن أبي سَهْلٍ عن مُسَّةَ الأزْدِيَّةِ عن أُمّ سَلّمَةَ قالتْ: ((كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ وَ﴿ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَكُنَّا نَطْلِي وُجُوهَنَا بِالْوَرْسِ مِنَ الكَلَفِ». قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من حديثٍ أبي سهلٍ عن مُسَّةَ الأزديَّةِ عن أُم سلمةً. واسمُ أَبِي سهْلٍ («كَثِيرُ بنُ زِیَادٍ». قال محمد بنُ إسماعيلَ: عليَّ بنُ عبد الأعلَى ثقَةٌ، وأبو سهَلٍ ثقةٌ. باب ما جاء كم تمكث النفساء (مُسّة الأزدية عن أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صل* أربعين يومًا، فكنّا نطلي وجوهنا بالوَرْس من الكَلّف). إسناد هذا الحديث يرويه علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل كثير بن زياد البرساني، وهما ثَبْتان عن أُم لبسة مُسّة الأزدية. وهذا الباب بجملته لا يصحّ فيه خبر عن النبي ◌َّر بحال، وإنما المعتبر فيه الوجود. وقد قال الأوزاعي: عندنا امرأة تنفس ستين يومًا. وحكى الطحاوي عن الليث عن بعضهم سبعين يومًا. غريبه: النفساء: اسم الوالدة، ويقال: نفست بضم النون وكسر الفاء، وبفتح النون وكسر الفاء، فإذا حاضت قيل: بفتح النون وكسر الفاء لا غير. الورس: نبات يُزرَع باليمن زرعًا، ولا يكون بغير اليمن، نباته مثل السمسم، فإذا جف ثقفت خرائطه فينتقض منه الورس، أحمر، يُزرّع سنة فيقيم في الأرض عشر سنين، ينبت ويثمر، وأجوده حديثه. يقال: أورس فهو وارس ومورس لغة ضعيفة، والكلف لمع سود تكون في الوجه ومنه كلف المئزر. أحكامه: قال أبو حنيفة: أكثر النفاس أربعون يومًا، وقال الحسن البصري: أكثره خمسون يومًا، وقال مالك والشعبي وعطاء والشافعي: أكثره ستون يومًا، لمّا وجدوا ذلك مطردًا، فلما سمع مالك بأن هنالك مَن ينفس سبعين يومًا، رجع فقال: يسأل النساء عن ذلك، فأحال على عادة البلاد، والأشخاص، فكلُّ تكلم على ما وجد، حتى علموا أن الرحم يقبض على الولد فيحتقن الدم، فإذا خرج الولد زال الحقن، واسترسل الدم من تجاويف الأعضاء ومخازن البدن، فقد تنقض مدته وقد تطول، وقد يستحيل فيولد دون دم. وقد رُوِيّ أن امرأة ولدت على عهد ١٨٦ أبواب الطهارة / باب ١٠٥ ولم يَعْرِف محمدٌ هذا الحديثَ إلاّ من حديث أبي سهلٍ (١). وقد أجمع أهلُ العلم من أصحاب النبيِّ ﴿ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تَدَعُ الصلاةَ أربعين يومًا، إلاَّ أن تَرَى الطُّهْرَ قبل ذلك، فإنها تغتسلُ وتصلّي. فإذا رأتِ الدمَ بعدَ الأربعين: فإن أكثرَ أهل العلم قالوا: لا تَدَعُ الصلاةً بعد الأربعين، وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ. وبه يقول سفيانُ الثوريّ، وابنُ المباركِ، والشافعيِّ، وأحمدُ وَإِسحُقُ. ويُروى عن الحسنِ البصريَّ أنه قال: إنها تَدَعُ الصلاةَ خمسين يومًا إذا لم تَرّ الطهر . رسول الله* دون دم فسُمِّيت ذات الجفوف، فلا جرم لأحد لأقله على هذا. وقال المزني: أقله أربعة أيام، لأن أكثره أكثر الحيض أربع مرات، فأقله أربع مرات. وحُكِيَ عن أبي يوسف: أقله أحد عشر يومًا ليزيد على أكثر الحيض عنده يومًا، وقال الثوري: أقله ثلاثة أيام كأقل الحيض، وأقل الحيض عندنا دفعة من دم، وقد يتفق كما قلنا أن يخرج الولد دون دم وخصّوا، لأن من تفاريق هذه المسائل وما يتعلق بها سبع : الأولى: إذا لم ترَ دماء اغتسلت وصلّت، قاله مالك في العتبية، وقال: لا يأتي الغسل إلا بخير، وقال بعض أصحاب الشافعي: لا غسل، والمعنى فيه أن خروج الولد يوجب الغسل، لأنه لا يخلو عن رطوبة بحال وإن خلا عن دم، وتلك الرطوبة خارج معتاد من مخرج معتاد، فينبغي أن يجب الغسل بلا خلاف، وهو الأصح عند أصحاب الشافعي. الثانية: لو نَوّت بهذا الغسل خروج الولد أجزأها ما قلناه، وقال بعض أصحابنا: لا يجزيه، فينبغي إذا أن يقول: لا يلزم، فإن كل ما أولت من الأحداث تجزي فيها، وهذا دقيق بيِّن. الثالثة: إذا زاد على ستين يومًا أو على عادة سُئِلَ النساء عنها فهي مستحاضة، ولأصحاب الشافعي في ذلك تفصيل بديع دقيق لا تحتمله العارضة. الرابعة: إذا انقطع دم النفاس قبل تمام مدته اغتسلت وصلّت. الخامسة: فإن عاد عن قرب ضمّت ذلك إلى دم النفاس، ثم تنظر هل يزيد جميعه على العادة أم لا، فيعتبر. (١) الحديث رواه أبو داود (١: ١٢٣) والحاكم (١: ١٧٥) والدارقطني (ص ٨٢) والبيهقي (١: ٣٤١) ورواه ابن ماجه (١: ١١٥). ١٨٧ أبواب الطهارة/ باب ١٠٦ ويروى عن عطاءِ بنِ أبي رَبّاحِ والشّغِيِّ: ستين يومًا. ١٠٦ - باب ما جاء في الرجل يَطُوفُ على نسائه بغُسْلٍ واحدٍ [المعجم ١٠٦ - التحفة ١٠٦] ١٤٠ - حدثنا بُنْدارٌ محمد بنُ بشّارٍ حدثنا أبو أحمدَ حدّثنا سفيانُ عن مَعْمَرٍ عن قَتَادَةَ عن أنسٍ: ((أن النبيِّ وََّ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ))(١) . قال: وفي البابِ عن أبي رافعٍ(٣). قال أبو عيسى: حديثُ أنسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أنَّ النبيَِّنََّ كان يطوفُ على نسائه بغسلٍ واحدٍ. وهو قولُ غير واحدٍ من أهل العلم، منهم الحسن البصريُّ: أن لا بأسَ أن يَعُودَ قبلَ أن يتوضأ. السادسة: أن تعدّ بين الدمين مقدار طهر انقطع حكم النفاس. السابعة: إن ولدت ولدًا وبقي في بطنها آخر، فلم تضعه إلا بعد شهرين والدم متمادٍ، فلزوجها عليها الرجعة. قال ابن القاسم: ينظر أقصى ما يكون النفاس، وقيل: حالها حال الحامل، والأول أصح، فإنها نفساء. وتحقيق ذلك يطول. باب الرجل يطوف على نسائه بغُسْل واحد (قتادة عن أنس أن النبي صل﴿ كان يطوف على نسائه بغُسْلٍ واحد). إسناده: الحديث صحيح لا غبار عليه، وكان النبي ◌َّقوله في الوطء القوة الظاهرة على الخلق، كما رُوِيّ في الصحيح عن أنس أنه كان يدور على نسائه وهنّ تسع في الساعة الواحدة، ويُروَى: من الليل والنهار، قلت لأنس: أوَكان يطيقه؟ قال: كنّا نتحدّث أنه أُعطِيَ في الجماع قوة ثلاثين، وكان له في الأكل القناعة الشريفة، ليجمع الله له الفضيلتين في الأمور الاعتبارية، (١) الحديث نسبه المجد بن تيمية في المنتقى للجماعة إلا البخاري، وتعقبه الشوكاني في نيل الأوطار (١: ٢٨٩) فقال: ((الحديث أخرجه البخاري أيضًا)). (٢) حديث أبي رافع مولى رسول الله ## رواه أبو داود (١: ٨٨). ورواه أيضًا ابن ماجه (١: ١٠٧) ونسبه الشوكاني في نيل الأوطار (١: ٢٨٩) للترمذي، وهو خطأ، وفي التلخيص (ص ٥٢) إذ نسبه لأصحاب السُّنن، وليس في سنن النسائي أيضًا، ولعله في السنن الكبرى له. ١٨٨ أبواب الطهارة / باب ١٠٦ وقد رَوى محمد بنُ يوسفَ هذا عن سفيانَ فقال: عن أبي عُزْوَة عن أبي الخَطَّابِ عن أنسٍ. وأَبُو عروةً هو: (مَعْمَرُ بنُ راشدٍ)). وأبُو الخطّابِ: ((قَتَادَةُ بنُ دِعَامَةً». قال أبو عيسى: ورواه بعضُهم عن محمد بن يوسفَ عن سفيان عن ابن أبي عروة عن أبي الخطّاب. وهو خطأً، والصحيح: عن أبي عروة. كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية، حتى يكون حاله كاملاً في الدارين: دار التكليف وهي الدنيا، ودار الجزاء وهي الآخرة، وكان الله سبحانه قد خصّه في النكاح بأشياء يأتي بيانها إن شاء الله لم يعطها لغيره، منها: تسع زوجات في ملك، ثم أعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حتى تكون مقتطعة له من زمانه، يدخل فيها على جميع أزواجه فيطؤهنّ أو بعضهنّ، ثم يدخل عند التي الدور لها. ففي كتاب مسلم عن ابن عباس: أن تلك الساعة كانت بعد العصر، فلو اشتغل عنها لكانت بعد المغرب أو غيره. فلذلك قال في الحديث: في الساعة الواحدة من ليل أو نهار. وقد رُوِيّ عن عائشة أن رسول الله* كان يجامع ثم يعود ولا يتوضأ، ذكره الطحاوي، قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق، حدّثنا معاذ بن فضالة، حدثنا يحيى بن أيوب، عن أبي حنيفة ويونس بن عقبة، عن أبي إسحق الثمالي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة فذكره، وهو المعمول به وإن لم تنته طريقه. ولا يطأ الرجل زوجته في يوم الأخرى إلا لو أذنت له، فجاز أن يجمع بين أزواجه بإذنهنّ، وقد مدحت الأمم خصوصًا العرب قديمًا بقلّة الأكل قال شاعرهم : من الشواء ويُروّى بشربة الغمرِ يكفيه حرة فلذان ألمّ بها وذلك كثير. وذمّت الأمم - خصوصًا العرب - بالنهامة والإكثار من الأكل، وذلك کثیر، حتى رُوِيّ أن رجلاً سافر عن امرأته، ثم جاء فنحر للقدوم، وهو طعام النقيعة جزورين وشواهما، فأكل هو جزورًا واحدة وزوجته الأخرى، فلما جاء ليواقعها لم يستطع لعظم بطنيهما من كثرة الأكل، قالت: قلت: كيف تصل إليّ وبيني وبينك جملان. ومدحت قديمًا بكثرة الجماع وذقت بقلّته، فقالت: ولكن لا ينبغي للرجل أن يتكلّفه حتى ينهكه، إنما ينبغي له أن يأخذ منه مقدار كسر الشهوة وحدّ القوة، فأما أن يكون في ذلك منكسر الشهوة، ضعيف القوة، ويريد أن يستكثر به فذلك مذموم نفعًا، ممنوع شرعًا، وهو بمنزلة النهيم في الأطعمة، الضعيف المعدة عن هضمها. تكملة: روى حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عمّته سلمى، عن أبي رافع أن رسول الله 8* كان طاف على نسائه في يوم، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقيل: يا ١٨٩ أبواب الطهارة/ باب ١٠٧ ١٠٧ - باب ما جاء في الجنب إذا أراد أن يَعُودَ تَوَضَّأَ [المعجم ١٠٧ - التحفة ١٠٧] ١٤١ - حدثنا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ غِيَاتٍ عن عاصِمِ الأخْوَلِ عن أبي المتوكّلِ عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ عَن النبيِّ ﴿ قال: (إذَا أتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأ بَيْنَهُمَا وُضُوءً !! (١). قال: وفي الباب عن عُمَرَ (٢). قال أبو عيسى: حديثُ أبي سعيدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهو قولُ عمر بن الخطابِ. وقال به غيرُ واحد من أهل العلم، قالوا: إذا جامع الرجل امرأته ثم أراد أن يعود فليتوضأ قبلَ أن يعود. وأبو المُتَوَكُّلِ اسمه ((عَلِيُّ بِنُ دَاوُدَ)) . وأبو سعيد الخدريُّ اسمه ((سَعْدُ بنُ مالك بنِ سِنَانٍ». رسول الله لو جعلته غسلاً واحدًا، فقال: ((هذا أزكى وأطيب وأطهر))، ولم أعلم أحدًا قال به، لأنه لا يصحّ، والله أعلم. باب إذا أراد الرجل أن يعود إلى الوطء فليتوضأ (أبو المتوكل عن أبي سعيد الخدري عن النبي ## قال: إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا) حسن صحيح. ولست أعلم أحدا قال به، إلا أن أبا علي من أصحاب الشافعي قال في كتاب الإيضاح به، وقد رام بعضهم أنه منسوخ، أمر به إذ كان الجُنُب لا يذكر الله، ذهب إليه الطحاوي وليس بصحيح، فإن ذلك لم يكن ولا رُوِيّ. وقد رُوِيّ عن عائشة أن رسول الله 18 كان يجامع، ثم يعود ولا يتوضأ. ذكره الطحاوي قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق، حدّثنا معاذ بن فضالة، حدّثنا يحيى بن أيوب، عن أبي حنيفة وموسى بن عقبة، عن أبي إسحلق الهمداني، عن الأسود بن يزيد فذكره، وهو المعمول به، ولم يثبت طريقه. ذكرناه من طريق الحجة عليه. (١) الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، كما قال المجد في المنتقى. وقال الشوكاني (١: ٢٧١): ((رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وزادوا: فإنه أنشط للعود». (٢) قال الشوكاني (١: ٢٧٢): ((وقد رُوِيّ عن عمر وابن عمر بإسنادين ضعيفين)) وقال الشارح المباركفوري (١ : ١٣١): «لم أقف على من أخرج حديثهما)». ١٩٠ أبواب الطهارة/ باب ١٠٨ ١٠٨ - باب ما جاء إذا أُقِيمَت الصلاةُ وَوَجَدَ أحدُكم الخَلَاَءَ فَلْيَبْدَأُ بالخلاء [المعجم ١٠٨ - التحفة ١٠٨] ١٤٢ - حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ حدّثنا أبو مُعَاوِيَةً عن هشام بنِ عُزْوَةً عن أبيه عن عبد الله بنِ الأرْقَم قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ فَأَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فقدَّمَهُ، وكان إمَامَ قَوْمِهِ، وقال: سمعتُ رسولَ اللهِوَ﴿ يقول: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَوَجَدَ أحَدُكُمُ الخلاءِ فَلْيَبْدَأْ بِالخلاءِ))(١). قال: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وثَّوْبَانَ، وأبي أُمَامَةً. قال أبو عيسى: حديثُ عبد الله بنِ الأرقم حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ·هكذا رَوَى مالكُ بنُ أنسٍ ويحيى بنُ سعيدِ القَطَّانُ وغيرُ واحدٍ من الحُفّاظِ عن هشامٍ بن عُزْوةً عن أبيه عن عبد الله بنِ الأرقَمِ. باب إذا وجد أحدكم الخلاء وأقيمت الصلاة فليبدأ بالخلاء (عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم قال: أُقيمت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه، وكان إمام قومه، وقال: سمعت رسول الله رَّ يقول: إذا أُقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء) صحيح حسن. إسناده: الحديث صحيح، قد خرّجه القشيري من طريق عائشة أن النبي (83* قال: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)). هذا هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أسلم عام الفتح، وكتب للنبي وَ ل * وأبي بكر وعمر، وخازن عمر وعثمان على بيت المال، ثم استعفاه في أخريات الأمر فأعفاه، وكان عند رسول الله# أمينًا، يأمره أن يجيب عنه فيكتب ويطيع، ولا يقرؤه عليه. وقال ابن القاسم عن مالك: جاء رسول الله ﴿ يومًا كتاب، فقال: ((مَن يجيب عني))، فأجاب عنه عبد الله بن الأرقم، وأعجبه فأنفذه، وكان عمر حاضرًا، فلم يزل له ذلك في نفسه يقول: أصاب ما أراده رسول الله 38َّ، فلما تولى عمر استعمله على بيت المال. وقال ابن وهب عن مالك: (١) الحديث رواه أيضًا أحمد في المسند (٣: ٤٨٣ و٤: ٣٥) وأبو داود (١: ٣٣) والدارمي (١: ٣٣٢) والحاكم (١: ١٦٨) وقال: ((صحيح على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي)). ١٩١ أبواب الطهارة/ باب ١٠٨ ورَوَى وُهَيْبٌ وغيرُه عن هشام بن عروةً عن أبيه عن رّجُلٍ عن عبد الله بن الأرقم. وهو قولُ غيرٍ واحدٍ من أصحابِ النبيِّ ◌َ ﴿ والتابعين. وبه يقولُ أحمدُ وإسحقُ، قالا: لا يقومُ إلى الصلاةِ وهو يَجِدُ شَيْئًا من الغائطِ وَالبَولِ. وقالاً: إن دخلَ في الصلاةِ فوجد شيئًا من ذلك فلا يَنْصَرِفْ ما لم يَشْغَلْهُ. وقال بعضُ أهل العلم: لاَ بأسَ أن يصلّيَ وبه غائطٌ أو بولٌ، ما لم يشغله ذلك عن الصلاة . أجاز عثمان عبد الله بن الأرقم بثلاثين ألف درهم، فأبى أن يقبلها، وقال سفيان: كانت ثلاثمائة درهم فأبى أن يقبلها، وقال: إنما عملت الله عزّ وجل. فالعلّة التي لأجلها يسقط حديث عبد الله بن الأرقم من الصحيح وثبت فيه حديث عائشة، فقال أبو عيسى: إنه اختلف على عروة، فروى عنه عبد الله بن الأرقم، وروى عنه عن رجل عن عبد الله بن الأرقم كما فسّره أبو عيسى، فصار مقطوعًا وخرج على شرط الصحة. فقهه: اتفقت الأمة على أن المصلّي ينبغي أن يدخل في الصلاة حاضر القلب خاشع الجسد، ولا يتم له حضور القلب إلا بحذف العوائق وقطع العلائق وتكلّف الفكر والذكر، ومع حضور الحدث والجوع لا يتفق له ذلك، بل يكون في قلق إلا أن يكون يسيرًا من شغل الجوع وقلق الحدث، فإنه لا يضرّه، فإن كان كثيرًا فصلّى به أعاد الصلاة أبدًا. واختلف العلماء في تعليله، فمنهم مَن علّله بالشغل المؤذي إلى شرود القلب وإسقاط الخشوع، وقال أحمد بن حنبل: العلة فيه انتقال الحدث، وعنده أن انتقال الحدث يوجب الوضوء، وانتقال المني يوجب الغسل وإن لم يظهر. وتعلق أحمد بأن الشهوة حصلت بانتقال المني وإن لم يظهر، فكان كالتقاء الختانين، وبأن انتقال الحدث سبب لخروجه فلا يكون أقل من مس الذِّكَر، وكذا لا يصح، فإن الأحداث تثبت بالأخبار كما نقلناه، وكذلك الغسل يثبت بأسبابه المعينة بالأخبار، وما ذكره ليس معلّلاً، ولا ما رأى نه مثله في معناه. تفريع: إذا كان صائمًا فحضرت الصلاة والعشاء، فإن كان محتاجًا بدأ بالعشاء، لقول رسول الله : "إذا حضر العشاء والصلاة فابدؤوا بالعشاء))، معناه مع الحاجة أو الصيام. وكذلك رواه الدارقطني مفسرًا: ((وأحدكم صائم، فإن لم يكن محتاجًا بدأ بالصلاة)). تفريع: يأتي هذا في صلاة الجماعة، فأما إن كان وحده بدأ بأكله على كل حال لاتساع الوقت، إلا أن يرغب في الفضل فيبدأ بالصلاة، إلا أن يكون محتاجًا أيضًا فيبدأ بالأکل. ١٩٢ أبواب الطهارة/ باب ١٠٩ ١٠٩ - باب ما جاء في الوضوءِ من المَوْطَّإِ [المعجم ١٠٩ - التحفة ١٠٩] ١٤٣ - حدثنا أبو رَجّاءِ: قُتَيْبَةُ حدّثنا مالكُ بنُ أنس عن محمدِ بنِ عُمارَةً عن محمد بنِ إبراهيمَ عن أَمِّ وَلَّدٍ لعبدٍ الرحمْنِ بنِ عَوْفٍ قالت: قلت لأُمُّ سَلَمّةَ: ((إنِّي امْرأةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وأمْشي في المكانِ القذِرِ؟ فقالت: قال رسولُ اللهِوَّهِ: يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ))(١). قال: وفي الباب عن عبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قال: ((كُنَّا مع رسولِ الله وَله لا نتوضأُ من المَوْطَإِ»(٢). قال أبو عيسى: وهو قول غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا وَطِىءَ الرجلُ على المكان القذر أنه لا يجبُ عليه غسْلُ القدم، إلا أن يكونَّ رطبًا فيغسلّ ما أصابهُ. قال أبو عيسى: ورَوَى عبد اللَّهِ بنُ المبارك هذا الحديث عن مالك بن أنسٍ عن محمدِ بنِ عُمَارَةً عن محمدِ بنِ إبراهيم ((عن أَمِّ وَلَدٍ لَهُودِ بنِ عبدِ الرحمن بن عوفٍ عن أُم سلمةَ)). باب ما جاء في الوضوء من الموطإ (عن أم ولد لعبد الرحمن بن عوف قالت: قلت لأم سلمة: إني امرأة أُطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت: قال رسول الله #: يطهره ما بعده). إسناده: هذا الحديث مما رواه مالك فصح، وإن كان غيره لم يروه صحيحًا، وذلك مذهب يُستقصى في أصول الفقه. وقد روى أبو داود عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا إلى المسجد طريقًا منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا، قال: ((أليس بعدها طريق هي أطيب منها»؟ قالت: قلت: بلى، قال: ((فهذه بهذه)). ومن هذا الباب الذي ترجم عليه أبو عيسى، ما روى أبو داود أيضًا أن رسول الله و# قال: ((إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهورًا)، وهذا الباب لا يصح منه بعد جهد إلا حديث أم سلمة المتقدم. غربيه: الموطىء مفعل بكسر العين من وطىء، وهو اسم للموضع، فيكون معناه الوضوء من الموضع القذر، والتقدير: الوضوء من وطء الموضع القذر، ويكون بفتحها والمعنى واحد، (١) الحديث في موطأ مالك (١: ٤٧ - ١٦٣). ورواه أيضًا الدارمي (١: ١٨٩) وأبو داود (١: ١٤٧) وابن ماجه (١: ٩٨). (٢) لفظ ((المَوْطَإ) موافق لرواية الحاكم (١: ١٣٩). والحديث رواه أيضًا أبو داود (١: ٨٢ - ٨٣). ورواه ابن ماجه (١: ١٦٧). ١٩٣ أبواب الطهارة / باب ١٠٩ وهو وَهَمّ، وليس لعبد الرحمن بن عوف ابنّ يقال له ((هود)». وإنما هو ((عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة)) وهذا الصحيح. وفيه كلام كثير. ويجوز الوضوء من الموطوء بمعنى مفعول، فيكون المراد به النجاسة، لا الموضع القذر بالتقدير المتقدم، ويجوز الوضوء من الموطأ مفعل أي أوطأه قدمه. فقهه: قوله 18: «يطهره ما بعده))، قال مالك: أراه في القشب اليابس، معناه عنده إن تعلق به في موضع نجس يابس أزاله موضع آخر، كعادة ما يتعلق بالأذيال. وقيل: إن ذلك في الرطب، لأن الذيل للمرأة كالخفّ للرجل، وهكذا أطلق علماؤنا القول من غير أن يتفطنوا لنكتته، وهي أن قول النبي ور: ((يطهره ما بعده)) جعله مالك صريحًا، فرأى أنه لا تكون طهارة إلا بإزالة، ولا يتصور ذلك إلا في القشب اليابس، وجعل غيره كناية، والمراد أن الطرق لا بدّ فيها من الطاهر والقذر، فإن أصاب طريقًا قذرة فسيصيب طاهرة، ولا بدّ من هذا، وهذا هو المراد من غير شك بدليل حديث الأشهلية: «هذه بهذه»، إذا ثبت هذا فحصرنا في ذلك مسائل: الأولى: إذا وطىء بخُفيه على أرواث الدواب فاختلف فيه قول مالك، فتارة قال: يغسل على أصل النجاسة، وتارة قال بذلك على حديث النعل، وحملاً على حديث الذيل إن كان لم يروٍ حديث النعل. الثانية: إذا وطىء بنعل، قال مالك: يدلكهما ويصلي فيهما لما تقدم من الوجهين، وقال ابن حبيب: لا يجزيه ذلك، لخفّة نزعهما، والأول أصح. الثالثة: إذا وطىء نجاسة بخُفِيه معًا وعذرة، لم يكن بُدُّ من الغسل، لأن ذلك في الطرق نادر، فإذا كثر صار كروث الدواب. الرابعة: إذا مشى حافيّا فوطىء برِجله ما وطىء بنعله، فإن كان عن شُحّ لم يجزه إلا الغسل، وإن كان عن عدم فهو كالخُفّ. الخامسة: ما يفيح على خُفّه وطىء نجاسة ولا ماء معه، قال مالك: يخلعهما ويتيمم، لأن النجاسة لا بدل لها، والوضوء له بدل التيمم المسند. قال مالك في سماع أشهب: مَن توضأ ثم مشى على موضع قذر جاف، قد وسع الله على هذه الأمة، وتلا: ﴿ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦] قلنا: وهذا يدل على أنه مضطر إليه، ولو كان له مندوحة عنه لم يكن بُدُّ من غسل رجليه، كرجل في بيته أطفال لا يمكنه الاحتراز عن نجاستهم، أو له طريق لا يمكنه العدول عنه، وما أشبهه فافهم. وقال أبو بكر بن اللباد: ذلك إذا مشى بعده على الأرض الطاهرة، لقوله في الورع: «يطهره ما بعده))، وهذا يدلّ على أنه لم يفهم معناه. وقال الربعي: أراد مالك أن الرجل يرتفع بسرعة قبل أن تنحلّ تلك النجاسة، وهذا لا يطابق التعليل الذي أشار عارضة الأحوذي/ ج ١/ م ١٣ ١٩٤ أبواب الطهارة / باب ١١٠ ١١٠ - باب ما جاء في التيمم [المعجم ١١٠ - التحقق ١١٠] ١٤٤ - حققنا أبو حفصٍ عَمْرُو بنُ عليّ الفَلاَّسُ حدّثنا يزيدُ بنُ زُرَنِعِ حدّثنا سعيدٌ عن قَتَادَةَ عن عَزْرَةً عَنْ سَعِيدِ بنِ عبد الرحمن بنِ أَبَزَى عن أبيه عن عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ: ((أن النبيِّ وَ﴿ أمرَهُ بِالتَّيَّهُمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ))(١). قال: وفي الباب عن عائشةً، وابن عباسٍ. قال أبو عيسى: حديثُ عَمَّارٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيّ عن عَمَّارٍ من غير وجه . وهو قولُ غير واحدٍ من أهل العلم من أصحاب النبيِ وَ﴿، منهم: عليٍّ، وعمَّارٌ، وابنُ عباسٍ، وغيرٍ واحد من التابعين، منهم: الشّغِيُّ، وعطاءٌ، ومكحولٌ، قالوا: التَّيَّهُمُ ضَرْبَةٌ للوجهِ والكفّيْنِ. وبه يقول أحمدُ، وإسحقُ. وقال بعضُ أهل العلم، مِنهم ابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وإبراهِيمُ، والحسنُ، قالوا: التيمم ضربةً للوجه وضربةٌ لليدين إلى المِرْفَقَيْن. إليه مالك رحمه الله من قوله: قد وسع الله على هذه الأمة وتلا الآية، وإنما العلة فيه ما ذكرناه من بعض ردّه والله أعلم. باب ما جاء في التيمم (عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بن ياسر: أن النبي* أمره بالتيمّم للوجه والكفّین). إسناده: من العجب في العلم والغريب في الحديث اتفاق أئمة الصحيح على حديث عمّار، مع ما فيه من الاضطراب والاختلاف، والزيادة والنقصان، ونص حديث ابن أبزى في الصحيحين. قال عبد الرحمن بن أبزى إن رجلاً أتى عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أجد الماء، فقال: لا تصلُ، فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم (١) الحديث رواه الدارمي (١: ١٩٠) وأحمد في المسند (٤: ٢٦٣) وأبو داود (١: ١٢٨) وابن الجارود (ص ٦٧) والبيهقي (١: ٢١٠). وانظر فتح الباري (١: ٣٧٥ - ٣٧٧). ١٩٥ . أبواب الطهارة/ باب ١١٠ وبه يقول سفيانُ الثوريَّ، ومالكٌ، وابْنُ المبارَكِ، والشافعيّ. وقد رُوِيّ هذا الحديثُ عن عمارٍ في التيممِ أنه قال: ((للوجه والكفَّيْنِ)) من غير و جه. وقد رُوِيَ عن عمَّارٍ أنه قال: ((تَّيَمَّمْنَا مع النبيِّ ◌َِّهِ إِلَى المَنَاكِبِ والآَبَاطِ)» (١). فَضَعَّفَ بعضُ أهل العلم حديثَ عمارٍ عن النبيِّ وَّ في التيمم للوجهِ والكفّينِ لَمَّا رُوِيَ عنه حديثُ المناكبِ والآباطِ. قال إسحقُ بن إبراهيمَ بنِ مَخْلَدِ الحَنْظَلِيُّ حديثُ عمارٍ في التيممِ للوجهِ والكفّينِ: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وحدِيثُ عمارٍ («تَيَمَّمْنَا مع النبيِّ وَّهِ إلى المناكبِ والآباطِ»: ليس هو بمُخَالِفٍ لحديثِ الوجْهِ والكفَّيْنِ، لأن عمارًا لم يَذْكر أن النبيّ وَلّ أمرهم بذلك، وإنما قال: ((فَعَلْنَا كذا وكذا، فلما سَأَلَ النبيَّ ◌َّهِ أمره بالوجهِ والكفيْنِ فانْتَهى إلى ما عَلَّمَهُ رسولُ اللهِوَ﴿: الوَجهِ والكفين، والدليلُ على ذلك: ما أفْتَى به عمارٌ بَعْدَ النبيِّ وَ﴿ في التيمم أنه قال: ((الوجهِ والكفّينِ)) ففي هذا دَلالَةٌ أنه انْتَهَى إلى ما عَلَّمَهُ النبيُّ ◌َّ فعلَّمه إلى الوجه والكفين. نجد ماء، فأما أنت فلم تصلٌ، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي وَلـ: ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك»، فقال عمر: اتّقِ الله يا عمّار، قال: إن شئت لم أَحدّث به، فقال عمر: نولك ما توليت. انفرد البخاري بقوله فيهما، وقال: الوجه والكفّين، وقال أبو داود: إلى نصف الذراع، وقال: والذراع إلى نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين. وقد روى أبو داود أن الغزوة كانت غزوة فَقْد عائشة عقدها، ورُوِيَ أيضًا أن ذلك إنما كان إذ عمر وعمّار في الإبل غازيين، ورُويّ أيضًا: فمسحنا وجوهنا وأيدينا إلى المناكب والآباط . فقهه: اختصر أبو عيسى في باب الحيض والتيمم أو قصر، فبحكم العارضة ما اقتصرنا نحن أيضًا، ولم يتعرّض أبو عيسى إلا لمسألة واحدة وهي حدّ التيمّم في اليدين، وعرضت لنا نحن لما سردنا الحديث مسألة أجريت، وهي عدد الضربات فصارت مسألتين. الأولى: في حدّ التيمّم. وقد اختلف العلماء فيه، ورُوِيّ عن ابن شهاب أنه إلى الآباط، ورُوِيّ عن ابن عباس: الوجه والكفّان، وبه قال مالك في الكتاب، وقال ابن رافع: فرضه الوجه (١) رواية التيمم إلى المناكب والآباط عند أبي داود والنسائي وابن ماجه. وانظر نصب الراية (١: ٨١). ١٩٦ أبواب الطهارة/ باب ١١١ قال: وسمعتُ أبا زُرْعَةٌ عُبيد الله بن عبدِ الكريم يقول: لم أرَ بالبصرة أحْفَظَ من هؤلاءِ الثلاثةِ: عليّ بن المَدِينِيِّ، وابنِ الشّاذَكُوني، وعَمْرو بن عَليَّ الفَلَأْسِ. قال أبو زُرْعةً: ورَوَى عَفَّانُ بنُ مسلمٍ عن عَمْرو بن عليَّ حديثًا. ١٤٥ - هذّثنا يحيى بنُ موسى حدّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ حدثنا هُشَيْمٌ عن محمدِ بنِ خالدِ القُرَشِيِّ عن داودَ بنِ حُصَيْنٍ عن عكرمةً عن ابن عباسٍ: «أنه سُئِلَ عن التيممِ؟ فقال: إنَّ الله قال في كتابه حينَ ذَكَرَ الوضوءَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقالَ في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فَكَانَتِ السُّنَّةُ في القَطْعِ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، يَعْنِي الْتَّهُمْ)). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. ١١١ - باب ما جاء في الرجل يَقْرَأْ القرآنَ على كُلِّ حَالٍ ما لم يَكِنْ جُنُبًا [المعجم ١١١ - التحفة ١١١] ١٤٦ - هقثنا أبو سعيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بن سعيدِ الأشْجُّ حدّثنا حفْصُ بنُ غِيّاتٍ وَعُقْبَةُ بنُ خالدٍ قالا: حدّثنا الأعْمَشُ وابنُ أبي ليلَى عن عَمْرِو بنِ مُرَّةَ عن عبد الله بن سَلِمَةً عن عليَّ قال: ((كان رسول الله﴿ يُقْرِتْنَا القُرْآنَ على كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنْبًا))(١) . واليدان إلى المرفقين، وللشافعي مثله قولان، ويقول ابن عباس: قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل والطبري الإمام: وبعد هذا أقوال لا يلتفت إليها إلا مقصّر في العلم، وقد توهّم بعض الجَهَلَة على من قال إن فرضه الوجه والكفّان بأنه حمل على ذلك القطع في الوجه، وقال: كيف نحمل عبادة على عقوبة؟ فبجهله نظر إلى ظاهر الحال، وخَفِيَ عليه في ذلك وجه الشجر في العلم، والذي قال في ذلك ابن عباس عند الموقف لكل عالِم ومتعلّم، ذكره أبو عيسى في هذا الباب فقال: سُئِلَ ابن عباس عن التيمم فقال: إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء: ﴿وأيديكم إلى (١) الحديث رواه أحمد في المسند (رقم ٦٢٧ و٦٣٩ و٨٤٠ و١٠١١ و١١٢٣ ج ١ ص ٨٣ و٨٤ و١٠٧ و١٢٤ و١٣٤) وأبو داود (١: ٩٠ - ٩١) والنسائي (١: ٥٢) وابن ماجه (١: ١٠٧) وابن الجارود (ص ٥٢ - ٥٣) والحاكم (٤: ١٠٧). ١٩٧ أبواب الطهارة / باب ١١٢ قال أبو عيسى: حديثُ عليّ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١). وبه قال غيرُ واحد من أهل العلم أصحاب النبي الغر والتابعين. قالوا: يَقْرَأُ الرجلُ القرآنَ على غير وضوءٍ، ولا يقرأُ في المُصْحَفِ إلاَّ وهو طاهرٌ. وبه يقول سفيانُ الثورِيُّ، والشافعيَّ، وأحمدُ، وإسحقُ. ١١٢ - باب ما جاء في البول يُصِيبُ الأرضَ [المعجم ١١٢ - التحفة ١١٢] ١٤٧ - حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ وَسَعِيدُ بنُ عبد الرحمنِ المخْزُومِيُّ قالا: حدّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةً عن الزهريّ عن سعيد بنِ المُسَيِّبِ عن أبي هُريرةً قال: دَخَلَ أعْرَابِيٌّ المَسْجِدَ، والنبيُّ ﴿ جَالِسٌ، فَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ قال: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلاَ تَرْحَمْ المرافق﴾ [المائدة: ٦] وقال في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ [النساء: ٤٣] وقال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨] فكان السُّنّة في القطع في الكفّين، فإنما هو الوجه والكفّان في التيمم، فهذه إشارة خبر الآية وترجمان القرآن، وكان كلام المتقدمين من قبل إشارة وبسطة أن الله حذد الوضوء إلى المرفقين فوقفنا عند تحديده، وأطلق القول في اليدين فحملت على ظاهر مطلق اسم اليد وهو الكفّان، كما فعلنا في السرقة، فهذا أخذ بالظاهر لا قياس للعبادة على العقوبة، وهذه هي العمدة. وأما مذهب ابن شهاب فساقط، لأن الصحابة كذلك فعلوا حتى تبيّن لهم حدّه فسقط غيره، وأما من قال: إلى المرفقين فحملاً على الوضوء، وأنه مطلق على مقيد من جنسه، وبدل موجب فعله في محل منزله، وأحاديث عمّار الصحاح قال فيه: إلى الوجه والكفين تتميم. قال الأوزاعي وإسحلق وأحمد والطبري: ضربة واحدة في التيمّم للوجه والكفّين، وقال الشافعي: ضربة للوجه وأخرى للذراعين، وفي كتاب ابن المواز: لو تيمّم بضربة واحدة أجزاء، وقال ابن نافع: يُعيد أبدًا، وقال ابن حبيب: يُعيد في الوقت، واختلفت الروايات في حديث عمّار هل كانت الضربة واحدة للوجه والكفّين أو ضربتين، وهل يمسح يديه قبل وجهه أو وجهه قبل يديه، ذكر ذلك في الصحيح أبو داود وجماعة، والصحيح في حديث عمار ضربة واحدة، والأكثر الابتداء بالوجه. باب في البول يصيب الأرض (سعيد بن المسيئب عن أبي هريرة قال: دخل أعرابي المسجد، والنبي مَيقر جالس، فصلّى، فلما فرغ قال: اللهمَّ ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فالتفت إليه (١) الحديث صححه الحاكم أيضًا ووافقه الذهبي. انظر أحمد في المسند (رقم ٨٧٢ ج ١ ص ١١٠). ١٩٨ أبواب الطهارة/ باب ١١٢ مَعَنَا أَحَدًا، فَالْتَفَتَ إليه النبيِّ ◌َ ﴿ فقال: ((لَقَدْ تحَجِّرْتَ وَاسِعًا»، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ بَالَ في المَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فقال النبي ◌ِّهِ: ((أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءِ»، ثُمَّ قال: ((إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسْرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرين))(١). ١٤٨ _ قال سعيدٌ: قال سفيانٌ: وحدّثنِي يحيى بنُ سعِيدٍ عن أنس بن مالكٍ نحوّ هذا(٢). قال: وفي الباب عن عبدِ الله بن مسعودٍ، وابن عباسٍ، ووائِلَةً بن الأسْفَعِ. النبي * فقال: لقد تحجّرت واسعًا، فلم يلبث أن بالَ في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي : أفريقوا عليه سَجْلاً من ماء، أو دلوًا من ماء، ثم قال: إنما بُعثتم مُيسّرين ولم تُبْعَثوا معسِّرين). إسناده: رواه أبو عبيد فقال ما فيه أن النبي # قال: ((لا تزرموه)»، وفي رواية أبي داود مرسلاً والدارقطني ومحمد بن إسحلق يروونه مسندًا أن النبي ◌َ﴾ قال: «خذوا ما بالَ عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء»، ولا يصح. غريبه: الرواية فيه ما رواه الدارقطني فقال: جاء أعرابي إلى النبي ◌ُّ شيخ كبير، فقال: يا محمد متى الساعة فقال له: ((ما أعددت لها))؟ فقال: لا والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام، إلا أني أُحب الله ورسوله، فقال: ((فأنت مع من أحببت»، قال: فذهب الشيخ فأخذه بول في المسجد، فمرّ عليه الناس فأقاموه: فقال رسول الله (ص18: (ادعوه، عسى أن يكون من أهل الجنة»، فصبّوا على بوله الماء فبيّن أن البائل في المسجد هو السائل عن الساعة المشهود له بالجنة. غريبه: فيه خمسة ألفاظ: الأول: قوله: (لقد تحجرت واسعًا) من الحجر وهو المنع، معناه: لقد اعتقدت المنع فيما لا منع فيه من رحمة الله، وإنما قلنا اعتقدت لأن تفعل لا يتعدّى الفاعل، فلا ينبغي أن يفسّر بقولهم: منعت، لأنه متعدّي، وحقّ المتعدّي أن يفسّر بالمتعدّى، واللازم باللازم. الثاني والثالث والرابع: سجل، ذنوب، دلو. فأما السجل في اللغة فهو الصب، يقال سجلت السحاب إذا صبت الماء، وسجلت على فلان ماء: صببته، وأصله من السجل وهو الدلو مؤنثة، والسجل مذكر، فإن لم يكن فيها ماء فليست بسجل، كما أن القدح لا يقال له كأس إلا إذا كان فيه ماء. يقال له: «لو سجيلة أي: ضخمة، وكذلك الذنوب: الدلو ملأى ماءً مثله، ولكنها مؤنثة، والغرب: الدلو العظيمة بإسكان الراء، فإن فتحتها (١) الحديث رواه أحمد في المسند (رقم ٧٢٥٤ ج ٢ ص ٢٣٩). ونسبه في المنتقى (١: ٥١ من نيل الأوطار) للجماعة إلا مسلمًا. (٢) حديث أنس رواه الشيخان وغيرهما، وانظر نيل الأوطار (١: ٥٣). ١٩٩ أبواب الطهارة/ باب ١١٢ قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عند بعض أهل العلم. وهو قولُ أحمد، وإسحقّ. فهو الماء السائل من البئر والحوض وغير ذلك أيضًا. الخامس: (لا تزرموه): في الحديث أن الحسن بالَ عليه فأخذ من حجره فقال: ((لا تزرموا ابني))، يقول: لا تقطعوا عليه بوله. والإزرام: القطع، وزرم البول إذا انقطع. رباعي. فقهه: إنما قال: ((لا تزرموه)، لأنه قد نجس موضعًا واحدًا، فإن أُقيم من موضعه لم يمكنه إمساك البول فينجس سواه، فكان تركه أولى، فإذا استقرت النجاسة في الأرض صبّ عليها من الماء ما يغمرها، ويستهلك البول منها بذهاب رائحته ولونه، وبه قال الشافعي وسائر فقهاء الأمصار. وقال أبو حنيفة كذلك: إن كانت الأرض رخوة، فإن كانت صلبة لم يجز إلا حفر الأرض ورميها، وبناه على أصله في أن الماء المُزال به النجاسة نجس، فإذا بقي على وجه الأرض ولم ينزل فيها نجسها، وقد بيّنًا فساد هذا القول فيما تقدم، بأن تعلقوا بأن النبي مَ للز حفر بول الأعرابي، قلنا: لم يصح، قد ذكره أبو داود عن عبد الله بن معقل بن مقرن عن النبي و 8 *، ثم قال: هو مرسل، لأن عبد الله بن معقل لم يلقّ النبي ◌َ﴾، ولنا في المراسيل قول بيّنّاه في أصول الفقه، وتحقيق مذهب مالك أنه لا تقبل إلا مراسيل أهل المدينة، ويتفرّع على ذلك مسائل حضرنا منها الآن ست مسائل: الأولى: أن تطهير الأرض النجسة بالماء جائز حاصل، وقال المروزي: لا تطهر إلا بأن تحفر، أو يجعل على ظاهرها تراب طاهر فتصير النجاسة باطنة، وهذا تعويل على حديث الحفر وهو ضعيف، ولولا طهارتها بالماء ما كان لأمر النبي و9 بصب الذنوب عليه فائدة. الثانية: ليس للذنوب تقدير، وإنما هو بحسب غلبة الماء وغمرة النجاسة واستهلاكها فيه. الثالثة: إذا بال رجلان في موضع كفى ذنوب من ماء واحد، وقال الأنماطي والإصطخري: لكل رجل ذنوب، وهذا باطل لوجهين: أحدهما أن المفهوم من الحديث إهلاك النجاسة بغمر الماء، والثاني أن هذا يؤدي إلى أن تكون النجاسة الكثيرة تطهر لمقدار لا تطهر به النجاسة القليلة، مثاله: رجل بالَ بَولَة كثيرة أجزأه دلو، ويبول اثنان بولتين لا يبلغ نصف تلك الْبَولَة فلا تطهر إلا بدلوين، وما أدّى إلى هذا كان فاسدًا. الرابعة: لو انهرق على الموضع ماء، أو جاء عليه مطر طهر، لأن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى القصد، وقد توهم بعضهم على ابن شريح أنه قال: إن إزالة النجاسة تفتقر إلى النيّة، وما قاله قطّ، قاله الإمام أبو المعالي، وإنما أخذوا هذا بما قال من مسألة قالها، وهي: إذا رمى الريح ثوبًا نجسًا في قدر صباغ نجس القدر، ولم يطهر الثوب، وذلك ليس لافتقار النجاسة إلى ٢٠٠ أبواب الطهارة/ باب ١١٢ وقد رَوّى يونسُ هذا الحديثَ عن الزهريِّ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ عن أبي هريرةٌ(١). آخرُ كتابٍ الوضوءِ النّة، وما هو لأجل أن الثوب النجس الواقع في القدر نجاسة منجسة للقدر، وإذا نجس بوقوع الثوب فيه حكم بنجاستهما جميعًا. الخامسة: لو جفّفته الشمس لم يطهر في مشهور المذهب، وبه قال جديد الشافعي وأحمد وإسحق، وقال في قديمه وأبو حنيفة وبعض المذهب: يطهر، ومعتمدهم على أن الشمس تحيل الأرض وهي دعوى عريضة، ودليلنا أنه محل نجس فلا يطهّره إلا الماء، كالثوب والبدن. السادسة: لو كان بدل البول خمر وغمرت بالماء كالبول، فإن زالت رائحتها ولونها طهر المحل، وإن زالت الرائحة وبقي اللون لم يطهر، وإن بقيت الرائحة وزال اللون فاختلف في ذلك بعض العلماء كما تقدم، قيل: لا يطهر، لأن بقاء الرائحة كبقاء اللون، وقيل: يطهر، لأن الرائحة تحبق، ألا ترى أن لا يتغير الماء بريح الميتة المجاورة وإن تخالط، وخالفت بذلك اللون والله أعلم. وآدابه فيه اليسر والرفق الذي عليه مدار السياسة، وهو باب الاستصلاح وأساس القبول للتوصية . (تم كتاب الطهارة) (١) رواه أحمد (رقم ٧٧٨٦ و٧٧٨٧ ج ٢ ص ٢٨٢).