النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
أبواب الطهارة/ باب ٦٢
وقد تَكَلِّمَ بعضُ أهلِ الحديث في محمد بن جابرٍ وَأَيُّوبَ بنِ عُتْبَةً.
الثالثة عشر: إذا مسّ ذَكّر ميت، قال الشافعي: ينتقض وضوؤه، وقال إسحاق: لا ينتقض،
والمسألة مبنية على الحديث الضعيف الذي قدّمنا، وكذلك الثالثة عشر وهو إذا مسٌ ذَكَرَه
مقطوعًا.
الرابعة عشر: إذا مس موضع القطع، قال الشافعي: يجب عليه الوضوء، لأنه جزء منه،
وليس يصح هذا بحال غريبة ولا حقيقة.
الخامسة عشر: إذا مسّ دُبُره انتقضت طهارته في جديد الشافعي، وقال مالك: لا ينتقض،
وعوّل الشافعي على الحديث المروي عن أم حبيبة: ((مَن مسّ فرجه فليتوضأ)، هذا عامّ في القُبُل
والدُّبُر، وقال حمديس: إذا قلنا إن الوضوء ينتقض بمس فرج المرأة نقضناه بمس الرجل دبره،
وليت حمديس لم يتفوّه بهذه الضعفة، وبطلانه بأنه لا جامع بينهما من علّة، لأنه ليس بموضعها
ولا من شبه، وقد جهل المنزع وخَفِيَ عليه الحديث.
السادسة عشر: إذا مسٌ دبر غيره فهي من مسألة لمس النساء، فإن اعتبرت اللذّة في لمس
النساء ولحق بمس الرجل به، كانت مسألة مس ذَكّره.
السابعة عشر: إذا مسّ أُنثبيه، قال غيره: ينتقض وضوؤه، لما جاء في الحديث: (مَن مس
ذكّره أو أنشبيه فعليه الوضوء، ولم يصحّ، ولا يدخل في حديث الفرج، لأن الأنثيين ليستا بفرج،
وحقيقة الفرج الشق، ولو انتقض الوضوء بمس الأنثيين لانتقض بمس العانة وطرف الإلية من
جهة الدُّبر.
الثامنة عشر: إذا مسته فوق حائل فيه ثلاثة روايات: لا ينتقض الوضوء بحال، الثانية ينتقض
بكل حال، الثالثة ينتقض إن كان خفيفًا، وهذا لا يصحّ إذا اعتبرنا اللذّة، فينتقض الوضوء مع رقة
الحائل، لأنه مسٌ في العادة، فأما إذا كان كثيفًا فلا تطهر فيه بحال، ولو اعتبرنا اللذّة فهي لذّة
من غير لمس، وكيف تعتبر اللذّة وليس لها في الحديث أثر ولا دليل؟
التاسعة عشر: إذا مسّت المرأة فرجها، قال مالك: لا وضوء فيه، وما سمعته إلا في
الذكر. وقال عنه غيره: فيه الوضوء، وقال ابن أبي أُويس: إذا أنطفت توضأت، ووجه حديث أم
حبيبة: ((مَن مسَ ذَكّره فليتوضأ)) فرجه، وهذا عام في الرجال والنساء. وجه الثالثة اعتبار اللذّة،
وعليه حملت رواية اعتبار اللذّة في مس الذّكر، وليس للذّة كما قدمناه في الخبر أثر.
الموفية عشرين: قوله: إذا أنطفت، يريد: التذْت، وقيل: وصلت إلى موضع لطيف،
وهذا الباطن.
الحادية والعشرون: إذا مسّت المرأة ذَكَر الرجل مثل ما إذا مس الرجل فرج المرأة.

١٠٢
أبواب الطهارة/ باب ٦٢
وحديثُ مُلاَزِمٍ بنِ عَمْرٍو عن عبدِ اللهِ بنِ بَذْرٍ أَصَحُّ وَأَحْسَنُ (١).
الثانية العشرون: إذا مسّ فرج بهيمة، فللشافعي في ذلك قولان، ووجه الوضوء أن ذلك
عضو يتعلق الحدّ بوطئه، فتنتقض الطهارة بمسّه كالموضع من المرأة، وهذا شبه ضعيف لا يقوى
باعتبار اللذة، فتفطنوا له.
الثالثة والعشرون: إذا مسّ ذكّره دون طهارة ففي ذلك خمس روايات: الأولى: استحب
مالك في المجموعة الإعادة في الوقت. الثانية: قال: الوضوء فيه حسن، وليس بسُنّة، فعلى
هذا الإعادة. وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقال غيره عنه: إيجازه الوضوء ضعيف. الثالثة:
قال ابن نافع: يُعيد أبدًا. الرابعة: قال ابن حبيب: إن كان عامدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا
أعاذ فني الوقت: الخامسة: قال سحنون: لا يُعيد صلاة يومين ويُعيد ما دونها. قال القاضي
أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: وهذا ينبني على تعارض الأدلة، فإذا صلح بحديث وحمل
على ظاهره أوجب الوضوء أبدًا، ومَن قَوِيَ عنده أصل الخبر، وضعف نصه بطريق الاحتمالات
المتقدمة إليه قال بحُسْن رفع الاحتمال بالوضوء، ومَن نفى الإعادة ضعف أصل الخبر ولفظه
بالاحتمال الذي فيه وبما يعارضه، ومَن قال: يُعيد ما قلّ دون ما كثر بناه على الاحتياط،
ووجود المشقّة، وعدمها، وهذه حال أهل الاجتهاد، والمقلّد يقف على شيء واحد، وبالله
التوفيق.
الخامسة والعشرون: إذا مسْه خنثى ذَكّره، قلنا بانتقاض الوضوء بالشك، انتقض وضوؤه
لاحتمال أن يكون رجلاً، وكذلك إن مس فرجه، وهي:
السادسة والعشرون: مثله في الفتوى أو التوجيه.
السابعة والعشرون: إذا مسْ أحدهما وصلّى، ثم توضأ ومسّ الآخر وصلّى، قلنا بوجوب
الوضوء، فإحدى صلاتيه باطلة قطعًا، فكيف يفعل؟ قال: فيه احتمالان: أحدهما: أنه يُعيد،
كخن فاتته صلاة من صلاتين لا يعيدهما، فإنه يصلّيهما معًا. الثاني: أنه لا يعيدهما، لأن كل
صلاة تمّت بصفتها على اجتهادهما، فلا تُعاد، كما لو صلّى أربع صلوات بأربع اجتهادات إلى
أربع جهات، فإنّا نعلم أن ثلاث صلوات باطلة قطعًا، ولا يُعيد واحدة.
١٨ ٠ الثامنة والعشرون: إذا مسّ أحدهما وصلّى، ثم مسّ الآخر وصلّى، فالآخرة باطلة بكل
حال+
التاسعة والعشرون: إذا مسّ رجل فرج خنثى، انتقض وضوؤه بكل اعتبار على بناء ما
تقدم،
(١) حديث طلق من طريق ملازم حديث صحيح. انظر ابن حزم في المحلى (١: ٢٣٩).

١٠٣
أبواب الطهارة/ باب ٦٢
الموفية ثلاثين إن مس أحدهما ذكّر الآخر فينتقض وضوؤه، لأنه إن كان امرأة فقد
حصلت الملامسة، وإن كان رجلاً فقد مس ذكّر غيره، هذا على اعتبار المسألتين المتقدمتين:
إحداهما: أن الشك يُوجب الوضوء، الثانية: أن مس ذكّر الغير ينقض الوضوء.
الحادية والثلاثون: أن يمسّ الفرج، فإن كان امرأة انتقض وضوؤه، وإن كان رجلاً لم
ينتقض وضوؤه إلا أن يعتبر الشك على الثلاثة الأقوال المتقدمة.
الثانية والثلاثون: امرأة مسّت فرج خنثى، فحكمها حكم ما تقدم، يبنى عليه .. أمالة
الثالثة والثلاثون: مسّت فرجه، فإن كان امرأة انتقض وضوؤها، وإن كانُ رَجَلَالعقد
حصلت الملامسة .
الرابعة والثلاثون: مسّت ذكّره لم ينتقض وضوؤها، لاحتمال أن تكون امرأة ، فقد منهج
خلقة زائدة، وابْنٍ على الاعتبار الشك ورذه.
الخامسة والثلاثون: خنثى مسّ ذَكَر رجل انتقض وضوء الماس، لأنه إن كان امرأة فقد
انتقض بالملامسة، وإن كان رجلاً فقد مسّ ذكّر غيره، فيكون الحكم ما تقدم.
السادسة والثلاثون: خنثى مس فرج امرأة، فإن كانت امرأة قلنا بانتقاض المرأة بمس فرج
الأخرى انتقض الوضوء، وإن كان رجلاً فقد مس فرج امرأة، فينتقض الوضوء من باب
الملامسة، واعتبر اللذة أيضًا فيما يردّ عليك من هذا التفريع إثباتًا ونفيًا، فركبه على ذلك، وه!) !!
السابعة والثلاثون: خنثى مس فرج خنثى انتقض وضوء الماس، واعتبر في الممسوس
اللذة، فإن التذّ انتقض وضوؤه وإلا فلا، على إلغاء الشك.
الثامنة والثلاثون: خنثيان تماسًا في الفرجين، انتقض وضوؤهما لما تقدم.
التاسعة والثلاثون: خنثيان تماسًا في الذكر، فإن كانا امرأتين فلا وضوء، وإن كانا رچلين
فعلى كل واحد منهما الوضوء، وإن كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة فعلى أحدهما الوضوء؛
فاعتبر الأصلين: الشك وبمس ذكّر الغير، أو الغهما وابن الحكم على ذلك كله.
,أمة .عيد
الموفية أربعين: خنثيان تماسًا، مس هذا قبل هذا، ومسّ الآخر ذكر هذا، فإن الغيط الشك
لم يجب وضوء، لاحتمال أن يكون القُبُل ثقبة زائدة والذّكر عضو زائد، فإن قلنا فَإعمال الشلك
وجب الوضوء. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: إنما مردّنا النفس في هذن
البابين، ليجعل ذلك في التخريج على حديث الشك وحديث مسّ الذّكر من سائره: الأبواب
والأحاديث، فاستقرأوا ذلك وتعلّموه إن شاء الله.

١٠٤
أبواب الطهارة / باب ٦٣
٦٣ - باب ما جاء في تَرْكِ الوضوء من القُبْلَة
[المعجم ٦٣ - التحفة ٦٣]
٨٦ - حقثنا قتيبةُ، وهنَّادٌ، وأبو كُرَيّبٍ، وأحمدُ بن مَنِيعٍ، ومحمودُ بن غَيْلاَنَ،
وأبو عَمَّارِ الحسينُ بنُ حُرَيْثٍ قالوا: حدّثنا وَكِيعُ عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت
عن عُرْوَةَ عن عائشةً: (أنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَبْلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصلاةِ وَلَمْ يَتَوَضْأ.
قال: قُلْتُ: مَنْ هِيَ أَنْتِ؟ قَالَ: فَضَحِكَتْ))(١).
قال أبو عيسى: وقد رُوِيّ نَحوُ هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب
النبيّ ﴿ والتابعين. وهو قولُ سفيان الثوريَّ وأهل الكوفة، قالوا ليس في القبلة وضوءٌ.
وقال مالك بن أنسٍ والأَوْزَاعِيُّ والشافعي وأحمد وإسحقُ: في القبلة وضوءٌ، وهو
قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيّ ◌َاغر والتابعين.
باب ترك الوضوء من القُبلة
(حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة: أن النبي ◌َّهَ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى
الصلاة ولم يتوضأ. قال: قلت: من هي إلا أنت؟ قال: فضحكت).
الإسناد: هذا الباب ليس فيه عن النبي 18 كلمة تصحّ، وأما مستند أدلة القرآن فبالآثار
الواردة من الصحابة رضي الله عنهم.
الأحكام: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: الوضوء من القُبلة
والملامسة، قاله أبو حنيفة، وصحّ عن عمر في القُبلة، وعن ابن عباس مطلقًا في الملامسة،
الثاني: على الملامس الوضوء مطلقًا، قاله الشافعي: الثالث: إن التذّ بالملامسة وجب عليه
الوضوء، قاله مالك والصحابة في الجملة. وقد مهدنا هذه المسألة في كتاب أحكام القرآن وفي
مسائل الخلاف بما فيه بلاغ، فلينظر هنالك، والكافي هلهنا. من العارضة أن الأخبار إذا لم يكن
فيها ما يُعَوّل عليه، ففي أصل الدين - وهو القرآن - بلاغ لمَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو
شهيد. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾
[المائدة: ٦] الآية إلى قوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ قرىء: أو لمستم، وقرىء: أو لامستم، فنظر
الناس إلى القراءتين وإلى المعنى في اللفظين، فقال ابن عباس: إن الله حيٍّ كريم، يعفو ويكتّي،
(١) رواه أبو داود (١: ٧٠)، وابن ماجه (١: ٩٣ - ٩٤)، والطبري في التفسير (٥: ٦٧)، وأحمد في
المسند (٦: ٢١٠). ورواه الدارقطني (ص ٥٠ و٥١).

١٠٥
أبواب الطهارة/ باب ٦٣
وإنّما تَرَكَ أصحابُنَا حديثَ عائشة عن النبي ◌ََّ في هذا لأنه لا يَصِحُ عندهُمْ، لِحَالٍ
الإسناد .
قال: وسمعتُ أبا بكرِ العطّارَ البصريَّ يَذْكُرُ عن عليّ بن المدينيّ قال: ضَعَّفَ
يحيى بنُ سعيد القَطَّانُ هذا الحديث جدًّا، وقال: هو شِبْهُ لا شيءٍ(١).
قال: وسمعتُ محمد بن إسماعيلَ يُضَعْفُ هذا الحديثَ، وقال: حبيبُ بن أبي
ثابتٍ لم يَسْمَغْ من عروة.
وقد رُوِيَ عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ عن عائشة: ((أنَّ النَّبِيَِِّ﴿ قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)(٢).
وهذا لا يصحّ أيضًا، ولا تَعْرِفُ لإبراهيمَ التَّيْمِيِّ سماعًا من عائشة.
وليس يصحُّ عن النبي8ِّ 1 في هذا البابِ شيءٌ.
كتّى بالمس عن الجماع، وحمل الآية على ذلك، وأسقط اللمس المطلق منها. وقال ابن عمر
وابن مسعود وهو كوفي: قُبلة الرجل امرأته من الملامسة، ومَن أشكل المسائل المتعلقة بالقرآن
والحديث ما اختلفت الصحابة في تأويلها، مع أنهم العرب الفصحاء، والبلغاء اللسن، وغاية
النظر في ذلك الترجيح، فنشير إليه من ثلاثة أوجه: الأول: أن الحقيقة الإطلاق في الأمس:
يتناول المس باليد والقُبلة والجماع، فلا يرجع عن هذه الحقيقة إلى الكناية إلا بدليل ظاهر يرد
ذلك. الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿أو لامستم النساء﴾ في جملة الأحداث، ثم قال: ﴿وإن كنتم
جُنْبًا﴾ فاقتضى اللفظ الأول لمسًا يوجِب الوضوء، واقتضى قوله جُنُبًا سبيًا يوجب الغسل، وإلا
فكان يكون تكرارًا. ثالثها: أنّا نجعل القراءتين كالآيتين أو الخبرين، فيكون قوله: أو لمستم
النساء يقتضي بعض الوضوء بالقُبلة، ومس اليد، والجسم للجسم، ويكون قوله: ﴿أو لامستم﴾
خبرًا عن الوطء، فإن قيل: ففي الصحيح أن عائشة افتقدت النبي18 ليلة، فوقعت يدها على
أخمصي قدميه وهو ساجد الحديث، واستمر النبي # على سجوده ولم يقطع صلاته، فدلّ على
أن ذلك لم يؤثّر في وضوئه، قلنا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن لمسها له كان على حائل، أو
يكون النبي * لم يشعر به لاشتغاله بعبادته، وعندنا لا يجب الوضوء بذلك، على أنكم قلتم إن
الماس يلزمه الوضوء، ولا يلزم الملموس، فيكون الخبر من هذا الوجه خارجًا عن دليلكم
ومقصدكم. وتمام القول على الاستيفاء في ذلك حيث أشرنا إليه والله أعلم.
(١) انظر الدارقطني (ص ٥١).
(٢) حديث إبراهيم التيمي عن عائشة رواه أحمد (٦: ٢١٠) وأبو داود (١: ٦٩) والنسائي (١: ٣٩)
والدارقطني (ص ٥١ - ٥٢) عن عائشة.

١٠٦
أبواب الطهارة / باب ٦٤
بالعن٠٠
٦٤ - باب ما جاء في الوضوءِ من القَيْءٍ وَالرُّعافِ
[المعجم ٦٤ - التحفة ٦٤]
سفعة ٨٧ - هقثنا أبو عُبَيْدَةَ بنُ أبي السَّفَرِ، وهو أحمدُ بنُ عبد الله الهمداني الكوفي
وإسحلقُ بنُ منصُور، قال أبو عُبَيْدَةَ: حدّثنا، وقال إسحقُ: أخبرنا عبدُ الصمَدِ بنُ
عبد الوارث حذّثني أبي عن حُسَيْنٍ المعَلِّم عن يحيى بن أبي كثير قال: حدّثني
غَبْدُ الرَّحْمِنِ بنُ عَمْرِو الأَوْزَاعِيُّ عن يعِيشَ بن الوليدِ المَخْزُومِيِّ عن أبيه عن مَعْدانَ بن
أبي طَلْحَةً عن أبي الدَّرْدَاءِ: ((أنَّ رسول اللهِ وَّهِ قَاءَ فَأَقْطَرَ فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدٍ
دِمِشْقَ، فَذْكَرْتُ ذْلِكَ لَهُ، فقال: صَدَقَ، أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ))(١).
قال أبو عيسى: وقال إسحقُ بنُ منصورٍ: «مَعْدَانُ بنُ طَلْحَةَ)).
قال أبو عيسى: و(«ابنُ أبي طَلْخَةَ» أُصَحُ.
بسمة ب قال أبو عيسى: وقَدْ رَأَى غيرُ واحدٍ من أهل العلم من أصحاب النبيِّ بَّر وغيرهم
هَج ◌َالتَّافِقِينَ﴾ الوضوءَ من القيءِ والرُّعَافِ. وهو قولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وابنِ المبارَكِ وأحمدَ
ـيسسليحية
باب الوضوء من القيء والرعاف
!: " ◌َالٌ القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: قد تقدمت الإشارة إليه في أثناء نواقض
الوضوء، وبيّنًا أنه لا ينقض الوضوء إلا خارج معتاد من مخرج معتاد، خلافًا للشافعي، وخلافًا
لأبي حنيفة أيضًا، يقول إن كل خارج نجس من البدن من أيّ موضع خرج ينقض الوضوء،
متعلقًا بأنه خارج نجس، وال عليل للدم ونحوه ينقض الوضوء، أصله البول والغائط، ومعوّلاً على
مجدّيث أبي الدرداء، وتميم الداري، وغيرهما: أن النبي ◌َالفر قاء فأفطر، وقال ثوبان: إني صببت
له وضوءه. والوضوء المصبوب له هو وضوء النظافة لا وضوء العبادة، وقد بيًّا فيما سلف قطع
(١) الحديث رواه أحمد في المسند (٥: ٢٧٦، ٦: ٤٤٣). ورواه الدارمي في سننه (٢: ١٤). ورواه الطحاوي
. (١: ٣٤٧ - ٣٤٨) والحاكم (١: ٤٢٦) والدارقطني (ص ٥٧ - ٥٨) وابن الجارود (ص ١٥)
والبيهقي (١: ١٤٤). ورواه أبو داود (٢: ٢٨٣) والدارقطني (ص ٥٨ و٢٣٨) والطحاوي
(١: ٣٤٨) والبيهقي (٤: ٢٢٠)، وكذلك أحمد في المسند (٥: ١٩٥ و٢٧٧ و٦: ٤٤٩). وانظر
(-م الشوكاني (١: ٢٣٥)، وابن حزم في المحلى (١: ٢٥٨). ورواه أيضًا الطيالسي (رقم ٩٩٣)،
والطحاوي (١: ٣٤٨)، والبيهقي (٤: ٢٢٠).
-.

١٠٧
أبواب الطهارة/ باب ٦٥
وقال بعضُ أهل العلم: ليس في السيءٍ والرعاف وضوءٌ. وهو قولٌّ مالك
والشافعيّ.
وقد جَوَّدَ حسينّ المُعلِّمُ هذا الحديث.
وحديثُ حسينٍ أصحُّ شيء في هذا الباب.
ورَوَى مَعْمَرٌ هذا الحديثَ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ فَأَخْطَأَ فيه، فقال: ((عن يَعِيشَ بن
الوليد عن خالد بن مَعْدَانَ عن أبي الدِّزدَاء)» ولم يَذْكُرْ فيه «الأَوْزَاعِيِّ)) وقال: « عنّ
خالدِ بنِ معدانَ)) وإنَّمَا هو «مَعْدَانُ بنُ أبي طلحة))(١).
٦٥ - باب ما جاء في الوضوء بالنّبيذ
[المعجم ٦٥ - التحفة ٦٥]
٨٨ - حدثنا هَنَّدٌ حدّثنا شَرِيكٌ عن أبي فَزّارَةً عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود
قال: (سَأَلْنِي النبيِّ:﴿: مَا فِي إِذَاوَتِكَ؟ فقلتُ: نَبِيذٌ. فقال: تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ.
قال: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ)(٢).
الجوراح النجسة عن البول والغائط بمناقضات أبي حنيفة ومعارضاته، فيبطل بمرامه. والغسائبة
تك ريله
٠
خلافية بيتّاها في موضعها.
,،
٤٨٠٠٠
باب الوضوء بالنبيذ
(أبو فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود قال: سألني النبي #1: ما في إدارتك؟
الف هيدحيه
فقلت: نبيذ. فقال: تمرة طيبة وماء طهور. قال: فتوضأ منه) ضعيف.
الإستاد: اختلف الرواة في هذا الحديث، فمنهم من ردّه وهو: البخاري ومسلم، ومنهمْ منُّ رواه
وهو: أبو داود والترمذي. وقال يحيى بن معين: أبو غزارة هو ثقة، راشد بن كيسان العبسي
الكوفي. وقال الترمذي: أبو زيد مجهول، وقال غيره: أبو زيد مولى عمرو بن حزينة رومى
عنه راشد بن كيسان وأبو روق، وروى عن أبي فزارة الثوري، وعلي بن عباس، وَجَعُفْرِ بْن
فرقان، وجرير بن حازم، وإسرائيل، وشريك. ورواه ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج، عن
حنش، عن ابن عباس، عن ابن مسعود أنه أتى النبي * ليلة الجنّ بنبيذ، فتوضأ به وقال:
(١) انظر مند أحمد (٦: ٤٤٩).
(٢) الحديث رواه أبو داود (١: ٣٢) وابن ماجه (١: ٧٩).

١٠٨
أبواب الطهارة/ باب ٦٥
قال أبو عيسى: وإِنَّا رُوِيّ هذا الحديثُ عن أبي زيد عن عبد اللَّهِ عن النبيّ واْ ﴾.
وأبو زيد رجلٌ مَجْهُولٌ عند أهل الحديث، لاَ تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ غيرُ هذا الحديث.
وقد رَأى بعضُ أهل العلم الوضوء بالتّبيذِ، منهم: سفيانُ الثوريُّ وغيرُهُ.
شراب طهور. ورواه أيضًا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود.
وأحاديث ابن مسعود الصحاح خالية من هذا، فالأمر مشهور في ردّ الحديث وضعفه. وقد روى
الحسين بن عبد الله العجلي هذا الحديث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن
مسعود، ورواه فلان بن غيلان عن ابن مسعود. ويقال إن أبا فزارة كان نبّاذًا بالكوفة، وكان أصل
هذا الحديث أن النبي # قال لابن مسعود: ما في إداوتك؟ قال: نبيذ، قال: تمرة طيبة وماء
طهور، فزاد هو فيه، فأخذه فتوضأ به لينفق سلعته. وقال الدارقطني: علي بن زيد وابن يزيد
ضعيف، وفلان بن غيلان قيل: اسمه عمرو، وقيل: عبيد الله بن عمر بن غيلان، وهو
مجهول. وقد رُوِيّ أصحّ من هذا أن النبي 18# لم يكن معه ابن مسعود ليلة الجن، ورُوِيَ أنه
كان معه، والقولان مخرّجان، لأنه صحبه في البعض واستوقفه، ونفذ النبي 9 إليهم حتى عاد
إليه. وقد رواه أبو داود فقال فيه: عن زيد، أو ابن زيد.
الأحكام: في مسألتين.
الأولى: لا يخلو إما أن يكون النبيذ بما نبذت فيه تمرات ليحلو بغير لونه، وبقي أمياعه،
أو يكون مطبوخًا. فأما الأولى فهي مسألة الماء المغيّر بالشيء الطاهر إذا خالطه. والمخالطة لهما
على ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه في صفتيه معًا، وهي الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيّره لم
يسلبه شيئًا، لأنه موافق له، وغرب يخالفه في صفتيه جميعًا، وهي الطهارة والتطهير والنجاسة،
فإذا خالطته فغيّره سلب الصفتين جميعًا اللتين تخالفه فيهما، وضرب يخالفه في إحدى الصفتين
وهي التطهير، ويوافقه في الصفة الأخرى وهي الطهارة، فإذا خالطه فغيره لم يسلبه إلا ما خالفه
فيه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يتوضأ به، إلا أن يكون مطبوخًا كالباقلاء، فيخرج إلى
حذ الإدام. والمعوّل في المسألة على ظاهر القرآن، فإن الله تعالى قال: (وأنزلنا من السماء ماء
طهورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، والماء يكون في تصفيته ولونه وطعمه، فإذا خرج عن إحداها لم يكن
ماء. فإن قيل: فإذا تغيّر بقراره وما لا ينفك عنه، قلتم: يجوز الوضوء به، وقد تغيّر عن صفة
المائية، قلنا: قاعدة الشريعة أن ما لا ينفك عنه لا يساوي ما يمكن الانفكاك عنه، وذلك كثير
في الأصول، ومنه الكبائر: لمّا كان المرء يمكنه الانفكاك عنها أثّرت في عدالته إذا وجدت منه.
والصغائر لما كان المرء لا یمکنه الانفكاك منها لم تؤثر في عدالته إذا وجدت منه.
الثانية: فإن كان النبيذ مطبوخًا مشتدًا فلا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الوضوء به، حتى
جاز من أبي حنيفة، فرُوِيّ عنه فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يتوضأ به. الثاني: أنه يتوضأ به
ويتيمم، وقاله محمد من أصحابه، وفي رواية: أنه يتوضأ بالمُسكِر عند عدم الماء في السفر،

١٠٩
أبواب الطهارة/ باب ٦٦
وقال بعضُ أهل العلم: لا يُتوضأُ بالتّبيدِ، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمد وإسحقّ.
وقال إسحاقُ: إن ابتُلِيَ رجلٌ بهذا فتوضأَ بِالنَّبِيذِ وتيممَ أحَبُ إلَيَّ.
قال أبو عيسى: وقولُ مَنْ يقول: ((لا يُتَوَضَّأُ بالنبيذ)): أقربُ إلى الكتابِ وَأَشْبَهُ،
لأن اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءٌ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣؛ المائدة: ٦].
٦٦ - باب في المَضْمَضَة من اللَّبَنِ
[المعجم ٦٦ - التحفة ٦٦]
٨٩ - حدثنا قتيبةُ حدثنا الليثُ عن عُقَيلِ عن الزُّهْرِيّ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ عن
ابْنِ عباسٍ: ((أنَّ النبيَِّ﴿َ شَرِبَ لَبْنَا فَدَعَا بِمَّاءٍ فَمَضْمَضَ، وقال: إنَّ لَهُ دَسَمًا))(١).
وهذه أقوال ضعيفة، لأن الله عزّ وجل يقول: ﴿فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾
[النساء: ٤٣]، فلم يجعل الماء والتيمم واسطة، وهذه زيادة على ما في كتاب الله عزّ وجل،
والزيادة عندهم على النص نسخ، ونسخ القرآن عندهم لا يجوز إلا بقرآن مثله، أو بخير متواتر،
ولا ينسخ الخبر الواحد إذا صحّ، فكيف إذا كان ضعيفًا مطعونًا فيه؟ فإن تكلمنا على نجاسته بما
فيه من الشدة المطربة، ظهر عليهم الكلام جدًّا، والتحق بالخمر.
الثالثة: قال علماؤنا: القياس عليهم، الخبر ليس لهم لعدم الصحبة، فلم يبق في المسألة
وجه يلتفت إليه.
باب المضمضة من اللبن
ذكر حديث ابن عباس (أن النبي مل﴾ شرب لبنًا فدعا بماء فتمضمض، وقال: إن له دسمًا).
الإسناد: الحديث صحيح، مروي من طرق في الصحاح. والدسم في اللغة: هو ما سدل
من أجزاء الطعام، أو الودك بيد الإنسان، فيحدث تغيّر الرائحة، والثدس بالنتن، وذلك مكروه
شرعًا، والنظافة محبوبة شرعًا محثوث عليها دينًا، فلذلك استحبّها العلماء ولم يوجبوها، إلا أن
تكون غالبة من صناعة، أو ملازمة شعث، فتكون إزالتها واجبة، والخروج عن الجماعة لأجلها
فرض، كالثوم والبصل يأكلهما المرء، وكصناعة القصاب والخناق يلازمها، فيحدث منها عليه ما
يضرّ به جليسه، فيمنع من الجماعات المشروعة والمساجد المعطيّبة، لأن لا تتأذى الملائكة
(١) قال الحافظ في الفتح (١: ٢٧٠) هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الخمسة، وهم: ((الشيخان
وأبو داود والنسائي والترمذي عن شيخ واحد، وهو قتيبة)).

١١٠
أبواب الطهارة/ باب ٦٧
قال: وفي الباب عن سَهْلِ بن سعد السَّاعِديِّ، وأُمّ سَلّمَةً.
قال أبو عیسی: وهذا حدیثُ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رأى بعضُ أهل العلم المضمضةً من اللبَنِ، وهذا عندنا على الاستحباب. ولم
يَرَ بعضُهم المضمضةً من اللبن.
٦٧ - باب في كَرَاهَةِ رَدّ السَّلاَمِ غَيْرَ مُتَوَضَىءٍ
[المعجم ٦٧ - التحفة ٦٧]
٩٠ - هقدنا نَصْرُ بنُ عليٍّ ومحمد بنُ بَشّارٍ قالا: حدّثنا أبو أحمد محمدُ بنُّ
عبد الله الزُّبَيْرِيُّ عن سفيان عن الضَّحَاكِ بن عثمانَ عن نافع عن ابن عُمَرَ: ((أنَّ رَجُلاً سَلَّمَ
على النَّبِيِّ ﴿ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ))(١).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وإنّما يُكْرَهُ هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول. وقد فَسَّرَ بعضُ أهل العلم ذلك.
وهذا أحسنُ شيء رُوِيّ في هذا الباب.
وعمرة بيوت الله وجلساء المسلمين في منافعهم الدينية، ولأجل عظم كراهية النبي # في
الرائحة الخبيثة. قال له أزواجه في حال الغيرة من شرب العسل عند زينب: أكلت مغافير، وهو
نبت كريه الرائحة، فقال: بل شربت عسلاً، فقلن له: جرست نحلة العرفط، وهو أيضًا نبت
كريه الرائحة، فيتعيّن يقينًا في الشريعة حسن المحافظة على النظافة من كل طريقة.
باب رة السلام على الوضوء
(نافع عن ابن عمر: أن رجلاً سلّم على النبي ﴿﴿ وهو يبول فلم يردّ عليه).
الإسناد: هذا حديث صحيح، اتفق عليه العلماء، وتمامه أن رجلاً مز بالنبي # وهو يبول
فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى فرغ من حاجته، ثم وضع يده على الجدار، ثم تيمّم ورد عليه.
الأحكام: في خمس مسائل:
الأولى: أن رجلاً مرّ بالنبي ور فسلّم عليه وهو يبول، جريًا على سُنَّة الماز، وأنه يبدأ
بالسلام.
(١) قال الشارح: ((أخرجه الجماعة إلا البخاري)).

١١١
أبواب الطهارة/ باب ٦٨
قال أبو عيسى: وفي الباب عن المُهَاجِرِ بن قُتْفُذٍ، وعبد الله بن حَنْظَلَةً،
وَعَلْقَمَةَ بنِ الْفَغْوَاءِ، وَجَابِرٍ، وَالْبَرَاءِ.
٦٨ - باب ما جاء في سُؤْرِ الكَلْبِ
[المعجم ٦٨ - التحفة ٦٨]
٩١ - حدثنا سَوَّارُ بنُ عبد الله العَنْبَرِيُّ حدّثنا المُعْتّمِرُ بنُ سليمانَ قال: سمعتُ
أيُّوبَ يحدّثُ عن محمد بن سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ◌ََّ أنه قال: ((يُغْسَلُ الإِنَاءُ
إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أُولاَهُنَّ، أَوْ أُخْرَاهُنَّ(١) بِالتُّرَابِ، وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الهِرَّةُ
غُسِلَّ مَرَّةً»(٢).
الثانية: أنه سلّم عليه وهو يبول، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله (3 # حتى فرغ، ولو كان
مكروهًا منتقدًا لغيّره وما أقرّه عليه.
الثالثة: فترك الكلام بذكر الله عزّ وجل على قضاء الحاجة، وقد تقدم ذلك في آدابها.
الرابعة: أن النبي * تيمم لذكر الله، وذكر الله على الطهارة أفضل، ولا سيما إذا كان
دعاء، كما تقدم في قوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور))، وقد كان مالك لا يقرأ عليه حديث
رسول الله ﴾﴾ حتى يتوضأ.
الخامسة: تيمّمه على الجدار، وهو من حجارة أو لبن مصنوع، وفي ذلك رد على
الشافعي: لا يتيمم إلا بالتراب الطاهر المثبت، وسيأتي ذلك في كتاب التيمم موضحًا إن شاء
الله .
باب سؤر الكلب
(ذكر عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ) أنه قال: يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب
سبع مرات: أولاهنّ، أو أُخراهنَ بالتراب، وإذا ولغت فيه الهزة غُسِلّ مرة) حسن صحيح. وذكر
حديث الموطأ عن أبي قتادة.
(١) الحديث رواه الشافعي عن سفيان عن أيوب، انظر الأم (ج ١ ص ٦) ونقله الحافظ في بلوغ المرام
(رقم ١٢) عن الترمذي بلفظ «أُخراهنَ)).
(٢) أصل الحديث - بدون ذكر الهرة - رواه أيضًا مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة. وانظر في الفتح
(١: ٢٣٩ - ٢٤٢) والتلخيص (ص ٧ - ٨ و١٤) وطرح التثريب (٢: ١١٩ - ١٣٤).

١١٢
أبواب الطهارة / باب ٦٨
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ وإسحقّ.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غَيْرٍ وجهٍ عن أبي هريرة عن النبيِّ ◌َ نحوَ هذا، ولم
يُذْكَّرْ فِيهِ: ((إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً)(١).
قال: وفي الباب عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ(٢).
الإسناد: هذا حديث رواه جماعة، منهم أبو هريرة، وعبد الله بن مغفل، فأما حديث ابن
مغفل فرواه ابن أبي شيبة، ورواه أبو داود، واللفظ له. حدّثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن
سعيد، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي التياح، سمعت مطرفًا، يحدّث عن ابن مغفل أن رسول
الله * أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما لهم ولها)»؟ فرخص في كلب الصيد وفي كلب الماشية،
وقال: ((إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات. والثامنة عفّروه بالتراب))، وهذا سند
صحيح لا غبار عليه. وأما حديث أبي هريرة فرواه جماعة في الصحيح، منهم: محمد بن
سيرين، وأبو صالح، وأبو رزين، والأعرج، وهمام بن منبه، وقصته في حديث أبي صالح وأبي
رزين ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات))، وفي بعض طرقه بإسقاط:
(فليرقه))، وأما الأعرج قصه عتبة: ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات))، وأما
حديث همام فنصه: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات))، وقال أبو داود
عن أبي هريرة: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات، السابعة في التراب)»، وفي
رواية: (أولاهنّ))، و((عفّروا بالثامنة بالتراب)).
غريبه: الولوغ للسباع والكلاب كالشرب لبني آدم، وقد يستعمل الشرب في السباع ولا
يستعمل الولوغ في الآدمي. وقال أبو عبيد: الولوغ بضم الواو إذا شرب، فإن كثر ذلك فهو بفتح
الواو.
الأحكام: هذا الباب من الأمهات، يجمع تفريقه، وتكثر مسائله من الحديث المختلف فيه،
وما تضمن من ألفاظه. وفيه عشر مسائل:
الأولى: النظر في الكلب، هل هو طاهر أو نجس؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة: هو نجس،
وذكر لنا فخر الإسلام في الدروس، عن جمال الإسلام أن أبا الهيثم الخراساني من أئمة الحنفية،
ذكر عن أبي حنيفة أن الكلب طاهر. وبنجاسته قال أحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد، وسحنون،
(١) هذه الزيادة رواها أبو داود (١: ٢٧).
(٢) رواه مسلم (١: ٩٢). ورواه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه.

١١٣
أبواب الطهارة / باب ٦٩
٦٩ - باب ما جاء في سُؤْرِ الهِرَّةِ
[المعجم ٦٩ - التحفة ٦٩]
٩٢ - حدثنا إسحقُ بنُّ موسى الأنصاريُّ حدّثنا مَعْنٌ حدّثنا مالكُ بنُ أَنَسٍ(١) عن
إسحقَ بن عبد اللَّهِ بن أبي طَلْحَةً عن حُمَيْدَةَ بنت عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةً عن كَبْشَةً بِنْتِ كَعْبٍ بن
مالكِ، وَكَانَتْ عِنْدَ ابن أبي قَتَادَةَ: أنَّ أبا قتادة دخلَ عليها، قالت: فَسَكَبْتُ لَهُ وَضْوءًا،
قالت: فجاءتْ هرَّةٌ تَشْرَبُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حتى شَرِبَتْ، قالتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إليه!
+٠
ذكره القاضي عبد الوهاب عنه. وشك ابن الماجشون وغيره، وقال مالك: هو طاهر، وكذلك
سائر الحيوان، ودليل الطهارة الحياة، وذلك أن الشاة تكون حيّة فتكون طاهرة، فإذا ماتت كانت
نجسة، فإذا ذكيت كانت طاهرة، لأن الذكاة تخلف الحياة، فإن قيل لو كان طاهرًا لأكل لحمه
كالشاة، قلنا: سنبيّن ذلك في كتاب الأطعمة إن شاء الله، ثم هذا يبطل بالآدمي، فإنه طاهر ولا
يؤكل لحمه، فإن قيل: رُوِيّ عن النبي # كما تقدم: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن
يغسله سبعًا))، والطهارة تقابل النجاسة، قلنا: لا يصحّ ما ذكرتم، بل يرد على المحل النجس
وعلى الطاهر، قال الله تعالى: ﴿وإن كنتم جُنُبًا فاطْهروا﴾ [المائدة: ٦]، وقال النبي ﴾: ((لا
يقبل الله صلاة بغير طهورا، وقال: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] وليس هنالك نجاسة،
وقال: كما تقدم في السواك للفم، وقال: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ [التوبة: ١٠٣].
وحقيقة المسألة أن لفظ النجاسة يقتضي الطهارة، وأما لفظ الطهارة فلا يقتضي النجاسة خاصة،
فانقلب عليهم الأمر. والدليل على أنه محل عري عن النجاسة ملهنا ذكر العدد فيه، وخلط
التراب معه، وهذا يدلّ على أنه طاهر عبادةٌ، فإن غسل النجاسة لا يكون فيه عدد، ولا مدخل
للتراب عليه، فإن قيل: لا عبادة على الإناء وإنما للنجاسة، قلنا: العبادة على مستعمل الإناء،
كما عليه أن يتوضأ إذا لمس النساء أو ذكره، فإن قيل: إنما جعلت بالعدد وزيد فيه التراب
تغليظًا، قلنا: البول والغائط أحقّ بالتغليظ، لأنه لا يختلف في نجاسته، ونجاسة الكلب مختلف
فیھا .
الثانية: هذا هو القول في ذاته، فأما ريقه فطاهر أيضًا، لأن كل حيوان طاهر الذات هو
طاهر الريق، والدمع والعرق، لكن الكلب يأكل النجاسات، فقد يقول إنه نجس الريق لأجل أكله
النجاسة، وقد قال مالك: يؤكل صيده فكيف يكره لُعابه؟ وهذا الاستدلال بكتاب الله، فإن الله
تعالى قال: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤] ولم يأمر بغسل ما أصاب لُعابه من
الصيد، وهذا بيّن جدًّا، فإن كان من النهي عن اتخاذه وهي:
(١) الحديث في موطأ مالك من رواية يحيى بن يحيى (١: ٤٥ - ٤٦) وفي موطأ محمد بن الحسن
الذي رواه عن مالك (ص ٨٣).
عارضة الأحوذي/ ج ١/ م ٨

١١٤
أبواب الطهارة / باب ٦٩
فقال: أَتَعْجَبِينَ يا بِنْتَ أخي؟ فقلتُ: نَعَمْ، قال: إن رسولَ اللهِوَ﴿ه قال: ((إنَّهَا لَيْسَتْ
بِتَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أوِ الطَّوَّافَاتِ)»(١).
وقد رَوَى بعضُهم عن مالكِ: ((وكانت عِنْدَ أبي قتادة)»، والصحيح («ابنِ أبي قتادةً)).
الثالثة: فيغلظ عليه، بطرده وغسل الإناء وإراقة الماء، وإن كان ما أذن في اتخاذه، صار له
حكم الهرة التي هي من الطوافات علينا، كما يأتي بيانه إن شاء الله. وقد قال علماؤنا: مَن لم
يجد إلا ماء ولغ فيه كلب، توضأ به ولم يتيمم، وقال ابن شهاب: هذا ماء، وفي النفس منه
شيء، يتوضأ به ويتيمم. وقالت طائفة منهم: لا يتوضأ به.
الرابعة: فإن صلّى به فقيل: لا إعادة عليه عند أبي القاسم، وقيل: يُعيد في الوقت عن ابن
وهب، وقيل: يعيد أبدًا على القول بالنجاسة، وقد صحّ قول النبي ◌َّل: ((فليرقه)»، في الماء
الذي ولغ فيه الكلب. ولكن هلهنا نكتة، وهي أن ذلك فيما نهي عن اتخاذه فلا تدعو الضرورة
إليه، فلا يعفى عنه، ويكون ذلك من النهي عن سؤره من باب مباشرته للنجاسة، لا من باب
نجاسة ذاته وريقه في الأصل.
الخامسة: سؤر الخنزير مثله. قال مالك في المختصر: يتوضأ به، والمسألة كالمسألة،
لكن في هذه العارضة يجتزى بالإشارة دون الاستيفاء.
السادسة: قد ضعف مالك غسل الإناء من ولوغه، فقيل: لأن القرآن عارضه كما تقدم،
وقيل ضعّفه لأن وجوب الغسل لا يظهر فيه، لعدم سبب الوجوب لما أذِنَّ في اتخاذه، فعارضه
حديث الهرة أيضًا، ويحتمل ضعفه لأجل اختلاف الروايات فيه، ويحتمل ضعفه لأنه لا يتحقق
أن غسله للنجاسة أو العبادة؟ والصحيح ترك ذلك لما قدّمناه من الخبر.
نكتة المسألة: أن الحديث المتقدم جاء بالأمر بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما لهم ولها»؟
ورخص في كلب الصيد والغنم، وقال: ((إذا ولغ الكلب))، فيحتمل أن يرجع الأمر بالغسل عند
الولوغ إلى المنهي عنه أولاً، ويحتمل أن يرجع إلى المأمور باتخاذه بعارضة قوله: ﴿فكلوا مما
أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤] ولم يأمر بغسل، وعارضة تعليله في الهرة، للحاجة إليه في قوله:
إنها من الطّافين عليكم أو الطّافات)»، فيسقط الاحتمال ويتبين أنه في المنهي عنه على الوجه
المقدّم بيانه.
(١) الحديث رواه الشافعي في الأمّ عن مالك (ج ١ ص ٦) والدارمي عن الحكم بن المبارك عن مالك
(١: ١٨٧ - ١٨٨). ونسبه ابن حجر في التلخيص أيضًا (ص ١٥) لأبي داود والنسائي وابن ماجه
وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي، ونقل تصحيحه عن البخاري والدارقطني
والعقيلي. ونقل في بلوغ المرام (رقم ١٠) تصحيحه أيضًا عن ابن خزيمة.

١١٥
أبواب الطهارة/ باب ٦٩
قال: وفي الباب عن عائشةً، وأبي هريرةً.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو قولُ أكثرِ العلماء من أصحاب النبي ◌َ﴿ والتابعين ومن بعدَهُمْ: مِثْلُ الشافعيِّ
وأحمدَ وإسحقَ: لم يَرَوْا بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ بَأْسًا.
وهذا أحسنُ شيء رُوِيّ في هذا الباب.
وقد جَوَّدَ مالكٌ هذا الحديثَ عن إسحقَ بن عبد اللَّهِ بْنٍ أبي طلحةَ. ولم يَأْتِ به
أحدٌ أَمَّ من مالكِ.
السابعة: رُوِيّ في حديث أبي هريرة: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا أو خمسًا أو
سبعًا)). قلنا: تفرد به عبد الوهاب بن الضحاك، وهو ضعيف، عن إسماعيل بن عياش، وهو
مثله. قال لنا فخر الإسلام عن أبي نصر بن الصباع، إن النجاسة وإن كانت معقولة المعنى فلا
تخلو من ضرب من التعبّد، كما جاء يرش بول الغلام، ويغسل بول الجارية، ويفرك المني دون
غيره من النجاسات. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: لا عبادة مع عقل المعنى،
إلا فيما يتعلق بامتثال الأمر خاصة. ورشّ بول الغلام، وفرك المني ليس بقول لنا ولا لهم أيضًا،
فلا يصحّ الاستشهاد علينا بما لا نقول به، من الرش، ولا بما لا يقوله الخصم، من الفرك.
وبقيت فروع كثيرة استيفاؤها في كتب المسائل، فتخرج على هذه الأصول في ألفاظ الحديث.
الثامنة: وأما الهرة، فاتفق جمهور العلماء على طهارة سؤرها، وقال أبو حنيفة: هو
مكروه، ويؤثر ذلك عن سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، والحسن
البصري بناء، فهي منهم على إصابتها النجاسة. وحديث النبي 183 يقضي على ذلك كله، وقد
قال عليه السلام: ((إنها ليست بنجس))، فأسقط اعتبار النجاسة التي تظن بعلة الطواف.
التاسعة: فإن أصابت الهرة نجاسة فولغت، فهو ما أصابته نجاسة، فإن غابت عن العين
بعد إصابتها النجاسة، ثم عادت فولغت، ففيها لجميع العلماء منّا ومن غيرنا قولان، الصحيح
العفو عنها بعلة التطوف، ولا يعتبر قول من قال: هي على النجاسة حتى تصيب ماء، والحاجة
تسقط المحظور، ألا ترى إلى المماليك والصغار كيف تسقط الحجاب في حقهم، لضرورة
مداخلتهم الناس وصحبتهم.
العاشرة: روى الدارقطني أن النبي ﴿ كان يأتي بعض دور الأنصار ويترك آخرين، فقالوا
له في ذلك، فقال: ((في دار فلان كلب»، قيل له: وفي دار فلان هزّة، فقال: ((الهرة سبع)).
وأشكل معنى هذا الحديث إن صح. وقال بعضهم: سقط منه، وتمامه: ((الهرة ليست بسبع)
وليس كذلك، بل هي سبع والحديث تمام، والمعنى فيه أن الهرة سبع ذات ناب، ينتفع بحمايتها

١١٦
أبواب الطهارة/ باب ٢٠
٧٠ - باب في المسح على الخُفَّيْنِ
[المعجم ٧٠ - التحفة ٧٠]
٩٣ - هقلنا هَنَّدٌ حدّثنا وَكِيعٌ عن الأعمش عن إبراهيمَ عن هَمَّام بنِ الحرث قال:
((بَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ توضأَ ومسحَ على خُفِّيْهِ. فقيل له: أَتَفْعَلُ هذا؟ قال: وَمَا
يَمْتَعُنِي، وَقَدْ رَأيْتُ رسول اللهِ ﴿ يَفْعَلُهُ. قال إبراهيمُ: وكان يُعْجِبُهُمْ حديثُ جَرِيرٍ، لأنّ
إِسْلاَمَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ». هذا قول إبراهيمَ، يعني «كان يعجبهم»(١).
قال: وفي الباب عن عُمَّرَ، وعليّ، وحُذَيْفَةً، والمُغِيرَةِ، وبِلاَلٍ، وسعدٍ، وَأَبي
أيُّوبَ، وسَلْمَانَ، وبُرَيْدَةً، وعَمْرٍو بن أُمَيَّةَ، وأَنَسٍ، وسَهْلٍ بن سَعْدٍ، ويَعْلَى بن مُرَّةً،
وعُبَادَةَ بن الصَّامِتِ، وأُسَامَةَ بن شَرِيكٍ، وأبِي أُمَامَةَ، وجَابٍ، وأُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ: وابْنٍ
عُبَادَةً، ويقالُ: ((ابْنُ عِمَارَةً)، و((أُبَيُّ بْنُ عِمَارَةَ»(٢).
قال أبو عیسی: وحديثُ جرِيرٍ حديث حسن صحيحٌ.
٩٤ - وَيُذْوَى عن شَهْرٍ بن حَوْشَبٍ قال: رَأيْتُ جَرِيرَ بنَ عبد اللَّهِ تَوَضَّأَ وَمَسْحَ
عَلَى خُفَّيْهِ. فَقُلْتُ لَهُ في ذلك؟ فقال: رَأيْتُ النَّبِيِّ وَّرْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
فَقُلْتُ له: أَقَبْلَ المَائِدَةِ أمْ بَعْدَ المائِدَةِ؟ فقال: مَا أَسْلَمْتُ إلَّ بَعْدَ المَائِدةِ». حدّثنا
للأثاث، وتفترس ما يؤذي فيه وفي الطعام، والكلب لا منفعة فيه في الحضر، فإذا احتيج إليه في
البادية التحق بالهرة في الحاجة إليه، وسقط اعتبار غسله وغير ذلك من أمره.
باب المسح على الخُفِّين
(همام بن الحرث قال: بالَ جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خُفَّيه. فقيل له: أتفعل
هذا؟ قال: وما يمنعني، وقد رأيت رسول الله ﴿ بفعله. قال إبراهيم: وكان يعجبهم حديث
جرير، لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة) صحيح حسن. (شهر بن حوشب قال: رأيت جرير بن
عبد الله توضأ ومسح على خُفّيه. فقلت له في ذلك؟ فقال: رأيت النبي بَه توضأ ومسح على
خُفيه. فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ فقال: ما أسلمت إلا بعد المائدة).
(١) الحديث رواه أصحاب الكتب الستة.
(٢) حديثه رواه أبو داود (١: ٩٦ - ٩٧) وابن ماجه (١: ١٠٢) والحاكم (١: ١٧٠). وانظر الزيلعي
في نصب الراية (١: ٨٤).

١١٧
أبواب الطهارة/ باب ٧٠
بذلك قتيبةُ حدّثنا خالِدُ بنُ زيَادِ التِزْمِذِيُّ عن مُقَاتِلٍ بنِ حيَّنَ عن شَهْرِ بْنِ حَوْشبٍ عن
جَرِيرٍ(١).
قال: وَرَوَى بَقِيَّةُ عن إبراهيم بن أدْهَمَ عن مُقَاتِلٍ بن حَيَّنَ عن شَهْرٍ بن حَوْشَبٍ
(٢)
عن جَرِيرٍ (٢).
وهذا حديثٌ مُفَسِّرَ، لأنَّ بعضَ مَنْ أنكرَ المسح على الخُفَّيْنِ تَأوَّلَ أنَّ مسحَ
النبيّ﴿ على الخُفِّيْنِ كان قَبْلَ نُزُولِ المائدة، وذَكَرَ جريرٌ في حديثه أنه رأى النبيّ ◌َّ
مَسَحَ على الخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولٍ المائدة.
إسناده: اتفق الناس على صحة حديث جرير في الباب، وحديث عمر، وسعد، وعلي،
وجماعة، منهم: بلال الحبشي المؤذِّن مولى أبي بكر الصديق.
الغريب: الخفّ جلد مبطن مخروز يستر القدم كلها، والموق جلد مخروز لا بطانة له.
وقال الخطابي: هو خفّ قصير الساق، والجرموق خفّ قصير الساق في قول بعضهم، وفي قول
آخر: خُفَ على خُفْ. وعندي أن الجرموق خف ركب عليه أشبور.
أصول: قول السائل لجرير: أكان هذا قبل نزول المائدة أم بعدها؟ دليل على أن القوم
كانوا يرون نسخ القرآن بالسُّنّة من رسول الله 8# أو قوله، وقد منع من ذلك قوم من أصحابنا
وغيرهم، وجوّزه آخرون، وهو الصحيح عندي، وقد بيّنّاه في أصول الفقه، والعقل يجوزه،
والشرع قد ورد به. أما تجويز العقل له: فإنه لا يستحيل إن يقول الله عزّ وجل على لسان
رسوله: متى ما حكم رسولي من عنده بما يخالف ما حكم به بالقول المنظوم فامتثلوه، فإن كل
ذلك من عندي، ومبلغه صادق مشهود له بالصدق والعصمة. وأما ورود الشرع به، فقد جاء ذلك
في نوازل، منها: أن أهل قباء رجعوا إلى القبلة عن الأخرى في الصلاة بقول الواحد، وقد ظن
بعضهم أن ذلك جائز في عصر الرسول، فهذا ضعيف، فإن الدليل يتناول الأزمنة كلها كما تقدم
بیانھا .
الأحكام: في مسألتين:
الأولى: هي سُنّة قائمة، وشريعة صحيحة لا ينكرها إلا مبتدع. وقد رُوِيّ عن مالك
إنكارها ولم يصحّ، فلا يلتفت إليه، ما ردها إلا المبتدعة. إلا أن مالكًا توقف فيها في الحضر،
وقد قدّمنا ذلك في كتب المسائل.
(١) انظر أبو داود (١: ٥٩). ورواه الحاكم في المستدرك (١: ١٦٩) وصححه ووافقه الذهبي. ونقل
الزيلعي في نصب الراية أن ابن خزيمة رواه أيضًا في صحيحه.
(٢) رواية بقية بن الوليد رواها البيهقي (١: ٢٧٣ - ٢٧٤) بإسنادين عنه:

١١٨
أبواب الطهارة / باب ٧١
٧١ - باب المسح على الخُفَّيْنِ للمسافر والمقيم
[المعجم ٧١ - التحفة ٧١]
٩٥ - حقّدنا قُتَيْبَةُ حدّثنا أبو عَوَانَةَ عن سَعِيدٍ بن مَسْرُوقٍ(١) عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ عن
عَمْرو بن مَيْمُونٍ عن أبي عبد اللَّهِ الْجَدَلِيِّ عن خُزَيْمَةً بن ثَابِتٍ عن النبيِّهِ: ((أَنَّهُ سُئِلَ
عَنِ المسح على الخُفَيْنِ؟ فقال: لِلْمُسَافِرِ ثَلاثَةٌ، وَلِلْمُقِيمٍ يَوْمٌ)).
وَذُكِرَ عن يحيى بنِ مَعِينٍ أنه صَحْحَ حديثَ خُزَيْمَةَ بنِ ثابتٍ في المسح.
وأبو عبد الله الجَدّلِيُّ اسْمُهُ: ((عَبْدُ بنُ عَبْدٍ)) ويقال: عَبْدُ الرحمن بنُ عَبْدٍ.
قال أبو عیسی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البابِ عن عليٍّ، وأبِي بَكْرَةَ(٢)، وأبي هريرةً، وصَفْوَانَ بِنِ عَسَّالٍ، وعَوْفٍ بن
مَالِكِ، وابنٍ عُمَرَ، وجريرٍ.
الثانية: أنكر المسح على الخُفّين الخوارج والإمامية من أصناف الشيعة. وقال الحسن بن
أبي الحسن البصري: أخبرني سبعون من أصحاب رسول الله ﴿ أنه مسح على الخُفّين، ومَن
أنكره ليس له متعلق ولا أصل. ورووا عن عليّ أن أبا مسعود قال له: إن النبي وَله مسح على
الخُفْين، فقال أقبل نزول المائدة أم بعدها؟ فسكت أبو مسعود، وهذا إن صحّ محمول على أنه
كان سؤال امتحان لا سؤال استعلام، بل الصحيح عن عليّ المسح على الخُفْين كما روى مسلم
في صحيحه عنه، وأبو داود في سُننه، وغيرهما. ومَن روى عن مالك إنكاره وهم، إنما قال
مالك: إن رسول الله ﴿ وأبا بكر وعمر أقاموا بالمدينة أعمارهم لم يرو عن أحد منهم أنه مسح
على الخُفّين، وهذا لا يلزم، لأن هذه الجملة العزيزة الكريمة فعلت الأفضل اقتداء بالنبي وَّر،
وأخذ النبي * بالأفضل من ترك المسح، وسنّ الجواز رفقًا بالأمة كما فعل في سائر أمور
الشريعة أمثالها.
باب المسح على الخُفّين للمسافر والمقيم
(أبو عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي وّار: أنه سُئِلَ عن المسح على الخُفَّين؟
فقال: للمسافر ثلاثة، وللمقيم يوم) حسن صحيح. زر بن حبيش عن صفوان بن عسال قال:
(١) سعيد هذا هو والد سفيان الثوري. الحديث رواه أحمد في المسند (٥: ٢١٤ و٢١٥)، ورواه ابن
ماجه (١: ١٠١).
(٢) حديث أبي بكرة رواه البيهقي (١: ٢٧٦ و٢٨١) ونسبه الزيلعي (١: ٨٨) لابن خزيمة في صحيحه
والطبراني في معجمه.

١١٩
أبواب الطهارة/ باب ٧١
٩٦ - هذئنا هَنَادٌ حدّثنا أبو الأخوَصِ عن عَاصِمِ بن أبي النَّجُودِ عن زِرِّ بنِ حُبّيْشٍ
عن صَفْوَانَ بِن عَسَّالٍ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَأْمُرَنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أنْ لاَ تَنْزِعَ خِفَافَنَا
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَّيَالِيَهُنَّ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطِ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ))(١).
قال أبو عیسی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رَوَى الحكمُ بنُ عُتَيْبَةَ وحَمَّادٌ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ عن أبي عبد الله الجدَلِيِّ عن
خُزَيْمَةً بِن ثَابِتٍ. ولا يَصِحُ(٢) .
قال عليّ بنُ المَدِينِيِّ: قال يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ. قال شُعْبَةُ: لم يسمع إبراهيمُ النَّخَعِيُّ
من أبي عبد الله الجدّلِيِّ حديثَ المسح.
(كان رسول الله مَ* يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهنّ إلا من جنابة، ولكن
من غائط وبول ونوم) صحیح حسن.
الإسناد: أحاديث التوقيت في المسح على الخُفّين صحيحة، من طريق خزيمة،
وصفوان بن عسال، وعلي. وأحاديث نفي التوقيت ضعيفة، مثلها: ما أخرجه أبو داود عن أبي
عمارة، وقد كان صلّى مع النبي # إلى القبلتين، قال: قلت يا رسول الله، المسح على
الخُفّين؟ قال: ((نعم)، قلت: يومًا؟ قال: ((يومين))، قلت: وثلاثة؟ قال: ((نعم، وما شئت)).
وفي طريقه ضعفاء ومجاهيل، منهم: عبد الرحمن بن رزين، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن
قطن، وقال عيسى بن شاذان البصري، وكان من أئمة الحديث: سمعت يحيى بن سعيد القطان
يقول: يعرف رباح قومس هذا رباح قومس، وقال أبو داود: ليس إسناده بالقوي، ورواه
يحيى بن معين وقال: إسناده مضطرب، وقال البخاري: في حديثه مجهول لا يصح. وقد رُوِيّ
فيه عن ابن عمر حديث صحيح: أخبرنا أبو الحسن الأزدي، أخبرنا أبو الطيب الطبري، أخبرنا
أبو الحسن الدارقطني، أخبرنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا سليمان بن شعيب بمصر، حدّثنا
بشر بن بكير، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: خرجت من الشام إلى
المدينة يوم الجمعة، فدخلت المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر بن الخطاب فقال: متى
أولجت رِجليك في خُفّيك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت
السُّنَة. قال أبو بكر: هذا حديث غريب، قال أبو الحسن: وهو صحيح الإسناد.
(١) الحديث نسبه ابن حجر في التلخيص (ص ٥٨) إلى الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن
خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي. ورواه أيضًا الخطابي بإسناده في معالم السنن (١:
٦٠ - ٦٢).
(٢) رواية إبراهيم النخعي رواها الطيالسي (رقم ١٢١٩) ورواها أحمد بأسانيد متعددة (٥: ٢١٣ - ٢١٥)
وأبو داود (١: ٦٠) والبيهقي (١: ٢٧٨) كلهم من طريق الحكم وحماد.

١٢٠
أبواب الطهارة / باب ٧١
وقال زَائِدَةُ عن منصورٍ: كُنَّا في حُجْرَةِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، وَمَعَنًا إِبراهِيمُ النَّخَعِيُّ،
فحدّثنا إبراهيمُ التّيْمِيُّ عن عَمْرٍو بن مَيْمُونٍ عن أبي عبد الله الجدّلِيِّ عن خُزَيْمَةً بن ثابت
عن النبيِ وَ﴿ في المسح على الخُفَيْنِ (١).
قال محمد بنُ إسماعيل: أحسَنُ شيءٍ في هذا الباب حديثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ
المُرَادِيّ.
الغريب: قوله: إذا كنّا سَفرًا، يعني: مسافرين، وهي كلمة تُقال للواحد والجميع، والذّكّر
ت والأنثى سواء، كالعدل والرضى والزور ونحوه. وقوله: لكن حرف من حروف النسق، وهي
تختص بالاستدراك بعد النفي غالبًا، وربما يستدرك بها بعد الإثبات فتختص بالجملة دون المفرد،
هكذا حدّثنا شيخنا أبو الحسن الخولاني. ويعد هذا، ففي لفظ الحديث إشكال، لأن أمرنا أن لا
ننزع خِفافنا إلا من جنابة نفي معقب باستثناء، فيصير إيجابًا، وقوله بعد ذلك: لكن، استدراك
من إيجاب بمفرد، وذلك خلاف ما تقدم وفيه نظر، ومعناه: بعد تأمّل وفكر مقرّر في رسالة
ملجية المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين، وتقريبه: أمرنا رسول الله # أن لا نمسك خِفافنا
في السفر مدة ثلاثة أيام ولياليهنّ، لم يرخص فيهنّ الإمساك عند الجنابة، لكن عند البول والغائط
والنوم، والله أعلم.
الأحكام: في ثلاث مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في توقيت المسح على الخُفّين على ستة أقوال: الأول: أن مطرفًا
سمع مالكًا يقول: التوقيت في المسح على الخُفْين بدعة. الثاني: روى أشهب وغيره عن مالك:
يمسح المسافر ثلاثة أيام والمقيم يومًا وليلة، وبه قال فقهاء الأمصار أكثرهم أو كلهم. الرابع: لا
توقيت في المسح، وبه قال الشافعي بمصر والليث وربيعة في أحد قوليه. الخامس: يمسح ما لم
يجنب إيجابًا، ويمسح ما لم يأتِ الجمعة استحبابًا. السادس: قال بعض أصحاب الشافعي، لا
تعتبر المدة، إنما تعتبر الصلوات، وذلك خمس عشرة صلاة.
الثانية: في التوجيه. أما قول مطرف إنه بدعة، فقد أبعد فيه النجعة لما صح عن صاحب
الشريعة، وإنما غايته إن استقام له أن يقول: خطأ، فإن المسائل المجتهد فيها من أحكام أفعال
المكلفين منزل خطأ وصواب في قول، وإنما تكون البدعة والسُّنّة، والضلال والهدى، والكفر
والإيمان في مسائل العقائد، المتعلقة بالله العظيم، وصفاته العلية، وأحكامه المرضية في تصاريف
الأقدار، وأما توقيته للمسافر خاصة فمبني على كراهية المسح في الحضر، أو على أنه لا يلبس
فيه في الغالب، والحديث أصح وأحق أن يتبع، وقد يأذن رسول الله # بالشيء ولا يفعله كما
(١) قصة زائدة رواها البيهقي (١: ٢٧٧).