النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
أبواب الطهارة / باب ٤٠
٤٠ - باب ما جاء في التَّمَنْدُلِ بعد الوضوءِ
[المعجم ٤٠ - التحفة ٤٠]
٥٣ - مقعدا سُفْيَانُ بن وكيع بن الجراح حدّثنا عبد الله بن وهب عن زيد بن
حُبّابٍ عن أبي مُعاذٍ عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ((كَانَ لِرَسُولِ اللهِوَ خِرْقَةٌ
يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الوُضُوءِ».
قال أبو عيسى: حدِيثُ عائِشة لَيْسَ بِالقَائِمِ. وَلا يصِحُ عن النبيّ ◌َ﴿﴿ في هذا الباب
شيء.
وَأَبُو مُعَاذٍ يَقُولُونَ: هو ((سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ) وهو ضعيف عند أهل الحديثِ(١).
قال: وفي الباب عن مُعَاذٍ بن جَبّلٍ.
٥٤ - عقدنا قتيبة حدّثنا رِشْدِينُ بنُ سَعْد عن عبد الرحمن بنِ زِيَادِ بْنِ أنْعُم عن
عُثْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عن عُبَادَةٌ بْنِ نُسَيٍّ عن عبد الرحمن بْنِ غَنْمٍ عن مُعَاذٍ بِنِ جَبَلٍ قال:
(رَأَيْتُ النّبِيِِّ﴿ إِذَا تَوَضَّأَ مَسّحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ»(٢) .
باب المنديل بعد الوضوء
عروة عن عائشة (كان لرسول الله ) حرقة يكشف بها بعد الوضوء) ضعيف.
عبد الرحمن بن غنم عن معاذ (قال: رأيت النبي ) إذا توضًا مسح وجهه بطرف ثوبه).
إسناعه: هذان خبران لم يصخا، وفي الصحيح عن ميمونة أن النبي # اغتسل عندها،
فناولته المنديل، فرده.
الغريب: قال أهل العربية: المنديل مفعيل، ويقال: مندول، وقد جاء في فصيح الشعر
واشتقاقه من ندلت يده تندل ندلاً، قال بعض المتأخرين: وركتا، أي إليها.
أحكامه: في مسألتین:
الأولى: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: أنه جائز في الوضوء
والغسل، قاله مالك والثوري، لما تقدّم من الأحاديث، ولأن المقصود من العبادة قد حصل،
فمسحه بعد ذلك لا يؤثر. الثاني: أنه مكروه فيهما، قاله ابن عمر وابن أبي ليلى، أن النبي وَّ
(١) رواه الحاكم في المستدرك (١: ١٥٤)، والبيهقي (١: ١٨٥).
(٢) الحديث رواه البيهقي (١: ٢٣٦).
--

٦٢
أبواب الطهارة / باب ٤٠
قال أبو عيسى: هذا حديث غريبٌ، وإسناده ضعيف. وَرِشْدِينُ بن سعد
وعبد الرحمن بن زياد بن أنْعُمِ الإِفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ.
وقد رَخَّصَ قوم من أهل العلم من أصحاب النبيِّ ◌َ﴿ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي التَّمَنْدُلِ بَعْدَ
الوضوء.
وَمَنْ كَرِهَه إنما كرهه مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ. وَرُوِيّ ذلك عن
سعيد بن المسيب والزهريّ.
حقثنا محمد بن حُمَّيْدٍ الرازيّ حدّثنا جرير قال: حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بن مُجَاهِدٍ عَنِّي،
وَهُوَ عِنْدِي ثِقَّةٌ، عن ثَعْلَبَةَ عن الزهري قال: إنَّمَا كُرة المنْديلُ بَعْدَ الوضوءِ لأَنَّ الوضوءَ
يُوزَنُ.
. ردّ المنديل على ميمونة، واختاره أبو حامد من أصحاب الشافعي، إذ ليس لهم فيه رواية، قال:
لأنه أثر عبادة فلا يقطع، كأثر الشهادة. الثالث: كرهه ابن عباس في الوضوء دون الغسل، وقال
الأعمش إنما كره في الوضوء مخافة العادة. وروى ابن المنذر عن قيس بن سعد حديثًا، وليس
بشيء. والصحيح جواز التنشّف بعد الوضوء، وأما حديث ميمونة فهو حكاية حال، وقضية في
عين، فيحتمل أن يكون استغنى عنها بغيرها، أو تعذّر منها، وقوله: إنه أثر عبادة لا تصح من
وجهين: أحدهما أنه هو العبادة نفسها لا أثرها. الثاني أن أثر العبادة في الشهيد لم يسقط الغسل
لبقاء به، وإنما سقط الغسل لأنهم قد طهروا بالسيف.
الثانية: رُوِيّ عن عثمان، وأنس، ويشير بن أبي مسعود، وسعيد بن جبير، وأبي
الأحوص، ومسروق، والشعبي أنهم كانوا يأخذون المنديل، وكان لعلقمة خرقة ينشّف بها،
ونظرت امرأة أبي الحسين بن علي يمسح وجهه بخرقة بعد الوضوء فوبّخته، فرأت في المنام أنها
تَقي كرمًا. وما روى أبو عيسى الترمذي من كراهية فعل ذلك لأن الوضوء يوزن ضعيف، لأن
وزنه لا يمنع من مسحه إذا انتقصت العبادة به.
باب ما يستحبّ من التيمن في الطهور(١)
(مسروق عن عائشة أن رسول الله #* كان يحب التيمن في طهوره إذا تطهر وفي ترجّله إذا
ترجّل وفي انتعاله إذا انتعل)، صحيح حسن.
العارضة: فيه هذه سُنّة مثبتة، وأدب ظاهر في الشريعة، بالغة في الخلقة، وشرف ثابت
على العموم، حسب ما بيّاه في كتاب الزهد.
(١) هذا الباب في نسخة الشارح وليس موجودًا في المتن في هذا الموضع فليُنظَّر.
.

٦٣
أبواب الطهارة / باب ٤١
٤١ - باب فيما يُقَالُ بعد الوضوء
[المعجم ٤١ - التحفة ٤١]
٥٥ - حقثنا جعفر بْنُ محمد بن عِمْرانَ الثَّعْلَبِيُّ الْكُوفِيُّ حَذْثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبّابٍ عن
معاوية بن صالحٍ عن ربيعة بْنِ يزِيدَ الدِّمَشقِيِّ عن أبي إذرِيسَ الخَوْلاَنِيّ، وَأبي عثمان عن
عمر بن الخطاب قال: قال رسولُ اللهِوَ﴾: ((مَنْ تَوَضَّأ فأَحْسَنَّ الوضُوءَ ثمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أنْ
لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَخْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ
التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَّهْرِينَ : - فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيَّهَا شَاءً)» .
قَالَ أبو عيسى: وَفِي الْبَّابِ عَنْ أَنَسٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (١).
باب ما يقال بعد الوضوء
أبو إدريس الخولاني وأبو عثمان عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صل﴾: (مَن
توضّأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا
عبده ورسوله. اللَّهمَّ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين فتحت له ثمانية أبواب الجنة
يدخل من أيّها شاء).
الإسناد: روى أبو عيسى هذا الحديث مقطوعًا مضطربًا، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة
- يعني ابن يزيد - عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب مشكلاً مقطوعًا
مضطربًا. وأبو عثمان مجهول عندهم، وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا، وقد أدخل الحديث
مسلم بن الحجاج في صحيحه، بهذه الطريق مجودة، فقال: حدّثني محمد بن حاتم بن ميمون،
حدّثني عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة - يعني ابن يزيد الدمشقي -
عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر. قال: وحدثني عثمان، عن جبير بن نفير، عن
عقبة بن عامر، عن عمر. قال: وحدّثنا أبو بكر بن أبي عتيبة، حدّثنا يزيد بن الخباب، حدّثنا
معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان، عن جبير بن
نفير بن مالك الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني، عن عمر أيضًا، وهذه طريق ظاهرة.
وعجبًا لأبي عيسى كيف عرج عنها ومعاوية بن صالح ثقة فقيه عظيم القدر؟ قال علي بن
المديني: وفيه عبد الرحمن، وقال ابن عدي: كتب عنه الثوري وأهل المدينة وأهل مصر. وأما
أبو عثمان هذا، فقد روى بعض المغاربة أن الراوي عن مسلم بن ربيعة بن يزيد، وهو القائل:
(١) حديث أنس رواه ابن ماجه (١: ٨٩ - ٩٠) وأحمد في المسند (رقم ١٣٨٢٨ ج ٣ ص ٢٦٥).
وأما حديث عقبة بن عامر فهو نفس الحديث الذي رواه الترمذي هنا كما سيجيء بيانه إن شاء الله.

٦٤
أبواب الطهارة / باب ٤١
قال أبو عيسى: حديث عمر قد خُولِفَ زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ فِي هذَا الْحَدِيثِ.
قال: وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن
أبي إدرِيسَ عن عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ عن عُمَرَ، وَعَنْ ربيعة عن أبي عثمان عن جُبَيْرِ بنِ نُغَيْرٍ عن
عُمَرَ.
وهذا حدِيثٌ في إسناده اضطرابٌ. ولا يصحُّ عن النبيِّ وَ ﴿ في هذا الْبَابِ كَبِيرُ
شَيْءٍ .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأبو إدريسٌ لم يَسْمِعْ مِن عمر شَيْئً(١).
حذّثني أبو عثمان، وهو وهم ظاهر، وإنما الراوي عنه معاوية بن صالح، يحمل هذا الحديث
معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي عثمان. وأبو عثمان هذا لا يعرف اسمه، بروي
عن أبي هريرة حديثًا في الصلاة سمعه منه، ويروي عن عمر غير هذا الحديث في اللباس.
وأخبرنا أبو الحسن بن الطيوري، أخبرنا ابن المذهب، أخبرنا ابن حمدان، أخبرنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا خالد بن الوليد، عن أبي عثمان، عن عمر أن رسول
الله * رخّص في الحرير في أصبعين. والحديث مروي ثابت من غير طريق أبي عثمان، وهو:
ربيعة، عن أبي إدريس، وقد رُوِيَ أيضًا عن عقبة بن عامر في طريق أخرى: أخبرنا المبارك بن
عبد الجبار في الأذان، أخبرنا أبو الحسن الواعظ، أخبرنا أبو بكر القطيعي، أخبرنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثني عبد الله بن زيد، حدّثنا حيوة، أخبرنا أبو عقيل، عن ابن
عمه، عن عقبة بن عامر أنه خرج مع رسول الله# في غزاة تبوك، فجلس رسول الله مَ﴾ يومًا
يحدّث أصحابه فقال: ((مَن قام إذا استعلت الشمس، فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قام فصلّى،
غفرت له خطاياه فكان كما ولدته أمه)). قال عقبة بن عامر: فقلت: الحمد لله الذي رزقني أن
أسمع هذا من رسول الله #، فقال عمر بن الخطاب، وكان تجاهي مجلسًا: أتعجب من هذا؟
فقد قال رسول الله * أعجب من هذا قبل أن تأتي، فقلت: وما ذاك بأبي أنت وأمي؟ فقال
(١) انظر كلام أحمد بن حنبل في المسند (٤: ١٤٥ - ١٤٦). ورواه أحمد في المسند (٤: ١٥٣).
ومسلم في صحيحه (١: ٨٢ - ٨٣). وأبو داود (١: ٦٥ - ٦٦). والبيهقي في السنن الكبرى (١: ٧٨
و٢: ٢٨٠). وروى أبو داود قطعة منه (١: ٣٤١). وروى النسائي منه قطعة أيضًا (١: ٣٦).
ورواه البيهقي (١: ٧٨). وانظر كلام النووي في شرح مسلم (٣: ١١٩ و١٢٠). ورواه أحمد بن
حنبل (٤: ١٥٠ - ١٥١)، ورواه أيضًا (رقم ١٢١ ج ١ ص ١٩)، وكذلك الدارمي (١: ١٨٣).
ورواه أبو داود (١: ٦٦)، ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم ٢٩) عن النسائي. ورواه
ابن ماجه (١: ٩٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١: ٢٣٩): ((رواه الطبراني في الأوسط
والكبير باختصار)). وانظر شرح المباركفوري (١: ٥٩).

٦٥
أبواب الطهارة/ باب ٤٢
٤٢ - باب في الوضوءِ بِالمُدِّ
[المعجم ٤٢ - التحفة ٤٢]
٥٦ - هذثنا أحمد بن مَنِيع وَعليّ بنِ حُجْرٍ قالا: حدّثنا إسماعِيلُ بن عُلَيَّةَ عن أبي
رَيْحَانَّةً عن سَفِينَةَ: ((أن النبيّ ◌َِ كَانَ يَتَوَضأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بَالصَّاعِ)).
.قال: وفي الباب عن عائشة، وجابر، وأنس بن مالك.
قال أبو عيسى: حديثُ سَفِينَةً حديث حسن صحيح (١). وَأَبُو رَيْحَانَةً اسمه
((عبد الله بن مَطَرٍ)).
عمر: قال رسول الله وَل: ((مَن توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع بصره إلى السماء فقال: أشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة،
يدخل من أيها شاء». وقد رُوِيّ معناه عن عقبة أيضًا، ذكره أحمد بن حنبل: حدّثنا نوفل، حدّثنا
حماد بن زيد. قال: أخبرنا ابن مخراف، عن شهر، عن عقبة بن عامر. قال: حدّثني عمر أن
رسول الله * قال: (مَن مات يؤمن بالله واليوم الآخر قيل له ادخل من أيّ أبواب الجنة الثمانية
شئت)).
فائدة: فالذي يدعون من أبواب الجنة الثمانية أربعة: الأول: مَن أنفق زوجين في سبيل
الله، وهو متفق عليه. الثاني: مَن قال هذا الذكر، وهو في صحيح مسلم. الثالث مَن قال: لا
إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى رسول الله، وكلمته
ألقاها إلى مريم، وروح منه، خرّجه البخاري. الرابع: من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، كما
تقدم.
نكتة: الوضوء عبادة لم يشرع في أولها ذكر، ولا في أثنائها، وإنما يلزم فيها القصد بها
لوجه الله العظيم، وهو النيّة. وقد رويت فيها أذكار تُقال في أثنائها ولم تصح، ولا شيء في
الباب يعول عليه، إلا حديث عمر المقدم. وقد روى أبو جعفر الأبهري عن مالك: استحب
ذلك من تسمية الله عند الوضوء. وروى الواقدي أنه مُخَيِّر والذي أراه تركها.
باب الوضوء بالمذ
أبو ريحانة عن سفينة (أن النبي # كان يتوضأ بالمذ، ويغتسل بالصاع) صحيح حسن.
(غَنِيّ بن ضمرة السّعدي عن أبيّ بن كعب أن النبي ﴿إ قال: إن الوضوء شيطانًا يقال له:
الولهان، فاتقوا وسواس الماء). عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك أن النبي ( * قال: ((يجزي
في الوضوء رطلان من ماء)» غريب.
(١) الحديث رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
عارضة الأحوذي/ ج ١ / م ٥

٦٦
أبواب الطهارة / باب ٤٣
وهكذا رأى بعضُ أهل العلم الوضوءَ بِالمُدِّ، وَالغُسْلَ بِالصَّاعِ.
وقال الشافِعِيَّ وأحمد وإسحاق: لَيْسَ مَعْنَى هذَا الحَدِيثِ على الثَّوْقِيتِ: أنه لا
يجوز أكثرُ منه ولا أقلُ منه: وهو قَدْرُ مَّا يَكْفِي.
٤٣ - باب ما جاء في كَرّاهِيةِ الإسْرَافِ في الوضوء بالماء
[المعجم ٤٣ - التحفة ٤٣]
٥٧ - عقثنا محمد بن بَشَار حدّثنا أبو داود الطَّالِسِيُّ حدّثنا خَارِجَةُ بنُ مُضْعَبٍ عن
يونس بن عُبَيْدٍ عَن الحسن عن عُتَّيِّ بن ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ عن أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ عن النبي ◌َّ
قال: (إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَّهُ: الْوَلَّهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ))(١).
قال: وفي الباب عن عبد الله بن عَمْرٍو، وعبد الله بن مُغَفِّلٍ.
قال أبو عيسى: حديث أَبيّ بن كعب حديث غريبٌ، وليس إسنادُهُ بِالْقَوِيّ
وَالصَّحِيحِ عند أهل الحديثِ، لأَنَّا لا نعلمُ أحدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ خَارِجَةً. وقد رُوِيّ هذا
الإسناد: رُوِيّ عن النبي عليه السلام في قدر الماء الذي يتطهر به آثار.
منها من طريق عائشة: الأول: أن النبي # كان يغتسل من إناء واحد هو الفرق من
الجنابة. الثاني: أنها دعت بإناء قدر الصاع فاغتسلت، فأفرغت على رأسها ثلاثًا، وكان أزواج
النبي ## يأخذن من شعورهنّ حتى تكون كالوفرة. الثالث: أنها كانت تغتسل والنبي عليه السلام
من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريب من ذلك. الرابع: معناه أن النبي # كان يغتسل بثمانية
أرطال. ورُوِيّ من طريق أنس، وحديثه من طريقين: الأول: أن النبي عليه السلام كان يغتسل
بخمسة مكاكيك، ويتوضأ بمكوك. الثاني: أن النبي ® كان يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع إلى
خمسة أمداد.
ومنهم أم عمارة، وحديثها: أن النبي عليه السلام كان يتوضأ بثلثي المدّ.
غريبه: الفرق قال سفيان ومالك: ثلاثة أصابع، وقال مالك: قدر ثلاثة أصابع اثنا عشر مدًا
بمدُ النبي *. وقال الشافعي: الفرق ثلاثة أصابع، يكون ستة عشر رطلاً، وأما الفرق بسكون
الراء فمائة وعشرون رطلاً، والصاع خمسة أرطال وثلث، والمذّ رطل وثلث. وقيل: المدّ
(١) الحديث في مسند، الطيالسي مختصرًا (رقم ٥٤٧) ورواه أيضًا ابن ماجه (١: ٨٤). ورواه أحمد
(٥: ١٢٦).

٦٧
أبواب الطهارة / باب ٤٤
الحديثُ من غير وَجْهٍ عن الحسن: قَوْلَهُ. ولا يصحُّ في هذا الباب عن النبيّ ◌َّ شيءٌ.
وَخَارِجَةٌ ليس بالقويّ عند أصحابنا، وَضَعَّفَهُ ابنُ المبارك.
٤٤ - باب ما جاء في الوضوء لكلّ صلاةٍ
[المعجم ٤٤ _ التحفة ٤٤]
٥٨ _ هذّثنا محمد بن حُمَيْد الرَّازِيُّ حدثنا سَلَمَةُ بن الفَضْلِ عن محمد بن إسحاق
عن حُمَّيْدٍ عن أنسٍ: ((أن النبيّ وَهْ كَانَ يَتَوّضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ: طَاهِرًا أوْ غَيْرَ طَاهِرٍ. قَالَ:
قُلْتُ لأَنَسٍ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْتَعُونَ أَنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا».
قال أبو عيسى: وحديثُ حميدٍ عن أنسٍ حديثٌ حسن غريب من هذا الوجه،
والمشهورُ عند أهل الحديث حديثُ عَمْرو بْنِ عَامِرِ الأنصاري(١) عَنْ أَنَسٍ.
رطلان، والمكوك طاس يشرب به، وهو أيضًا مكيال معروف.
أحكامه: فى ثلاث مسائل:
الأولى: قد بينًا أنه لا حدّ لما يكفي في الطهارة، وإنما هو على قدر الحاجة، والإسراف
مكروه، والناس متفاوتون في القصد فيه، والأحوط والمقصود كما بيتاه قبل هذا الإسباغ، وأقل
المقدار ما كان يكتفي به سيّد الناس، فلا يمكن في الوجود أعلم منه، ولا أرفق، ولا أحوط،
ولا أسوس بأمور الشريعة ومكارم الأخلاق.
الثانية: أن يتوضأ بأقل من المدّ. قال أبو إسحاق: لا تحديد فيه، وقد قال مالك: رأيت
عياش بن عبد الله، وكان فاضلاً يتوضأ بثلث مذ هشام، وهو دون الرطل، ويصلّي بالناس.
والتقدير في الوضوء ينفى شرعًا، فقد كان حال النبي ﴿ تختلف فيه، وكان يتوضأ مع غيره من
٠
إناء واحد من غير حصر.
الثالثة: إذا قلنا إنه يُتوضأ بالمد ويُغتسل بالصاع، فمعناه: بالصاع كيلاً والمدّ كيلاً لا وزنًا،
لأن كيل المدّ والصاع بالماء أضعافه بالوزن، فتفطن لهذه الدقيقة.
باب الوضوء لكل صلاة
حميد عن أنس (أن النبيّ# كان يتوضأ لكل صلاة: طاهرًا أو غير طاهر. قال: قلت
لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءًا واحدًا) زاد عمرو بن عامر الأنصاري
(١) وحديث عمرو هذا سيأتي برقم (٦٠) إن شاء الله.

٦٨
أبواب الطهارة/ باب ٤٥
وقد كان بعضُ أهل العلم يَرَى الوضوءَ لِكُلِّ صلاةٍ استحبابًا، لا على
الوجوب.
٥٩ - وقد رُوِيَ في حديث عن ابن عمر عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى
◌ُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ)). قال: ورَوّى هذا الحديثَ الإفْرِيقِيَّ عن أبي غُطَيفٍ
عَنِ ابنِ عُمَرَ عن النبيّ ﴾. حدّثنا بذلك الحسين بن حُرَيْثِ المَرْوَزِيُّ حدّثنا محمد بن
يزِيدَ الْوَاسِطيُّ عَنِ الإفْرِيقِيِّ. وهو إسنادٌ ضعيفٌ(١).
قال عليّ بن المديني: قال يحيى بن سعيد القَطّانُ: ذُكِرَ لِهِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ هذا
الحديثُ فقال: هذا إِسْتَادٌ مَشْرِقِيٍّ.
قال: سمعتُ أحمد بن الحسن يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: ما رأيتُ
بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان.
٦٠ - حقثنا محمد بن بشار حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، وعبد الرحمن هُوَ ابنُ مَهْدِيٍّ
قالا: حدّثنا سفيان بن سعيد عن عَمْرِو بْنِ عَامِرِ الأنْصَارِيِّ قال: سمعت أنس بن مَالِكٍ
يقول: ((كان النبيُّ ◌َ﴿ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ. قُلْتُ: فَأَنْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَصْتَعُونَ؟ قالَ: كُنَّا
نُصَلِّي الصلوّاتِ كُلُّهَا بُوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح(٢)، وحديث حميد عن أنس حديث جَيِّدٌ
غریبٌ حسن.
٤٥ - باب ما جاء أنه يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بوضوءٍ واحِدٍ .
[المعجم ٤٥ - التحفة ٤٥]
٦١ - هقثنا محمد بن بشّار حدّثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ عن سفيان عن
عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْتَدٍ عن سليمان بن بُرَيْدَةً عن أبِيهِ قال: كان النبيّ ◌َهِ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ،
عنه ما لم نحدّث. حسن صحيح. سليمان بن بريدة عن أبيه قال: (كان رسول الله مَ ا# يتوضأ
(١) الحديث رواه أبو داود (١: ٢٢ - ٢٣) وابن ماجه (١: ٩٥).
(٢) رواه أحمد والطيالسي والدارمي والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

٦٩
أبواب الطهارة/ باب ٤٥
فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ كُلُّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَيْهِ. فَقَالَ عُمّرُ:
إنّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ فَعَلْتَهُ؟ قَالَ: ((عَمْدًا فَعَلْتُهُ))(١).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وَرَوَى هذا الحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ عن سفيان الثّوْرِيِّ، وزاد فِيهِ: ((تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً)».
قال: وَرَوَى سفيان الثورِيُّ هذا الحديث أيضًا عن مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ عن سليمان بن
بُرَيْدَةَ: ((أن النبيّ ﴿ كَانَ يَتَوضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ)) .
ورواه وكيع عن سفيانَ عن مُحَارِبٍ عن سليمان بن بُرَيْدَةً عن أبيه.
قَالَ: وَرَوَاهُ عبد الرحمن بن مهديٍّ وغيره عن سفيان عن مُحَارِبٍ بن دِثَارٍ عن
سليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ عن النبيِوَ﴿ مرسلاً وهذا أُصحُ من حديثِ وكيعٍ.
والعملُ على هذا عند أهل العلم: أنه يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بوضوءٍ واحِدٍ مَا لَمْ يُحدِثْ.
وكان بعضهم يتوضأُ لِكُلِّ صلاة: استحبابًا وإرادةَ الفَضْلِ.
وَيُزْوَى عن الإفْرِيقِيِّ عن أبِي غُطَيْفٍ عن ابن عُمَرَ عن النبيّ ◌َ قال: ((مَنْ تَوَضْأَ
عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللّهُ لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ)). وهذا إسنادُ ضعِيفٌ(٢).
لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد ومسح على خُفّيه. فقال
عمر: إنك فعلت شيئًا لم تكن فعلته؟ قال: عمدًا فعلته) صحيح حسن.
الأحكام: في ثلاث مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في تجديد الوضوء لكل صلاة، فمنهم من قال: يجدد إذا صلّى أو
فعل فعلاً يفتقر إلى الطهارة، وهم الأكثرون. ومنهم من قال: يجدد وإن لم يفعل فعلاً يفتقر إلى
الطهارة، وذلك مروي عن سعد بن أبي وقاص، وعن ابن عمر وغيرهما. روى أبو داود عن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت: أرأيت توضي ابن عمر لكل صلاة، طاهرًا وغير
طاهر، عمّن ذلك؟ قال: حدّثته أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة بن عامر
حذّثها، أن النبي عليه السلام أمر بالوضوء عند كل صلاة، طاهر وغير طاهر، فلما شقّ ذلك
(١) الحديث رواه مسلم (١: ٩١) وأبو داود (١: ٦٦ - ٦٧) والنسائي (١: ٣٢ -٣٣). وابن ماجه
(١ : ٩٥).
(٢) هذا الحديث سبق الكلام عليه في رقم (٥٩).

٧٠
أبواب الطهارة/ باب ٤٦
وفي الباب عن جابر بن عبد الله: ((أن النبيّ ﴾ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِوُضُوءٍ
وَاحِدٍ».
٤٦ - باب ما جاء في وضوء الرَّجُلِ والمرأةِ من إناءٍ واحِدٍ
[المعجم ٤٦ - التحفة ٤٦]
٦٢ - حقثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدّثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةً عن عَمْرٍو بن دِينَارٍ عن أبِي
الشّعْثَاء عن ابنِ عباسٍ قال: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ قالت: «كُنْتُ أغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ نَّهِ مِنْ
إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ»(١).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وهو قول عَامَّةِ الفقهاء: أنْ لاَ بَأْسَ أن يغتسل الرجل والمرأةُ من إناء
واحد.
قال: وفي الباب عن عَلِيٍّ، وعائشةَ، وَأَنَسٍ، وَأُمّ هَانِىءٍ، وَأُمُ صُبَيَّةَ الجُهَنِيَّةِ، وَأُمّ
سَلَمَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: وأبُو الشّعْثَاءِ اسمه ((جابر بن زيد)».
علينا أمرنا بالسّواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أن به قوة، وكان لا يدع الوضوء لكل
صلاة .
الثانية: ترك التوضي لكل صلاة. أصح الأحاديث المتقدمة والإجماع عليه، ويحتمل أن
ابن عمر لم يعلم بالنسخ.
الثالثة: في لفظة قولنا جدد يقتضي فلم دفع وذلك بالاستعمال وإن لم استعمال يوجب بلم
لم یکن تجدیدہ (٢).
باب الوضوء بفضل المرأة
ووضوء الرجال والنساء من إناء واحد
ميمونة (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﴾ من إناء واحد من الجنابة) حسن صحيح. أبو
(١) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، بألفاظ مختلفة.
(٢) معنى العبارة غير مفهوم.

٧١
أبواب الطهارة/ باب ٤٧ و٤٨
٤٧ - باب ما جاء في كراهية فَضْلٍ طَهُورِ المرأةِ
[المعجم ٤٧ - التحفة ٤٧]
٦٣ - هذثنا محمود بن غَيْلاَنَ قال: حدّثنا وَكِيعُ عن سفيان عن سليمان التَّيْمِيِّ عن
أبِي حَاجِبٍ عن رَجُل مِنْ بَنِي غِفَارٍ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﴾﴿ عَنْ فَضْلٍ طَهُورٍ
المَرْأَةِ»(١) .
قال: وفي الباب عن عبد الله بن سَرْجَسٍ.
قال أبو عيسى: وَكَرِهَ بعضُ الفقهاء الوضوءَ بِفَضْلٍ طَهُورِ المرأة. وَهُوَ قول أحمد
وإسحق: كَرِهَا فضلَ طَهُورِها، وَلَمْ يَرَيَا بفضل سُؤْرِهَا بَأْسًا.
٦٤ - هذثنا محمد بن بشار ومحمود بن غَيْلانَ قالا: حدّثنا أَبُو دَاوُد (٢) عن شُعْبَةً
عن عَاصِم قال: سمعت أبا حَاجِبٍ يُحَدِّثُ عَنِ الْحَكْم بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ ((أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّ
نَهَى أنْ يَتَوَّضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ طَهُورِ المَرْأَةِ» أوْ قال: ((بِسُؤْرِهَا)»(٣).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وَأَبُو حَاجِبٍ اسمه ((سَوَادَةُ بن عَاصِمٍ)).
وقال محمد بن بشار في حديثِهِ: «نَهِى رَسُولُ اللَّهِ وَوَ أنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ
طَهُورِ المَرْأَةِ». ولم يَشُكَّ فِيهِ محمد بن بشارٍ (٤).
٤٨ - باب ما جاء في الرُّخْصَةِ في ذلك
[المعجم ٤٨ _ التحفة ٤٨]
٦٥ - حدثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا أبُو الأَخْوَصِ عن سِمَاكٍ بن حَرْبٍ عن عِكْرِمَةً عن ابن
حاجب سوادة بن عاصم عن الحكم بن عمرو الغفاري (أن النبي ﴿﴿ه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل
(١) رواه أيضًا أحمد في المسند (٥: ٦٦).
(٢) أبو داود هو الطيالسي، وهو سليمان بن داود بن الجارود، أحد أعلام السنة، وحفاظ الإسلام.
(٣) الحديث في مسند الطيالسي برقم (١٢٥٢). ورواه أحمد في المسند (٥: ٦٦) عن الطيالسي عن
شعبة، وكذلك رواه أبو داود (١: ٣٠ - ٣١) وابن ماجه (١: ٧٨).
(٤) رواه أحمد (٤: ٢١٣) عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة. ورواه أيضًا (٤: ٢١٣) عن
وهب بن جرير عن شعبة، قال الحافظ في الفتح (١: ٢٦٠): ((أخرجه أصحاب السنن، وحسنه
الترمذي، وصحّحه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه)).

أبواب الطهارة/ باب ٤٩
عباس قال: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النّبِيِّ ◌ِ﴿﴿ فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِوَهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ،
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنْبًا، فقال: ((إنَّ المَاءَ لا يُجْنِبُ)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (١).
وهو قولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ومالِكٍ وَالشّافِعِيِّ.
٤٩ - باب ما جاء أنَّ المَاءَ لاَ يُتَجِّسُهُ شَيْءٌ
[المعجم ٤٩ - التحفة ٤٩]
٦٦ - حدثنا مَنَّادٌ والحسنُ بن عليّ الخَلاَّلُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قالوا: حدّثنا أَبُو أُسَامَةً عن
الوليد بن كَثِيرٍ عن محمد بن كعب عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن عبد الله بن رافع بن خَدِيجٍ عن أبِي
طهور المرأة أو قال: بسؤرها) حسن. ابن عباس (اغتسل بعض أزواج النبي ◌َّ* في جفنة، فأراد
رسول الله أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول الله، إني كنت جُنُبًا، فقال: إن الماء لا يُخْنِب)
حسن صحيح .
الإسناد: أما حديث جواز التوضي بفضل وضوء المرأة، فصحيح كلها، وأما حديث
الحكم، فقد قال البخاري: أبو حاجب سوادة بن عاصم الغنوي كنّاه أحمد وغيره: يُعَدّ في
المصريين، فقال الغفاري: ولا أراه صحيحًا عن الحكم بن عمرو.
الأحكام: قال جمهور العلماء: يتوضأ بفضل طهور المرأة وغسلها، وقال أحمد بن حنبل:
لا يجوز ذلك إذا خلت به، وكرهه الحسن وابن المسيب وإسحق، ويُروّى كراهيته عن ابن عمر
إذا كانت حائضًا، أو جُنُبًا، وخلت به، وتعلق لهم بحديث الحكم المتقدم. وحديثنا أولى
لوجهين: أحدهما: أنه أصح. الثاني: أنه متأخر عنه، بدليل أنه غير لما أراد أن يغتسل من
الإناء، قالت له ميمونة: إني قد توضأت منه. وهذا يدلّ على مقدّم النهي، فبيّن أن الماء لا
يجنب، ورفع ما تقدم، أو يكون معناه: ما استعملته المرأة، أو يكون معناه: كراهية الوضوء
بفضل الأجنبية، ليذكرها أثناء الغسل واشتغال البال بها، والله أعلم.
تتقدم
باب فيما جاء أن الماء لا ينجسه شيء
عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري قال: (قيل: يا رسول الله،
(١) الحديث رواه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني، وصححه ابن خزيمة، ورواه
الحاكم في المستدرك (١: ١٥٩). وقال: ((هذا حديث صحيح ولم يخرّجاه))، ووافقه الذهبي.
والحافظ في الفتح (١: ٢٦٠).

٧٣
أبواب الطهارة/ باب ٥٠
سَعِيدِ الخُذْرِيِّ قال: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَوضَأَ مِنْ بِثِرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِثْرٌ يُلْقَى فِيها
الجِيّضُ وَلُحُومُ الكِلاَبِ وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: ((إنْ المَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجْسُهُ
شَيْء)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقد جَوَّدَ أَبُو أُسَامَةَ هذا الحديثُ، فَلَمْ يَزْوٍ
أَحَدٌّ حدِيثَ أبِي سَعِيدٍ في بِثْرِ بُضَاعَةً أَحْسَنَ مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَةً. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ
من غير وَجْهٍ عن أبي سعِيدٍ(١) .
وفي البَّابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةً.
٥٠ - باب مِنْهُ آخَرُ
[المعجم ٥٠ - التحفة ٥٠]
٦٧ - هذّثنا هناد حدّثنا عَبْدَةُ عن محمد بن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ
عن عُبَيْدِ الله بن عبد الله بن عُمّرَ عن ابن عمر قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ يُسْأَلُ
عَنِ المَاءِ يَكُونُ في الفَلاَةِ مِنَ الأَرْضِ وَمَا يَتُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابٌ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿: ((إِذَا كَانَ المَاءُ قُلْتَيْنٍ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ)).
قال عَبْدةُ: قال محمد بن إسحق: القُلَّةُ هِيَ الجِرَارُ، والقُلَّةُ الَّتِي يُسْتَقَى فِيهَا(٢).
أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يُلقى فيها الحِيَضُ ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله مخل:
إن الماء طهور لا ينجسه شيء) حسن. عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: (سمعت
رسول الله﴾ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب؟
قال: فقال رسول الله وَله: إذا كان الماء قُلْتين لم يحمل الخبث).
(١) نسبه ابن حجر في التلخيص (ص ٣ - ٤) للشافعي وأحمد وأصحاب السنن والدارقطني والحاكم
والبيهقي. وقال: ((صححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم)). وانظر مسند أحمد
(١١١٣٦ و١١٢٧٧ و١١٨٣٨ ج ٣ ص ١٥ و٣١ و٨٦).
(٢) هو حديث صحيح، نسبه الحافظ في التلخيص (ص ٥) إلى الشافعي وأحمد وأصحاب السنن وابن
خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي. وقال: ((قال ابن منده: إسناده على شرط مسلم).
ورواه أبو داود (١: ٢٤)، والحاكم والبيهقي وغيرهما. وقال الحاكم عن رواية الوليد بن كثير:
((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي. وانظر بعض أسانيد الحديث والكلام
عليه في المستدرك (١: ١٣٢) والسنن الكبرى للبيهقي (١: ٢٦٠ - ٢٦٢) والتلخيص (ص ٥ - ٦)
وعون المعبود (١: ٢٣ - ٢٤) وشرح المباركفوري على الترمذي (١: ٧٠ - ٧١).

٧٤
أبواب الطهارة/ باب ٥١
قال أبو عيسى: وهو قول الشافِعِيِّ وأحمد وإسحق، قالوا: إذَا كان الماءُ
قُلْتَيْنِ لم يُنَجِّسُهُ شيءٌ، ما لم يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أُو طَعْمُهُ، وقالوا: يكون نَحْوًا من خَمْسٍ
قرب.
٥١ - باب ما جاء في كراهِيَةِ البَولِ في الماءِ الرَّاكِدِ
[المعجم ٥١ - التحفة ٥١]
٦٨ - هذثنا محمود بن غَيْلانَ حدّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَّرٍ عن هَمَّام بن مُنبِّهٍ عن
أبي هريرة عن النبيّ وَّه قال: ((لاَ يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَقَوّضْأُ مِنْهُ)(١).
إسناده: حديث بئر بضاعة لا بأس به، وحديث القلّتين مداره على مطعون عليه، أو
مضطرب في الرواية، أو موقوف. وحسبكه أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير، وهو أيادي(٢).
واختلفت رواياته، فقيل: قلّتين أو ثلاثًا، رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة. ورُوِيَ:
أربعون قلّة، ورُوِيّ: أربعون غربًا، ووقف على أبي هريرة وعلى عبد الله بن عمرو. ولقد رام
الدارقطني أن يتخلص من رواية هذا الحديث بحرية الذقن، فاغتصّ بها، وعلى كثرة طرقه لم
يخرجه من شرط الصحة .
محوإبه وهو باضي
غريبه: القلّة. قال محمد بن إسحق: هي الجرة، والقلة التي يستقى فيها. وقالوا: تكون
نحوًا من خمس قِرَب، وقيل: قربتين وشيئًا، والغرب: الدلو العظيم.
الأحكام قال علماؤنا في هذه المسألة أقوالاً عظيمة، وقد قرّرناها في مسائل الخلاف
وغيرها. رأس الخلاف ثلاثة أقوال: الأول: الفرق من بين قليل الماء وكثيره في الجملة.
الثاني: أنه لا ينجسه إلا ما غيّره. الثالث: تفصيل الفرق بين القليل والكثير، إما بتقدير
القلْتين، وإما ببركة عظيمة لا يتحرك طرفها إذا حُرّك الآخر. ومعوّل الشافعي على حديث
القلّتين، وقد أبطلناه. ومعو، أبي حنيفة على أن كل موضع يتحقق وصول النجاسة إليه لم
يجز استعماله، لأنه يؤدّي إلى استعمال المحظور، وهذا يعتضد بقوله *: ((لا يبولن أحدكم
في الماء الدائم ثم يغتسل فيه))، وهذا له وجه إذا تغيّر، فأما إذا لم يتغيّر فلا حكم
للمستهلك، كاللبن إذا وقعت منه نقطة في طعام فأكل، لم تنتشر الحرمة، وإنما نهى عن
البول في الماء الراكد تقذّرًا، وللجماعة تنجّسًا، ولأن الماء الذي يُعَدّ للنظافة مناقضه أن
تطرح فيه القذارة. ومعّلنا نحن على الأثر والنظر، أما الأثر: فحديث بضاعة، وأما النظر:
(١) رواه أحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان
وغيرهم.
(٢) هكذا بالأصل.

٧٥
أبواب الطهارة/ باب ٥١
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب عن جابر.
فإن الماء طهور بنص القرآن، فما دام على صفته فطهوريته على حكمها، والعمدة في ذلك
أن الأعرابي لمّا بالّ في المسجد فأراد النبي وَلّ تطهير البقعة، أمر أن يصبّ عليها ذنوبًا من
ماء، ليستهلك البول بسقط أثره. وقد قال ابن الجويني: لا ضبط لمذهب أبي حنيفة في هذه
المسألة، وعوّل مالك على التغيير، وعارضه الشافعي لقوله و84 *: ((إذا استيقظ أحدكم من
نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، فإذا.
اقتضى الشك في ورود النجاسة ندب الغسل، فَتَّقُنُ ورودها يوجب الغسل، ويعضد المعنى
هذا، فإن اليسير يمكن حفظه والكثير لا يتأتّى ذلك فيه. والجواب قد تقدّم عنه وأنه وارد
على معنى النظافة، فكما تتجنب النجاسة كذلك تتجنب الأقذار، ويمكن أن تجول يده في
نجس وفي قذر، وهو مندوب إلى الغسل، ولا نسلم أن تحقّق النجاسة في اليد يوجب
غسلها قبل إدخالها الإناء، وليس المعنى في الماء اليسير ما ذُكِرَ، من إمكان حفظه عن
النجاسة، وعسير حفظ الكثير، فإن الماء بذاته طهور بصفاته، فلا يغيّر حكمه إلا ما غيّر
صفته، حتى إنه رُوِيَ عن مالك المبالغة في ذلك، فقال: إن يسير النجاسة لا تنجس سائر
المائعات إذا لم تغيّره.
الثانية: مع هذه القاعدة التي أصّلنا، والمذهب الذي قرّرنا: قد رُوِيّ عن مالك روايات
مختلفة متعددة، فروى عنه قتيبة بن سعيد، وأبو مصعب في الفأرة تموت في البئر تنزف كلها،
وروى ابن أبي أُويس: ينزف منها سبعون دلوًا، وبه قال أبو حنيفة، فإن نزع منها تسعة وستون
دلوًا ثم وقع الموفّي سبعين في البئر بعد ارتفاعه منها، نزفت منها سبعين مستأنفة، حتى قال
بعض البطّالين وهو الجاحظ مستخفًا بأبي حنيفة: ما رأيت أبهم من دلو أبي حنيفة، ميّز النجاسة
حتى حوّلها عن الماء في البئر كلها، وقال المغيرة: ينزع منه خمسون، ورُوِيّ عنه: ينزع منها
أربعون، قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: هذه الروايات إنما هي استحباب وتقذّر،
لا حُكم للنجاسة، وتقدير النزع بأدلاء معلومة تحكم من غير دليل، وما رُوِيّ في ذلك من آثار
السلف فمحمول على هذا المعنى.
الثالثة: قال في المدوّنة في الدجاج والإوز تأكل القذر فيشرب من الإناء: لا يتوضأ به،
وإن لم يجد غيره تيمّم، فإن توضأ به أعاد في الوقت. وكذلك قال ابن حبيب: وقال عبد الملك
ومحمد بن مسلمة: هو مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، وهذا عمل يتعارض الأدلة عنده،
والتوقف لأجل ذلك وتغليب الكراهية والتقذّر. وقال ابن شهاب فيما ولغ فيه كلب: هو ماء،
وفي القلب والنفس منه شيء، يتوضأ به ويتيمم، فمن مهنا تطلّع العلماء، وقد رُوِيَ في حديث
الكلب «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فأريقوم)»، فلهذا قالوا: إن ما وجب استهلاكه شرعًا لا
يستعمل في عبادة، وقد حقّقنا ذلك في مسائل الفروع.

٧٦
أبواب الطهارة / باب ٥٢
٥٢ - باب ما جاء في ماء البخرِ أنَّهُ طَهُورٌ
[المعجم ٥٢ - التحفة ٥٢]
٦٩ - حقتنا قُتَيْبَةُ عن مالك ح وحدثنا الأنصارِيُّ إسحق بن موسى حدّثنا مَعْنٌ
حدّثنا مالِكٌ عن صَفْوَانَ بن سُلَيْمٍ عن سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةً مِنْ آلِ ابْنِ الأزْرَقِ أن المُغِيرَةَ بْنَ
أبِي بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّا نَرْكْبُ البَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الماءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا
بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ ماء البَخرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُ
مَيْتَتُهُ».
قَالَ: وفي الباب عن جابر، وَالْفِرَاسِيَّ.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح(١).
باب ما جاء في ماء البحر
ذكر حديث مالك (هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته) وهو حديث مشهور، ولكن في طريقه
مجهول، وهو الذي قطع بالصحيحين عن إخراجه. وأصل مالك أن شُهرة الحديث بالمدينة
تُغني عن صحة سنده، وإن لم يتابع عليه. وقد تكلمنا في ذلك في أصول الفقه بما فيه
کفایة.
الإستاد: رواه عن النبي # جماعة من الصحابة في مصنفات وأسانيد، قيّدت منهم حديث
أبي هريرة، وجابر، والفراسي، والعركي. وقد قال البخاري: هو صحيح، ولكن لم يخرجه لأنه
رواه واحد عن واحد. وقد رواه يحيى بن سعيد، عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة بن
أبي بردة: قالوا يا رسول اله !! نركب أرماثًا في البحر، وساق الحديث. ورُوِيّ عن أبي بكر،
وعليّ، وابن عمرو، وعبد الله بن عمرو، عن النبي 8 9.
غريبه: الأرماث: أعواد تُشَدّ بحبال ويُركّب عليها في البحر، والعركي: هو الملاح، الذي
يقال له عندنا النوتي.
(١) الحديث رواه أبو داود (١: ٣١) والنسائي (١: ٢١) وابن ماجه (١: ٧٩) والدارمي (١: ١٨٦)
وابن الجارود (ص ٣٠) والحاكم في المستدرك (١: ١٤٠ - ١٤١) كلهم من طريق مالك. ورواه
الدارمي (١: ١٨٥) عن أبي هريرة. وكذلك رواه الحاكم (١: ١٤١). والحديث صححه الحاكم،
وقال ابن حجر في التهذيب (٤: ٤٢) ((صحيح البخاري - فيما حكاه عنه الترمذي في العلل
المفرد -: حديثه، وكذا صححه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد)).

٧٧
أبواب الطهارة / باب ٥٢
وهو قولُ أكثر الفقهاءِ من أصحابِ النبيِ وَّر، منهم: أبو بكر، وعمر، وابنُ
عباس: لَمْ يَرَوْا بَأْسًا بماء البحر.
وقد كْرِهَ بَعضُ أصحاب النبي ﴿ الوضوء بماء البحر، منهم: ابْنُ عُمَرَ،
وعبدُ الله بنُ عَمرو. وقال عبد اللَّهِ بنُ عَمْرٍو: هُوَ نَارٌ.
أحكامه: فيه ثمان مسائل:
الأولى: قوله: (إنّا نركب البحر)، فأقرّهم النبي ولو ولم ينكره، فذلك دليل على جواز
ركوبه في طيابه دون ارتجاجه، وقد قال الله تعالى: ﴿هو الذي يسيّركم في البرّ والبحر حتى إذا
كنتم في الفلك﴾ [يونس: ٢٢]. وقد رُوِيَ منعه عن عمر، وقد بيّنًا ذلك في القسم الثالث من
علوم القرآن.
الثانية: قوله: (أفنتوضأ بماء البحر) توقفوا عنه لأحد وجهين: إما لأنه لا يشرب، وإما
لأنه طبق جهنم، كما رُوِيَ عن عبد الله بن عمرو، وما كان طبق لسخط لا يكون طريق طهارة
ورحمة .
الثالثة: فقال لهم النبي وَ﴾: (هو الطهور ماؤه) أي: هو الماء الذي يتطهر به، وهو أحد
البحرين اللذين امتنّ الله بهما، فقال: ﴿وهو الذي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شرابُه
وهذا مِلْحٌ أُجاج﴾ [الفرقان: ٥٣].
الرابعة: أن النبي 18 لم يقل لهم: نعم، فإنه لو قال ذلك لما جاز الوضوء به إلا
للضرورة، وعليها وقع سؤالهم، لأنه كان يكون جواب قولهم: إنّا نركب البحر ونحمل معنا
القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، فشكوا إليه بصفة الضرورة، وعليها وقع سؤالهم، فما
كان يرتبط جواب: نعم لو قاله، فاستأنف بيان الحكم بجواز الطهارة به. وقد كانت الصحابة
تسافر في البحر فتتوضأ به، وما تيممت ولا حملت ماء لطهورها غيره، وإنما كانت تحمل للشقة
خاصة .
الخامسة: روى الدارقطني أن البحر هو طهور الملائكة إذا نزلوا وإذا عرجوا، وهذه تقوية
لجواز الوضوء به.
السادسة: قوله: (الحلّ ميتته) زيادة على الجواب، وذلك من محاسن الفتوى، بأن يخلف
السائل بأكثر مما سأل عنه تتميمًا للفائدة، وإفادة لعلم آخر غير المسؤول عنه.
السابعة: قوله (الحلّ ميتته) بيان أن البحر كله بركة ورحمة: ماؤه طهور، وميتته حلال،
وطهره مجاز، وقعره جواهر. وقد قال أبو حنيفة وغيره في تفصيل: لا تحلّ ميتة البحر،
وحديث النبي * في قصة أبي عبيدة في جيش الخبط، وأكلهم الحوت المقذوف من البحر،

٧٨
أبواب الطهارة / باب ٥٣
٥٣ - باب ما جاء في التّشدِيدِ في البولِ
[المعجم ٥٣ - التحفة ٥٣]
٧٠ - هذهنا مَنَادٌ وَقُتِبَةُ وأبو كُرَيْبٍ، قالوا: حدّثنا وَكِيعٌ عن الأَعْمَشِ قال: سمعتُ
مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عن طَاوُسِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النّبِيَِّ﴿ مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا
يُعَذِّبَانِ، وَمَا يُعَذِّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا هُذَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هُذَا فَكَانَ يَمْشِي
بالنميمة»(١).
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هُريرةً، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن
حَسَنَةَ، وزيد بن ثابت، وأبِي بَكْرَةَ.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٢).
وَرَوَى منصورٌ هذا الحدِيثَ عن مُجَاهِدٍ عن ابن عباس، ولم يَذْكُرْ فِيهِ ((عن
طاوُسٍ)). ورواية الأعمش أصحُ.
وحملهم منه إلى النبي حتى أكله بالمدينة يعضده وببيّنه، وذلك تخصيص من عموم قوله:
﴿حُرِّمَتْ عِلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
الثامنة: قال الترمذي عن عبد الله بن عمرو: إنه نار، أراد به أنه طبق النار، لأنه ليس بنار
في نفسه.
باب التشديد في البول
ذكر عن طاوس عن ابن عباس (أن النبي # مرّ على قبرين، فقال: إنهما يُعَذّبان، وما
يُعذّبان في كبير: أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة) حسن صحيح.
الأصول: أخبر النبي * عن صاحبي هذين القبرين أنهما يُعذَّبان، فكان ذلك إعلامًا
بعذاب القبر، وعذاب القبر حق، صدق به أهل السُّنّة، وكذبته المبتدعة، وقد بيّناه في أصول
الدين، ذكره الله في كتابه، وتكاثرت عن رسول الله مجر الروايات به، والقدرة له واسعة، وهو
أول درجات الآخرة، وفي نعيم أو عذاب. وقد بيّاه في القسم الرابع بأترع بيان.
قالت القدرية: إذا كان يُقام ويقعد، ولا يرى، ويصيح، ولا يسمع فهذا إنكار
المحسوسات. قلنا: فقد كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي 8* بوحي مثل صلصلة الجرس
(١) انظر رواية البخاري في الفتح (١: ٢٧٨). والخطابي في معالم السنن (١: ١٩ - ٢٠).
. (٢) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
:

٧٩
أبواب الطهارة/ باب ٥٣
قال: وسمعتُ أبا بكر محمد بن أبانَ البَلْخِي مُسْتَمْلِي وَكِيع يقول: سمعتُ وكِيعًا
يقول: الأعمشُ أخفَظُ لإِسْنَادِ إِبراهِيمَ مِنْ منصور (١).
فيفصم عنه ولا يسمع أحد ذلك منه. وعلى إنكار ذلك كله تجرمون مع إخوانكم الفلاسفة، فمَن
لا يشترط أن يسمع واحد ما يسمعه الآخر معه في موضعه، ولا أن يراه كما يراه، وإنما السمع
والرؤية أمران يجعلهما الله للحي، تارة بجري العادة ليستوي فيها المجتمعون، وتارة بخرق العادة
فيتفاوتون في ذلك ويختلفون، ومَن لم يؤمن إلا بما يرى ويسمع فهو مُلحِد.
الثانية: قوله: (وما يُعذّبان في كبير). الذنوب على قسمين في حكم الله، أحدهما كبير
والآخر صغير، وذلك يرجع إلى قلة العقاب وكسبه، بحسب ما قابل الله به كل واحد منهما في
علمه. والتفرقة بين الكبائر والصغائر غامض، وأقرب ما يقال فيه إنه ما يوعد الله عليه بالنار
والعذاب فهو كبيرة، وإن كان المحقّقون قد قالوا: لا ذنب إلا وهو كبيرة بالإضافة إلى مخالفة
العليّ الكبير.
الثالث: أن النميمة والنجاسة من الكبائر بإخباره $، فكيف ينفي عنهما في أول الخبر ما
أثبته لهما في آخره بالوعيد؟ قلنا عنه أجوبة: أراد (في كبير) بالإضافة إلى غيره، فإنما يعدّ من
الذنوب على قسمين: صغيرة ولا أصغر منها وهي النظر، وكبيرة لا أكبر منها وهو الكفر، وما
بينهما يختلف في حكمه، فإما أن يُضاف إلى ما فوقه فيكون صغيرًا، أو يُضاف إلى ما تحته
فيكون كبيرًا. ومنها أنه يحتمل أنه إشارة إلى حقارته في الذنوب، فإن النميمة من الدناءات
المستحقرة بالإضافة إلى المروءة، وكذلك التلبّس بالنجاسات، فلا يدخل فيها إلا حقير الهمة،
ويحتمل أن يريد به: وما يُعَذّبان في كبير يشق ويكبر عليهما اجتنابه، فإن من الذنوب ما يشقّ
ترکه، وهذا ما لا يشقّ تركه لأنه لا غرض فيه.
الأحكام: قوله: (لا يستتر) رُوِيَ على ثلاثة أوجه: لا يستتر من التستر، ورُويَ: لا يستنزه
من النزهة، وهي: البعد، ورُوِيّ: لا يستبرىء من البراءة. فأما قوله: (لا يستتر) بتاثين اثنتين من
الاستتار فيحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا يبالي بكشف عورته. الثاني: أنه لا يبالي بإضافة البول
إلى ثيابه، لا يجعل بينه وبينها حاجزًا من ماء أو حجارة، ولا يستنزه وقد كان بنو إسرائيل إذا
أصاب ثوب أحدهم البول قرضه، فخفّف الله عن هذه الأمة فجعل حجابها عن النجاسة الطهارة
بالماء. الثالثة: أنه كان لا يبالي، أستوفى إخراج ما كان منه قد صار في المثانة أو بقي شيء منه
فيها، فإذا توضأ خرج بعد ذلك، فيكون ناقضًا للوضوء. وقد بيّنًا في باب الاستنجاء الاستبراء
والنثر للذكر ثلاث مرات، لئلا يبقى فيه نقطة ينقض الوضوء إخراجها، وإليهما جميعًا يرجع
(١) رواية منصور عن مجاهد رواها البخاري (١: ٢٧٣). ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة
(رقم ٢٦٤٦).

٨٠
أبواب الطهارة / باب ٥٤
٥٤ - باب ما جاء في نضح بول الغلام قبلَ أن يطْعَمَ
[المعجم ٥٤ - التحفة ٥٤]
٧١ - حدّدنا قُتَيْيَةُ وأحمد بن مَنِيع، قالا: حدثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةً عن الزُّهْرِيِّ عن
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الله بن عُثْبَةَ عن أُمِّ قَيْسٍ بِئْتِ مِحْصَنٍ قالت: ((دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى
التِّّ وَ﴿: لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ عَلَيْهِ))(١).
معنى قوله: (يستنزه) من النزاهة، وهي البُعد، ويقرب منه (يستبرىء)، لأن كل من برىء من
شيء فقد أبعده.
الثانية: إذا كان يكشف عورته عند الاستنجاء، فلا يتعلق ذلك بإبطال الوضوء ولا الصلاة
في شيء. وإن كان يتنزه فيكون المعنى: أنه يتلبس بالبول ويعود ذلك إلى التأثير في الصلاة،
فإن الصلاة بالنجاسة مُختَلَف فيها، قال ابن القاسم: يُعيد عامدًا ولا يعيد ناسيًا، وقال ابن
وهب؛ يُعيد عامدًا، وقال أشهب: يُعيد في الوقت وإن كان يستبرىء، فيرجع ذلك إلى نقض
الطهارة بما يخرج من أثر البول من نقطة، فإن كان في أثناء الطهارة بطلت الصلاة إجماعًا، إلا
أن يكون ذلك من سلس ففيهما اختلاف بين العلماء، قال مالك: لا يضرّ السّلس الطهارة ولا
يؤثر فيها، وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: يبطل ذلك الطهارة.
الثالثة: قوله: (كان يمشي بالنميمة) وهو رفع الخبر إلى الغير إذا كان يضرّ المخبر عنه في
عرضه، أو دينه، أو ماله. ثبت في الصحيح أنه: ((لا يدخل الجنة نمام)). ورُوِيّ أنه: ((لا يجد
عرف الجنة، ويوجد من مسيرة خمسمائة عام)). ويجوز دفع الحديث إذا كان القائل له ظالمًا
للمقول فيه نصيحة وتحذيرًا، وذلك مستثنى من النهي، وسيأتي بيان ذلك كله في موضعه إن شاء
الله تعالى.
باب في نضح بول الغلام قبل أن يطعم
وذكر حديث أم قيس (دخلت بابن لي على النبي ﴿: لم يأكل الطعام، فبالَ عليه، فدعا
بماءٍ فرشّه عليه).
الإسناد: هذا حديث صحيح متفق عليه، واختلفت ألفاظه. فرُوِيّ فيه: فنضحه ولم يغسله،
وفي رواية الموطأ: فأتبعه إياه.
(١) الحديث رواه أحمد في المسند (٦: ٣٥٥) ورواه الطيالسي (رقم ١٦٣٦)، ورواه ابن سعد في
الطبقات (٨: ١٧٦). وكذلك رواه مالك في الموطأ (١: ٨٣). والحديث رواه أيضًا البخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.