النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
أبواب الطهارة / باب ٥
وَحَديثُ زَيْدِ بْنٍ أَرْقَمَ فِي إسْنَادِهِ اضْطرابٌ: رَوَى هِشَامٌ الدَّسْتَوائِيَّ وَسَعِيدُ بنُ أَبِي
عَرُوبَةً عن قتادة: فقَال سَعِيدٌ: عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوفِ الشَّيْبَانِيِّ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ. وقال
هِشام الدستوائي: عن قتادة عن زيدِ بْنِ أَرْقَمَ. وَرَوّاهُ شُغْبَةُ ومَعْمَرٌ عن قتادة عَنِ النّضْرِ بنِ
آنَسِ: فَقَالَ شعبة: عن زيدِ بنِ أزْقَمَ. وقال مَعْمَرْ عنِ النَّضْرِ بنِ أَنَسٍ عن أبيه عن
النبيّ
قال أبو عيسى: سألتُ محمدًا عن هذا؟ فقال: يحتمل أن يكون قتادةُ رَوَى عنهما
جمیعًا.
٦ - الخبردا أحمد بن عَبْدَةَ الضَّبِيُّ البصريّ حدّثنا حَمَّادُ بن زيدٍ عِن عبدِ العزيز بنِ
صُهَيْبٍ عن أَنَسٍ بِ مَالِكِ: أن النبي ﴿ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ
مِنّ الْخُبْثِ والْخَبَائِثِ».
قال أبو عيسى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
٥ - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء
[المعجم ٥ - التحفة ٥]
٧ - حقّثنا محمد بن إسماعيل حدّثنا مالك بن إسماعيل عن إسرائيل بن يونس عن
الفقه: كان النبي # معصومًا من الشيطان، حتى من الموكل به بشرط استعاذته منه، كما
غفر له بشرط استغفاره، ومع ذلك فقد كان اللعين يعرض له: عرض له ليلة الإسراء فدفعه
بالاستعاذة، وعرض له في الصلاة فشدّ وثاقه، ثم أطلقه، وكان يخصّ الاستعاذة في هذا الموضع
بوجهين: أحدهما: أنه خلاء، وللشيطان بعادة الله وقدره في الخلاء تسلّط ليس له في الملأ.
قال : ((الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب)). الثاني: أنه موضع قذر، ينزّه ذكر
الله عن الجريان فيه على اللسان، فيغتنم الشيطان عدم ذكر الله، فإن ذكره يطرده، فلجأ إلى
الاستعاذة قبل ذلك، ليعقدها عصمة بينه وبين الشيطان حتى يخرج وليعلم أمته.
باب ما يقول إذا خرج من الخلاء
أبو بردة واسمه عامر بن أبي موسى (عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ﴿ إذا
خرج من الخلاء قال: غفرانك).
(١) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

٢٢
أبواب الطهارة/ باب ٥
يوسفَ بْن أبي بُرْدَةً عن أبِيهِ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ النَّبِيُّ وَ﴿ إِذَا خَرَجَ مِنَ
الْخَلاَءِ قَالَ: ((غُفْرَانَكَ)»(١).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ إسرائيل عن
يوسف بن أبي بردة.
وأبو بردةً بنُ أبي موسى اسمه: ((عَامِرُ بن عبد الله بن قَيْسِ الأشْعَرِيُّ)».
وَلاَ نَعْرِفُ فِي هذَا الْبَابِ إِلاَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ رضي الله عنها عن النبي {8 1.
إسناده. قال أبو عيسى: لا يعرف هذا الحديث إلا من رواية إسرائيل. رواه عنه مالك بن
إسماعيل أبو غسان النهري الشامي، وهاشم بن القاسم أبو النضر يعرف بقيصر تيمي، ويقال:
تميمي خراساني، نزل بغداد، ومالك بن إسماعيل في إسرائيل أقعد وأشهر، وإسرائيل هو
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مالك. أخرجه البخاري في التاريخ، ولا يعرف
هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
غريبه: قوله: (غفرانك) مصدر، كالغفر والمغفرة، ومثله: سبحانك، والأشهر في: سبحان
أنه مصدر، جاء على غير الصدر ونصبه بإضمار فعل تقديره: هنا أطلب غفرانك.
الأصول: كان النبي 9 يطلب المغفرة من ربه قبل أن يُعلمه أنه قد غفر له، وكان ليسألها
بعد ذلك لأنه غفر له بشرط استغفاره، ورفع إلى شرف المنزلة بشرط أن يجتهد في الأعمال
الصالحة، والكل له حاصل بفضل الله. وفي خير طلب المغفرة هاهنا محتملان: الأول: أنه سأل
المغفرة من تركه ذكر الله في ذلك الوقت في تلك الحالة، فإن قيل: إنما تركها بأمر ربه، فكيف
يسأل المغفرة عن فعل كان بأمر الله؟ فالجواب أن الترك وإن كان بأمر الله، إلا أنه من قبل نفسه،
وهو الاحتياج إلى الخلاء، فإن قيل: هو مأمور بما جرّه إلى الدخول في الخلاء وهو الأكل،
قلنا: العبد مأمور بالأكل المؤذي إلى الاحتياج إلى الغائط، مقدور عليه خُلُوُّ ذلك الوقت عن
الذكر، والباري يعدّ على العبد ما يقوده إليه، ويلزمه ما يخلقه فيه، ولذلك موضع يحقّق فهمه
فيه، وهذا المحتمل أكثر وأغمض. الثاني: وهو أشهر وأخصّ، أن النبي 18 سأل المغفرة في
العجز عن شكر النعمة، في تيسير الغذاء، وإبقاء منفعته، وإخراج فضلته على سهولة. ويحقّ أن
يعتقد هذا المقدار نعمة، فإنه مدى الشكر، فيؤذي قضاء حقها بالمغفرة.
(١) الحديث رواه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي، وأخرجه ابن حبان وابن خزيمة وابن
الجارود والحاكم في صحاحهم، وصححه أبو حاتم، وقال النووي في شرح المهذب: ((هو حديث
حسن صحيح).

٢٣
أبواب الطهارة/ باب ٦
٦ - باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول
[المعجم ٦ - التحفة ٦]
٨ - حدثنا سَعِيدُ بنُ عبد الرحمن المَخْزُومِيُّ حدّثنا سفيان بن عُيَيْنَةً عن الزُّهْرِيِّ
عَنْ عطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رسول اللهِ وَهُ: ((إِذَا أَتَيْتُمُ
الغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا القِيْلَةَ بِغَائِطٍ وَلاَ بَوْلٍ، وَلاَ تَسْتَذْبِرُوهَا، وَلكِنْ شَرَّقُوا أو غَرِّبُوا))، فقال
أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشّأْمَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ مُسْتَقْبَلَ القِيْلَةِ فَتَتْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ(١).
قال أبو عيسى: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحرثِ بْنِ جَزْءِ الزُّبَيْدِيِّ، وَمَعْقِلِ بْنِ
أبِي الْهَيْثَمِ، وَيُقَالُ مَعْقِلُ بنُ أَبِي مَعْقِلٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أبِي أيُوبَ أحسَنُ شَيْءٍ في هذا الْبَابِ وَأُصَحُ.
وَأَبُو أيُّوبَ اسمه ((خالد بن زيد)). والزُّهْرِيُّ اسْمُهُ ((محمد بن مُسْلم بنِ عُبَيْد اللَّهِ بنِ
شهَابِ الزُّهْرِيُّ، وكنيته «أَبُو بَكْرٍ)).
قَالَ أَبُو الْولِيدِ المَكِّيُّ: قَالَ أَبُو عَبدِ الله محمد بن إدريس الشافِعِيُّ: إنَّمَا مَعْنَى قولٍ
النبيِ وَله: ((لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ ولاَ بِبَوْلٍ وَلاَ تَسْتَذْبِرُوهَا)): إنَّمَا هَذَا فِي الفَيَافِي، وَأَمَّا
فِي الْكُنُفِ المَبْنِيَّةِ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أن يَسْتَقْبِلَهَا. وهكَذَا قَالَ إِسْحُقُ بن إبراهيم.
باب النهي عن استقبال القبلة لغائط أو بول
عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله وَل﴾: (إذا أتيتم الغائط
فلا تستقبلوا القِبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرّقوا أو غرّبوا، فقال أبو أبـب:
فقّدِمنا الشأم فوجدنا مراحيض قد بُنيت مستقبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله).
غريبه: الغائط: المكان المطمئن من الأرض. وكانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوه للتستر
فيه، فسُمِّيت الحاجة به وغلب ذلك عليها، حتى صار هذا اللفظ في الحاجة أعرف منه في
مكانها، وهو أحد قسمي المجاز. المراحيض: واحدها مرحاض مفعال، من رحض إذا غسل،
يقال: ثوب رحيض أي غسيل، والرحضاء عرق الحمّى، والرحضة إناء يتوضأ به.
(١) رواه أحمد والشيخان.

٢٤
أبواب الطهارة/ باب ٧
وَقَالَ أَحْمّدُ بْنُ حَنْبلِ رحمه الله: إنَّمَا الرَّخْصَةُ مِنَ النبي ◌ِ ﴿ في اسْتِدْبَارِ القِبْلَةِ
بِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ، وَأمّا اسْتِقْبَالُ القِيْلَةِ فَلاَ يَسْتَقْبِلُهَا. كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ في الصَّحْرَاءِ وَلاَ فِي الْكُنْفِ
أنْ يَسْتَقْبِلَ القِيْلَةَ.
٧ - باب ما جاء من الرخصة في ذُلِكَ
[المعجم ٧ - التحفة ٧]
٩ - حقثنا محمد بن بَشّارٍ ومحمد بن المُثَنَّى قالا حدّثنا وَهْبُ بن جَرِيرٍ حدّثنا أبِي
عَنْ محمد بن إسحقَ عِن أبَانَ بنِ صَالحِ عَنْ مُجَاهِدٍ عن جابرٍ بنِ عبدِ الله قال: «نّهَى
النَّبِيِّ ◌ِ﴿ أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بَِّوْلٍ، فَرَأيْتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا))(١).
أحكامه: في مسائل. اختلف في استقبال القبلة للغائط والبول، فرُوِيّ أن ذلك لا يجوز
بحال ولا في موضع، قاله أبو أيوب، وسفيان، وإحدى روايتي أبي حنيفة، وأحمد. ورُوِيّ أن
ذلك في الصحاري خاصة ممنوع، قاله ابن عمر، ومالك، والشافعي. ورُوِيّ عن مالك أن ذلك
في موضع يقدر على الانحراف فيه، فأما المواضع التي قد عملت على ذلك فلا بأس به.
واختلف في تعليل المنع في الصحراء، فقيل: ذلك لحرمة المصلّين، وقيل: ذلك لحرمة القبلة
لكن جاز في الحواضر للضرورة، والتعليل بحرمة القبلة أولى بخمسة أوجه: أحدها: أن الوجه
الأول قاله الشعبي، فلا يلزم الرجوع إليه. الثاني: أنه إخبار عن مغيب فلا يثبت إلا عن الشارع.
الثالث: أنه لو كان لحرمة المصلّين لما جاز التغريب والتشريق أيضًا، لأن العورة لا تخفى معه
أيضًا عن المصلّين، وهذا يُعرَف باختيار المعاينة. الرابع: أن النبي # إنما علّل بحرمة القِبلة،
فِرُوِيّ أنه قال: ((مَنْ جَلَسَ لِيَوْلٍ قِبَالَةَ القِبْلَةِ فَذَكَرَ فَانْحَرَفَ عنها إجْلالاً لها لَمْ يَقُمْ من مجلسِهِ
حتى يُغْفَرَ له)) أخرجه البزار. الخامس: أن ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة إنما هي للقبلة،
لقوله: لا تستقبلوا القِبلة، فذكرها بلفظها فأضاف الاحترام لها. الثانية أنه قال: كنا ننحرف
ونستغفر الله يحتمل ثلاثة أوجه: الأول أن يستغفر من الاستقبال، الثاني أن يستغفر الله من ذنوبه،
فالذنب يُذكّر بالذنب، الثالث أن يستغفر الله لمَن بناها، فإن الاستغفار للمذنبين سُنَّة.
باب الرخصة في ذلك
مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: (نهى النبيّ ◌َ# أن تستقبل القبلة لبول، فرأيته قبل أن
يُقبَضَ بعام يستقبلها) حسن غريب. واسع بن حبان عن ابن عمر قال: (رقيت يومًا على بيت
حفصة، فرأيت النبيَّ وَ﴿ على حاجتِهِ مُستَقبِلَ الشأم مستدبر الكعبة) حسن صحيح.
(١) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبزار وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني،
وحسّنه البزار وصحّحه ابن السكن، كما نقله الشوكاني.

٢٥
أبواب الطهارة/ باب ٧
وفي البَابِ عن أَبِي قَتَادَةً وَعَائِشَةً وَعَمَّارٍ بن ياسِرٍ .
قال أبو عيسى: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي هذا البَابِ حديث حسنٌ غَرِيبٌ.
١٠ - وَقَدْ رَوَى هذا الحَدِيثَ ابْنُ لَهِيعَةَ عن أبِي الزُّبَيْرِ عن جَابِرِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: ((أَنَّهُ
رَأَى النَّبِيِّ وَ ◌ّهِ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) حدّثنا بذلك قُتَنْبَةُ حدّثنا ابنُ لهيعة.
وحديث جابرٍ عن النبي ◌َّ﴿ أَصَحُّ من حَدِيث ابن لهيعة وابنُ لهيعة ضَعِيفٌ عند أهل
الحديث. ضَعَّفَهُ يحيى بنُ سعِيدِ القَطَّانُ وَغيرُهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
١١ - هقثنا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بن سليمان عَنْ عُبَيْد الله بن عمَرَ عن محمد بن
يحيىُ بْنِ حَبَّنَ عن عَمِّه وَاسِعِ بْنِ حَبَّنَ عنِ ابن عُمَرَ قَالَ: رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ،
فَرَأيْتُ النّبِيِّ ◌َِ﴿ عَلَى حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشّأْمِ مُسْتَذْبِرَ الْكَعْبَةِ)).
قال أبو عيسى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ(١).
إسناده: أما حديث جابر ففيه تكلم، وأما حديث ابن عمر فصحيح مسلم.
أحكامه: اختلف العلماء في الرخصة في ذلك، فرُوِيّ عن أبي حنيفة وإحدى روايتي أحمد
كما تقدم، أن الاستدبار في الصحاري وفي البنيان جائز، ولا يجوز الاستقبال. وقال عروة في
ذلك وربيعة: يجوز الاستقبال والاستدبار جميعًا في الصحاري والبنيان. وقال مالك والشافعي:
لا يجوز كل ذلك في الصحراء، ويجوز في الأبنية كما تقدم. فأما أبو حنيفة، فتعلق بجواز
الاستدبار بحديث ابن عمر هذا ورواه ناسخًا فيه، وهذا باطل، فإنّا قد بيّنًا في أنوار الفجر
وأصول الفقه، أن شروط الناسخ أربعة، وهي همهنا معدومة، ولا نسلم له أن الأصل الإباحة.
وأما مالك والشافعي، فجعلا حديث ابن عمر أصلاً في جواز الاستدبار في الأبنية، فابتنيا عليه
جواز الاستقبال فيها، والمختار والله الموفق أنه لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار في الصحراء،
ولا في البنيان، لأنّا إن نظرنا إلى المعاني فقد بيّنًا أن الحرمة للقبلة، ولا يختلف في البادية ولا
في الصحراء، وإن نظرنا إلى الآثار فإن حديث أبي أيوب عامّ في كل موضع، معلّل بحرمة
القِبلة، وحديث ابن عمر لا يعارضه، ولا حديث جابر لأربعة أوجه: أحدها: أنه قول وهذان
فعلان، ولا معارضة بين القول والفعل. الثاني: أن الفعل لا صيغة له، وإنما هو حكاية حال،
وحكايات الأحوال معرّضة للأعذار والأسباب والأقوال، لا محتمل فيها من ذلك. الثالث: أن
القول شرع مبتدأ، وفعله عادة، والشرع مقدّم على العادة. الرابع: أن هذا الفعل لو كان شرعًا
لما تستر به.
(١) الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كلهم من حديث ابن عمر.

٢٦
أبواب الطهارة / باب ٨
٨ - باب ما جاء في النَّهي عَنِ البَوْلِ قَائِمًا
[المعجم ٨ - التحفة ٨]
١٢ - حقثنا عليّ بن حُجْرٍ أخبرنا شَرِيكُ عنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ عن أبِيهِ عن عائشة
قالت: (مَنْ حَدِّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيِّ: ﴿ كَانَ يَبُولُ قَائمًا فَلاَّ تُصَدِّقُوةٌ. مَا كَانَ يَبُولُ إِلاَّ
قَاعِدً))(١).
قال: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ، وَبُرَيْدَةً وعبد الرحمن بن حَسْنَةً(٢).
قال أبو عيسى: حَدِيثُ عَائِشَةَ أحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَأَصَحُ.
وحديثُ عمرَ إنَّما رُوِيّ مِنْ حديثٍ عبد الكريم بنِ أبِي المُخَارِقِ عن نافعٍ عَنِ ابْنِ
عمر عن عمرَ قال: رَّنِي النّبِيِّ ◌َ﴿ وَأَنا أَبُولُ قَائِمًا، فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ، لاَ تَبُلْ قَائِمًا». فَمَا
بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ.
باب النهي عن البول قائمًا
شريح عن عائشة قالت: (مَن حدّثكم أن النبيِّ ◌َ﴿ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه. ما كان
يبول إلا قاعدًا) حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح. وشريح أثبت، وهو شريح بن
هانىء بن يزيد بن نهيط، ويقال ابن كعب، ويقال ابن دويد الضبابي، ويقال الحارثي، ويقال
المذحجي، من جلة أصحاب علي بن أبي طالب، وشهد معه مشاهده كلها، وهو جاهلي
إسلامي، به كثّ النبيُّ ◌َ﴿ أباه ههنا، وذكره الطبري في الصحابة، وقال: شهد المشاهد كلها.
العارضة.
إسناده: هذا الباب مع آداب الحاجة جمع فيه أبو عيسى أحاديث يطول القول فيها، قد نبّه
على جملة منها في الأصل.
وجملة الآداب كثيرة، قد جمعنا منها جملة كافية في مختصر النيّرين، ونذكر الآن لمّن
حضر جملة خاطرية، إذا أضافها إلى تلك ربما ائتلف له جميعها. الأول: أن يبعد في المذهب،
فلذلك ثبت عنه * أنه كان يفعل ذلك. الثاني: يستتر. الثالث: يستعيذ من الخبث والخبائث.
الرابع: لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. الخامس: يلتفت يمينا وشمالاً. السادس: يغطي
(١) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
(٢) الحديث في مسند أحمد (٤: ١٩٦) وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال الحافظ في
الفتح (١: ٢٨٢): ((هو حديث صحيح، صخحه الدارقطني وغيره)).

٢٧
أبواب الطهارة/ باب ٨
قال أبو عيسى: وإنما رَفَعَ هذا الحدِيثَ عبدُ الكريمِ بنُ أبِي المُخَارِقِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ
عِنْدَ أَهْلِ الحدِيثِ: ضَعَّفَهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ(١).
وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ عن نافِعِ عنِ ابنِ عمر قال: قال عمر رضي الله عنه: مَا بُلْتُ قَائِمًا
مُنْذُ أَسْلَمْتُ(٢).
وهذا أصحُ مِن حدِيثِ عبدِ الكريمِ.
وحدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي هذا غيرُ مَحْفُوظٍ.
ومعنى النهي عنِ البولِ قائِمًا: على التَّأْدِيبِ لاَ عَلَى النَّخرِيمِ. وقد رُوِيّ عن
عبد اللَّهِ بنِ مسعودٍ قال: إنَّ مِنَ الْجَفَاءِ أنْ تَبُولَ وَأنْتَ قَائِمٌ.
رأسه. السابع: ينهى عن الكلام على تلك الحال. الثامن: ينهى عن الاستنجاء باليمين. التاسع:
يغسل يده بالتراب بعد الفراغ. العاشر: كان يستجمر بثلاثة. الحادي عشر: ينهى عن الوضوء في
المغتسل. الثاني عشر: كان يفرج بين فخذيه للبول. الثالث عشر: كان إذا خرج من الخلاء قال:
(اللَّهمّ غفرانك))، وقال: ((الحمد لله الذي سَوَغَنِيهِ طَيِّبًا وأخرجه عني خبيئًا))، وبذلك سُمِّي نوح
عبدًا شكورًا. الرابع عشر: أن ينضح ثوبه بالماء. الخامس عشر: قال: ((لا وضوء لمَن لم يذكر
اسم الله عليه)، وقد بيّنًا في غير موضع أن المراد بذلك النية، فإن الذكر محله القلب، وليس
هذا من آداب الأحداث. السادس عشر: من آدابه أن ينزع الخاتم فيه اسم الله، فلا يحلّ لمسلم
أن يستنجي به في يده. السابع عشر: أن يكون الموضع دمثّا، يعني سهلاً، لا عزارًا، يعني
شديدًا. الثامن عشر: أن لا يتكلم ابتداءً ولا جوابًا. التاسع عشر: أن لا يستقبل الريح ولا القِبلة
ولا يستدبرهما. العشرون: أن لا يبول قائمًا (٣) هذا الباب. الثاني والثالث والعشرون: أن لا
يتخلى في طريق الناس، وظلّهم، ولا في الهجرة، فإنها مساكن الجنّ، ولا في الماء الراكد، فإنه
يفسده، ولا في مساقط الثمار، ولا في ضفة الأنهار، فذلك ثمانية وعشرون(٤). التاسع
والعشرون: أن يتكىء على رجله اليسرى. الموفّ ثلاثين: أن يستبرىء نفسه، بأن يتنحنح وينثر
ذكره.
(١) حديث عمر هذا رواه ابن ماجه (١: ٦٧) والبيهقي في السنن الكبرى (١: ١٠٢).
(٢) هذا الأثر نقله الهيثمي في مجمع الزوائد (١: ٢٠٦). وانظر كلام الحافظ في الفتح (١: ٢٨٣).
(٣) هنا يوجد سقط في الأصل كما هو ملاحظ من عدم وضوح المعنى من جهة، وانتقال التعداد من
الأدب المرقّم عشرون إلى الأدب المرقّم الثاني والعشرون من جهة أخرى.
(٤) هنا يوجد سقط آخر، لانتقاله إلى الأدب التاسع والعشرون.

٢٨
أبواب الطهارة/ باب ٩
٩ - باب الرخصة في ذلك
[المعجم ٩ - التحفة ٩]
١٣ - حدثنا هَنَّادٌ حدّثنا وَكيعْ عنِ الأعْمَشِ عن أبي وائل عَنْ حُذَيْفَةَ: ((أنَّ
النَّبِيَّ وَّهِ أَتَى سُبَاطَةً قَوْمٍ فَبَالَ عَلَيْهَا قَائِمًا، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ فَذَهَبْتُ لِأَتَأْخَرَ عَنْهُ، فَدَعَانِي
حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ فَتَوَضَّأ وَمَسَحَ عَلَى خُفَيْهِ»(١).
قال أبو عيسى: وسمِعتُ الجَارُودَ يقول: سَمِعْتُ وكِيعًا يُحدِّث بِهذا الحدِيثِ عنٍ
الأعمشِ، ثم قال وكيعُ: هذا أصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيّ عن النبي ◌َّهَ في المسح وسمعتُ أبا
عَمَّار الحسينَ بنَ حُرّيثٍ يقول: سمعتُ وكيعًا، فذكر نحوه.
قال أبو عيسى وَهكّذَا رَوَى منصورٌ وَعُبَيْدَةُ الضَّبِيُّ عن أبِي وائِلٍ عن حُذيفةً مِثلَ
روايةٍ الأعمش.
>
فائدة: قال الأعمش: کان أبي حميلاً، فورثه مسروق - يعني به أنه كان مسبيًّا، محمولاً
من بلد إلى بلد في جملة، ذكروا أنهم إخوة، فورث بعضهم بعضًا بذلك القول. وقال مالك: لا
يكون ذلك إلا إذا كانوا جماعة نحو العشرين. وقد بيّنّاه في مسائل الفقه. شرح مشكل رُويّ عن
مالك في العتبية: لا بأس أن يستنجي بالخاتم فيه ذكر الله.
قال لي بعض مشايخي: هذه رواية باطلة، معاذ الله أن تجري النجاسة على اسمه، وقد
كان لي خاتم فيه منقوش: محمد بن العربي، وتركت الاستنجاء به لحرمة اسم محمد، وإن لم
يكن ذلك للكريم الشريف، ولكن رأيت الاشتراك حرمة. وقد رُوِيّ عن الأوزاعي مثل ما رُوِيّ
عن مالك، وأرى ذلك، لأنهم يرون حبسه في اليمين. وقال الحسن: لا بأس أن يدخل الرجل
الخلاء وفي يده الخاتم. وقال إبراهيم: يدخل الخلاء بالدراهم، لا بدّ للناس من ذلك لحفظها.
وقال مجاهد: ذلك مكروه في الدراهم والخاتم. وقد رُوِيّ عن مالك أن الخاتم يحبس في
الشمال، ومع هذا لا يستنجي به. قال: وقد كان مالك لا يقرأ الحديث إلا على وضوء، وناهيك
بهذا ترفیعًا له، فكيف باسم الله سبحانه.
باب الرخصة في ذلك
أبو وائل عن حذيفة (أن النبي ) أتى سُباطَة قوم فبال عليها قائمًا، فأتيته بوضوء فذهبت
لأنأخر عنه، فدعاني حتى كنت عند عَقِبيه فتوضأ ومسح على خُفْيه) قال وكيع: هذا أصح حديث
رُوِيّ عن النبيِ ﴾ في المسح.
(١) الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وانظر كلام الحافظ ابن حجر
في الفتح (١: ٢٨٥).

٢٩
أبواب الطهارة / باب ١٠
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةً عن أبِي وائِلٍ عَنِ المغيرةِ بْنِ شُعبةً
عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴾. وحدِيثُ أبي وائلٍ عن حُذيفة أُصَحُ.
وَقَدْ رَخْصَ قومٌ مِنْ أهل العلم في البولِ قائِمًا.
قال أبو عيسى: وعَبِيدة بن عمرو السّلْمَانِيّ رَوَى عنه إبراهيمُ النَخَعيِ. وَعَبِيدة من
كبار التابعين، يُزوّى عن عَبيدة أنه قال: أسلمتُ قَبْلَ وفاة النبيِ وَ ﴿ بسنتين. وَعُبَيْدةٌ
الضَّبّيّ صاحبُ إبراهيم: هو عُبيدة بنُ مُعَتِّبٍ الضبي، ويكنّى أبا عبد الكريم.
١٠ - باب ما جاء في الاستنار عند الحاجة
[المعجم ١٠ - التحفة ١٠]
١٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بن سعِيدٍ حَدَّثَنَا عبدُ السلامِ بنُ حَرْبِ الْمُلاَئِيّ عَنِ الأعْمَش عَنْ
أَنَسٍ قَالَ: ((كَانَ النَِّيِِّ﴿ إِذَا أَرَادٌ الحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ)»(١).
قال أبو عيسى: هكذا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ رَبيعة عن الأعمشِ عن أنسٍ هذا
الحدیث.
وَرَوَى وَكِيعٌ وَأبو يحيى الحِمَّانِيَّ عَنِ الأعمشِ قال: قال ابنُ عمر: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َِو
إِذَا أُرَادَ الحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَذْنُوَ مِنَ الأَرْضِ)»(٢).
وكِلاَ الحديثين مُرْسَلٌ، وَيُقال: لم يَسمعِ الأعمشُ مِن أنسٍ ولا مِنْ أحدٍ من
أصْحَابِ النبيِ وََّ. وقد نَظَرَ إلى أَنَسٍ بن مالك، قال: رَأيْتُهُ يُصَلِّي. فذكر عنه حِكايةً في
الصلاة .
وَالأعْمَشُ اسمه ((سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرانَ أبو محمد الكاهِليَّ)) وهو مولى لَهُمْ. قال
الأعمش: كان أبِي حَميلاً فَوَرْثَهُ مَسْرُوقٌ.
العارضة: من الجهة التي صحّ منها في المسح منها صحّت الرخصة في البول قائمًا.
(١) رواه الدارمي في السنن (١: ١٧١).
(٢) حديث وكيع رواه أبو داود في السنن (١: ٧).

٣٠
أبواب الطهارة/ باب ١١ و١٢
١١ - باب ما جاء في كراهة الاسْتِنْجَاءِ بِاليمِينِ
[المعجم ١١ - التحفة ١١]
١٥ - هقثنا محمد بن أبي عمر المكْيُّ حدّثنا سفيان بن عيينة عن مَعْمَر عن
يحيى بن أبي كثيرٍ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: ((أنَّ النّبِيَّ ◌َ نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ
ذَكّرَهُ بِئُمِینِهِ».
وفي هذا البابِ عن عائشة، وَسَلْمَانَ، وَأبي هريرة، وَسَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ.
قال أبو عيسى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
وأَبُو قَتَادَةً الأنصاري اسْمُهُ الحَرِثُ بْنُ رِبْعِيّ.
والعمل على هذا عنْدَ عَامَّة أهل العلم: كرهوا الاستنجاء باليمين.
١٢ - باب الاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ
[المعجم ١٢ - التحفة ١٢]
١٦ - حدثنا هَنَّادٌ حدّثنا أبو مُعاوِية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن
يزيد قال: ((قِيلَ لِسَلْمَانَ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيْكُمْ وَّهِ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ فقال سَلْمَانُ:
أجَلْ، فَهَانَا أنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِيْلَةَ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ، وَأَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أنْ يَسْتَنْجِيَ أحَدُنَا
بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أوْ بِعَظُمِ)».
غريبه: السباطة المزبلة والكناسة.
باب الاستنجاء بالحجارة
عبد الرحمن بن يزيد قال: (قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم # كل شيء حتى الخرّاءة؟
فقال سلمان: أجل، نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، أو أن يستنجي
أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) حسن صحيح. وفي حديث عبد الله
أنها ركس.
(١) أخرجه الشيخان بلفظ ((إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذَكّرّه
بيمينه، ولا يتمح بيمينه)). وأما الرواية التي هنا فأخرجها أبو داود (١: ١٢). قال المنذري:
((وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مطوّلاً ومختصرًا)).

٣١
أبواب الطهارة/ باب ١٣
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عائِشة، وَخُزَيْمَةَ بن ثابت، وَجَابِرٍ، وَخَلاَّد بنٍ
السَّائِبِ عن أبيه.
قال أبو عيسى: وحديث سلمان في هذا الباب حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وهو قول أكثرٍ أهلِ العلم من أصحابِ النبي ◌َّ﴿ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: رَأَوْا أن الاستنجاءَ
بالحجارة يُجزىءُ، وإن لم يَسْتَنْجِ بالماء، إذا أنْقَى أَثَرَ الغائط والبول، وَبِهِ يَقُولُ الثورِيُّ
وابن المبارك والشافعيَّ وَأحمد وإسحقُ.
١٣ - باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين
[المعجم ١٣ - التحفة ١٣]
١٧ - حدثنا هَنَّاد وَقُتيبةُ قالا: حدّثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحق عن أبي
عُبَيْدَةَ عن عبد الله قال: خَرَجَ النَّبِيِّ وَغُ لِحَاجَتِهِ، فَقَالَ: ((الْتَمِسْ لِي ثَلاثَةً أَحْجَارٍ)). قَالَ:
فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنٍ وَرَوَْةٍ، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: ((إنَّهَا رِكْسٌ))(١) .
قال أبو عيسى: وهكّذَا رَوَى قيسُ بن الرَّبِيع هذا الحديث عن أبي إسحق عن أبي
عُبیدةً عن عبد الله، نحو حديثٍ إسرائيل.
وَرَوَى مَعْمَرٌ وَعَمَّارُ بنُ زُرَيْقٍ عَنْ أبي إسحق عن علقمة عن عبد الله.
وَرَوَى زُهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسْوَدِ عن أبيهِ الأسود بن يزيد
عن عبد الله.
وَرَوَى زكريا بن أبي زَائِدَةً عن أبي إسحق عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود بن
يزيد عن عبد الله.
وهذا حديث فيه اضطراب.
غريبه: الرجيع هو الغائط، والركس هو النجس، هو بمعنى الرجوع إلى حالة مذمومة عن
حالة محمودة. قال الله تعالى: ﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾ [النساء: ٨٨].
أحكامه: في ستّ مسائل:
الأولى: الاستنجاء بالماء هو الأصل. واختلف الناس هل هو واجب أو مستحب؟ فقال
الشافعي: هو واجب، الأحاديث الواردة فيه، منها ما ذكره أبو عيسى وغيره، وقال مالك وأبو
(١) انظر فتح الباري (١: ٢٢٥).

٣٢
أبواب الطهارة / باب ١٣
حقثنا محمد بن بشار العبدي حدّثنا محمد بن جعفر حدّثنا شعبة عن عَمْرو بن
مُرّة قال: سألت أبا عُبَيْدَةَ بنَ عبد الله: هل تَذْكُرُ مِنْ عبد الله شَيْئًا؟ قال: لاَ.
قال أبو عيسى: سَألْتُ عبدَ الله بنَ عبد الرحمن(١): أيُّ الرّوايَاتِ في هذا الحديث
عن أبي إسحق أصَحُ؟ فلم يَقْضِ فيه بشيء. وَسَألتُ محمدًا عن هذا؟ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ
بشيءٍ. وَكَأَنَّهُ رَأى حديثَ زهيرٍ عن أبي إسحق عن عبد الرحمن بنِ الأسود عن أبيه عن
عبد الله: أشبَةَ، وَوَضَعَهُ فِي كِتَابٍ ((الجامع))(٢) .
قال أبو عيسى: وَأَصَحُّ شيءٍ فِي هذا عِنْدِي حديثُ إسرائيل وقيس عن أبي إسحاق
عن أبي عُبيدةً عن عبد الله، لأن إسرائيلَ أثبتُ وأحفظُ لحديث أبي إسحق من هؤلاء.
وَتَابَعَهُ على ذلك قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ.
قال أبو عيسى: وَسَمِعْتُ أبا موسى محمدَ بنَ المُثَنَّى يقول: سمعت
عبد الرحمْنِ بْنَ مَهدي يقول: مَا فَاتَنِي الذي فاتني من حديث سفيان الثوري عن أبي
إسحق إلاَّ لِمَا أَتَّكَلْتُ بِهِ على إسرائيل، لأنه كان يَأْتِي بِهِ أَتَمّ .
قال أبو عيسى: وزهير عَنْ أبي إسحاق ليس بذاكَ لأن سماعه منه بِآخِرّةٍ.
قال: وسمعتُ أحمدَ بن الحسنِ الترمذيَّ يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا
سمعتَ الحديث عن زائدة وزهير فلا تُبَالِي أنْ لاَ تَسْمَعَهُ مِنْ غيرهما إلاَّ حديثَ أبي
إسحق.
حنيفة: هو مستحب، لأنه لو كان واجبًا لوجب إزالة الجميع، ولم تجز الحجارة فيبقى أثره،
وقد بيّنّاه في مسائل الخلاف.
الثانية: قال ابن حبيب: لا يجوز الاستنجاء بالحجر إلا مع عدم الماء. والاجتماع سابق
له، فلا يعوّل عليه. وقد أثنى الله على أهل قباء بالطهارة، لأنهم كانوا يجمعون بين الماء
والحجارة، وغيرهم كان يقتصر على الحجارة.
- الثالثة: العدد فى الاستنجاء غير معتبر، وبه قال أبو حنيفة، وإنما المقصود الإنقاء. وقال
الشافعي: العدد واجب، واختاره أبو الفرج، كما أن أصله واجب وتعلق بظواهر الأحاديث.
وقدٍ ذكر في حديث عبد الله أنه أخذ الحجرين وألقى الروثة، ولم يأمر بالإتيان بعوض منها.
(١) هو أبو محمد الدارمي الحافظ صاحب السنن.
(٢) انظر فتح الباري (١: ٢٢٦)، ومقدمة الفتح ص ٣٤٦ - ٣٤٨.

٣٣
أبواب الطهارة / باب ١٤
وأبو إسحاق اسمه: عَمرو بن عبد الله السَّبِعِيِّ الْهَمْدَانيّ.
وأبو ◌ُبيدة بنُ عبد الله بن مسعود لم يَسْمع من أبيه. وَلا يُعْرَفُ اسمُهُ.
١٤ - باب ما جاء في كراهِيّةٍ مَا يُسْتَنْجَى بِهِ
[المعجم ١٤ - التحفة ١٤]
١٨ - حقثنا هناد حدّثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ عن داود بن أبي مِنْدٍ عن الشّعْبِيِّ عن
علقمة عن عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله وَلَّ: ((لاَ تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلاَ
بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ».
وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَلْمَانَ، وَجَابِرٍ، وَابنِ عُمَرُ.
قال أبو عيسى: وَقَدْ رَوَى هذا الحدِيثَ إسماعيلُ بن إبراهيم وغيره عن داود بنِ
أبي هندٍ عَنِ الشّغْبِيِّ عن علقمة عَنْ عبد الله: ((أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ لَيْلَةَ الجِنِّ» الحَدِيثَ
بِطُولِهِ، فقال الشَّعْبِيُّ: إِنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلاَ بِالْعِظَامِ فَإِنَّهُ زَادُ
إخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ».
وَكَأَنَّ رِوايةً إسماعِيلَ أَصَحُ مِنَ رِوايةِ حفص بن غياٍ(١).
والعملُ على هذا الحديث عند أهلِ العلم.
وفي الباب عن جابر، وابن عمر رضي الله عنهما.
وقوله في الحديث الآخر: (لا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) محمول على التأكيد في
الاستجمار، لأنه الأكثر والذي يحتاج في الأغلب. وقد روى الدارقطني: حجران للصفحتين
وحجر للمسربة .
الرابعة: قد علّل أنه لا يستنجى بعظم ولا بروثة، فإنه زاد إخوانكم من الجنّ. وقد بيّنًا في
كتب الاصول أن الجن خلق من خلق الله، يأكلون ويشربون وينكحون بإجماع من المسلمين، ردًّا
على الفلاسفة الذين نفوا وجودهم، وجهلوا حقائقهم، حتى بنوا على أصولهم الفاسدة فإنهم
بسائط غير مركبة والملائكة، بل كان ذلك، لأن الله خلقهم من نوره، إنما لم تأكل ولم تشرب
(١) رواية إسماعيل بن إبراهيم في كتاب التفسير في تفسير سورة الأحقاف. وكذلك رواها مسلم في
صحيحه (١: ١٣١) في حديث طويل عن ابن مسعود.
عارضة الأحوذي/ ج ١/ ٢ ٣

٣٤
أبواب الطهارة / باب ١٥ و١٦
١٥ - باب ما جاء في الاسْتِثْجَاء بالماءِ
[المعجم ١٥ - التحفة ١٥]
١٩ - عقدنا قُتَيْبَةُ ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشّوَارِبِ البصري قالا: حدّثنا أبو
عَوَانَةً عن قتادة عَنْ مُعَاذَّةً عن عائشة قالت: مُرْنَ أزْ وَاجَكُنَّ أنْ يَسْتَطِيبُوا بِالمَاءِ، فَإِنِّي
أَسْتَخِيهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ كَانَ يَفْعَلُهُ(١).
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَرِيرٍ بن عبد الله الْبَجَلِيِّ، وأنس، وأبي هريرة.
قال أبو عیسی: هذا حديث حسن صحيح.
وعليه العمل عند أهل العلم: يختارون الاستنجاءَ بِالْمَاءِ، وإن كان الاستنجاءُ
بالحجارة يُجْزِىءُ عندهم، فَإِنَّهُمُ اسْتَحِبُّوا الإِسْتِثْجَاءَ بالماء وَرَأَوْهُ أَفْضَلَ. وَبِهِ يقول سفيان
الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
١٦ - باب ما جاء أن النبي #
كان إذا أراد الحاجة أَبَعَدَ فِي المَذْهَبِ
[المعجم ١٦ - التحفة ١٦]
٢٠ - حقثنا محمد بن بشارِ حدّثنا عبد الوهاب الثّقَفيَّ عن محمدِ بنِ عَمْرٍو عن
أبِي سَلّمة عن المغيرة بن شعبة قال: ((كُنْتُ مَعَ النّبِيِّ وَ فِي سَفَرٍ، فَأَتَّى الشَِّيُّ بَِّ حَاجْتَهُ
فَأَبْعَدَ فِي المَذْهَبِ))(٢).
بعادة أجراها الله فيهم لا بطبيعة خلقها لهم، وقد كان يتعالى - يعني النبي 18 - عن الطعام
والشراب مع البنية الآدمية، فيواصل الليالي والأيام وقوّته مستمرة، وقد كان يجوع اليوم الواحد،
ليتبيّن بذلك كله أمر يصرفه بالإرادة لا بالطبيعة.
الخامسة: إن أثبت هذا، فالنهي عن الاستنجاء إنما يكون لحق الغير، كما لو استنجى
بملك إنسان أجزأه، وأثم لإفساده عليه. وقال المخالفون: في الروثة زيادة أنها نجسة، وهي
عنده غير نجسة، وسيأتي بيان ذلك. أما أنه لو استنجى برجيع ابن آدم وهي:
(١) الحديث رواه أحمد والنسائي.
(٢) الحديث رواه أيضًا الدارمي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

٣٥
أبواب الطهارة/ باب ١٧
قال: وَفِي البّابِ عن عبد الرحمن بن أبِي قُرَادٍ، وَأَبِي قتادة، وجابِرٍ، ويحيى بنِ
عُبَيْدٍ عن أبِيهِ، وَأَبِي مُوسى، وابن عباس، وبلال بن الحرث.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ويُروى عن النبيِ ﴿: ((أَنَّهُ كَانَ يَرْتَادُ لِيَوْلِهِ مَكَانًا كما يَرْتَادُ مَنْزِلاً».
وَأبو سلمة: اسمه: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.
١٧ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةِ البَوْلِ فِي المُغْتَسَلِ
[المعجم ١٧ - التحفة ١٧]
٢١ - حقثنا عليّ بن حُجْرٍ وَأحمد بن محمد بن موسى مَرْدَوَيْهِ قالا: أخبرنا
عبد الله بن المبارك عن مَعْمَرٍ عن أشْعَثَ بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مُغَفِّل:
أَنَّ النّبِيَِِّ﴿ نَهَى أنْ يَبُولَ الرَّجُلُ فِي مُسْتَحَمْهِ. وَقَالَ: ((إنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ»(١).
قال: وفي البَابِ عن رجلٍ مِنْ أصحاب النبي ◌َّ.
قال أبو عيسى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُه مرفوعًا إلا من حديث أَشْعَثَ بن
عبدِ الله. ويقال لَهُ: أَشْعَثُ الأعْمَى.
وقد كُرِهِ قومٌ من أهلِ العِلْمِ البولَ فِي المُغْتَسَلِ، وقالوا: عامة الوسواس منه.
وَرَخْصَ فيه بَعْضُ أهْلِ العِلمِ، مِنْهُمُ: ابنُ سيرينَ، وقيل له: إنه يقال إن عامة الوسواس
منه؟ فقال: رَيْنَا اللَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ.
وقال ابن المبارك: قد وُسِّعَ في البول في المغتَسَلِ إِذَا جَرَى فيهِ الماء.
قال أبو عيسى: حدّثنا بذلك أحمد بن عَبْدَةَ الآمُلِيُّ عَنْ حِبَّانَ عن عبد الله بن
المبارك.
السادسة: والروث عبارة عن رجيع غير ابن آدم. وقد اختلف فيه، والصحيح أنه لا
يجزىء، لأن استعمال النجاسة حرام لعينها، فلا يجزىء عن عبادة.
(١) الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وسكت عنه أبو داود والمنذري. ورواه أيضًا
الضياء في المختارة.

٣٦
أبواب الطهارة/ باب ١٨
١٨ - باب مَا جَاءَ في السِّوَّاكِ
[المعجم ١٨ - التحفة ١٨]
٢٢- حقّا أَبُو كُرَيْبِ حدّثنا عَبْدَةُ بن سليمان عن محمدِ بنِ عَمْرٍو عن أبي سلمة
عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ ﴾: ((لَوْلاَ أنْ أَشُقْ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ
كُلِّ صَلاةٍ).
قال أبو عيسى: وقد رَوَى هذا الحدِيثَ محمدُ بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم
عن أبي سلمة عَنْ زيد بن خالد عَنِ النبي 118.
وحديثُ أبي سلمةً عن أبي هريرة وزيدٍ بن خالد عن النبيّ ﴿ كِلاَهُمَا عندي
صحيح، لأنه قد رُوِيّ مِن غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبيّ وَ﴿ هذا الحديثُ. وحديثُ
أپي هريرة إنما صح لأنه قد رُوِيّ مِن غير وجه.
وَأما محمد بن إسماعيل فَزَعّمَ أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح.
باب السواك
أبو سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله #1: (لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند
كل صلاة).
إستأمه: من الغريب رواية مالك لهذا الحديث وترك الصحيح له، ولذلك علة لا
تحتملها .
غريبه: السواك في اللغة: الحركة، يقال: تساوكت الإبل إذا مشت ضربًا من المشي فيه
لین.
أحكامه: في سبع مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في السّواك، فقال إسحق: إنه واجب، ومّنِ تركه عمدًا أعاد
الصلاة، وقال الشافعي سُنّة من سُنن الوضوء، واستحبه مالك في كل حال يتغير فيها الفم. وأما
من أوجبه، فظاهر الأحاديث تبطل قوله، فأما القول إنه سُنّة أو مستحب فمتعارف، وكونه سُنّة
أقوى.
الثانية: في وقته. وهو أربعة: عند القيام من النوم، وعند الإمساك عن الطعام، وعند كل
وضوء وإن لم يصل، أو كل صلاة وإن لم يتوضأ. وقد صح عن النبي عليه السلام أنه كان إذا
استيقظ يشوص فاه بالسّواك. والسّواك للصائم يأتي إن شاء الله.

٣٧
أبواب الطهارة / باب ١٨
قال أبو عيسى: وَفِي البَابِ عَنْ أبِي بَكْر الصِّدِّيقِ، وَعَلِيَّ، وَعَائِشَةَ، وابْنِ عَبَّاسٍ،
وَحُذَيْفَةً، وزيد بن خالد، وأنس، وعبد الله بن عَمْرو، وابن عمر، وأُم حَبِيبَةٍ، وَأَبِي
أُمَامَةَ، وَأَبِي أيوبَ، وَتَمَّامٍ بْنِ عَبَّاسٍ(١)، وعبد الله بن حَنْظَلَة، وأم سلمةً وواثِلةً بن
الأسْقَعِ وأبي موسى.
٢٣ - حدّثنا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سليمان عن محمد بن إسحق عن محمدٍ بن
إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله # يقول: «لَولاً
أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ بِالسّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ، وَلأَخَّرْتُ صَلاَةَ الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ
اللَّيْلِ)). قال: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَواتِ فِي المَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذْنِهِ مَوْضِعَ
الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الكَاتِبِ، لاَ يَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ إِلاَّ اسْتَنَّ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٢).
الثالثة في السُّنّة، وهي قضبان الأشجار اقتداء بالنبي المختار، وأفضلها الأراك، لأنها
كانت سواك النبي وأصحابه، ولها أثر حسن في تصفية الأسنان، وتطييب النكهة، ولين الجرم،
فإن عدمت فما في معناها مما يصفّي ویلیْن.
الرابعة: ظن بعض الناس أن كل سواك يصبغ اللثات والشفات مكروه، لما في ذلك من
التشبيه بالنساء، وهذا ضعيف، فإن الكحل جائز وفيه التشبيه بهنّ، فلا يلتفت إلى مثل هذا
التعليل، فلا يستقل هذا القدر من الكلام بدلیل.
الخامسة: قال بعض المتأخرين من الأئمة: لو تمضمض بغاسول لم يجزه. وهذا لا
يصحّ، لأن الغرض إزالة القلح، فبأي وجه حصل جار.
السادة: في صفة ذلك عرضًا، لقوله: كان يشوص فاه بالسّواك، والشوص هو الإيساك
عرضًا، لأنه إذا فعل بالطول أضرّ باللثان.
السابعة: في فوائده. وهي عشرة: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مطردة للشيطان، مفرحة
للملائكة، يذهب الحفر، ويجلو البصر، ويكفّر الخطيئة. قاله ابن عباس وأسنده الدارقطني.
(١) حديثه هذا الذي أشار إليه الترمذي رواه أحمد في المسند (رقم ١٨٣٥ ج ١ ص ٢١٤).
(٢) الحديث رواه أحمد وأبو داود. ونقل في عون المعبود (١: ١٧) عن المنذري أن النسائي رواه
أيضًا.

٣٨
أبواب الطهارة/ باب ١٩
١٩ - باب ما جاء إذَا اسْتَيقَظَ أحَدُكُمْ من منامه
فَلاَ يَغْمِسُ یَدَهُ فِي الإِناءِ حتی یغسِلَها
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
٢٤ - عقدنا أبو الوليد أحمد بن بَكَّارِ الدِّمَشْقِيّ يقال: هو مِنْ وَلَّدِ بُشْرِ بنِ أزْطَاةَ
صَاحِبٍ النبي:﴿ حدّثنا الوليدُ بن مسلم عَنِ الأوزاعي عَنِ الزهري عن سعيد بن المُسَيِّبِ
وَأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﴿ قال: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلاَ يُدْخِلْ يَدَهُ
فِي الإِنَاءِ حَتَّى يُفْرِغُ عَلَيْهَا مَرْتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَإِنَّهُ لاَ يَذْرِي أَيْنَ بَانَتْ يَدُهُ)(١).
وفي البابِ عن ابنِ عمر، وجابرٍ، وعائشة.
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.
قال الشافِعِيُّ: وَأُحِبُّ لكُلِّ مَنِ استيقظ مِن النوم، قَائِلةٌ كَانَتْ أوْ غَيْرَهَا: أن لا
يُدخِلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَها. فإنْ أدخل يده قبل أنْ يغسِلها كَرِهْتُ ذلك له، وَلَمْ
يُفْسِذْ ذُلِكَ المَاءَ إذا لم يكن عَلَى يده نجاسةٌ.
باب غسل اليد قبل إدخالها الإناء
سعيد وأبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي #: (إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل
يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده) حسن صحيح.
إسناده: أن النبي ﴿ قال مطلقًا: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه))، ورُوِيَ مقيدًا كما ذكره
أبو عيسى، والمطلق في الصحيح، والمقيد صخحه أبو عيسى.
أحكامه: في ثلاث مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث حسب ما ذكره أبو عيسى وغيره، وذكر
الخلاف أن غسل اليد في هذا الموضع هل هو عبادة، أو إزالة نجاسة، أو نظافة من غير ارتباط
بعدد؟ فإن كان للنجاسة، فإنّ القوم كانوا يستنجون بالحجارة، فتمرّ أيديهم على ذلك الموضع
في حال الغفلة، فتعلق بهما النجاسة. ومن قال للنظافة، فلقوله: ((فإن أحدكم لا يدري أين باتت
يدها، فأشار إلى أن ذلك على معنى الاستظهار والتوقّي، إذ لم يقطع بحصول النجاسة في اليد.
والصحيح وجوب الغسل من طريق الأثر والنظر، وذلك أنه قال في الحديث: ((فإن أحدكم لا
(١) الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

٣٩
أبواب الطهارة / باب ٢٠
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِذَا اسْتَيْقَظَ من النومِ مِنَ اللَّيْلِ فأدخل يدَه في وَضُوئِهِ قبل أن
يغسلها فَأعْجَبُ إلَيِّ أن يُهَرِيقَ الماءَ.
وقال إسْحُقُ: إِذَا استيقظ من النوم بِالليلِ أوْ بالنَّهَار فَلا يُدخل يده في وَضوئِهِ حتى
يغسلها .
٢٠ - باب ما جَاء في التَّسْمِيَّةِ عِنْدَ الوُضُوءِ
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
٢٥ - حقئنا نَصْرُ بن عليّ الجَهْضَمِيُّ وبِشْرُ بن مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ قالا: حدثنا بِشْرُ بن
المُفَضِّلِ عن عبد الرحمن بن حَرْمَلَةٌ عن أبِي ثِقَالِ المُرِّيِّ عن رَبّاحِ بن عبد الرحمن بن
أبي سفيان بن حُوَيْطِبٍ عن جَدَّتِهِ عن أبيها قالت: سمعت رسول الله صل12 يقول: ((لا
وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْه))(١).
يدري أين باتت يده»، فعلّل بذلك كما علّل في وجوب الوضوء من النوم، فإذا نامت العينان
استطلق الوكاء، وكما يوجب النوم الوضوء كذلك يوجب غسل اليد، هذا إذا لم يكن استنجى
بالماء. وفي المذهب: أن مَن شكّ هل أصابته نجاسة أم لا، وجب عليه غسل اليد في مشكل
المذهب، والصحيح أنه لا يجب.
الثانية: فإن أدخل يده في الإناء، قال الحسن: يريق الماء واجبًا، وأحمد يستحبّه، وهو
الصحيح في الدليل، لا سيما على الأصل في أن الماء لا يفسده إلا ما يغيّره، ومَن يقول إنه
يفسد بغير ما لم يغيّره إنما يحكم بذلك مع تعيين النجاسة.
الثالثة: صار غسل اليدين من سُنن الوضوء، لأن النبي عليه السلام لم يتوضأ قطّ إلا غسل
يديه .
باب التسمية عند الوضوء
سعيد بن زيد قال رسول الله وَل: (لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه). وهذا الحديث
إنما هو ضعيف، قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا، ولكنه أوجب
التسمية عند الوضوء، ورُوِيّ فيه نحو ما لم تصحّ، وقال علماؤنا: إن المراد بهذا الحديث النية،
(١) رواه أيضًا ابن ماجه (١: ٨١) ونسبه الحافظ في التلخيص أيضًا (ص ٢٧) إلى أحمد والبزار
والدارقطني والعقيلي والحاكم. ورواه البيهقي في السنن الكبرى بإسنادين (١: ٤٣).

٤٠
أبواب الطهارة/ باب ٢١
قال: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأبي سعيد، وَأَبِي هريرة، وَسَهْلِ بنِ سعد، وأنسٍ.
قال أبو عيسى: قال أحمد بن حنبلٍ: لا أعلمُ فِي هذا الباب حديثًا له إسنادٌ جَيِّدٌ.
وقال إسحاق: إنْ تَرَكَ التسميةَ عامدًا أعادَ الوُضوء، وإن كانَ ناسِيًا أو مُتَأْوِّلاً:
أجزاءٌ.
قَالْ مُحَمَّدٌ بن إسماعيل: أحسن شيءٍ فِي هذا الباب حديث رَبّاحٍ بن عبد الرحمن.
قال أبو عيسى: ورَبَاحُ بن عبد الرحمن عن جَدَّته عن أبيها. وأبوها سَعِيدُ بن
زید بن عمرو بن نُفیل.
وَأَبُو ثِفَالِ المُرِّيُّ اسمه ((ثُمَّامَةُ بن حُصَيْنٍ)).
وَرَبّاحُ بن عبد الرحمن هو ((أبو بكر بن حُوَيْطِبٍ)) مِنْهُمْ مَنْ رَوَى هذا الحديث،
فقال: ((عن أبي بكر بن محُوَيْطَبٍ)) فَتَسَبَهُ إلى جَدُه.
٢٦ - هقثنا الحسنُ بن عليّ الْحُلْوَانِيُّ حدّثنا يزيدُ بن هارون عَنْ يزيد بن عِیَاض
عن أبِي ثقَالِ المُرّيّ عن رَبَاحِ بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُوَيْطبٍ عن جدّته بِئْتِ
سَعِيدٍ بن زيد عن أبيها عَنِ النبي وَّرَ: مِثْلَهُ.
٢١ - باب ما جاء في المَضْمَضَةِ وَالإِسْتِثْشَاقِ
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
٢٧ - حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد حدّثنا حَمَّادُ بن زيد وَجَرِيرٌ عن منصورٍ عن هِلاَلِ بْنِ
لأن الذكر يضاد النسيان، والشيئان إنما يتضاذان بالمحل الواحد، فمحل النسيان والذكر متفاوت
في القلب، وذكر القلب هو النية. ورُوِيّ عن أحمد أن التسمية غير واجبة، وبالأول أقول. وكما
لا تجب كذلك لا تستحبّ. وقد سُئِلَ مالك عن ذلك فقال: أتريد أن تذبح إشارة إلى أن التسمية
إنما هي مشروعة عند الذبح؟ وقال الشافعي: هي من سُنن الوضوء، ولا دليل له في ذلك.
باب المضمضة والاستنشاق
هلال بن يساف عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله: (إذا توضأت فانتثر، وإذا
استجمرت فأوتر) صحيح حسن.
غريبه: قوله: (انتثر) أي: أدخل الماء في الأنف، مأخوذ من النثرة وهو الأنف.