النص المفهرس
صفحات 1-20
غَاصَة الأَحْدِى بيشَرحِ. ضَخِّيحُ البَرَّمَدّى للأِمَام ◌ِحَافِظِ أَّ بَكر ◌َّ بْن عَبْدُ اللَّهِبِن ◌َّ بْ عَبْدُاللَّهِ. المُعُرِوِفْ بَابْنِ إِلَعَرَي المالكي المتوفى سنة ٥٤٣هـ وضع حواشيه الشِّخْ بَحَالْ مَرْعَثْلِيْ طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث وموافقة لأرقام المجم الخرس لألفاظ الحديث البري ولتحفة الأشراف لمحافظ المركب تنبيه وضعنا نصت الجامع الصحيح للترمزي بأعلى الصفحات شكولا. شكلاً كاملاً، ووضعنائته شرح ابن العربي خصوتأمين ها نجط الجُزء الأولْ منشورات محمد عَلى بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة للضهد الكتاب كاملا أو مجزً أو تسجهله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطبة. Copyright All rights reserved Exclusive rights by DAR N-KOTOB - ILMIYAH Betrat - Lebenen. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطّبعَة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧مـ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت" العنوان تلفون وفاكس : ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٢٥ - ٦٠٢١٢٢ (١ ٩٦١) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon . Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bidg., Ist Floorc. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36,61.35 - 36.43.98 P.O.Box : [1 - 9424 Beirut - Lebanon - -- - بِ اللَّه الرحمن الرحيم ترجمة المؤلف الإمام الكبير أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ابن موسى بن الضحاك السلمي الضرير البوغي الترمذي الحافظ المشهور أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنّف كتاب الجامع والعلل تصنيف رجل متقن، وبه كان يضرب المثل، وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه مثل: قتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، وابن بشار، وغيرهم. وتوفي لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب ليلة الاثنين سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ. وقال السمعاني: توفي بقرية بوغ في سنة خمس وسبعين ومائتين، وذكره في كتاب الأنساب في نسبة البوغي رحمه الله. قال ياقوت: وكان ضريرًا إمام عصره، وأما كتابه فاسمه: كتاب الجامع، وهو الأرجح، وقال ياقوت فيه: إنه صاحب الصحيح، وعدّ ممّن روى عنه أبا العباس المحبوبي والهيثم بن كليب الشاشي وغيرهما، وقال: إنه توفي سنة نيّف وسبعين ومائتين، وعذه من أهل ترمذ. وترمذ بفتح التاء، وبعضهم يضمها، وبعضهم يكسرها والمتداول على لسان أهل تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم. قال ياقوت: والذي كنّا نعرفه فيه قديمًا بكسر التاء والميم جميعًا، والذي يقوله المتأنقون وأهل المعرفة بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه. ترجمة أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافري الأندلسي الإشبيلي الحافظ المشهور ذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة، فقال: هو الحافظ، المستبحر، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفّاظها، لقيته بمدينة إشبيلية ضحوة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ست عشرة وخمسمائة، فأخبرني أنه رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وأنه دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، وتفقه عنده، ودخل بغداد وسمع بها من جماعة من أعيان مشايخها، ثم دخل الحجاز فحجّ في موسم سنة تسع وثمانين، ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشي وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء والأدباء، ثم صدر عنهم ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدّثين، فكتب عنهم واستفاد منهم وأفادهم، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين وقَدِمَ إلى إشبيلية بعلم كثير لم يدخل أحد قبله بمثله ممّن كانت له رحلة إلى المشرق غير الباجي، وكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، مقدمًا في المعارف كلها متكلمًا في أنواعها، نافذًا في جميعها، حريصًا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حُسْن المعاشرة، ولين الكنف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحُسْن العهد، وثبات الود. واستقضي ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه. وابن العربي أديب له حكايات وأشعار، منها في غلام مرّ عليه في لباسٍ خشن: وأتانا شاحبًا قد عبسا لبس الصوف لكي أنكره جلّ سوء لا يعيب القرسا قلت إيه قد عرفناك وذا لا يبالي حسن ما لبسا . كل شيء أنت فيه حسن ٥ ترجمة أبي بكر محمد بن العربي وحُكِيَ أنه كتب كتابًا فأشار عليه بعض مَن حضر أن يذر عليه نشارة، فقال: قف،، ثم فكر ساعة وقال اكتب: فكفاه هبوب هذا الهواء لا تشنه بما تذر عليه جدري بوجنة حسناء فكأن الذي تذر عليه ولقي أبا بكر الطرطوشي وما برح معظمًا إلى أن تولى خطة القضاء، ووافق ذلك أن احتاج سور أشبيلية إلى بنيان جهة منه ولم يكن بها مال متوفر، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد الأضحى، فأحضروها كارهين، ثم اجتمعت العامّة العمياء، وثارت عليه ونهبوا داره وخرج إلى قرطبة. وكان في أحد أيام الجُمَع قاعدًا ينتظر الصلاة، فإذا بغلام رومي وضيء قد جاء يخترق الصفوف بشمعة في يده وكتاب معتق فقال: يكاد يخفى نورها نارها وشمعة تحملها شمعة لقبلته وأتت عارها لولا نهي نفس نهت غيّها ولما سمعها أبو عمران الزاهد قال: إنه لم يكن يفعل، ولكنه هزّته أريحية الأدب، ولو كنت أنا قلت: وأن يقال صبا موسى على كبره لولا الحياء وخوف الله يمنعني حتى أوفي جفوني الحق من نظره إذًا لمتعت لْخظِي في نواظره وقد سمع بالأندلس أباه وخاله أبا القاسم الحسن الهوزني وأبا عبد الله الرقطي وببجاية أبا عبد الله الكلاعي وبالمهدية أبا الحسن بن الحداد. وفي رحلته إلى المشرق لقي ببغداد الشاشي، والإمام أبا بكر، والإمام أبا حامد الطوسي، الغزالي، وقال ابن الأبار: إن الإمام الزاهد العابد أبا عبد الله بن مجاهد الإشبيلي لازم القاضي ابن العربي نحوًا من ثلاثة أشهر، ثم تخلّف عنه، وذكره ابن الزبير وقال: إنه رحل مع أبيه أبي محمد عند انقراض المدوّنة العيادية وسنّه نحو سبعة عشر عامًا، إلى أن قال مقيد الحديث وضبط ما روى واتسع في الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن. ومات أبوه رحمه الله تعالى بالإسكندرية أول سنة ثلاث وتسعين، فانصرف حينئذ إلى إشبيلية فسكنها وسمع ودرس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، وصنّف في غير من تصانيف مليحة حسنة مفيدة، ووَلِيَ القضاء مدة أولها في رجب من سنة ثمان فنفع الله تعالى به لصرامته، وتفرّد أحكامه، والتزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك بذهاب کتبه وماله، فأحسن الصبر على ذلك كله، ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثّه، وكان فصيحًا حافظًا أديبًا شاعرًا كثير الملح مليح المجلس، ثم قال: قال القاضي عياض بعد أن وصفه بما ذکرته، ولكثرة حديثه وأخباره وغریب حکایاته ورواياته: أکثر الناس الكلام فيه وضعفوا حديثه. وتوفي منصرفه من مراكش من الوجهة التي توجه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة بعد دخول ٦ ترجمة أبي بكر محمد بن العربي الموحدين مدينة إشبيلية، فحبس بمراكش نحو عام ثم سرح، فأدركته منيته. وروى عنه خلق كثير، منهم: القاضي عياض، وأبو جعفر بن الباذش، وجماعة. قال صاحب نفح الطيب: ووقع في عبارة ابن الزبير تبعًا لجماعة أنه دفن خارج باب الجبسة بفاس، والصواب خارج باب المحروق كما أشبعت الكلام على ذلك في أزهار الرياض، قال صاحب النفح: وقد زرته مرارًا، وقبره هناك مقصود للزيارة خارج القصبة، وقد صرّح بذلك بعض المتقدمين الذين حضروا وفاته، وقال: إنه دفن بتربة القائد مظفر خارج القصبة، وصلّى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج رحمه الله تعالى ومن بديع نظمه: فأهلاً بها ويتأنيبها أتتني تؤنبني بالبكاء أتبكي بعين تراني بها تقول وفي نفسها حسرة أمرت جفوني بتعذيبها فقلت إذا استحسنت غيركم وقال رحمه الله تعالى: دخل عليّ الأديب ابن صارة وبين يدي نار علاها رماد، فقلت له: قل في هذه فقال: وتستّرت عنّا بثوب رماد شابت نواصي النار بعد سوادها ثم قال لي: أجز، فقلت: شابت كما شبنا وزال شبابنا فكانما كنا عـلـى مـبـعـاد ووقف على حلقته شاب مليح وبيده رمح، فقال له بعض الفقهاء: اذهب بهذا الرمح فهزّ الرمح، وقال: الساعة أضربك به، فأنشأ القاضي أبو بكر في الحال: لعوب بألباب البرية عابث يهددني بالرمح ظبي مهفهف ولكنه رمح وثان وثالث فلو كان رمحًا واحدًا لا تَقيته قال ابن بشكوال وسألته: 'وولد ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ٤٦٨، وتوفي بالعدوة، ودفن بمدينة فاس في شهر ربيع الآخر سنة ٥٤٣. قال ابن خلكان: وهذا الحافظ له مصنفات، منها كتاب (عارضة الأحوذي) في شرح الترمذي، وغيره من الكتب. وكانت ولادته بأشبيلية، وقيل: إن ولادته كانت سنة تسع وستين، وقيل: إن وفاته كانت في جمادى الأولى على مرحلة من فاس عند رجوعه من مراكش، ونقل إلى فاس، ودفن بمقبرة الجياني، وتوفي والده بمصر منصرفه عن المشرق في السفرة التي كان ولده المذكور في صحبته، وذلك في المحرم سنة ٤٩٣ ومولده سنة ٤٣٥، وكان من أهل الآداب الواسعة، والبراعة والكتابة. بسِ أَنَّه الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله يقول سيدنا وشيخنا الشيخ الجليل السيد الشريف الإمام العالم المحدّث الحافظ الثقة الثّبْت شيخ شيوخ الإسلام ذو النسبين الطاهرين بين دحية والحسين نجم الدين أبو عمرو عثمان بن الشيخ الإمام أبي علي الحسن بن علي بن دحية رضي الله عنه: حدّثني بجميع هذا الكتاب الشيخ الفقيه العالم الأوحد المحدّث الحافظ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال قال: حدّثني به الإمام الأوحد المحدّث المتقن الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي المعروف بابن العربي المالكي رضي الله عنه قال: الحمد لله مَبْلَغَ الحمد، إذ لا يستطيع العبد أن يبلغ كُنْه الحمد. وكيف يتعلق طمع لأحد به، والمصطفى يقول وهو أقرب ما كان من ربه: («لا أُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)». ومعلوم أن المصطفى أدرك من حمد ربه في حياته ما لم يدركه بشر من مخلوقاته، ومع ذلك فإنه لمّا أُخبر عن المقام المحمود قال: «فأحمد ربي بمحامد يعلّمنيها حينئذ لا أعلمها الآن))، فليس في القوة البشرية أن يحيط بمجامع الثناء على الجلالة الإلهية، فقبض العنان عند عدم الاستطاعة عقيدة أهل السُّنّة والجماعة، وإن تشوّقت لمعتمد من المعنى يكون لاعتقاد ذلك عدة ومغنى. فقد علمت أن الشكر أخص من الحمد، ولا يحصي واجبه بقصر، فإن النِّعَم أعظم من معرفتنا فلا تبلغها، ألم ترَ إلى قوله تعالى: ﴿وإن تعدّوا نِعمة الله لا تحصوها﴾ [النحل: ١٨]. وإذا كان الشكر الأخص يعلو على القدرة، فالحمد الأعم بذلك أولى من أول مرة، فنسأل الله العظيم أن يتغمدنا من رحمته بقسم يضعف منه ثوابنا، ويكرم به مآبنا، إنه المنعم الكريم. ٨ مقدمة وبعد، فإن طائفة من الطلبة عرضوا عليّ رغبة صادقة في صرف الهمّة إلى شرح كتاب أبي عيسى الترمذي، فصادفوا منّي تبعادًا عن أمثال ذي، وفي علم علام الغيوب أني أحرص الناس على أن تكون أوقاتي مستغرقة في باب العلم، إلا أني مُنْيت بحَسَدّة لا يفتنون، ومبتدعة لا يفهمون، قد قعدوا مني مزجر الكلب يبصبصون، والله أعلم بما يتربصون ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَّيْنٍ ونحنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أو بِأَيْدِينا فَتَرَبِّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢]. بيد أنّ الامتناع عن التصريح بفوائد المّة، والتبرّع بفوائد الرحلة لعدم المتّصف، أو مخافة المتعسّف، ليس من شأن العالمين. أو لم يسمعن قول رب العالمين لنبيّه الكريم: ﴿فَإِنْ يَكْفُرُ بها هؤلاءٍ فقد وَكَّلْنَا بها قَوْمًا لَيْسُوا بها بِكَافِرِين﴾ [الأنعام: ٨٩]، وقال في المعترضين والمنكرين: ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أن كنتم قومًا مُسْرِفِين﴾ [الزخرف: ٥]. ولا تزال طائفة من الأمة ظاهرين على الحق إلى يوم الدين، ولعل الله أن يحقّق النيّة في أن يجعلنا ممن قال فيه المصطفى: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ودعوى الجاهلين)). وما فتئوا يفزعون بسؤالهم لي في هذا الأمر بالإلحاح باب النجاح، وأربعة مخبوءة في أربع: الإجابة في الدعاء، والرضا في الطاعة، والسخط في المعصية، والوليّ في الخلق، فلا يهجرن أحدكم شيئًا من الدعاء فربما كانت الإجابة له، ولا فناء من الطاعة فلعله يصادف رضا الله عنه، ولا وجهًا من المعصية مخافة أن يكون سخط الله فيه، ولا أحدًا من الخلق أجلّ أن يكون وليًّا لله سبحانه وتعالى في الباطن. حتى قيّض الله لي المنّة، ويسّر النيّة، وقلت يا نفس جِدّي مع مَن هزل، ولا تقطعِنّ حظًا من الآخرة بالدنيا، ولا تُقبِلِنَ على مخلوق وتذري جانب الخالق الأعلى، وأنت وإن كنت مهتمة بوظائف الدنيا وتكاليف دين، فاغتنميها حالة المحيا قدوة بالمتقين، فإذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم علمه، أو ولد صالح يدعو له. وما كنت لأتعرّض للتصنيف، ولا أرتقي إلى هذا المحل المنيف، إلا وأني رأيته قد خلفت بسماحته ومحبة ديباجته، تتعاور الأغفال عليه، وتتعاور الجهال فيه. ولا ينبغي لحصيف أن يتصدّى إلى تصنيف أن يعدل عن عرضين: إما أن يخترع معنى، أو يبتدع وصفًا ومتنًا، حسب ما قرّرناه في قانون التأويل، وربطناه في التحصيل من الجمل والتفصيل، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد الورق، والتحلّي بحلية السرق. فأما إبداع المعاني فهو أمر معون في هذا الزمان، فإن العلماء قد استوفوا الكَلِيمَ، ونصبوا على ٩ مقدمة كل مشكل العلم، ولم يبق إلا خفايا في زوايا، لا يتولجها إلا مَن تبصّر معاطفها، واستظهر لواطفها حضيضة. ولم يكن قطّ في الأمم مَن انتهى إلى حدّ هذه الأمة من التصرف في التصنيف والتحقيق، ولا جاب لها في مراها من التفريع، فإن الله صانها عن الاختلاف في كتابها، وجاء بها إلى الحقائق من أبوابها، وسائر الأمم غمرتهم الآفات، وتوالت عليهم الحادثات، فذكر أن التوراة حُرُّفَت مرتين، واتخذت اليهود إلهين اثنين، وزعموا أن الذي أملاها من حفظه في المرة الأولى عزير، وليس لها في المرة الثانية إلاّ كسير وعوير، والنصارى فهم معهم بدلوا كتبهم بأيديهم، وحرّفوا على مناجيهم، وأتبعوا الحقِّ أهواءهم، فكل من كان أمل في معنى مناجيهم كتب عليه كتابه، فجاءت مختلفة مبدلة محرّفة، فإذا قرأها العالم رأى أنهم عووا وضوضوا لما فقروا الضوء. ولمّا صان الله هذه الأمة عن المحنة، وبسط لها في الدوحة، فتبسطت في بحبوحة دوحتها، وتصرفت في فروع ملتها، فاستفتح السيف العلق، واستولوا على الظلف، فلم يدرك منهم إلا وعى كلامهم وتقريب مرامهم. فخذوها عارضة من أحوذي(١)، علم كتاب الترمذي. وقد كانت هِمّتي طمحت إلى استيفاء كلامه بالبيان، والإحصاء لجميع علومه بالشرح والبرهان، إلا أنني رأيت القواطع أعظم منها، والهِمَم أقصر منها، والخطوب أقرب منها، فتوقفت مدة إلى أن تيسّرت مندة الطلبة فاغتنمتها، واتبعت عزمي، وانعقر على شطني ما اشتملت عليه معلقاتي في تغيير المياومة من المشايخ في المجالس، وعوارض المذاكرة في أندية المناظرة على الاختصار، وربما اتفق تطويل، فلذلك بحسب ما عرض عليّ شرط ما تقدم من العرض. (١) قال ابن خلكان أما معنى عارضة الأحوذي فالعارضة القدرة على الكلام يقال فلان شديد العارضة إذا كان ذا قدرة على الكلام. والأحوذي الخفيف في الشيء لحذقه. وقال الأصمعي الأحوذي المشمر في الأمور القاهر لها الذي لا يشذّ عليه منها شيء وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وفي آخره ياء مشددة اهـ. مقدّمة لبيان معنى الكتاب .اعلموا - أنار الله أفئدتكم - أن كتاب الجعفي هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطأ هو الأول واللباب، وعليهما بناء الجميع كالقشيري والترمذي. فما دونهما ما طفقوا يصفونه، بالأخذ في الكلام عليه مستوفى، يستدعي فراغًا متصلاً، وأمرًا متطاولاً، وهِمعًا متشوقة، وليس فيهم مثل كتاب أبي عيسى حلاوةَ مقطعٍ، ونفاسةً منزِعٍ، وعذوبةً مشرع، وفيه أربعة عشر علمًا فوائد صنف، وذلك: أقرب إلى العمل، وأسند، وصحح، وأسلّم، وعدد الطرق، وجرح، وعدّل، وأسمى، وأكنى، ووصل، وقطع، وأوضح المعمول به، والمتروك، وبيّن اختلاف العلماء في الردّ والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله. وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه، وفرد في نصابه، فالقارىء له لا يزال في رياض مونّقة، وعلوم متفقة متسقة، وهذا شيء لا يعمّه إلا العلم الغزير، والتوفيق الكثير، والفراغ الندير، والتدبير. ونحن سنورد فيه إن شاء الله بحسب العارضة قولاً في الإسناد، والرجال والغريب، وفنًّا من النحو، والتوحيد، والأحكام، والآداب، ونكتًا من الحكم، وإشارات إلى المصالح. فالمنصف يرى رياضة أنيقة، ومقاطع ذات حقيقة، فمن أيّ فنّ كان من العلوم وجد مقصده، في منصبه المفهوم، ولفظ ما شاء وأوعى، وترخّم على من جمع ووعى. كنت قرأت هذا الكتاب على أبي طاهر البغدادي بدار الخلافة، وعلى أبي الحسن القطيعي، كلاهما عن ابن زوج الحرة، إلا أني رأيت أبا الحسن أحلى في القلب والعين، فعكفت عليه. قال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد، أخبرنا أبو علي شيخي، أخبرنا ابن محبوب عنه وقيدته من غير هذه الطرق، قال أبو عيسى :... بيس أَلَّه الرحمن الرحيم قال أبو عيسى محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرَةً الترمذيَّ: ١ - أبواب الطهارة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ١ - باب مَا جَاءَ لاَ تُقْبَلُ صَلاّةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ [المعجم ١ - التحفة ١] ١ - حدثنا قُتَيِبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا أبو عَوَانَةً عن سِمَاكِ بن خَرْبٍ ح وحدّثنا هَنَّاد حدّثنا وَكِيعْ عن إِسْرَائِيلَ عن سِمَاكٍ عن مُصْعَبٍ بن سَعْدٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ وَِّ قال: (لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَّةٌ مِن غُلُولٍ)). قال هَنَّادٌ في حديثه: ((إلاَّ بِطُهور))(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا الحديثُ أُصَحُّ شَيْءٍ في هذا البابِ وأحْسَنُ. وفي الباب عن أبِي المَليحِ عن أبِيهِ، وأبي هُرَيْرَةَ، وَأَنَس. وأبو المَلِيحِ بْنُ أَسَامَّةَ اسْمُهُ ((عَامِرٌ)) ويقال: (زَيْدُ بْنُ أُسَامَةً بِنِ عُمَيْرِ الهُذَلِيُّ). باب لا تُقبل صلاة بغير طهور مصعب بن سعد عن ابن عمر عن النبي # (لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول). أصح شيء في هذا الباب. إسناده: قال القاضي أبو بكر بن العربي: أخرج مسلم هذا الحديث بسنده بلفظه، وزاد فيه: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال: ألا تدعو لي يا ابن عمر، (١) الحديث رواه: مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ١٢ أبواب الطهارة/ باب ١ قال: إني سمعت رسول الله # يقول: ((لا تُقبّل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول))، وكنت على البصرة. ورواه الفرياني فقال: دخلت على عبد الله بن عامر وعنده قوم يدعون له بالعافية، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن، ما لك لا تدعو؟ فقال: إنني من أودِّهم لك، وأحرصهم على صلاحك، وإني سمعت رسول الله* يقول: ((لا يقبل الله صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول))، وكنت على البصرة ولا أراك إلا قد أصبت منها شرًا. غريبه: القبول في ألسنة السلف: الرضاء، قبلت الشيء: رضيته وأردته والتزمت العوض عنه، فقبول الله للعمل هو رضاه به وثوابه عليه. الطهور بفتح الطاء ويضمها، فبالفتح عبارة عن: الماء، وبالضم عبارة عن: الفعل، وجعل بفتح الطاء عبارة عن آلات الفعل، كالسحور، والودود، والدلوك. وقد قيل إنهما بمعنى واحد. والغلول: الخيانة خفية، فالصدقة من مال حرام في عدم القبول واستحقاق العقاب، كالصلاة بغير طهور في ذلك. - أحكامه: فيه خمس مسائل: الأولى: فيه اشتراط الطهارة في صحة الصلاة، وهي من شرائط الأداء لا من شرائط الوجوب بإجماع الأمة. وفي الصحيح عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، وهي صحيفة صحيحة عالية مجموعة، قال النبي عليه السلام: ((لا تُقبَل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)). الثانية: قوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) عموم فيمن أحدث ومن لم يحدث، فخصّ هذا الحديث الثاني من ذلك العموم بوجوب الطهارة من أحدث بعد الوضوء، واستحبابه لمَن صلّى، بدليل بديع ليس من شرط العارضة. الثالثة: العاجز عن استعمال الطهارة لمرض، أو عدو، أو سبع، أو عدم قدرة حتى لا يمكنه تطهير بماء أو تراب، مُختَلّف فيه على ستة أقوال: الأول: قال مالك وابن نافع: لا صلاة ولا قضاء. الثاني: قال ابن قاسم: يصلي ويقضي. الثالث: يصلّي ولا يُعيد، قاله أشهب والشافعي. الرابع: يصلّي إذا قدر، قاله أصبغ. الخامس: يصلّي ولا يُعيد. السادس: يومىء إلى التيمم، أشار إليه أبو الحسن بن القابسي. الأظهر قول أشهب، لأن الطهارة شرط أداء لا شرط وجوب، فعدمها لا يمنع من فعلها، كسائر شروطها من ستر، وطهارة ثوب، واستقبال قبلة. الرابعة: إذا أسلم الكافر، فلم يكن بعد إسلامه موجب للطهارة من جنابة، ولا حدث، هل يغتسل أم لا؟ قال الشافعي والقاضي أبو إسحاق: يغتسل استحبابًا، وقال مالك وابن القاسم وأحمد وأبو ثور: الغسل واجب، وهو الصحيح لقوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور))، وقد اجتمعت الأمة على وجوب الوضوء، فالغسل مثله دليل بدليل، وإعتراض باعتراض، وجواب بجواب. ١٣ أبواب الطهارة/ باب ١ الخامسة: في قول ابن عمر لعبد الله بن عامر وقد سأله الدعاء: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) يدل على أن الوضوء للدعاء مشروع، وكذلك في الحديث الصحيح أن أبا موسى الأشعري سأل النبي ### أن يستغفر لأبي عامر الأشعري، قال: فدخلت على النبي صل﴾، وأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقوله: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه: «اللّهمّ اغفر لعبد الله بن عامر، ورأيت بياض إبطيه، وقد كان النبي عليه السلام لا يرد السلام إلا على وضوء. رواه صحيح. قوله: وكنت على البصرة، يريد أنه أصاب سرّ الولاية في التقصير عن النظر للمسلمين، والإساءة إليهم، ولا ينتفع بالدعاء مَن كان على هذه الصفة عنده. والصحيح أن العاصي ينتفع بالدعاء، ولذلك يُدعى للميت وإن كان عاصيًا، ويشبه أن ابن عمر أدبه بترك الدعاء له حتى عرف تقصيره، وليس تدع غيره به، أو ليبيْننّ له اهتباله بعلمه أوكد عليه من التعويل على الدعاء . التوحيد: فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله: (خرجت الخطايا) يعني غفرت، لأن الخطايا هي أفعال وأعراض لا تبقى، فكيف تُوصَف بدخول أو بخروج؟ ولكن البارىء لمّا أوقف المغفرة على الطهارة الكاملة في العضو، ضرب لذلك مثلاً الخروج، ولأن الطهارة حكم ثابت استقر له الدخول. الثانية: الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبائر، لقول النبي صلجر: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفّارة لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر»، فإذا كانت الصلاة مقرونة بالوضوء لا تكفر الكبائر، فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى. الرابعة: أن هذا التكفير إنما هو للذنوب المتعلقة بحقوق الله سبحانه، فأما المتعلقة بحقوق الآدميين فإنما يقع النظر فيها بالمقاصة مع الحسنات والسيئات، كما بيّنّه في كتب الأصول. الخامسة: في تفسير الخطايا. أما خطايا العين فهي النظر إلى ما لا يحلّ قصدًا إليه، وخطايا اليد اللمس لما لا يجوز، وخطايا الرجل المشي فيما لا ينبغي، وخطايا الفم المُراودة على الفاحشة، والمواعدة في المعصية، وخطايا الأنف شمّ ما لا يحلّ، كطيب مغصوب، أو على امرأة أجنبية، فإن شمّ الطيب المغصوب صغيرة، وإتلافه بالاستعمال كبيرة. وباب العلم بالصغائر والكبائر مكتوب في الأصول. السادسة: لو وقعت الطهارة باطنًا، بتطهير القلب عن أوضار المعاصي، وظاهرًا، باستعمال الماء على الجوارح بشرط الشرع، واقترنت به صلاة جرد فيها القلب عن علائق الدنيا، وطردت الخواطر، واجتمع الفكر على أجزاء العبادة كما انعقد عليه إحرامها، واستمرت الحال كذلك حتى خرج بالتسليم عنها، فإنَّ الكبائر تُغفر، وجملة المعاصي والحالة هذه تُكَفِّر. وكذلك كان ١٤ أبواب الطهارة / باب ٢ ٢ - باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الطَّهُورِ [المعجم ٢ - التحفة ٢] ٢ - حقثنا إسحاقُ بن موسى الأنصاريُّ، حدّثنا مَعْنُ بنُ عیسى القَزَّاز، حدثنا وضوء جماعة السلف، منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. رُوِيّ عنه أنه كان إذا توضأ امتقع، فيقال له في ذلك، فيقول: تعلمون مَن أَناجي؟ وهذه العبادة هي المُخبّر عنها بقوله: ﴿إنّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَخْشَاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقد بيّنّاه في القسم الرابع من تفسير القرآن. السابعة: جعل العين مخرجًا لخطايا الوجه دون الفم والأنف لمعنيين: أحدهما: أن الفم والأنف قد يكون منه كبيرة، كالكذب، والنميمة، وشمّ الطيب حتى يمني، والعين لا يكون منها كبيرة. الثاني: أن الفم والأنف لهما طهور في الوجه ينفردان به، مختصًّا بفائدتهما، وليس في العين طهور، ولا يلزم ذلك في الأَذُّنين مع الرأس، حتى جعلهما مخرجًا لخطايا الرأس، مع أنهما يختصّان بطهور دونه عندنا، لأجل أن الفم والأنف مقدّمان في الطهارة على غسل الوجه، فلم يكن لهما حكم التّبع، والأذنان بعد الرأس فكان لهما حكم التبع. الثامنة: في حديث مالك أن خطايا الفم تخرج مع المضمضة، كما أن خطايا الأنف تخرج مع الاستنشاق، كما أن خطايا العين تخرج مع غسل الوجه، وكل عضو يختصّ تكفيره بطهارته. أحكامه: فيه ثلاث مسائل. الأولى: قوله: (خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه) يقتضي طهارة الوجه، وكذلك كل عضو يطهر بغسله، فيمس به المصحف إذا غسل يديه بهما، أو يمسّه بوجهه إذا غسله، ولعلمائنا في ذلك اختلاف بيّاه في مسائل الفقه. الثانية: لا تطهر اليمنى بغسل حتى تغسل اليسرى، لأنهما في حكم العضو الواحد، وهو ظاهر قوله: (فإذا غسل يديه)، فذكر مجموعهما، ولأجل هذا اتفق العلماء على سقوط الترتيب بينهما . الثالثة: تعلّق أبو يوسف القاضي وغيره في نجاسة الماء المستعمل في الطهارة بأنه ماء الخطايا، فلا يستعمل في طهارة أخرى، إذ قد كَفَّرَ ذنبًا وطهّر عضوًا، فانتقل إليه المنع الذي كان في الأعضاء قبله. قلنا: ليس الذنب معنى يحلّ الماء ولا ينتقل، والماء آلة الفعل فيتكرر منها الفعل، لا سيما والماء الذي كفر وغسل هو الذي ثبت على الأعضاء، وما انفصل فهو زائد عليه. باب فضل الطهور أبو صالح عن أبي هريرة (قال رسول الله: إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن، فغسل ١٥ أبواب الطهارة/ باب ٢ مالك بنُ أَنَسٍ، ح وحدّثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكِ عن سُهَيلٍ بنِ أبي صالح عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةً قال: قال رسول الله وَ﴿: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ المُسْلِمُ، أوِ المُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ من وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إليها بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أو مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ، أَوْ نَحْو هذا، وإذا غسَلَ يَدَيهِ خَرَجَتْ من يَدَيهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرٍ المَاءِ(١)، حَتَّى يَخْرُجَ نَفِيًّا مِنَ الذُّنُوب»(٢). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن صحيح، وهو حديث مَالِكِ عن سُهَيْلٍ عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةً. وأَبُو صالح والِدُ سُهَيْلٍ هو (أبُو صالح السَّمَّانُ)) واسْمُهُ ((ذَكْوَانُ)) وأَبُو هُرَيْرَةَ اخْتُلِفَ في اسْمِهِ، فَقَالُوا: ((عَبْدُ شَمْسٍ)) وَقَالُوا: ((عبد الله بْنُ عَمْرو)) وهكذا قال محمد بن إسماعيلَ، وهو الأصحُ. وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، أو نحو هذا، وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب) حسن صحيح. إسناده: حديث صحيح ثابت، أخرجه الترمذي عن معن، عن مالك بن أنس مختصرًا، وقد رواه جماعة عن مالك كذلك، ورواه ابن وهب وغيرهم فزاد فيه: «فإذا غسل رجليه خرجت من رجليه كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيًّا من الذنوب))، من طريق القشيري. وخرّج أيضًا عن عثمان أعمّ منه، فقال: ((مَن توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)). ورُوِيّ في هذا الحديث: ((فإذا مسح رأسه خرجت خطايا رأسه حتى تخرج من أذنيه خرجة)). وقد رواه مالك عن الصنابحي مرسلاً، تامًا بذكر الرأس والرجلين. وثبت في الصحيح عن عمرو بن عبسة مسندًا كذلك. وأبو صالح اسمه ذكوان. الثانية قال أبو عيسى: حسن صحيح، ونحن نبين معنى قوله هذا أو بَدًا على ملّته. أما قوله: صحيح، فإن الصحيح من الأحاديث لها عشر مراتب: أولها: صحيح مطلق، وهو الذي لا خلاف فيه، ولا كلام عليه، وهو قليل جدًّا عزيز في الباب. الثاني: صحيح بنقل عدل واحد. الثالث: صحيح شاذ بغير شواهد. والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين: بنقل عدل واحد عن الصحابي، أو بنقل عدل واحد عن التابعي، ويدخل عليهما ثالث، وهو: حديث يرويه واحد من الأئمة، فهذه خمسة أقسام ذكر جميعها أبو عيسى. واقتصر الجعفي والقشيري على الأربعة دون الخامس. السادس: المراسيل، ذكر الإمامان منها شيئًا يسيرًا، وأهل الحديث ينكرونها، (١) وهذه الزيادة في مسلم أيضًا (١: ٨٥). (٢) موطأ مالك، رواية يحيى، في: باب جامع الوضوء (١: ٥٣). ١٦ أبواب الطهارة/ باب ٣ قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمانَ بن عفان، وَثَوْبَانَ، وَالصُّنَابِجِيِّ، وعَمْرو بنِ عَبْسَةً، وسَلْمَانَ، وَعبدِ اللَّهِ بن عَمْرو. والصُّنَابِحِيَّ الذي رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ الصَّدْيقِ لَيْسَ له سَمَاعٌ من رسول الهََِّ، واسمه ((عبد الرحمن بنُ عُسَيْلَةً)) وَيُكْنَى (أبا عبد الله)) رحل إلى النبي وَه فَقُبِضَ النبي ◌َُّ وهو في الطَّرِيقِ (١). وقد رَوّى عن النبيّ ﴿ أحاديثُ. والصُّنَابِحُ بْنُ الأعْسَرِ الأخْمَسِيُّ صَاحِبُ النبيِ ﴿﴿ يُقَالُ لَهُ: ((الصُّنَابِحِيَّ)) أيضًا. وإنما حديثه قال: سَمِعْتُ النبيّ وَ﴿ يقول: ((إِنِّي مُكَاثِرُ بِكُمُ الأَمَمَ فَلاَ تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي))(٢). ٣ - باب ما جاء أن مفتاح الصلاةِ الطُّهورُ [المعجم ٣ - التحفة ٣] ٣ - عقدنا تُتَيْبَةُ وَهَنَّاذٌ ومحمودُ بنُ غَيْلاَنَ، قالوا: حدّثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ ح والصحيح قبولها على وجه بيتاه في أصول الفقه. السابع: الحديث المدلس، اتفق العلماء على ذكره والعمل به. والتدليس على أقسام لا نطول بذكرها، منها: حديث يرويه راوٍ عن أحد قد لقيه ولم يسمعه منه، ولكن لا يقول: حدّثنا فلان، إنما يقول: عن فلان، أو: قال فلان. الثامن: صحيح خولف رواته فيه، وفي كل كتاب جملة منها. التاسع: حديثُ مبتدع لا يدعو إلى بدعته، وفي الصحيح منه جملة في الشواهد، ونادر في الأصول، لا سيما في غير الأحكام. العاشر: حديث فيه راوٍ صدوق غير حافظ، وليس بصحيح أبي عيسى مثله، وفي الصحيح مثله في الشواهد. وأما قوله: (حسن) فإن بعض أهل العلم قال: الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، كحديث البصريين يخرج عن قتادة، والكوفيين عن أبي إسحاق السبيعي، والمدنيين عن ابن شهاب، والمكيين عن عطاء، وعليه مدا الحديث، وقد أكثر منه أبو داود وأبو عيسى. وقال أبو عيسى في آخر كتابه: أردت بقولي: حسن، ما لا يكون في سنده متّهم بالكذب، ولا يكون شاذًّا، ويُروى من غير وجه. وأما قولي: غريب، فمعناه أنه لا يُروَى إلا من طريق واحد، وقد رُوِيّ من طرق فيستغرب إذا جاء من طريق منفردة غيرها. باب مفتاح الصلاة الطهارة محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (مفتاح الصلاة الطهور، (١) حديث الصنابحي في الموطأ (١: ٥٢). (٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٤: ٣٥١) وابن ماجه (٢: ٢٤٠ - ٢٤١). ١٧ أبواب الطهارة/ باب ٣ وحدّثنا محمد بن بَشّارٍ حدّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ حدّثنا سُفيانُ عن عبد الله بن محمد بن عَقِيلٍ عن محمد بن الحَنَفِيَّةِ عن عليٍّ عن النبيّ ◌َ﴿ قال: ((مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ، وتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ))(١) . قال أبو عيسى: هذا الحديث أصَحُّ شَيْء في هذا الباب وأحْسَنُ(٢). ٠ وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) أصح شيء في هذا الباب وأحسن. مجاهد عن جابر: ((مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء)). الإسناد: وهذا حديث لم يخرّج في الصحيح، وقد رواه أبو داود بسند صحيح، فقال: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن عليّ، فذكره. وهذا أصح من سند أبي عيسى. وابن عقيل هو عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد لقي من الصحابة ابن عمر، وجابرًا، والطفيل بن أَبيّ، وهو قول البخاري فيه. وهو مقارب الحديث، ويُروى بفتح الراء وكسرها، وبفتحها قرأته، فمَن فتح أراد أن غيره يقاربه في الحفظ، ومن كسر أراد أنه يقارب غيره، فهو في الأول مفعول وفي الثاني فاعل، والمعنى واحد. وإن كان قد طعن فيه بعضهم من قبل حفظه، فإن الطعن لا يقبل مطلقًا حتى يتبين وجهه فينظر فيه، فكم من حافظ سقط، ومتقن لغط، وستراه في هذا الكتاب. وقد صحّح حديثه عن جابر في قصة سعد بن الربيع في كتاب الفرائض. غريبه: فيه مسألتان: الأولى: قوله: "مفتاح الصلاة) مجاز ما يفتحها من غلقها، وذلك أن الحدث مانع منها، فهو كالفعل موضوع عن المحدث، حتى إذا توضأ انحلّ الغلق، وهذه استعارة بديعية لا يقدر عليها إلا النبوّة، وكذلك قوله: ((مفتاح الجنة الصلاة)) بيّن، لأن أبواب الجنة مغلقة تفتحها الطاعات، وركن الطاعات الصلاة. وقد قال وهب بن منبه: ذكره البخاري عند لا إله إلاّ الله مفتاح له أسنان - يعني العبادات - فإن جئت بالمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك، وتتفاضل الأسنان في الفعل، وفي الصغر، والكبر، والتأصيل، والتفريع، وكذلك العبادات. وقد رُوِيّ أن أول ما يُنظَر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن جاء بها نظر في سائر عمله، وإن لم يأتِ بها لم يُنظّر له في شيء من عمله. وقد قال: ((خمس صلوات كتبهنّ الله على العبد في اليوم والليلة، فإن جاء بهنّ لم يضع منهنّ شيئًا استخفافًا بحقّهنّ، كان له عند الله عهد، وإن لم يأتِ بهنّ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له))، وهذا مع قوله: (مفتاح الصلاة الطهور) طبق واحد، وقد اندرج من أصوله في هذا الفن. (١) رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والشافعي والبزار وصححه الحاكم وابن السكن. (٢) حديث جابر رواه أحمد برقم (١٤٧١٥ ج ٣ ص ٣٤٠). عارضة الأحوذي/ ج ١/ م ٢ ١٨ أبواب الطهارة/ باب ٣ وعبدُ اللَّهِ بنُ محمد بن عَقِيل هو صَدُوقٌ، وقد تَكَلَّمَ فيه بعضُ أهل العلم من قِبَلٍ حفظه . قال أبو عيسى: وسمعتُ محمدٌ بنّ إسماعِيلَ يقول: كان أحمدُ بن حَتْبَلٍ وإسحقُ بن إبراهِيمَ وَالحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُونَ بِحَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقِيلٍ. قال محمد: وهو مُقَارِبُ الحديثِ. الثانية: قوله: (وتحريمها التكبير) هو مصدر حرم يحرم، ويشكل استعماله مهنا، لأن التكبير جزء من أجزائها فكيف يحرمها؟ فقيل: مجازه إحرامها، يقال: أحرم، إذا دخل في البلد الحرام، أو الشهر الحرام. ولما كانت الصلاة تُحَرِّمُ أشياء، قيل لأول ذلك - وهو التكبير: إحرام، فاتبع الأول الثاني، كما قالوا: آتيه بالغدايا والعشايا، ونحوه. ويحتمل أن يجعلها التكبير حرامًا لا يجوز أن يفعل فيها شيء من غيرها، كما يقال: بلد حرام، وشهر حرام. أحكامه: في عشر مسائل: الأولى: قوله: (تحريمها التكبير) يقتضي أن تكبيرة الإحرام جزء من أجزائها، كالقيام، والركوع، والسجود، خلافًا لسعيد والزهري، اللذين يجعلانها ويقولان إن الإحرام يكون بالنيّة، وقد قال النبي : ((الأعمال بالنيات))، والصلاة أصل الأعمال، والتكبير أولها، فاقتضى ذلك كونها منها بعد النيّة . الثانية: قوله: (التكبير) يقتضي اختصاص إحرام الصلاة بالتكبير، دون غيره من صفات تعظيم الله وجلاله، وهو تخصيص لعموم قوله: ﴿وَذَكّرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَى﴾ [الأعلى: ١٥]، فخصّ التكبير بالسُّنَّة من الذكر المطلق في القرآن، لا سيما وقد اتصل في ذلك فعله بقوله، فكان يكبر# ويقول: ((الله أكبر". وقال أبو حنيفة: يجوز بكل لفظ فيه تعظيم الله، لعموم القرآن. وقد بيّنًا أنه متعلَّق ضعيف. الثالثة: قال الشافعي: ويجوز بقولك: الله الأكبر، وقال أبو يوسف: يجوز بقولك: الله الكبير. أما الشافعي، فأشار إلى أن الألف واللام زيادة لم تخلّ باللفظ ولا بالمعنى، وأما أبو يوسف فتعلق بأنه لم يخرج عن اللفظ الذي هو التكبير. قلنا لأبي يوسف: إن كان لا يخرج عن اللفظ الذي هو في الحديث، فقد خرج عن اللفظ الذي جاء به الفعل، ففسر المطلق في القول، وذلك لا يجوز في العبادات التي لا يتطرّق إليها التعليل، وبهذا يردّ على الشافعي أيضًا، فإن العبادات إنما تفعل على الرسم الوارد دون نظر إلى شيء من المعنى. الرابعة: قال علماؤنا: قوله: (تحريمها التكبير) يقتضي اختصاص التكبير بالصلاة دون غيره من اللفظ، لأنه ذكره بالألف واللام الذي هو باب شأنه التعريف، كالإضافة. وحقيقة الألف واللام إيجاب الحكم لما ذكر، ونفيه عمّا لم يذكر، وسلبه منه. وعبّر عنه بعضهم بأنه الحصر، وقد بيّنّاه في الأصول. ١٩ أبواب الطهارة/ باب ٣ قال أبو عيسى: وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وأبي سَعِيدٍ. ٤ - هذثنا أبو بكر محمد بن زَنْجَوَيْهِ البغدادي وغيرُ واحد، قال: حدّثنا الحسين بن محمد حدّثنا سليمانُ بن قّزْم عن أبي يحيى القَتَّاتِ عن مجاهد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله و9: «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء). الخامسة: قوله: (وتحليلها التسليم) مثله في حصر الخروج عن الصلاة على التسليم، دون غيره من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة، خلافًا لأبي حنيفة، حين يرى الخروج منها بكل فعل وقول مضاد، كالحدث، ونحوه، حملاً على السلام وقياسًا عليه، وهذا يقتضي إيطال الحصر الذي بيّاه في قوله: (وتحليلها التسليم)، وهو حلّ ما كان منعقدًا، وحلّ ما كان حرامًا، وكذلك قلنا. المسألة الخامسة أنه لا يكون إلا بنيّة، لأنه لا ينحلّ شرعًا ما كان منعقدًا إلا بقصد، ولأن التسليم جزء من أجزائها. وقد روى عبد الملك عن عبد الملك أنه لا يكون الخروج عن الصلاة إلا بغير نية، كالخروج من الحج، وهذا لا يصح، فإن الخروج عن الحج يكون بفعل يكون مقترنًا بالنّة، وهو الرمي أو الطواف. السادسة: ومن حكم النيّة أنها مقترنة بالسلام، كما أن حكمها أن تكون مقترنة بالإحرام غير متقدمة ولا متأخرة، إلا أن تتقدم فتستصحب. السابعة: ولفظه السلام عليكم معرّفًا، فإن نكره أو قال: عليكم السلام، ففيه قولان، الأصح أن يكون بلفظه، لأنه تعبّد ولأنه من أسماء ذكر الله، وهو مبني به فيكون بلفظه على أصح القولين. وقيل: به السلام من السلامة، وسيأتي ذلك في كتاب الاستئذان إن شاء الله. الثامنة: رُوِيّ عن النبي ﴾ وثبت أن النبي # كان يسلّم تسليمتين عن اليمنى: ((السلام عليكم ورحمة الله))، وعن يساره مثل ذلك، حتى يُرى بياض خدّه. وقد دخل المدينة رجل من أهل الكوفة فصلّى في المسجد، فلما سلّم قال: السلام عليكم ورحمة الله، عن يمينه وعن يساره، وابن شهاب إلى جانبه، فقال له: من أين لك هذا؟ فقال له: ما سمعت هذا، فقال له: من أنت؟ فقال: ابن شهاب، فقال له: رويت حديث النبي * كله؟ قال: لا، قال: فثلثيه؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: يشبه، فقال له: اجعل هذا مما لم ترو، ونحو هذا. والحديث صحيح من غير شك، ولكن عمل أهل المدينة ونقلهم في ذلك أقوى وأصح. التاسعة: وينوي به الخروج عن الصلاة، فإن كان إمامًا فمَن معه، وإن كان فذًّا فالصالحون من الملائكة والجن، وإن كان مأمومًا فالإمام ومَن معه إن كان معه أحد. العاشرة: قال أصحابنا: ويسلم ثلاثًا، واحدة للخروج، وثانية للرد على الإمام والمأمومین. ٢٠ أبواب الطهارة / باب ٤ ٤ - باب ما يقول إذا دَخَل الخلاء [المعجم ٤ - التحفة ٤] ٥ - حقّدنا قُتَيْبَةُ وَهَنَّادِ قالا: حدّثنا وَكِيعُ عن شُعْبَةً عن عبدِ العزِيزِ بَنِ صُهَيْبٍ عن أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ قال: كَانَ النِبِيِّ وَهَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ)) - قال شُعْبَةُ: وقد قال مَرَّةً أُخْرَى: ((أعُوذُ بِكَ - من الخُبْثِ والخَبِيثِ)). أو: ((الخُبُثِ والخبائِثِ». قال أبو عيسى: وفي البّابِ عن عَلِيِّ وَزَيْدِ بنِ أَرْقَمَ وجابِرٍ وابنِ مَسْعُودٍ. قال أبو عيسى: حدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هذَا الَّابِ وأحْسَنُ. الحادية عشر: قوله: (وتحريمها التكبير) يقتضي اقتران النيّة كما تقدم. وقال بعضهم: إنه يجوز تقديم النّة على التكبير، قياسًا على أحد القولين في الوضوء، وهذا جهل عظيم، فإن النّة في الصلاة متفق عليها أصل، والنيّة في الوضوء مختلف فيها فرع لها، ومن الجهل حمل الأصل على الفرع، ولكن القوم يستطيلون على العلوم من غير محصول. باب ما يقول إذا دخل الخلاء صهيب عن أنس (كان النبي * إذا دخل الخلاء قال: اللهمَّ إني أعوذ بك - قال شعبة: وقد قال مرة أخرى: أعوذ بك - من الخبث والخبيث. أو: الخبث والخبائث) حسن صحيح. ابو إسحاق، عن ابن جحيفة، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله ﴾ قال: ((ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول بسم الله)) ضعيف. غريبه: الخلاء بفتح الخاء ممدودًا: المكان الذي ليس به أحد، فإذا قصرته فهو الرطب من الحشيش، ويكون أيضًا بالقصر حرف استثناء أو فعلاً بمعناه، تقول: جاء القوم خلا زيدًا، أو خلا زيد، فإن مددته وكسرت الخاء. فهو في النوق، كالحيوان في الخيل. قال النبي وير لعائشة في حديث أبي زرع: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع في الألفة والوفاء في الغربة والخلاء». قوله: (اللَّهمَّ) معناه يا ألله، قاله الخليل. وقال الفراء: معناه يا الله آمنًا منك بخير، وكلا القولين معترضان، والأول أمثل. وقوله: (أعوذ) يعني: ألجأ وألوذ. والعوذ - بإسكان العين - والعياذ والمعاذ والملجأ: ما سكنت إليه تقية عن محذور. وقوله: (من الخبث) بضم الخاء يعني: من ذكور الجن وإناثها، صوابه بضم الباء وسكونها، يعني من المكروه ومن أهله. والخبيث من كل مكروه، فإن كان من قول فهو سبّ، وإن كان من اعتقاد فيكون كفرًا بحال واعتقاد سوء بآخر، وإن كان من طعام فهو حرام. وغلّط الخطابي مَن رواه بإسكان الباء وهو الغالط، وقد بيّنًا معناه.