النص المفهرس

صفحات 21-40

الذي أخرجه الشيخان عن محمد بن بشار بندار ومسدد بن مسرهدوزهیر بن حرب
ومحمد بن المثنی أربعتهم عن یحیی بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن
خُبيب بن عبدالرحمن الأنصاري ، به: يتعين علينا عند الاختلاف في نص الرواية
أن نفاضل بين أصحاب يحيى القطان الثقات، فنجد أن أفضلهم وأتقنهم وأدقهم
في يحيى هو مسدد، ومن ثم يتعين اعتماد لفظه، فهذه مسألة خاصة بالدراسة لا
بالتخریج.
د - على أننا قد بيّنا الطرق كاملة مفصلة في ((المسند الجامع)) وأحلنا في كل
حدیث علیه، فمن أراد استزادة فعلیه به.
ثم عنينا بذكر طرق الحديث التي رواها أي تابعي آخر عن الصحابي نفسه
منفصلة عن التخريج الأول، ولم يكن من وكدنا استيعاب ذلك، لأنه ليس من
شرط السند، لكننا أكثرنا منه لبيان طرقه عن ذلك الصحابي، وتحصيلاً لفوائده
وعوائده عند الحكم على الحديث.
وذَيَّلنا تخريج كل حديث بالإحالة على مجموعة من الكتب النفيسة التي
قد يحتاج القارىء المتتبع الرجوع إليها، ومن أبرزها: (( تحفة الأشراف )»
للإمام المزي، و ((المسند الجامع)» الذي ألّفناه بمشاركة أربعة آخرين من
الفضلاء. وقد التزمنا بذكر هذين الكتابين في كل حديث من أحاديث الكتاب
تقريباً. ثم ذكرنا بعض كتب العلل مثل ((العلل )) لابن أبي حاتم الرازي،
و((العلل)) للدارقطني عند الحاجة، وبعض كتب التخريج مثل ((تلخيص الحبير))
للحافظ ابن حجر، و (( نصب الراية)) للزيلعي، ونحوها. على أننا عنينا عناية
خاصة بذكر كتب العلامة الكبير المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني - حفظه الله
تعالى ومتع المسلمين بعلمه ومعرفته - فإن كتبه كثيرة الفوائد والعوائد وهي
منتشرة عند طلبة العلم لا يستغنون عنها، لا سيما تلك التي أطال النفس فيها مثل
((إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)) و ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))
و (( سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة )) ومنها ضعيف الترمذي، وصحيح
الترمذي وغيرها .
كما أفدنا من الأعمال النفيسة التي قام بها صديقنا العلامة الكبير المحدث
الفقيه الشيخ شعيب الأرنؤوط - حفظه الله تعالى ومتع المسلمين بعلمه ومعرفته -
لا سيما عملهُ الممتاز في صحيح ابن حبان وشرح مشكل الآثار للطحاوي،
٢١

وعمله الرائع في الأجزاء الخمسة عشر التي أخرجها من المسند الأحمدي،
يسر الله له إتمامه.
وكان بودنا أن نخرّج كل إشارة ذكرها المؤلف في أحاديث الباب، لكن رأينا
أنَّ ذلك يطيل التعليقات على الكتاب إطالة تليق بالشروح لا بالتحقيق. على أن
بعض العلماء قد عني بهذه الناحية فألف الحافظ العراقي مصنفاً فيه ، وتبعه
تلميذه الحافظ ابن حجر بتصنيف مثيل له سماه: (( اللباب فيما يقوله الترمذي
وفي الباب)). ثم تصدى لذلك صديقنا الشيخ الدكتور محمد حبيب الله المختار،
أحد تلامذة شيخ مشايخنا العلامة البنوري، فصنَّ وأوعب، وسماه: (( كشف
النقاب عما يقوله الترمذي: وفي الباب)). وقد ظهر من عمله هذا ثلاثة مجلدات
قام بنشرها مجلس الدعوة والتحقيق الإسلامي بباكستان سنة ١٤٠٧ هـ، وتنتهي
هذه المجلدات بباب: (( ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن))(١)، ولم يكملهُ
فيما أعلم، فإنه قد انشغل برئاسته لجامعة شيخه البنوري، فيما أخبرني صديقي
العلامة الدكتور عبدالرزاق إسكندر خان مدير التعليم في الجامعة المذكورة.
وهذه الإشارات التي يذكرها الترمذي بقوله ((وفي الباب )) فيها الصحيح
والسقيم، ولم نجعل من وكدنا تتبعها إلا عند الحاجة، كما هو ظاهر في
تعليقاتنا. على أن العلامة المباركفوري حاول استيعاب ذلك وبيانه، فلم يوفق
إلى ضبط ذلك دائماً.
ثم عنينا بعدُ بتخريج الأحاديث المعلقة أو التي استشهد بها المصنف، وأبنا
عن درجتها من حيث الصحة والسقم استناداً إلى القواعد الحديثية (٢).
دراسة أحكام الترمذي والتعليق عليها:
عني الإمام الترمذي بالتعليق على الأحاديث والآثار التي ساقها في كتابه فبين
درجتها من حيث الصحة والسقم في الأغلب الأعم، وأشار في كثير من المواطن
إلى عللها.
(١) الترمذي (٢٠٧)٢٤٨/١ من طبعتنا.
(٢) انظر مثلاً المجلد الأول من طبعتنا: ٩٠، ٢٢٦، ٣٣٠، ٣٣١، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٨٢،
٥٤٨ ... إلخ.
٢٢

وقد عُنينا بدراسة هذه الأحكام بكل دقة مستندين إلى القواعد المعروفة في
علم الجرح والتعديل، ثم عُنينا بعرض أحكامه على الأحكام التي أطلقها العلماء
الجهابذة من أهل عصره أو القريبين منه ممن يوازونه في المعرفة والإتقان،
كالإمام أحمد، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني
ونحوهم، فإذا وجدنا الحكم متسقاً سكتنا، وإن وجدنا خلافاً أشرنا إليه، وإن
اجتهدنا باجتهاد معين ذكرناه بعبارة وجيزة دالة، إلا في حالات قليلة رأينا
ضرورة إطالة النفس لتبيان مسألة، أو تصحيح حكم، أو رد على معارض، أو
نحو ذلك، مما يجده القارىء الباحث في تضاعيف تعليقاتنا .
وتختلف تعليقاتنا على أحكام الترمذي من حديث لآخر، فقد نعلق لبيان
المخالفة في حكم أو قول أو ما إلى ذلك (١)، وقد نعلق لنوضح السبب الذي دعا
المصنف إلى إطلاق حكم معين سواء أكنا موافقين له أم مخالفين في هذا
الحكم(٢). وقد يعل المصنف الحديث بعلة معينة وفي الحديث علل أخرى لم
يشر إليها فنعلق عندئذٍ بإيجاز لتبيانها(٣). كما حكمنا على الأحاديث التي سكت
عنها فلم يصدر فيها حكماً(٤).
ومع تسليمنا بإمامة الترمذي في التصحيح والتضعيف وأن أقواله وأحكامه
في هذا الشأن ينبغي أن تعتبر أقصى حدود الاعتبار، لكن رأينا من أهم الواجب
(١) انظر مثلاً من أحاديث المجلد الأول: ١، ٧، ٩، ١٧، ١٨، ٢١، ٣١، ٣٣، ٣٤،
٤٠، ٥٥، ٦٥، ٧٣، ٨٦، ٩٩، ١١١، ١١٤، ١١٦، ١١٩، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٨،
١٢٩، ١٣٤، ١٤٦، ١٥٥، ١٧٦، ١٨٤، ٢٤٤، ٢٤٨، ٢٥٧، ٢٨٥، ٢٩٧، ٣٢٤،
(٣٣١، ٣٣٢، ٣٥٦، ٣٧٨، ٣٧٩، ٣٨٢، ٣٩٨، ٤١٠، ٤١٣، ٤٢٠، ٤٥٠،
٤٦٣، ٤٨٧، ٥٢٦، ٥٢٩، ٥٣٠، ٥٣٦، ٥٤١، ٥٤٢، ٥٤٣، ٥٤٥، ٥٤٧، ٥٥١)
٥٥٢، ٥٦٠، ٥٦٢، ٥٨٩، ٦١٣.
(٢) انظر مثلاً من أحاديث المجلد الأول: ٣، ٥، ١٢، ١٣ (٢٢)، ٢٨، ٣٦، ٤٤، ٦٦،
٨٤، ١٠٧، ١٣٩، ١٥١، ٢٤٥، ٢٥١، ٢٥٢، ٢٩٠، ٣١٥، ٣٢٠، ٣٥٧، ٣٧٧،
٣٩٥، ٤٠٤، ٤٢٧، ٤٥٢، ٤٦٥، ٥٤٣، ٥٦٣، ٥٨٦.
(٣) انظر مثلاً الأحاديث: ١٩٨،١٩٦، ٤٠٦، ٦٥٨، ٧٤١، ٧٤٦ ... إلخ.
(٤) انظر مثلاً الأحاديث: ٤، ٧٩، ١٠٠، ١١٢، ١٣٦، ١٣٧، ١٤٣، ١٦٥، ١٨٧،
٤٦٨، ٤٨٣، ٦٤٣، ٦٨٩، ٨٥٥، ٩٩٧ ... إلخ.
٢٣

علينا التنبيه إلى العلل القادحة التي لم يلتفت إليها فصحح أحاديث أو حَسَّنها، لا
سیما تلك التي نبه علیها الجهابذة العلماء، فحین ساق مثلاً حدیث ابن إسحاق
عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: (( إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحوّل من
مجلسه ذلك)) قال: ((حسن صحيح))(١). وفي قوله هذا نظر، فابن إسحاق وإن
كان ثقة وقد صَرّح بالسماع عند أحمد فانتفت شبهة تدليسه، لكن هذا الحديث
من منكراته، فالصحيح أنه موقوف ولا يثبت مرفوعاً، قال علي بن المديني:
(«لم أجد لابن إسحاق إلّ حديثين منكرين: نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّر ،
قال: إذا نعس أحدكم يوم الجمعة، والزهري عن عروة عن زيد بن خالد: إذا
مسَّ أحدكم فرجه؛ هذان لم يروهما عن أحد، والباقون يقول: ذكر فلان، ولكن
هذا فيه: حدثنا(٢))). وقد أخرجه البيهقي(٣) من طريق أحمد بن عمر الوكيعي،
عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع،
به مرفوعاً، لكن قال الدارقطني في ((العلل)): ((لم يتابع عليه، والمحفوظ: عن
المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر)) (٤). قلت: فعاد مدار
الحديث على ابن إسحاق. وقد ظن بعض فضلاء العلماء أن هذه متابعة،
وليس الأمر كذلك، لذلك قال البيهقي في ((السنن)): (( لا يثبت رفع هذا
الحديث، والمشهور عن ابن عمر قوله))(٥)، وقال في ((المعرفة)): ((والموقوف
أصح»(٦). أما الموقوف فهو من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن
ابن عمر، وهو إسناد صحيح أخرجه الشافعي في مسنده(٧)، وابن أبي
شيبة(٨)، والبيهقي(٩).
(١) الترمذي (٥٢٦).
(٢) المعرفة ليعقوب ٢٧/٢، وتاريخ الخطيب ٢٢٩/١، وتهذيب الكمال
٤٢٠/٢٤-٤٢١.
(٣) السنن ٢٣٧/٣.
(٤) العلل ٤ / الورقة ١١٧ .
(٥) السنن ٢٣٧/٣.
(٦) معرفة السنن (٦٦٣).
(٧) مسند الشافعي ١/ ١٤٢.
(٨) المصنف ١١٩/٢.
(٩) السنن ٢٣٧/٣ .
٢٤

ومن ذلك تصحيحه لحديث ابن عباس أنَّ النبي ◌َّهِ صلى في كسوف، فقرأ
ثم رکع ، ثم قرأ ثم رکع، ثم قرأ ثم ركع؛ ثلاث مرات، ثم سجد سجدتين،
والأخرى مثلها(١)، مع أن إسناد هذا الحديث منقطع ومتنه شاذ، قال ابن حبان:
(خبر حبيب بن أبي ثابت عن طاووس، عن ابن عباس أن النبي صَ لّهِ صَلَّى في
كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات: ليس بصحيح، لأن حبيباً لم
يسمع من طاووس هذا الخبر)) (٢)، ونقله الحافظ ابن حجر في التلخيص(٣)،
وقال البيهقي: « وحبيب وإن کان من الثقات فقد کان یدلس، ولم أجده ذکر
سماعه في هذا الحديث عن طاووس، ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به
عن طاووس. وقد روى سليمان الأحول عن طاووس، عن ابن عباس من فعله
أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعاً ))(٤).
وفي هذا الحديث علة أخرى وهي الشذوذ، فقد روي في الصحيحين(٥) عن ابن
عباس عن النبي ◌َّله﴿ أنه صَلَّى في كسوف أربع ركعات في أربع سجدات. أما
حمل اختلاف الروايات على التعدد ففيه نظر شديد، لما هو معروف وثابت علمياً
من أن الكسوف قد حصل مرة واحدة فقط على عهد النبوة (٦).
وقد انتقد بعض العلماء تصحيح الترمذي أو تحسينه لأحاديث معلولة، فقد
ذكر الإمام الذهبي أنه « يترخص في قبول الأحاديث ولا يشدد، ونَفَسُه في
التضعيف رَخْوٌ))(٧). وانتقده في مواضع من ((الميزان)»(٨)، وذكر في أحد
المواضع أن العلماء لا يعتمدون على تصحيح الترمذي(٩)!
(١) الترمذي (٥٦٠).
(٢) ابن حبان ٩٨/٧ عقيب الحديث (٢٨٥٤).
(٣) تلخيص الحبير ٩٦/٢.
(٤) السنن ٣٢٧/٣.
(٥) البخاري ٤٤/٢، ومسلم ٢٩/٣.
(٦) وانظر إرواء الغليل العلامة الألباني (٦٦٠).
(٧) سير أعلام النبلاء ٢٧٦/١٣ .
(٨) انظر مثلاً: ميزان الاعتدال ٤٠٧/٣ و٥١٤ و٤١٦/٤.
(٩) الميزان ٤٠٧/٣ .
٢٥

ولعل الذي دفع إماماً مثل الذهبي إلى مثل هذا القول الشديد هو ما وقر في ذهنه
من كثرة عدم انطباق أحكام الترمذي على ماهو معروف عند أهل عصر الذهبي من
القواعد المثبتة في كتب المصطلح، فالإمام الترمذي قد أطلق لفظة ((صحيح) على
أحاديث في أسانيدها مجاهيل(١)، أو مجاهيل حال(٢)، أو ضعفاء(٣)، أو أسانيدها
منقطعة (٤).
وقال: ((حسن صحيح) عن أحاديث في أسانيدها مجاهيل(٥)، أو ضعفاء(٦)،
أو من قال فيه البخاري: منكر الحديث(٧).
وقال: ((حسن غريب)) عن أحاديث في أسانيدها مجاهيل(٨)، أو
مجهول الحال(٩)، أو ضعفاء(١٠)، أو فيها انقطاع(١١)، أو في إسناد
فيه ضعيفان وهو منقطع(١٢)، أو فيه ضعيفان وقال أبو حاتم عنه:
منكر (١٣)، أو فيه ضعيف كذبه الإمام الدار قطني(١٤)، أو فيه ضعيف وقال
الإمام الجهبذ العلامة أبو حاتم: باطل(١٥)، أو في إسناد الحديث متروك
(١) الترمذي (١٦٢٠).
(٢) الترمذي (٨٢٣) و (١٥٢٨).
(٣) الترمذي (٩١٩) و (١٦٣٥).
(٤) الترمذي (٥٤٧).
(٥) الترمذي (٣٢٤) (وقال الذهبي: منكر) و (٣٥٦) و (٧٨٥) و (١٨٥٣) و (١٨٥٨(م))
و (١٩٢٤) و (٢٠٠٢) و (٢٠٣٩) و (٢٠٧٨) و (٢٩٢٣) و (٣٣٢٠).
(٦) الترمذي (٨٧٣) و (٩٠٢) و (١٨٥٤) و (٢٠٧٨).
(٧) الترمذي (٩٨٩).
(٨) الترمذي (٤٧٧) (وضعيف) و (٧٤١) و (١٥١٨) و (١٥٤٩) و (١٦٤٤) و (١٩٥٦)
و(٢٩٢٩) و (٢٩٥٣) و (٣٣٢٠) و (٣٤٩٠).
(٩) الترمذي (٣٠٥٨).
(١٠) الترمذي (٤٧٧) و(١٩٨٦) و (٢٠٠٠) و (٢٠٢١) و (٢٠٣٤) و (٢٩٢١).
(١١) الترمذي (١٥١٩) و (١٥٤٨) و (٣٠٤٧) و (٣٠٩١).
(١٢) الترمذي (٤٦٣) و (١٩٦٣).
(١٣) الترمذي (٢٩٢٦).
(١٤) الترمذي (١٩٧٢).
(١٥) الترمذي (٢٠٤٠).
٢٦

متهم(١)، أو فيه كذاب(٢)!
وقال: ((حسن)) عن أحاديث في أسانيدها مجاهيل(٣)، أو ضعفاء(٤)، أو
متروكون(٥)، أو هي منقطعة (٦).
على أنَّ هذا الذي وقر في ذهن الذهبي أو غيره من العلماء فيه شيء من
مبالغة، فالترمذي إمام كبير من العلماء الجهابذة الفهماء الأوائل الذين جمعوا
الطرق ووازنوا بينها وعرفوا مخارج الأحاديث فأصدروا الأحكام، فلا يجوز أن
تُقاس أحكامه دائماً على ما عُرف عند المتأخرين من قواعد المصطلح - وإن كنا نعتقد
أن لابد من الإشارة إليها لتبيان الحال ووجه المخالفة -بل قد نجده في بعض الأحيان
كثير التشدد فيقتصر على تحسين أحاديث في الصحيحين أو في أحدهما.
ومما لا شك فيه أن الإمام الترمذي لا يطلق أحكامه استناداً إلى الأسانيد التي
يسوقها حسب، بل قد يعتبر أموراً أخرى، لعل منها: المتابعات، والشواهد،
وأحاديث الباب، ولا أدل على ذلك من اختلاف حكمه على أسانيد معينة، فنجده
تارة یصححها، وأخرى يحسنها، وثالثة يضعفها، ومن ذلك مثلاً موقفه من رواية
الحكم بن عُتيبة عن مقسم، فقد أَعَلَّ هذا السند في موضعين حينما نقل قول شعبة:
((لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث، وعدهاشعبة))(وهي حديثالوتر،
والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض)(٧)،
في حين صحح من رواية الحكم عن مقسم عن ابن عباس حديث (( لا ترموا
الجمرة حتى تطلع الشمس)»(٨)، وهو حديث صحيح من غير هذا الطريق.
كما صحح من روايته هذه حديث: ((أفاض قبل طلوع الشمس)) (٩)، وهو متن
(١) الترمذي (٤٩٠).
(٢) الترمذي (٣١١٨).
(٣) الترمذي (٣٨٤) و(٣٩٦) و(٦٥٨)و(١٥٦٥)و(١٦٣٧)و(١٦٤٢) و(٢٨٧٦)و(٣١٠٩).
(٤) الترمذي (٥١٤) (ضعيفان) و (١٧١٦) و (١٩٩٣).
(٥) الترمذي (٨١٣) و (١٩١٣).
(٦) الترمذي (٧٤٦) و (٢٩٤١) و (٣٠١١ (م)) و (٣٠٧٥) و (٣٠٩٤).
(٧) الترمذي (٥٢٧) و (٨٨٠).
(٨) الترمذي (٨٩٣).
(٩) الترمذي (٨٩٥).
٢٧

صحيح بالذي بعده(١). وحَسَّن من روايته حديث: ((كان رسول الله صَ لّ﴾ يرمي
الجمار إذا زالت الشمس)) (٢). كما حسن حديث: أن النبي ◌ّ و رمى الجمرة
يوم النحر راكباً(٣)، وكذلك حديث إرسال أبي بكر وعلي رضي الله عنهما
لتبليغ سورة براءة(٤). وهذه كلها، كما هو واضح، ليست من الأحاديث
الخمسة التي عَدَّها شعبة، فهي مما لم يسمعه الحكم من مقسم، وهي عندئذٍ
منقطعة الإسناد، لكنه صححها أو حسنها لأسباب أخرى.
على أن عدداً من العلماء الجهابذة النقاد قد خالفوه في بعض أحكامه،
لذلك عنيتُ بهذا الأمر وتتبعته ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فإن من أقوى ما
يمكن أن تُنْقَد به أحكام الترمذي هو عرضها عل أحكام من خالفه ممن هم
في منزلته، فكنتُ في مثل هذا الأمر أدرسُ المُرَجِّحات لكل حكم، وأمثلة
ذلك كثيرة في تعليقاتنا على الكتاب:
فمن ذلك أنه صحح حديث شعبة عن عاصم بن عبيدالله عن عبدالله بن
عامر بن ربيعة عن أبيه أن امرأة تزوجت على نعلين فأجازه النبي وَليم(٥)،
وعاصم هذا ضعيف، فقال ابن أبي حاتم في ((العلل)): «سألت أبي عن
عاصم بن عبيدالله، فقال: منكر الحديث، يقال: إنه ليس له حديث يعتمد
عليه. قلت: ما أنكروا عليه؟ قال: روى عن عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه
أن رجلاً تزوج امرأة على نعلين فأجازه النبي وَلفيه، وهو منكر (٦)))، والقول
في هذا قول أبي حاتم.
-
وصحح الترمذي حديث أبي العجفاء السلمي عن عمر في المغالاة
بصداق النساء (٧)، وقد قال البخاري: ((في حديثه نظر))، وقال أبو أحمد
(١) الترمذي (٨٩٦).
(٢) الترمذي (٨٩٨).
(٣) الترمذي (٨٩٩).
(٤) الترمذي (٣٠٩١).
(٥) الترمذي (١١١٣).
(٦) العلل (١٢٧٦).
(٧) الترمذي (١١١٤ (م)).
٢٨

الحاكم: ((حديثه ليس بالقائم))، والقول قولهما(١).
وقال الترمذي في حديث طلق بن غنام عن شريك وقيس عن أبي حَصِين عن
أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال النبي ◌َُّ: ((أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا
تخن من خانك)): ((هذا حديث حسن غريب))(٢). وقد استنكره أبو حاتم الرازي
حينما قال: ((طلق بن غنام ... روى حديثاً منكراً عن شريك وقيس، عن أبي
حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّهِ أَدِّ الأمانة ... قال
أبي: ولم يرو هذا الحديث غيره))(٣). وكأن البخاري حينما ذكر هذا الحديث في
ترجمة طلق بن غنام من تاريخه الكبير (٤) أشار إلى مثل هذا. وقد نقل الذهبي في
ترجمة طلق من («الميزان»(٥) قول أبي حاتم في حديثه المنكر هذا. وقد ساق
العلامة الألباني في صحيحته شواهد ضعيفة له (٦)، لكن قال ابن الجوزي: «هذا
الحديث من جميع طرقه لا يصح))(٧)، وهو كما قال، وإن اتهمه العلامة
بالمبالغة، فقد نقل الحافظ ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) قول الشافعي:
((هذا الحديث ليس بثابت))، ثم قال الحافظ: ((ونُقل عن الإمام أحمد أنه
قال: ((هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح))(٨). قلت: فلو لم يكن في
هذا الحديث سوى قول الإمامين أحمد وأبي حاتم لكفى في رده. أما من
ضعفه بسبب سوء حفظ شريك وقيس، فإنه ليس هو المراد، وإن كانا متهمين
بسوء الحفظ، فإن هذا الحديث مما استُنكر على طلق بن غنام الثقة، وهو
الذي أشار إليه الإمام البخاري في تاريخه الكبير.
وقال الترمذي عن حديث محمد بن سوقة، عن عبدالله بن دينار، عن
(١) انظر تعليقنا على الترمذي.
(٢) الترمذي (١٢٦٤).
(٣) العلل (١١١٤).
(٤) التاريخ الكبير ٤/ الترجمة ٣١٤٢.
(٥) ميزان الاعتدال ٢ / الترجمة ٤٠٢٦.
(٦) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤٢٣).
(٧) العلل المتناهية ٥٩٣/٢.
(٨). تلخيص الحبير ٣/ ١١٢.
٢٩

ابن عمر، قال: خطبنا عمر بالجابية ... الحدیثَ: «هذا حديث حسن صحيح
غريب من هذا الوجه، وقد رواه ابن المبارك، عن محمد بن سوقة، وقد روي
هذا الحديث من غير وجه عن عمر، عن النبي (وَليٍ))(١). وقد غلَّط أبوحاتم وأبو
زرعة والدارقطني رواية محمد بن سوقة هذه، وذكروا أن الصواب فيها: عن ابن
الهاد، عن عبدالله بن دينار، عن الزهري أنَّ عمر(٢)، يعني مرسلاً.
وقال في حديث حريث بن السائب، عن الحسن، عن حمران، عن عثمان
أن النبي ◌َّ﴾ قال: ((ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال ... الحديثَ: هذا
حديث صحيح، وهو حديث الحريث بن السائب))(٣). وهذا حديث لا يصح عن
النبي وَالر، وهو من منكرات حريث بن السائب، فقد نقل الحافظان مغلطاي وابن
حجر عن زكريا الساجي قوله: ((قال أحمد: روى عن الحسن، عن حمران، عن
عثمان حديثاً منكراً - يعني هذا الحديث - وذكر الأثرم عن أحمد علته، فقال:
سُئل أحمد عن حُريث، فقال: هذا شيخ بصري روى حديثاً منكراً عن الحسن عن
حمران عن عثمان، وذكر الحديث، وقال: قلت: قتادة يخالفه؟ قال: نعم،
سعيد عن قتادة، عن الحسن، عن حمران، عن رجل من أهل الكتاب)). ونقل
ابن قدامة في ((المنتخب)) مثل هذا عن حنبل. وتكلّم عليه الدارقطني في
((العلل)) (٤)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية))(٥) بمثل ذلك أيضاً(٦).
وهو في الأغلب يُحَسِّن رواية دَرَّاج أبي السمح عن أبي الهيثم مع أنها في
الغاية من الضعف كما بيناه مفصلاً في كتابنا ((تحرير التقريب)»(٧) ، ويصحح
رواية سماك عن عكرمة مع أنها مضطربة(٨).
(١) الترمذي (٢١٦٥).
(٢) العلل لابن أبي حاتم (١٩٣٣) و (٢٦٢٩)، والعلل للدار قطني (السؤال ١١١).
(٣) الترمذي (٢٣٤١).
(٤) العلل ٢٩/٣.
(٥) العلل المتناهية ٧٩٩/٢.
(٦) انظر تعليقنا على تهذيب الكمال ٥٦١/٥-٥٦٢ وما حررناه في ترجمة حريث بن
السائب في ((تحرير التقريب)).
(٧) انظر مثلاً: الترمذي (٢٥٨٧) و (٢٦٨٦).
(٨) مثلاً: الترمذي (٣٣١) و (١٤٧٥) و (٢٩٦٤) و (٣٠٤٠) و (٣٠٨٠).
٣٠

وحَسَّن المصنف حديث كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني(١) مع
أنه مجمع على تضعيفه، بل نسبه الشافعي وأبو داود إلى الكذب، وقال ابن
عدي: ((عامة ما يرويه لا يتابع عليه))، وقال ابن حبان: ((روى عن أبيه عن
جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على وجه
التعجب))(٢)، ولا نشك أن هذا الحديث منها.
وصحح حديث أم سلمة في الاحتجاب من الأعمى(٣)، وهو من رواية
نبهان مولی أم سلمة وهو مجهول، قال الإمام أحمد: « نبهان روی حدیثین
عجيبين، يعني هذا الحديث وحديث: إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب
منه(٤)). وهو حديثٌ معارض بأحاديث صحيحة.
وحسن حديث قُراد في سفر أبي طالب إلى الشام ومعه النبي بَّر وقصة
بحيرا الراهب، وهو حديث منكر جداً، قال الإمام الذهبي في ((السيرة)):
((ورواه الناس عن قراد، وحسّنه الترمذي، وهو حديث منكر جداً) ثم نقد
متنه نقداً دقيقا٥ً).
بل حَسَّن المصنف حديثاً موضوعاً، فقد قال في حديث معاذ ((من عيَّر أخاه
بذنب)): ((هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم
يدرك معاذ بن جبل ... إلخ)) (٦)، فأعله بالانقطاع ولم يشر إلى آفته محمد بن
الحسن بن أبي يزيد الهمداني الكذاب. وقد ساقه ابن الجوزي في
((الموضوعات))(٧)، وتعقبه السيوطي في اللالى بما لا طائل تحته (٨)، فالحديث
موضوع لا ريب فيه. وكذا قال عن حديث واثلة: ((لا تظهر الشماتة لأخيك
(١) الترمذي (٢٦٧٧).
(٢) تهذيب الكمال ٢٤/ ١٣٧- ١٤٠.
(٣) الترمذي (٢٧٧٨).
(٤) المغني لابن قدامة ٦/ ٥٦٣ .
(٥) انظر تعليقنا على هذه الطبعة ١٥/٦-١٧ .
(٦) الترمذي (٢٥٠٥).
(٧) الموضوعات ٨٢/٣، والصغاني ٦.
(٨) اللالىء ٢٩٣/٢.
٣١

فيرحمه الله ويبتليك)): ((هذا حديث حسن غريب))(١)، وهو حديث استُنكر على
راويه القاسم بن أمية، قال ابن حبان: ((لا أصل له من كلام رسول الله وَلاير))(٢).
وهذا النزر اليسير الذي سقته له عشرات النظائر، مما علقنا عليه وأبنا عن
علته. على أنه يتعين على الباحث أن يكون حذراً فلا يقطع بشيء إلا بعد مزيد
التحري، فالترمذي إمام كبير جهبذ عارف بالعلل مطلع على الطرق والمتون،
وتغليطه ليس بالأمر الهين.
فرائد الفوائد والقواعد:
وأرى من الواجب عليَّ، وقد أنهيت تحقيق هذا الكتاب العظيم، أن أشرك
إخوتي من طلبة العلم ببعض الفوائد والقواعد التي تحصلت عندي، لنتدبرها
ونزيدها دراسة عسى أن نصل فيها إلى رأي ينهض بهذا العلم الشريف ويوضح
مناهجه ويجلي أنظار علمائه الأعلام الجهابذة الأوائل.
أولاً: سلفية المنهج العلمي:
مثلما نحن نؤمن بأننا سلفيون في عقيدتنا لا نرضى بغير الرسول وليه قدوة
وأسوة، وبغير أصحابه الكرام نموذجاً للهدي النبوي، فإننا نرى أن ننتهج هذه
السلفية الحبيبة في أسلوب تفكيرنا ومنهجنا العلمي الذي نسير عليه، فنتبع
المنهج العلمي الأقوم الذي انتهجه الجهابذة من العلماء الفهماء الأوائل ممن
نذروا أنفسهم لهذا العلم، فأبدعوا فيه، وشرعوا لمن جاء بعدهم طريقاً واضحة
معالمه في أصول البحث العلمي والتحقيق والنقد والتدقيق، يظهر في طريقة
سردهم للحديث، وتعليلهم لطرقه ومتونه، لاسيما في الكتب التي صنفوها في
العلل، كابن المديني، وأحمد، وابن أبي حاتم، والدارقطني، ونحوهم.
وقد جرت عادة بعض العلماء المتأخرين عند تصحيح حديث ما أو تضعيفه
تطبيق القواعد المدونة في كتب المصطلح من غير اعتبارٍ كبير لأقوال الجهابذة
المتقدمين في الحكم على الأحاديث، غير مدركين أنَّ كتب المصطلح إنما
وضعت نتيجة لاستقراء أنظار الجهابذة المتقدمين في هذا العلم، فلا يجوز أن
(١) الترمذي (٢٥٠٦).
(٢) المجروحين ٢١٤/٢.
٣٢

تكون حاكمة على أقوالهم، بل أقوالُهم حاكمة على هذه القواعد في كثير من
المواطن، فلا يجوز عندئذٍ التسوية بين أحكام العلماء الجهابذة الأوائل كابن
المديني، وابن معين، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبي زرعة، وأبي حاتم،
والترمذي، وأبي داود، والنسائي وبين أقوال المتأخرين الأقل شأناً منهم كابن
حبان والحاكم والبيهقي والمنذري والنووي والعراقي والهيثمي وابن حجر
والسخاوي والسيوطي ونحوهم.
وآية ذلك أن مناهج المتقدمين الجهابذة هي غير مناهج المتأخرين، فأولئك
علماء قد سبروا الطرق، وجمعوا أحاديث الرجال، وحكموا عليها بعد موازنات
دقيقة، وعرضوها على ماحفظوه من مئات ألوف الأسانيد وآلاف المتون حتى
توصلوا إلى النتائج التي توصلوا إليها، فأصدروا الأحكام نتيجة لذلك، ولم يبينوا
لنا دائماً أصول تلك الدراسات والأبحاث التي أوصلتهم إلى تلك النتائج إلا في
حالات نادرة. أما المتأخرون كالحاكم ومن جاء بعده وإلى يوم الناس هذا فهم
عيال على نتائج دراسات المتقدمين وسبرهم لأحوال الرجال ومروياتهم ؛ ألا
ترى أننا إذا اتفق الجهابذة الأول على توثيق رجل قبلنا حديثه عموماً، وإذا اتفقوا
على تضعيفه طرحنا حديثه عموماً، نأخذ بأحكامهم من غير مساءلة لهم عن
الدواعي التي دعتهم إلى ذاك التوثيق أو هذا التضعيف؟!
وكذلك كان فعل المتأخرين وهلم جراً إلى عصرنا، فإن عمدتهم على أحكام
المتقدمين، يضعفون الحديث إذا وجدوا في إسناده رجلاً ضعفه المتقدمون.
فإذا كان الأمر كما بيّنا والحال كما وصفنا فالأولى أن تعتبر أقوال المتقدمين
في تعليل الأحاديث أقصى حدود الاعتبار، والتحرز من مخالفتهم لاسيما عند
اجتماع كبرائهم على أمر، وإنما يُصار إلى ذلك عند اختلافهم وتباينهم فتنظر
الأدلة والأسباب، ویوازن بينها، ويُرجح الباحث عندئذٍ بين رأي وآخر بمرجحات
وأدلة من جنس أدلتهم ومرجحاتهم، مَثَلُنا في ذلك مثل الموازنة في الجرح
والتعديل حينما يُطالب الجارح المُنفرد بالتفسير.
ولولم يكن إلا تتبع آراء المتقدمين وبيان اختلافهم وإيرادهافي موضع التعليق
لكان وحده غاية، فإن أقوال المتقدمين ثمينة لا ينبغي التفريط بها وإهمالها بحجة
الاكتفاء باتباع القواعد، فمن أمثلة ذلك أن المصنف الترمذي حسّن حديث ابن
مسعود أنَّ النبي ◌َّه لم يرفع إلا في أول مرة ، فكان لابد من الإشارة إلى قول ابن
٣٣
الجامع الكبير (١) - م ٣

المبارك بعدم ثبوت حديث ابن مسعود هذا، وقول أبي حاتم : ((هذا خطأ،
يقال: وهم فيه الثوري))، وقول أبي داود: ((ليس هو بصحيح على هذا اللفظ))(١).
ثانياً : إعلال جهابذة المتقدمين لحديثٍ ما، لا ينفعُهُ تصحيح المتأخرين :
واستناداً إلى ما تقدم، ومع إيماننا بأن تصحيح الأحاديث وتضعيفها من
الأمور الاجتهادية التي تتباين فيها القدرات العلمية والذهنية والمؤثرات المحيطة
والاختلاف في تقويم الرواة، فإن اجتماع أكثر من واحد من الجهابذة على إعلال
حديث ما ينبغي التنبه إليه وعدم تجاوزه بحيثيات بُنيت قواعدها بعدهم.
ولا بد لي هنا من بعض أمثلة دالة مبينة لهذا الأمر، فقد روى الترمذي(٢)
حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي
هريرة أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً
فليقضي))، ثم قال بعده: ((وفي الباب عن أبي الدرداء، وثوبان، وفضالة بن
عبيد. حديث أبي هريرة حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام عن ابن
سيرين عن أبي هريرة، عن النبي و ﴿ إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال
محمد: لا أراه محفوظاً. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة،
عن النبي ﴿ ﴿ ولا يصح إسناده)).
فهذا الحديث صححه الحاكم، ومن المُحْدَثين: العلامة الألباني والعلامة
شعيب الأرنؤوط، وكذلك فعلت في تعليقي على سنن ابن ماجة قبل سنتين
(١٦٧٦). والحديث معلول، وإن كان ظاهره الصحة إذا رجاله ثقات رجال
الصحيحين، فقد قال الإمام أحمد: ((ليس من ذا شيء)) يعني: أنه غير محفوظ،
وقال البخاري في تاريخه الكبير إضافة إلى ما نقله الترمذي هنا: ((ولم يصح،
وإنما يروى هذا عن عبدالله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه، وخالفه
یحیی بن صالح، قال: حدثنا معاوية، قال : حدثنا يحيى، عن عمر بن حكم بن
ثوبان سمع أباهريرة، قال: إذا قاء أحدكم فلا يفطر فإنما يخرج ولا يولج))(٣)
فكأنه يرى الصحيح فيه الوقف. وقال النسائي: ((أوقفه عطاء على أبي هريرة)).
(١) انظر الترمذي (٢٥٧) والتعليق عليه.
(٢) الترمذي (٧٢٠).
(٣) التاريخ الكبير ١/ الترجمة ٢٥١.
٣٤

وقال مهنا عن أحمد: «حدّث به عیسی ولیس هو في کتابه، غلط فيه، وليس هو
من حديثه)). وقال الدارمي: (( قال عيسى - يعني ابن يونس -: زعم أهل البصرة
أن هشاماً أوهم فيه، فموضع الخلاف هاهنا
قلت: فالوهم من هشام إذن، فإن عیسی بن یونس لم ينفرد به كما ذكر
الترمذي، فقد تابعه حفص بن غياث عند ابن ماجة، وقال أبو داود: « رواه أيضاً
حفص بن غياث عن هشام مثله )) .
وقد أخرجه النسائي من طريق عبدالله بن المبارك، عن الأوزاعي، عن
عطاء، عن أبي هريرة موقوفاً، وإسناده صحيح. وأخرجه البخاري في تاريخه
الکبیر موقوفاً کما تقدم أيضاً، وإسناده حسن.
فحديث يعله الأئمة: أحمد، والبخاري، والدارمي، والنسائي، وغيرهم من
الجهابذة لا ينفعه تصحيح الحاكم وغيره(١).
ومن أمثلة ذلك قول المصنف عقیب الحدیث (١٣٦٥): «وقد روي عن ابن
عمر، عن النبي ◌ُّر، قال: ((من ملك ذا رحم مَخْرم فهو حر)). رواه ضمرة بن
ربيعة عن الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ◌ٌَّ، ولم يُتابع
ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث)).
وهذا الحديث قد استنكره من العلماء الفهماء الجهابذة المتقدمين إضافة إلى
الترمذي: النسائيُّ فقال: (( حديث منكر))(٢)، والإمام المبجل أحمد بن حنبل،
فقد قال أبو زرعة الدمشقي: « قلتُ لأحمد: فإن ضمرة يحدث عن الثوري، عن
عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: من مَلَك ذا رحم مَحْرم فهو حر، فأنكره ورده رداً
شديداً))(٣)، وقال البيهقي: ((المحفوظ بهذا الإسناد حديث: نهى عن بيع الولاء
وعن هبته )).
وقد ردَّ المتأخرون هذا التضعيف لوثاقة ضمرة عندهم، وأن تفرد الثقة
لا يضر، وأن زيادته مقبولة مطلقاً، فقال ابن حزم: « هذا خبر صحيح كل رواته
(١) انظر تعليقنا على الحديث (٧٢٠) ٢ / ٩٠ -٩١.
(٢) تلخيص الحبير ٢٣٣/٤ .
(٣) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ٤٥٩.
٣٥

ثقات تقوم به الحجة، وقد تعلل فيه الطوائف المذكورة بأن ضمرة انفرد به وأخطأ
فيه، فقلنا: فكان ماذا إذا انفرد به .. . وأما دعوى أنه أخطأ فيه فباطل لأنها دعوى
بلا برهان))(١). وقال ابن التركماني: (( ليس انفراد ضمرة به دليلاً على أنه غير
محفوظ ولا يُوجِد ذلك علة فيه، لأنه من الثقات المأمونين، ولم يكن بالشام
رجل يشبهه، كذا قال ابن حنبل، وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً لم يكن هناك أفضل
منه، وقال أبو سعيد بن يونس : كان فقيه أهل فلسطين في زمانه. والحديث إذا انفردبه
مثل هذا كان صحيحاً ولا يضره تفرده، فلا أدري من أين وهم في هذا الحديث راويه
كما زعم البيهقي))(٢). وأيده العلامة الألباني وأثنى على قوله هذا (٣)، وفي قول ابن
التركماني مآخذ عدة نذكر منها:
الأول: أنه جعل ضمرةثقة مأمونً، ولیس هو كذلك، فجماع ترجمته تدل على أنهكان
ثقة يهم، بل قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): ((صدوق يهم قليلاً))، وأيضاً
فإن الشيخين لم يخرجاله شيئاً في صحيحيهما.
الثاني: أنه أورد التوثيق وأهمل الجرح، وفي ضمرة جرح ليس بالقليل، كما في
ترجمتهمن «تهذيب الكمال».
الثالث: أنه نقل قول أحمد في توثيقه ولم ينقل قوله في استنكاره الشديد ورده
لحديثه هذا!
الرابع: أنه زعم أنّ من غلّط ضمرة في هذا الحديث لم يذكر السبب مع أن البيهقي
ذكره وبین أنه متنآخر .
الخامس: أن الثقة يهم ويغلط، وهو أمر لم يسلم منه الجهابذة الذين هم أعلى وأغلى
من ضمرة مرات، فكان ماذا؟
السادس: أنه لم يتدبر جيداً قول الترمذي: ((وهو حديث خطأ عند أهل الحديث ))،
فهذا يشير إلى اتفاق الجهابذة من أهل الحديث في عصر الترمذي وقبله على رده .
وحديث ينكره النسائي وأحمد والترمذي وأضرابهم ويعدوه غلطاً لا ينفع فيه
(١) المحلى ٩/ ٢٠٢.
(٢) الجوهر النقي ٢٩٠/١٠.
(٣) إرواء الغليل ٦/ ١٧٠ (حديث ١٧٤٦).
٣٦

تصحيح أحد من المتأخرين كابن التركماني وغيره.
ومن ذلك أيضاً أن المصنف حينما ساق حديث معمر، عن الزهري، عن
سالم، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في
الجاهلية ... الحديث ، نقل عن البخاري قوله: «هذا حدیث غیر محفوظ»، ثم ذكر
أن الصحيح هو المرسل(١). وكذلك رجح المرسل أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان (٢)،
ومسلم بن الحجاج في ((التمييز)) كما نقل الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير، ثم
نقل عن الأثرم عن أحمد، قال: ((هذا الحديث ليس بصحيح))، وقال ابن عبدالبر:
((طرقه كلها معلولة))، وتابعهم الحافظ ابن حجر في التلخيص.
وقد حاول بعض الحفاظ المتأخرين - منهم ابن القطان الفاسي وابن كثير -
القول بتصحيح الحديث وأنه قد روي من وجه آخر مرفوعاً مثل رواية معمر من
طريق سيف بن عبيدالله، عن سرار بن مُجَشِّر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن
ابن عمر. وهو إسناد حسن في ظاهره أخرجه الطبراني(٣)، وأبو نعيم(٤)،
والدار قطني(٥)، والبيهقي(٦).
على أن الذي يمعن النظر في طرق هذا الحديث يجد أن أصحاب الزهري قد
اختلفوا في هذا الحدیث علیه اختلافاً كبيراً فاضطربوا فيه مما يوجب طرحه.
ومثل هذا الحديث الذي يتفق على تضعيفه البخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو
زرعة الرازیان، و غيرهم، ويرجحون المرسل، لا یخفی علیهم إسناد له متصل
صحیح لا يعرفونه إن كان موجوداً!
ثالثاً: نظرة في زيادة الثقة:
مما تقدم يتبين لنا أن المتأخرين قد صححوا كثيراً من الأحاديث التي
(١) الترمذي (١١٢٨).
(٢) العلل لابن أبي حاتم (١١٩٩) و (١٢٠٠).
(٣) المعجم الأوسط (١٧٠).
(٤) أخبار أصبهان ٢٤٥/١.
(٥) السنن ٢٧٢/٣ ..
(٦) السنن ١٨٣/٧.
٣٧

أعلها المتقدمون بالإرسال أو الوقف بحجة أن زيادة الثقة مقبولة مطلقاً، قال
النووي : ((إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلاً وبعضهم متصلاً أو
بعضهم موقوفاً أو بعضهم مرفوعاً أو وصله هو أو رفعه في وقت أو أرسله ووقفه
في وقت فالصحیح أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو
أكثر لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة)) (١)، وقال في موضع آخر: ((الصحيح بل
الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين أنه إذا روي الحديث
مرفوعاً وموقوفاً، أو موصولاً ومرسلاً، حكم بالرفع والوصل لأنها زيادة ثقة،
وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد)) (٢).
وهذا الكلام الذي ساقه النووي بهذه الصفة الجازمة لم يقل به جماهير
السلف من المحدثين الأوائل من أهل المعرفة التامة بعلل الحديث، ومع ذلك
صار هو مذهب جمهور المتأخرين من الفقهاء والمحدثين بقبول زيادة الثقة
مطلقاً(٣)، منهم: ابن التركماني، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي،
والسيوطي، ومن العصريين: العلماء الأعلام؛ الشيخ أحمد شاكر، والشيخ
ناصر الدين الألباني وكثير من تلامذتهم. والأخذ بمثل هذه القاعدة على هذا
الاضطراد فيه تقليل من شأن كتب العلل الأولى، ذلك أن أكثر العلل في كتابي
ابن أبي حاتم والدار قطني تدور على هذا النوع.
ومع أن المصنف ذكر في علله الصغير أنه: ((إذا زاد حافظ ممن يعتمد على
حفظه قبل ذلك منه))(٤)، إلا أن صنيع المؤلف في الأحاديث التي أعلها هو أو
شيخه البخاري يبين أن الاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع والزيادة
وعدمها ونحوها إنما مداره على قوة القرائن، ومنها اعتبار: الأوثق، والأحفظ،
والأكثر، ونحو ذلك، وهو مذهب المتقدمين الصحيح.
وقد ساق الترمذي حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة في المواقيت، ونقل عن شيخه البخاري قوله: ((وحديث محمد بن
(١) تدريب الراوي للسيوطي ٢٢١/١.
(٢) انظر شرحه لمسلم ٢٩/٦، ومثل ذلك في ١٧/٣ .
(٣) تدريب الراوي ٢٤٥/١.
(٤) العلل في آخر الجامع ٢٥٣/٦ من طبعتنا هذه.
٣٨

فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل، وذكر أن الصحيح فيه حديث الأعمش،
عن مجاهد، قوله))(١)، ثم ساقه من قول مجاهد(٢).
وهذه العلة ردها العلامة أحمد شاكر، وغلّط من قال بها، وقال: إن الرواية
المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية المتصلة المرفوعة، ولا تكون تعليلاً لها أصلاً)).
وأيده في ذلك العلامة الكبير الشيخ ناصر الدين الألباني في السلسلة الصحيحة (٣).
وهذا الذي ذهب إليه العَلّمتان فيه نظر، فالموقوف هنا علة للمرفوع إذا ثبت
برواية الثقات الراجحة، والرفع شذوذ، وهو مبدأ العلماء الجهابذة الأوائل، قال
أبو حاتم: ((هذا خطأ، وهم فيه ابن فضيل، يرويه أصحاب الأعمش، عن
الأعمش، عن مجاهد، قوله )) (٤). وقال العباس بن محمد الدوري: ((سمعت
يحيى بن معين يضعف حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، أحسب يحيى يريد: إن للصلاة أولاً وآخراً، وقال: إنما يروى
عن الأعمش، عن مجاهد))(٥)، وقال الدارقطني: ((هذا لايصح مسنداً، وهم في
إسناده ابن فضيل)). ومحمد بن فضيل ثقة، كما بيناه في ((تحرير أحكام التقریب)»،
لكن هؤلاء أربعة من الجهابذة: البخاري، وأبو حاتم، وابن معين، والدارقطني
إضافة إلى الترمذي قد أعلوا الحديث، فماذا بعدهم؟
وقد أعل المصنف حدیث عبدالرازق ۔ وهو ثقة معروف - عن سفيان، عن
الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، قال: بعثني النبي وَّ إلى
اليمن، بمن رواه عن سفيان مرسلاً، فقال: ((وروى بعضهم هذا الحديث عن
سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق أن النبي وَلِّ بعث معاذاً إلى
اليمن فأمره أن يأخذ، وهذا أصح(٦))).
وأعل المصنف حديث الفضل بن موسى السيناني - وهوثقة - عن عبدالله بن
(١) الترمذي (١٥١).
(٢) الترمذي (١٥١م).
(٣) الصحيحة (١٦٩٦).
(٤) العلل لابن أبي حاتم ١٠١/١ (٢٧٣).
(٥) تاريخ يحيى برواية الدوري ٢/ ٥٣٤ .
(٦) الترمذي (٦٢٣) وانظر تعليقنا عليه.
٣٩
!

سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله
45* كان يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولايلوي عنقه خلف ظهره، بحديث
وكيع المرسل، فقال: ((هذا حديث غريب، وقد خالف وكيع الفضل بن موسى
في روايته)). ثم ساق حديث وكيع، عن عبدالله، عن بعض أصحاب عكرمة؛ أن
النبي ێ ، فذكر نحوه(١). وكذلك قال أبو داود.
وقد صحح الحاكم وبعض العلماء الفضلاء المعاصرين الرواية المتصلة
واستعجبوا من صنيع الترمذي وأبي داود في ترجيح المرسل، مع أن القواعد
الحديثية التي أصَّلَها الجهابذةُ الأوائل ترجح المرسل، فعند الموازنة بين وكيع
والفضل بن موسى لايشك أحد من أهل العلم بأن وكيعاً أتقن وأحفظ، فضلاً عما
عرف في بعض حديث الفضل بن موسى من المناكير كما قرره علامة الدنيا علي
ابن المديني(٢)، إضافة إلى أقوال العلماء الفهماء من الجهابذة المتقدمين:
الترمذي وأبي داود الذي قال بعد أن ساق المرسل: ((وهذا أصح - يعني من
حديث عكرمة عن ابن عباس)). وقال الدارقطني بعد أن ساقه متصلاً: وأرسله
غيرُهُ(٣). وهو إعلال للرواية المتصلة.
ومن ذلك أن الترمذي أعل حديث عامر بن صالح الزبيري، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة في تطييب المساجد(٤)، بحديث عبدة ووكيع عن
هشام، عن أبيه: أن النبي، مرسلاً، وقال: وهذا أصح من الحديث الأول(٥)، ثم
ساقه مرسلا من رواية سفيان بن عيينة عن هشام مثل رواية عبدة ووكيع(٦).
وما ذهب إليه الترمذي هو الصواب، وهو قول أبي حاتم الرازي(٧)،
فاجتماع عبدة بن سليمان ووكيع بن الجراح وسفيان بن عيينة على روايته عن
(١) الترمذي (٥٨٧) و (٥٨٨).
(٢) الميزان ٣/ الترجمة ٦٧٥٤ .
(٣) سنن الدار قطني ٨٣/٢.
(٤) الترمذي (٥٩٤).
(٥) الترمذي (٥٩٥).
(٦) الترمذي (٥٩٦).
(٧) العلل (٤٨١).
٤٠