النص المفهرس
صفحات 1-20
الجَامِعُ الْكَبِيرُ لِلإِمَامِ الْحَافِظِ أبِيُ عِيسَىُ مَحمَّد بنْ عِيسِىَ التِّزْ مِذِيّ المتوفى سنة ٢٧٩ هـ المُجُلَّد ◌ُالَّوَّل الطَّهَارَة - الصَّلَاة حَقَّقَهُ وَخَ أَحَادِيثَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الدكتور بشار عَوَّا وَمَعروف دَار الغَرَب الإسْلامي دار الغرب الإسلامي الطبعة الاولى : 1996 دار الغرب الإسلامي ص . ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائلّ إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر . الجَامِعُ الْكَبِيرُ للإِمَامِ الْحَافِظِ أبِيُ عِيسَىُ مَّد بنْ عِسِىُ التِّرْمِذِىّ المتوفى سنة ٢٧٩ هـ المُجُلَّد ◌َلَّوَّل الطّهَارَة - الصَّلَاة مقدمة التحقيق ◌ِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ نشـ الحمد لله الذي هَدَانا لهذا وماكُنًا لنهتدي لولا أن هدانا اللهُ، الحمدُ لله نَحْمَده ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل فلا هاديَ لَه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له إلهاً صمداً، وأشهدُ أن سيِّدَنا وإمامَنا وقدوتنا وأسوتَنا وشفيعَنا وحبيبنا محمداً عبدُه ورسولُه، بعثَهُ اللهُ بالهُدَى ودين الحق ليظهرَهُ على الدين كُلُّه ولوكَرِه المشركون. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَثَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(٣)﴾ [آل عمران] ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَآلْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾﴾﴾ [النساء] ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيمًا ﴾﴾ [الأحزاب]. أما بعدُ، فقد تفضّلَ اللهُ سبحانَهُ عليَّ بأن مكَّنني من إتمام تحقيقِ كتاب (( الجامع الكبير)) للإمام الجِهْبذ الحافظ الثقةِ المُتقن أبي عيسى محمد بن عيسى التِّرمذي، وهو أحد دواوين الإسلام الستة: صحيح البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، ثم صحيح مسلم المتوفى سنة ٢٦١هـ، ثم كتاب (( السنن)) لأبي داود المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، ثم كتاب ((السنن)) لابن ماجة القزويني المتوفى سنة ٢٧٣ هـ، ثم كتاب ((السنن)) للنسائي المتوفى سنة ٣٠٣هـ، ثم كتابه هذا. وقد مَنّ الله عليَّ بالصحة والتمكين ورزقني من العلم بسُنَّة رسوله ◌َلے حتى ظهرَ الكتابُ بهذه الصِّفةِ البارعةِ النافعة، بعد أن ضبطنا نصَّهُ ، وأثبتنا ما ظننا أن مصنفه قد كتبَهُ أو أملاه، وخرّجنا أحاديثه على أمهات الدواوين الحديثية، ودرسنا كلَّ حديثٍ من أحاديثه فعلَّقنا عليه بما رزقَ المولى سبحانه وتعالى وفتح أمامنا، إنه هو الرزاق العليم، فيُسْعدني أن أقدِّمه لأمة الإسلام وطلبة العلم النبوي لتعم فوائدُه وتُرتجى عوائدُه إن شاء اللهُ تعالى. ٥ ولكل واحدٍ من هذه الكُتب الستة مزية يعرفها أهلُ هذا الشأن، ومن أصحها وأتقنها وأعمُّها نفعاً: الصحيحان. أما الكُتب الأربعة، ومنها جامع الترمذي، ففيها الصحيحُ والحسنُ والضعيفُ وبعض الواهيات، ولذلك يتعينُ دراسة أسانيدها ومتونها وبيان درجة كل حديث استناداً إلى القواعد الحديثية والمعرفة الرِّجالية. ومما يثير الاستعجاب أنَّ كُتباً أقل شأناً من الكتب الأربعة قد نالت عنايةً فائقةً من لدن العلماء المحققين العارفين بهذا العلم الشريف، في حين تأخرت العناية بالكتب الأربعة إلى هذه الأزمنة، مع أنها أولى من كثير مما صُرِفت له العناية الفائقة وحُقّق التحقيق الجيد الدقيق. الترمذي : ومؤلف هذا الكتاب(١) عَلَمٌ من أعلام الأُمةِ الإسلامية وفارسٌ من فُرْسان الحديث الأفذاذ. ولد في نهاية العقد الأول من المئة الثالثة، فعاش في عصرٍ من أزهى عصور العناية بالحديث النبوي الشريف، وطلبَ العلمَ عند اكتمال قوة ذِهْنه، ورحلَ من أجله إلى خُراسان والعراق والحَرَمين ، فلقي كبار الشيوخ، وأكثر عن الشيوخ العراقيين عامةً والبَصْريين منهم خاصةٍ، واتصل بإمام الدُّنيا محمد بن إسماعيل البُخاري اتصالاً قوياً فَتَلْمَذَ عليه وتفقه به ومرن بين يديه، وأكثر من مُساءَلته ومُناظرته، فأفاد منه، وصار من أنجب تلامذته، قال: ((ولم أرَ (١) ترجمة الترمذي في: ثقات ابن حبان ٩/ ١٥٣، وأنساب السمعاني ٤٥/٣، ومعجم البلدان لياقوت الحموي ٣٠٧/٢ و٣٠٨، والكامل في التاريخ ٧/ ٤٦٠، ووفيات الأعيان ٢٧٨/٤، وتهذيب الكمال ٢٥٠/٢٦- ٢٥٢، وتاريخ الإسلام للذهبي، الورقة ١٣٦ (مجلد الأوقاف ٥٨٨٢)، وسير أعلام النبلاء ٢٧٠/١٣، والكاشف ٣/ الترجمة ٥١٨١، والعبر ٦٢/٢، وميزان الاعتدال ٣/ الترجمة ٨٠٣٥، وتذكرة الحفاظ ٦٣٣/٢، والوافي بالوفيات للصفدي ٢٩٤/٤، ونكت الهميان ٢٦٤، والبداية والنهاية ٦٦/١١-٦٧، وتهذيب التهذيب ٣٨٧/٩، والنجوم الزاهرة ٨٨/٣، وشذرات الذهب ١٧٤/٢ وغيرها. وللأستاذ الدكتور العالم الجليل نور الدين العتر كتاب ((الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين)) نال به رتبة الدكتوراه، وطبع ثانية ببيروت سنة ١٩٨٨، وهو كتاب نافع جداً. ٦ أحداً بالعراق ولا بخُراسان في معنى العِلَل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل))(١) . وكان البخاري حَفِياً به كثير العنايةِ بمذاكرته لِمَا رأى فيه من الفِطْنة والذكاء وقوة الإدراك، فسمع منه حديثاً إكراماً له واعترافاً بمنزلته، وقد قال له البخاري مرة: ((ما انتفعتُ بك أكثر مما انتفعت بي ))(٢). وقد رُزِق أبو عيسى حافظةً قلَّ نظيرها أعانته على حفظ عشرات ألوف الطرق حتى كان يضرب به المثل في الحفظ؛ روى هو عن نفسه، قال: (( كنت في طريق مكة، فكتبتُ جزأين من حديثٍ شيخ، فوجدته فسألته، وأنا أظن أنَّ الجُزأين معي، فسألته فأجابني، فإذا معي جزآن بياض، فبقي يقرأ عليَّ من لفظه، فنظر فرأى في يدي ورقاً بياضاً، فقال: أما تستحي مني؟ فأعلمته بأمري، وقلت: أحفظه كله. قال: اقرأ. فقرأته عليه، فلم يصدقني، وقال: استظهرت قبل أن تجيء . فقلت: حدثني بغيره. قال: فحدثني بأربعين حديثاً ثم قال: هات. فأعدتُها عليه، ما أخطأت في حرف))(٣). قال أبو أحمد الحاكم: سمعت عُمر بن عليك يقول: مات البخاري فلم يخلّف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورعِ والزُّهد(٤). الجامع الكبير: واشتهر الترمذيُّ بكتابه العظيم ((الجامع الكبير »(٥) الذي عُدّ أحد دواوين الإسلام الستة، وامتاز بميزات: (١) الترمذي ٢٢٩/٦ من طبعتنا هذه. (٢) تهذيب التهذيب ٢٨٩/٩. (٣) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٣. (٤) نفسه. (٥) هكذا سماه ابن الاثير في الكامل ٧/ ٤٦٠، وأحمد بن العلائي في كتابه ((الأحاديث المستغربة الواردة في الجامع الكبير» وغيرهما. ٧ ١- أنه حكم على أحاديثه من حيث الصحة والسقم وأبان عن عللها في الأغلب الأعم. ٢- أن جميع أحاديث الكتاب هي مما عمل به بعض الفقهاء. ٣- أنه حَوَى آراء أشهر الفقهاء المسلمين الذين عاشوا قبله. ٤- أنه اعتنى بذكر ((العلل)) وأحوال الرواة وبيان منازلهم. ٥- سهولة ترتيبه وتبويبه ووضوح طريقته حتى قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: (( سمعت الإمام أبا إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري بهراةً، وجَری بین یدیه ذكر أبي عيسى التِّرمذي وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم، لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المُتَبَخِّر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كلُّ أحدٍ من الناس(١)، ولذلك وصفه العلامةُ عز الدين ابن الأثير بأنه ((أحسن الكتب))(٢). قال التِّرمذي: (( صنفتُ هذا الكتاب فعرضتُهُ على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوابه، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلّم))(٣). سبب تأليف الكتاب: وعندي أن السّبب الرئيس الذي دفع التِّرمذي إلى تصنيف كتابه هذا هو أنه أرادَ أن يجمعَ الأدلةَ التي استدلَّ بها الفقهاءُ من الأحاديث والآثار فيتكلّم عليها ويكشف عن عِللها ويبين حالها من حيث الصحة والسَّقم، فهذا هو السبب الأقوى الذي دعاهُ إلی اختیار هذهالأحاديث دون غيرها، يدل على ذلك عدة أمور: الأول: قوله: (( جميعُ ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ... إلخ(٤). (١) وانظر سير أعلام النبلاء ٢٧٧/١٣ . (٢) الكامل ٧ / ٤٦٠ . (٣) تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٤ . (٤) الجامع ٦/ ٢٢٧ . ٨ الثاني: قوله: ((وإنما حملنا على ما بيّنا في هذا الكتاب من قول الفقهاء وعلل الحديث، لأنا سُئلنا عن هذا فلم نفعله زماناً ثم فعلناه، لما رجونا فيه من منفعة الناس ))(١). الثالث: أنَّهُ كان يسوق الحديثَ المعلول في بعض الأبواب مع معرفته وإشارته إلى الحديث الصحيح في أحاديث الباب، وإنما يفعلُ ذلك لأنَّ فقيهاً من الفقهاء قد عَمِلَ بهذا الحديث الضعيف، وأنَّ أحداً منهم لم يلتفت إلى ما هو أصح منه . وهذا هو الذي يفسر لنا السبب الذي يدفع المصنف إلى سياقة الحديث في الباب ثم يتكلم عليه ويبين عِلَّته ويحكمُ عليه بالضَّعفِ وعدم صلاحيته للاحتجاج. ولذلك صار كتاب الترمذي هذا مَعْلَمة لأدلة الفُقهاء الأوائل، بحيث حوى كلَّ حديثٍ احتج به مُحتج أو عَمِلَ بموجبه عامل، أخرجه سواء صح طريقه أو لم يصح. طبعات الكتاب ومع كلِّ هذه المنزلة الرفيعة لجامع الترمذي، فإنَّ أحداً من عُلماء العَصر لم يأخذ على عاتقه تحقيقَ هذا الكتاب تحقيقاً علمياً رصيناً قائماًعلى خبرةٍ عميقةٍ شاملةٍ ومعرفة بهذا العلم الشريف، مع أنَّ علامة الديار المصرية ومحدثها الأَوْحد الشیخ أحمد محمد شاكر ۔ یرحمه الله - قد بدأ بتحقیق هذا الكتاب وشرحه منذ أكثر من ستين عاماً، فأخرج مجلدين منه أطال فيهما النَّفَس على عادته، فلم يتضمنا سوی ست مئة حديث ونيف، ثم توقف عن ذلك. وقد اعتمد العلامةُ في تحقيقه على عددٍ من المخطوطات الحديثة وعلى بعض الطبعات وهي على سبيل الاختصار: ١- النسخة المطبوعة ببولاق سنة ١٢٩٢هـ، وعليها تعليقات أحمد الرفاعي المالكي الأزهري. ٢- نسخته الخاصة من طبعة بولاق نفسها، وقد سمعها على والده العلامة محمد شاكر سنة ١٣٣٢ هـ. (١) الجامع ٦/ ٢٣٠. ٩ ٣- نسخة مطبوعة في مدينة دهلي في الهند سنة ١٣٢٨ هـ وبحاشيتها شرح يسمى « نفع قوت المغتذي » للبجمعوي. ٤- نسخة مطبوعة في دهلي أيضاً سنة ١٣٤١ - ١٣٥٣ هـ في أربعة مجلدات كبار، ومعها شرح ((تحفة الأحوذي)) تأليف العلامة المباركفوري. ٥- نسخة مخطوطة في أربعة مجلدات محفوظة بدار الكتب المصرية برقم (٦٤٨ حديث) كتبت سنة ٧٢٦هـ. ٦- نسخة العلامة محمد عابد السندي محدث المدينة المنورة في القرن الماضي صححها وقابلها سنة ١٢٢١-١٢٢٢ هـ. ٧- نسخة مخطوطة بأخرة وقعت له بالشراء بعد البدء بطبع الكتاب. وكان جل اعتماد العلامة الشيخ أحمد شاكر على نسخة العلامة محمد عابد السندي، فقد ذكر في مقدمته أنها (( هي العُمدةُ في تصحيح الكتاب )). والإمامُ العلامةُ الكبير الشيخ أحمد محمد شاكر - تغمده الله بواسع رحمته - علامةُ الديار المصرية حمل لواء السُّنة في زمانه، ولم تخلف مصر بعده مثله، وما أظنه رأى مثل نفسه في بلده. وهو إمام مجتهد في الحكم على الأحاديث من حيث الصحة والسقم، له منهجه الخاص به القائم على قبول كثير من الأحاديث الضعيفة، ومحاولة الوصول بها إلى درجة الصحة، وميله الواضح إلى توثيق كثير من العلماء المختلف فيهم كابن لهيعة، وابن جُذْعان وعطية العوفي، وشَهْر بن حوشب، ودَرّاج أبي السَّمح ونحوهم كثير، ثم اعتداده بالمجاهيل وتصحيحه لكثير من أحاديثهم، ونحو ذلك مما يحتاج إلى دراسة قائمة بذاتها. وعلى هذا النحو كان منهجه في التحقيق، فقد كان يضيف إلى المتن كل ما كان يجد فيه نفعاً أو يعتقد صحته من غير التفاتٍ إلى كون هذا مما دوَّنه أو أملاه الترمذي أم لا، ولذلك أدرج كثيراً من الزيادات والشروح والتعليقات الواردة في نسخة العلامة محمد عابد السندي . وقد عمل في هذا الكتاب ولم تكن كثير من الكتب قد طُبعت أو فُهرست، ومنها ((تحفة الأشراف))، و((تهذيب الكمال)) وكلاهما للمزي، فلم يكن أمامه ١٠ - وليس بين يديه ما يستدلُ به من نسخ عتيقة - إلا هذا الفعل. ومن المعلوم في بدائه علم تحقيق النصوص أنَّ المحقق يسعى جاهداً إلى إثبات النص الذي كتبه المصنف أو أراده، سواء أكان هذا الذي جاء عند المصنف صواباً أم خطأ ، في حين يعمد بعض المحققين - ومنهم العلامة الكبير الشيخ أحمد شاكر رحمه الله - في بعض الأحيان إلى إثبات ما يرونه صواباً استناداً إلى أدلةٍ و مُرَجِّحاتٍ يستدلون بها، وهو صنیعٌ لا شك خطيرٌ يؤدي إلى تدخل في نص المصنف فیحیله إلى شيء آخر. فمن ذلك مثلاً إضافته من نسخة السندي عبارة: (( قال أبو عيسى: حديث حسنٌ صحيح)) عقيب الحديث رقم (٢٢٢)، ثم ذكر في تعليقه أنها لم تقع في سائر الأصول، ولذلك قال الشارح المباركفوري: (( لم يحكم الترمذي على حديث جُنْدب بن سفيان بشيء، وهو حديث صحيحٌ أخرجه مُسلم)). فهذه العبارة التي أضافها العلامة لم يذكرها المزي في التحفة ولا نقلها أحدٌ عن الترمذي، ولا جاءت في شيء من الأصول الخطية ! ومن ذلك أيضاً إضافته ((عن أبيه)) لإسناد الحديث الذي رواه يحيى بن علي ابن يحيى بن خلّد بن رافع الزُّرَقي، عن جده، عن رفاعة بن رافع في وصف الصَّلاة (٣٠٢) بحيث صار الإسناد: ((عن أبيه، عن جده، عن رفاعة)) وقال: (( سقطت من جميع نسخ الترمذي))، ثم كتب حاشية مطولة يثبت فيها أن الصواب ((عن أبيه)). وفَرْقٌ بين ما هو صواب وبين ما كتبه المصنفُ، فالترمذي لم يذكر ((عن أبيه)) بدلالة خلو النُّسخ من ذلك، وانتباه المزي إلى هذا الأمر حينما ساق الحديث في التُّحفة - وبين يديه النسخ العتيقة - ثم قول ابن حجر في ((الفتح)) متعقباً الترمذي: ((لكن لم يقل الترمذي: عن أبيه)). ومنه أيضاً أنه أضاف من نسخة السندي باباً لأبواب الصلاة ساق فيه طريقين لحديث جرير بن عبدالله في المَسْح على الخفين احتلا الرقمين (٦١١) و (٦١٢) من طبعته، وقد تقدم هذا الحديث برقم (٩٤) وصرَّح العلّمة بأنَّ هذا الباب لم يرد في شيء من النسخ، وهو كذلك، بل ولا أشار إلى ذلك أحد ممن نقل عنه، لذلك حذفناه. وأمثلة ذلك كثيرة أبانت عنها تعليقاتنا على المجلد الأول من الكتاب، لذلك حذفنا ما أضافهُ العلامة أحمد شاكر إلى النص من نسخة الشيخ محمد عابد ١١ السندي ولم يوجد في النسخ الخطية أو الشروح، لاعتقادنا بأن كثيراً من هذه الإضافات إنما هي من إضافات الرواة وليست من أصل النص. ونتيجة لاعتقاد العلامة الشيخ بضرورة إضافة كل ما يرد في النسخ فإنه أثبت في المجلدين الأولين من طبعته ستة أحاديث ليست من جامع الترمذي، كما بيناه بالأدلة، وهي الاحاديث التي احتلت الأرقام (٢٦) و (٨٣) و(١٦٢) و(١٦٣) و (٦١١) و (٦١٢٠). وكان العلامة يثبت ما يراه صواباً، فقد قال الترمذي عن حديث أشعث عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص في أن لا يأخذ المؤذن على أذانه أجراً : ((حديث عثمان حديث حسن))، فأضاف إليها العلامة الشيخ لفظة ((صحيح )) فصارت (( حسن صحيح)) ، وهي إضافة تخالف النسخ العتيقة من جامع الترمذي، وتخالف ما نقله عن الترمذي: ابنُ قدامة في ((المغني)) والنووي في ((المجموع))، والمزي في ((التحفة))، والزيلعي في ((نصب الراية)). وإنما ذهب العلامة الشيخ هذا المذهب لأنه اعتقد أنَّ أشعث المذكور هنا هو ((أشعث بن عبدالملك الحُمْراني)) الثقة، مع أنَّ الصحيح فيه أنه أشعث بن سَوَّار الكندي الضعيف كما بيناه في تعليقنا المطول في طبعتنا هذه (٢٥١/١)، وسواء أكان هذا أم ذاك، فإنه ليس من حق المحقق إضافة شيء إلى نص المؤلف إلا بمرجحات تثبت أن المصنف كتب ذلك أو أراده. ولو كان الإمام العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر أتم تحقيق هذا الكتاب على وفق الطريقة التي بدأ بها لقدم لنا دراساتٍ نفيسة في هذا العلم الشريف، لكنه توقف عن إتمامه ثم عاجلته المَنِيةُ فانتقل إلى جوار رب كريم، فأتم بعضُ الناشرين طبع هذا الكتاب، وعهدوا به إلى من ليس الحديث صنعته، فأشرف الأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي على نشر المجلد الثالث، وأشرف السيد إبراهيم عطوة عوض على نشر المجلدين الرابع والخامس، وكان عملهما فيه شيئاً عجباً من الأخطاء المركبة التي لا تقع لمن له أدنى معرفة بهذا العلم، ولذلك سوف أمسك عن الكلام فيها وأحيل القارىء إلى تعليقاتي على طبعتي من هذا الكتاب. وكان الكتابُ قد طبع في البلاد الهندية طبعات عديدة منها ما أشار إليه العلامة الشيخ أحمد شاكر - يرحمه الله - ومنها ما نشير إليه بعدُ، لكن الطبعة التي ١٢ انتشرت بين أهل العلم هي الطبعة التي بدأ بتحقيقها العلامة الشيخ أحمد شاكر، فاستُغِل اسمه استغلالاً بشعاً ليوضع على جميع الطبعة. كما قام بعض الناشرين بإعادة تنضيد هذه الطبعة ووضعوا عليها أسماء تخلصاً من حقوق المحققين! الأصول المعتمدة في التحقيق : لما كان كتاب (( الجامع الكبير )) لأبي عيسى الترمذي واحداً من دواوين الإسلام الستة، ولما كان طلبة العلم أكثر انجذاباً إليه لما حواه من بيان العلل وإيراد آراء الفقهاء في كل باب ووضوح منهجه ويُسره، فقد كثرت العناية بانتساخ نسخ منه طوال عهود المخطوطات، كما قام عدد من العلماء الأعلام قديماً وحديثاً بشرحه نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: البغوي، وأبو بكر بن العربي في (( عارضة الأحوذي))، وابن سيد الناس اليعمري، وابن الملقن، والعراقي، وجلال الدين السيوطي، والشيخ محمد بن عبدالرحمن ابن الحافظ عبد الرحيم المباركفوري، وشيخ مشايخنا محمد يوسف البنوري، وغيرهم. وقد روى (( الجامع الكبير )) غيرُ واحد من تلامذة الترمذي، لكن الرواية المتداولة المشهورة هي رواية تلميذه الإمام المحدث أبي العباس محمد بن أحمد ابن محبوب المحبوبي المروزي، ولد بمرو سنة ٢٤٩ هـ ورحل به خاله أبو بكر الأحول وهو في السادسة عشرة من عمره إلى ترمذ للقي أبي عيسى الترمذي سنة ٢٦٥ هـ، فسمع عليه (( الجامع )) وسماعه صحيح مضبوط بخط خاله أبي بكر، وتوفي سنة ٣٤٦هـ(١). وأشهر من روى ((الجامع)) عن المحبوبي هو تلميذُه الشيخُ الصالحُ الثقة أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبدالله بن محمد بن أبي الجراح الجَرَّاحي المروزي ((٣٣١-٤١٢ هـ)). حدث بالكتاب غير مرة، ولاسيما حينما سكن هراة، فحمل الكتاب عنه خلق منهم: أبو عامر محمود بن القاسم الأزدي، وأحمد بن عبدالصمد الغُورَجي، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهَرَوي، وعبد العزيز بن محمد التِّرياقي ، ومحمد بن محمد (١) انظر ((المحبوبي) من أنساب السمعاني، وسير أعلام النبلاء ٥٣٧/١٥، والعبر ٢٧٢/٢، والوافي بالوفيات ٤٠/٢، وشذرات الذهب ٣٧٣/٢. ١٣ العلائي، وآخرون(١). ومن أشهر من رواه عن هؤلاء هو الشيخُ الإمام الثقة العابد المتقن أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم عبدالله الگرُوخي الھَرَوي ((٤٦٢-٥٤٨هـ)). وقد كتب الكَرُوخي نسخةً متقنةً من الكتاب بخطه ووقفها. وحَدّث بالكتاب غير مرة ببغداد، وقُرىء عليه عدة نوب بها، وذكر السَّمعاني أنه كان ينسخ كتاب أبي عيسى بالأجرة ويتقوت(٢)، وكانت عند الحافظ ابن حجر نسخة من جامع الترمذي بخطه، كما نص عليه في أثناء كلامه على عمرة القضاء من ((الفتح))(٣). ومن رواية الكروخي انتشر الكتاب انتشاراً عظيماً إذ سمعه منه الخلقُ العظيم، منهم كبار العلماء الأعلام: ابن السَّمْعاني، وابن عساكر، وابن الجوزي، والخطيب الدَّولعي، وعبد الوهاب بن سُكينة، وزاهر بن رُسْتُم، وابن الأخضر، وابن طَبَرْزَد، وأبو اليُمن الكندي ، وأحمد ابن الديبقي، ومبارك بن صدقة الباخرزي، ومحمد بن معالي الحلاوي وغيرهم. والنُّسخ المعروفة من جامع الترمذي كثيرة تبلغ المئات فلا يمكن ضبط نسخة متقنة منها إلا بجمع جميع النُّسخ ودراستها، وهو أمر متعذر علينا لعدة أسباب منها: أن العديد من هذه النسخ لا سيما العتيقة منها في إستانبول حيث نقلت إليها حينما استولى الأتراك على البلاد العربية، وهم ضنينون بها على طلبة العلم العرب لا يمكن تصويرها إلا بالرشا الباهظة، أو شد الرحال إليها، وهو أمر يكاد أن يكون متعذراً علينا لصعوبة حصولنا على إذن بدخول هذه البُلْدان والتنقل فيها في هذه السُّنيات العِجاف لظروف خارجة عن إرادتنا، فضلاً عن بذل وافر المال مع عدم تحمل الحال، نسأل الله حسن الختام! (١) انظر ((الجراحي)) من أنساب السمعاني، وسير أعلام النبلاء ٢٥٧/١٧-٢٥٨، والعبر ١٠٨/٣، وتذكرة الحفاظ ١٠٥٢/٣. (٢) انظر ((الكروخي)) من أنساب السمعاني، والمنتظم ١٥٤/١٠ -١٥٥، والتاريخ المجدد لابن النجار ٨١/١، وسير أعلام النبلاء ٢٧٣/٢٠-٢٧٥، والعقد الثمين للفاسي ٠٥٠٢/٥ (٣) فتح الباري ٦٣٩/٧ . ١٤ ولذلك جمعنا من النسخ والشروح والطبعات ما تيسر لنا، وها هي ذي على وجه الاختصار: ١- نسخة خطية غير كاملة محفوظة بدار صدام للمخطوطات ببغداد برقم (٢٦١٧٠) في ثلاث مئة وستين صفحة تشمل ثلث الكتاب تقريباً، تبدأ من أثناء الحديث رقم (٥٩)، وتنتهي في أثناء الحديث رقم (١٤٧٢)، وهي نسخة جيدة مقابلة، وقد رمزنا لها بالحرف (ص). ٢- النسخة المطبوعة بمطبعة بولاق سنة ١٢٩٢ هـ في مجلدين، وهي طبعة جيدة متقنة قوبلت على عدة نسخ، وهي من خزانة كتب صديقنا الفاضل المهندس أبي حسن یحیی محمود حسن البغدادي تکرم بإهدائها إلينا، وقد رمزنا لها بالحرف (ب). ٣- نسخة مطبوعة طباعة حجرية في لكنو من البلاد الهندية سنة ١٣١٠ هـ الموافق لسنة ١٨٩٢م، وقد قوبلت على عدة نسخ، وفي حاشيتها شرح السيوطي المسمى « قوت المغتذي )) وقد رمزنا لها بالحرف (س). ٤- عارضة الأحوذي لأبي بكر بن العربي المالكي المطبوعة (بتحقيق) عبدالرحمن محمد عثمان (١٩٨٥) ورمزنا لها بالحرف (أ). ومما يلاحظ على هذه الطبعة أن المتن المطبوع هو غير الشرح، فكأنه أُخذ من نسخة مطبوعة (لعلها طبعة بولاق) وذلك لاختلاف كبير بين المتن والشرح في زيادة بعض العبارات أو اختلافها، وهو أمر أساء إلى هذا الشرح إساءة بالغة، على أننا كنا عند المقابلة نُعنى بالشرح ولا نقيم للمتن المطبوع وزناً. ٥- نسخة مطبوعة في دهلي سنة ١٣٤١-١٣٥٣ هـ في أربعة مجلدات كبار، ومعها الشرح المسمى: ((تحفة الأحوذي)» تأليف العلامة الكبير الشيخ محمد عبدالرحمن ابن الحافظ عبد الرحيم المباركفوري، ثم ألحق به مجلداً احتوى على المقدمة، وهو من أحسن الشروح وأشهرها، وقد أعيد طبعها ببيروت بطريقة التصوير في خمسة مجلدات (دار الكتاب العربي ١٩٨٤)، ثم أعيد تنضیدها ببيروت أيضاً ، وقد رمزنا لها بالحرف (ي). ٦- معارف السنن في شرح السنن، وهو شرح لشيخ مشايخنا العلامة الكبير محمد يوسف البنوري ۔ تغمده الله برحمته ۔ وهو شرح وسیع أصدر منه ستة ١٥ مجلدات، ثم توفي قبل إتمامه، وقد رمزنا له بالحرف (ن) . ٧- أما النسخة التي حققها العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر وأُتمت من بعده فقد رمزنا لها بالحرف (م)، وأفدنا من مقابلة العلامة لنسخة الشيخ محمد عابد السندي التي رمز لها بالحرف (ع)، فإذا أشرنا إليها فمنه . ٨- كما رقمنا بالحرف (ت) لتحفة الأشراف تأليف حافظ عصره الإمام العلامة أبي الحجاج المزي. نهج العمل في التحقيق : ومهما قيل عن هذه النسخ فإنها بلا شك لا ترقى إلى النسخ العتيقة التي اطلع عليها حافظ الدنيا أبو الحجاج المزي (٦٥٤ -٧٤٢هـ) واعتمدها في كتابيه العظيمين ((تحفة الأشراف)) و((تهذيب الكمال)). وقد حقق الأول العالم الجليل عبد الصمد شرف الدين تحقيقاً علمياً نفيساً على نسخ منها نسخة بخط أحد تلامذة المصنف وكتبت في حياته، وقد دلت المراجعات على جودة تحقيقه ودقته وتحريه. وأما الثاني فقد وفقنا الله سبحانه إلى تحقيقه في خمسة وثلاثين مجلداً زادت صفحاتها على العشرين ألف صفحة معتمدين عدداً من النسخ منها نسخة ابن المهندس النفيسة، وقرابة ثلث الكتاب بخط مصنفه، وأعدنا تدقيق نسختنا منه على أصولها قبل عامين مستدركين ما وقع فيها من أغلاط طبعية يسيرة، فصارت نسختنا بحمد الله من أكثر النسخ دقة وصحة. وقد أطال المزي النفس في ضبط نسخته من (( جامع الترمذي )) التي أودعها في كتابيه المذكورين بتدقيقه للنسخ العتيقة، وكان يسمي النسخ المكتوبة في القرنين السابع والثامن الهجريين ((النسخ المتأخرة)). وكان المزي قد انتهت إليه رئاسة المحدثين في الدنيا واعترف بإمامته الموافق والمخالف، لذلك رأينا أنَّ أَسْلَمَ طريق لإثبات أحاديث جامع الترمذي وأسانيدها هو مقابلتها حديثاً حديثاً على (( تحفة الأشراف )) ومقابلة أسانيدها على كتاب ((تهذيب الكمال )) ونحن مطمئنون إلى أننا بعملنا هذا قد قابلنا الكتاب بأحسن أصوله، وأستحضر هنا ما قاله صلاح الدين الصفدي في ترجمة المزي من كتابه ((أعيان العصر)) قال: (( وسمعت صحيح ١٦ مسلم على البندنيجي وهو حاضر بقراءة ابن طغريل، وعدة نسخ صحيحة حاضرة يُقابل بها، فيرد الشيخ جمال الدين (المزي) رحمه الله على ابن طغريل اللفظ، فيقول ابن طغريل: مافي النسخة إلا ما قرأه، فيقول من بيده تلك النسخ الصحيحة: هو عندي كما قال الشيخ ... أو: في الحاشية تصحیح ذلك. ولما تكرر ذلك قلت أنا له: ما النسخة الصحيحة إلا أنت!))(١). ومع كل هذا الذي ذكرت فقد قابلنا النص على النسخ السبع التي ذكرناها قبل قليل مقابلة محررة وأثبتنا ما رأيناه صواباً بالأدلة والمرجِّحات القوية. ثم قابلنا الكتاب على كتابنا (( المسند الجامع)) (٢) الذي جمع أحاديث الكتب الستة ومؤلفات أصحابها الأخرى، وأحاديث المسند الأحمدي، ومسند الحميدي، والمنتخب من مسند عبد بن حميد، وموطأ مالك، وسنن الدارمي وصحيح ابن خزيمة ، مجتمعة في حديث كل تابعي (أو صحابي) رواه عن الصحابي، فظهرت الأخطاء الموجودة في طبعات الكتاب بالنسبة للأحاديث التي اشترك معها أحد موارد المسند الجامع. کما قابلنا النص والإسناد على جميع الكتب التي خرّجنا الحدیث عليها مثل مصنف عبدالرازق، ومصنف ابن أبي شيبة، ومسند أبي يعلى، وكتب الطحاوي، وصحيح ابن حبان، وسنن الدارقطني، ومستدرك الحاكم، و سنن البيهقي، ومعاجيم الطبراني: الكبير، والأوسط، والصغير وغيرها من أمهات كتب الحديث. فضلاً عن عنايتنا بمن نقل عن الترمذي من العلماء، ونخص منهم بالذكر ابن قدامة في المغني، والمنذري في الترغيب والترهيب، والزيلعي في نصب الراية، وابن حجر في تلخيص الحبير، وغيرهم من أهل العلم والضبط والإتقان. ونتيجة لما تقدم تمكنا من ضبط نسخة متقنة من الكتاب صحيحة النسبة إلى الترمذي، وكان من نتيجة كل هذا أن أخرجنا من المتن اثنين وثلاثين حديثاً جزمنا أنها ليست من « جامع ) الترمذي، قد أُقحمت فیه، غالبها، کما یظهر، من النساخ أو الرواة الذين وجدوا طرقاً أخرى لحديث ما، فضلاً عن مئات الجمل (١) أعيان العصر ١٢/ الورقة ١٢٧ . (٢) نشرته دار الجيل في اثنين وعشرين مجلداً ضخماً مع فهارسه. الجامع الكبير (١) - م ٢ ١٧ والتعليقات التي أُدرجت في النص. ولم يكن معرفة ذلك بالأمر الهيِّن السَّهْل المُيَسَّر، ذلك أننا كنا مع توفر عدد من النسخ الخطية والطبعات الخالية من ذلك النص نعمد إلى استكمال الأدلة القاطعة التي تثبت كونه ليس من (( جامع )) الترمذي، فلا نكتفي بدليل واحد لاحتمال الخطأ ، ولأن بقاء نص على الاحتمال أفضل من حذفه، وأضرب لذلك مثلاً في الحديث الذي حمل الرقم (١٣٠٩) في الطبعة السابقة ... حديث إبراهيم بن عبدالله الهروي عن هشيم، عن يونس بن عبيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ: ((مطل الغني ظلم)) فقد حذفناه من أصل «الجامع )) لأسباب من أهمها : ١- أن ابن عساكر لم يذكره في الأطراف، كما أن المزي لم يذكره في التحفة، ولا استدركه عليه الحافظان: العراقي وابن حجر، فمن غير المعقول أن يغفل عن ذكره أربعة من جهابذة العلماء. ٢ - أن المزي حينما ترجم لإبراهيم بن عبدالله الهروي في ((تهذيب الكمال )) لم يرقم برقم الترمذي على روايته عن هشيم، ولا ذكر مثل ذلك في ترجمة هشيم منه . ٣- أن مجد الدين ابن تيمية حينما ذكر الحديث في ((المنتقى)) لم ينسبه إلا لابن ماجة، وكذا فعل الزيلعي في نصب الراية ٥٩/٤، وابن حجر في الفتح ٤ / ٥٨٧. ٤- أن ابن حجر الهيثمي ذكر الحديث في (( مجمع الزوائد )) ظناً منه رحمه الله أن أحداً من أصحاب الكتب الستة لم يخرجه، وهو أمر يدل على عدم وجود الحديث عند الترمذي وإن كان موجوداً عند ابن ماجة (٢٤٠٤)، فهذا من أوهامه. ٥- أما قول الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ٥٣/٣: ((ورواه أحمد والترمذي من حديث ابن عمر نحوه )) فهو من أوهامه التي تابعه عليها الشوكاني في شرحه للمنتقى، وهو يخالف قوله في « الفتح » الذي ذكرناه قبل قليل، وصواب العبارة: ((ورواه أحمد وابن ماجة من حديث ابن عمر نحوه)). وهذا يعضده صنيع البوصيري في (( مصباح الزجاجة )) حينما ذكر هذا الحديث باعتباره مما تفرد به ابن ماجة عن الخمسة الأصول (الورقة ١٥٢). ١٨ هذه هي طريقتنا المتبعة في إثبات كون الحديث من ((جامع )) الترمذي أم لا، ومن يراجع كل حديث سيجد مصداق ذلك، على أننا أثبتنا جميع هذه النصوص في حواشي نسختنا ليطلع عليها أهل العلم فقد يرون رأياً غير الذي رأيناه بشأنها، وهاهي أرقام الأحاديث: ٢٦، ٨٣، ١٦٢، ١٦٣، ٦١١، ٦١٢، ٩٨٠، ١٣٠٩، ١٥٨٨، ١٨٠٠، ١٨٢٣، ١٩٧٣، ٢٠٨٦، ٢٠٨٨، ٢٠٨٩، ٢١٥٣، ٢١٥٤، ٢١٦١، ٢٣٠٠، ٢٤٣٩، ٣٠٧٨، ٣١٧٢، ٣٣٠٨، ٣٣٧٤، ٣٤١٣، ٣٤٨٨، ٣٥١٥، ٣٧١٦، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٣٧٩٣، ٣٩٣٨. وفي الوقت نفسه استدركنا على المطبوع عدداً كبيراً من الأحاديث سقطت منه، فقد سقط من آخر أبواب الدعوات وحده تسعة أحاديث استدركناها من النسخ الأخرى (٣٦٠٤م١ - ٣٦٠٤م٩). وقد عمدت إلى المحافظة على أرقام الأحاديث في الطبعة التي بدأ بتحقيقها علامة الديار المصرية الشيخ أحمد محمد شاكر - يرحمه الله - وأتمها آخرون من بعده، لكثرة ما أُحيل عليها في كتب العلم المحققة أو المؤلفة حديثاً، واشتهارها بين الناس في المدة الأخيرة. وما خالفناهم فيه مما ثبت لنا أنه من الزيادات فقد حولناه إلى الحاشية فكتبناه بحرفها، وما وجدنا من سقط أو أسانيد لم تُذكر لها رقوم فقد وضعنا لها رقم الحديث الذي يسبقها وألحقنا به حرف (م) علامة تكرره، فإذا وجد أکثر من ذلك کتبنا (م١) و (م٢) وهلم جراً. وعنیت بترقيم الأبواب على نمطین، أولهما رقم عربي (هندي) يشير إلى رقم الباب في كتاب ((مفتاح كنوز السنة)) و ((المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي» والثاني بالإنكليزية يشير إلى رقم الباب الذي اعتمده الشيخ عبدالصمد شرف الدين في ((تحفة الأشراف)» للمزي، لينتفع به من يريد مراجعة أي من هذه الكتب. نهج العمل في التخريج: لقد عُنينا بتخريج أحاديث الكتاب على أمهات كتب الحديث من ((المصنفات))، و((المسانيد))، و((المعجمات))، و((الصحاح))، و((السنن)) وكتب ((الزهد)) و((الفضائل)) ونحوها، ولا سيما الموارد التي ذكرناها في ((المسند الجامع))، وهي واحد وعشرون مورداً، فضلاً عن العديد من ١٩ المصنفات الأخرى مما لم يرد فيه، واجتهدنا استيفاء أبرز الموارد مع عدم التزامنا بالاستيعاب المطلق، فهذا أمرلا يُدرك، بل يستدرك عليه كلما أطال المُخَرِّجُ النَّفَس، لكن لم يفتنا أي حديث ذُكر في الكتب الخمسة الأصول أو المسند الأحمدي، وذلك وحده غاية. ولما كانت كتب الجوامع والسنن تُعْنَى أول ما تُعنى بالقضايا الفقهية، فقد تُقَطُّع الحدیث وتسوق کل قطعة منه في الباب الذي تحتاجه، وعندئذٍ قد یتکرر الحديث فيها بألفاظ مختلفة تماماً، بل بموضوعات متباينة، وهو في أصله حديث واحد، يتضح كونه واحداً بمراجعة الكتب المؤلفة على ((المسانيد)) لأنها هي التي تسوق الحديث كاملاً في الأغلب الأعم. ومثل هذا الحديث خرجناه عند أول وروده في الكتاب ثم أحلنا على ذلك التخريج عند تكرره في الجملة. وطريقتنا في التخريج قد تختلف عن بعض ما اعتاده بعض المُخَرِّجين من التفصيل، فقد جمهرنا موارد الحديث من طريق التابعي (أو من يقوم مقامه) الذي روى الحديث عن الصحابي من غير تفصيل بمن رواه عن التابعي من أتباع التابعين إلى شيوخ أصحاب المصنفات وذلك لعدة أسباب من أبرزها: أ- اعتقادنا أن الاختلافات الأساسية في ألفاظ الحديث إنما وقعت عند التابعين حيث دَوّن كل تابعي حديثه، فصار هذا حديثاً مستقلاً معروفاً به في الأغلب الأعم، ثم رواه عنه الناس، فمنهم الثقات المتقنون ومنهم الضعفاء الذين أخطأوا في بعضه أو زادوا أو أنقصوا. ب - ومن ثم فإن هذه الطريقة تجمهر جميع الطرق المروية عن ذلك التابعي، فتقدم مادة أولية ممتازة عن كل حديث مهيأةً للدارس أو الباحث الذي يسعى إلى التعمق في دراسة ذلك الحديث، وللفقيه الذي يود تتبع الألفاظ ومدلولاتها ومعرفة أصح الطرق المؤدية إلى أصح النصوص. جـ ـ إن تخريج الحديث وبيان طرقه على الطبقات المتأخرة مثل أتباع التابعين وأتباعهم مسألة لاحد لها، وهي غير مجدية في التخريج وإن كانت بلا شك عظيمة الفائدة في الدراسة، لكنها تبقى ناقصة في كثير من مفاصلها إذ يتعين عندئذٍ دراسة الرواة والمفاضلة بينهم - بما فيهم الثقات المتفق على توثيقهم - فمثلاً في حديث حفص بن عاصم عن أبي هريرة (( سبعة يظلهم الله )) ٢٠