النص المفهرس

صفحات 1701-1720

١٧٠١
كتاب البيوع والإجارات
يقربها، لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة، ولم يقل عمر في ذلك
البيع: "فاسد"(١).(٢)
فهذا يدل على تصحيح أحمد للشرط من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه قال: "لا يقربها"، ولو كان الشرط فاسداً، لم يمنع
من قربانها.
الثاني: أنه علل ذلك بالشرط، فدل على أن المانع من
القربان هو الشرط، وأن وطئها يتضمن إبطال ذلك الشرط؛ لأنه (٣)
قد تحمل، فيمتنع عودها إليها.
الثالث: أنه قال: "كان فيها شرط واحد للمرأة"، فذكرُهُ وَحْدَة
الشرط، يدل على أنه صحيح عنده؛ لأن النهي إنما هو عن الشرطين.
وقد حكى عنه بعض أصحابنا رواية صريحة أن البيع جائز
ابن مسعود به.
ورواية عبيد الله عن عبد الله بن مسعود وعمر مرسلاً.
انظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص: ١٠٤، وجامع التحصيل للعلائي ص:
٢٣٢، وتهذيب التهذيب ٢٣/٧.
(١) في المطبوع: إنه فاسد. بزيادة "إنه"، دون داعٍ ودون إشارة.
(٢) انظر هذه الرواية في المغني ٦/ ١٧١.
(٣) في المطبوع: لأنها. وهو تغيير لما في الأصل دون ضرورة، ودون إشارة،
فالتعبیر صحیح.

١٧٠٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والشرط صحيح (١).
ولهذا حمل القاضي منعه من الوطء على الكراهة(٢)؛ لأنه لا
معنى لتحريمه عنده مع فساد الشرط.
وحمله ابن عقيل على الشبهة للاختلاف في صحة هذا العقد(٣).
وقال القاضي في المجرد: ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في
العقد شرطين بطل، سواءً كانا صحيحين أو فاسدين، لمصلحة العقد
أو لغير مصلحته، أخذاً بظاهر الحديث، وعملاً بعمومه (٤).
وأما أصحاب الشافعي وأبي حنيفة فلم يفرقوا بين الشرط
والشرطين، وقالوا: يبطل البيع بالشرط الواحد، لنهي النبي صلى
الله عليه وسلم عن بيع وشرط(٥)، وأما الشروط الصحيحة فلا
(١) فقد نقل علي بن سعيد في الرجل يشتري الشيء ويشترط البائع إن هو باعه
فهو أحق به بالثمن، فالشرط والبيع جائزان.
ذكرها أبو يعلى في الروايتين والوجهين -المسائل الفقهية - ٣٥١/١.
(٢) انظر هذا عن القاضي في: المغني ٦/ ١٧١.
(٣) انظر كلام ابن عقيل في: المغني ٦/ ١٧١ .
(٤) انظر كلام القاضي هذا في: المغني ٦/ ٣٢٢.
(٥) رواه الطبراني في الأوسط ٣٣٥/٤، والخطابي في معالم السنن ١٢٤/٣،
والحاكم في علوم الحديث ص: ١٢٨، ومن طريقه ابن حزم في المحلى
٨/ ٤١٥-٤١٦.
كلهم من طريق أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن النبي

١٧٠٣
كتاب البيوع والإجارات
تؤثر في العقد وإن كثرت.(١)
وهؤلاء ألغوا التقييد بالشرطين، ورأوا أنه لا أثر له أصلاً.
وكل هذه الأقوال بعيد عن مقصود الحديث غير مرادة منه.
فأما القول الأول وهو أن يشترط حمل الحطب وتكسيره
وخياطة الثوب وقصارته ونحو ذلك فبعيد، فإن اشتراط منفعة البائع
في المبيع: إن كان فاسداً فسد الشرط والشرطان.
وإن كان صحيحاً فأي فرق بين منفعة أو منفعتين أو منافع؟!
لا سيما والمصححون لهذا الشرط قالوا: هو عقد قد جمع بيعاً
وإجارة وهما معلومان لم يتضمنا غرراً، فكانا صحيحين(٢).
وإذا كان كذلك فما الموجب لفساد الإجارة على منفعتين
وصحتها على منفعة؟! وأي فرق بين أن يشترط على بائع الحطب
حمله، أو حمله ونقله أو حمله وتكسيره؟!
وأما التفسير الثاني: وهو الشرطان الفاسدان، فأضعف
=
صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط)).
والحديث ضعفه ابن قدامة والنووي وابن القطان وابن تيمية.
انظر: المغني ١٦٥/٦-١٦٦، ١٦٨، ٣٢٣، والمجموع للنووي ٣٦٨/٩، ونصب
الراية ١٧/٤-١٨، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٣٢/٢٩.
(١) انظر: الهداية ٤٨/٣، والمجموع ٣٦٨/٩ -٣٦٩.
(٢) انظر: المغني ٦/ ١٦٤.

١٧٠٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وأضعف؛ لأن الشرط الواحد الفاسد منهي عنه، فلا فائدة في
التقیید بشرطین في بيع.
وهو يتضمن زيادة في اللفظ [١٩٣/ ب] وإيهاما لجواز
الواحد، وهذا ممتنع على الشارع مثله؛ لأنه زيادة مخلة بالمعنى.
وأما التفسير الثالث: وهو أن يشترط أنه إن باعها فهو أحق
بها بالثمن، وأن ذلك يتضمن شرطين: أن لا يبيعها لغيره، وأن تبيعه
إياها بالثمن، فكذلك أيضاً؛ فإن كل واحد منهما إن كان فاسداً فلا
أثر للشرطين، وإن كان صحيحاً لم تفسد بانضمامه إلى صحيح مثله،
كاشتراط الرهن والضمين واشتراط التأجيل والرهن ونحو ذلك.
وعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات:
إحداهن: صحة البيع والشرط.
والثانية: فسادهما.
والثالثة: صحة البيع وفساد الشرط(١).
وهو رضي الله عنه إنما اعتمد في الصحة على اتفاق عمر
وابن مسعود على ذلك، ولو كان هذا هو الشرطين(٢) في البيع، لم
(١) انظر هذه الروايات الثلاث في: الروايتين والوجهين -المسائل الفقهية
٣٥١/١، والمغني ١٧١/٦، والفروع ٦٣/٤، وقواعد ابن رجب ص: ٢٩١
القاعدة ١٣٥، والإنصاف ٤/ ٣٥٣.
(٢) في المطبوع: الشرطان.

١٧٠٥
كتاب البيوع والإجارات
يخالفه لقول أحد على قاعدة مذهبه، فإنه إذا كان عنده في المسألة
حديث صحيح، لم يتركه لقول أحد، ويعجب ممن يخالفه من
صاحب أو غيره.
وقوله في رواية المروزي: هو في معنى حديث النبي صلى الله
عليه وسلم ((لا شرطان في بيع))، ليس تفسيراً منه صريحاً، بل تشبيه
وقياس على معنى الحديث، ولو قدر أنه تفسير فليس بمطابق
لمقصود الحديث، كما تقدم.
وأما تفسير القاضي في المجرد فمن أبعد ما قيل في الحديث
وأفسده؛ فإن شرط ما يقتضيه العقد أو ما هو من مصلحته كالرهن
والتأجيل والضمين ونقد كذا، جائز بلا خلاف، تعددت الشروط
أو اتحدت(١).
فإذا تبيّن ضعف هذه الأقوال، فالأولى تفسير كلام النبي
صلى الله عليه وسلم بعضه ببعض، فنفسر كلامه بكلامه، فنقول:
نظير هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة، وعن
بيعتين في بيعة:
فروى سماك عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود عن
أبيه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين
(١) انظر: الهداية ٤٨/٣، وحاشية الدسوقي ٦٥/٣، والمهذب ٢٦٨/١، والمغني
٣٢٣/٦.

١٧٠٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
في صفقة))(١).
وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا))(٢).
وقد فُسّرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقداً
أو بعشرین نسيئة.
وهذا بعید من معنی الحدیث من وجهين:
أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد.
الثاني: أن هذا ليس بصفقتين، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين.
وقد ردده بين الأوْكَسين(٣) أو الربا، ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن
الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا. فليس هذا معنى الحديث.
(١) رواه أحمد في مسنده ١/ ٣٩٨.
وصحح الألباني مجموع طرقع في إرواء الغليل، الحديث رقم ١٣٠٧.
(٢) رواه أبو داود في سننه ٧٣٨/٣-٧٣٩ في کتاب البيوع والإجارات، ٥٥-باب
فیمن باع بیعتین في بيعة.
والترمذي في جامعه ٥٣٣/٣ في كتاب البيوع، ١٨ - باب ما جاء في النهي عن
بیعتین في بیعة. دون قوله: «فله أو کسهما أو الربا))، وقال: "حديث حسن
11
صحيح .
والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٤٠-٣٤١ في كتاب البيوع، ٧٣ - ببيعتين في بيعة ....
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٥٥.
(٣) في المطبوع: الأوليين. وهو تصحيف.

١٧٠٧
كتاب البيوع والإجارات
وفُسّر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقداً، وآخذها منك
بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعينها.
وهذا هو المعنى المطابق للحديث؛ فإنه إذا كان مقصوده
الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوکس
الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما وإن أخذ الثمن الأكثر، فقد أخذ
الربا. فلا محيد له عن أوكس الثمنين [١٩٤ / أ] أو الربا.
ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى، وهذا هو بعينه الشرطان في
بيع؛ فإن الشرط يُطلق على العقد نفسه، لأنهما تشارطا على الوفاء به،
فهو مشروط والشرط يطلق على المشروط كثيراً، كالضرب يطلق على
المضروب، والحلق على المحلوق، والنسخ على المنسوخ.
فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع كصفقتين
في صفقة.
وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه صلى الله
عليه وسلم في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة، وعن سلف
وبيع. رواه أحمد(١).
(١) الذي رواه أحمد في المسند ٢/ ٧١ عن ابن عمر رضي الله عنهما هو النهي عن
بیعتين في بيعة واحدة.
وأما ما ذكره ابن القيم من الجمع بين هذين العقدين، فقد أخرجه أحمد في
المسند ١٧٤/٢، ٢٠٥، من حديث عبد الله بن عمرو، والله أعلم.

١٧٠٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع، وعن سلف وبيع،
فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، ومع البيعتين في البيعة.
وسرّ ذلك أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه.
أما البيعتان في بيعة فظاهر، فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر، ثم
اشتراها منه بما شرط(١) له، كان قد باع بما شرط له لعسره(٢) نسيئة،
ولهذا المعنى حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم العينة.
وأما السلف والبيع؛ فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه
ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في
القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا
عقد القرض لما اشترى ذلك.
فظهر سرّ قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل سلف وبيع،
ولا شرطان في بيع))(٣)، وقول ابن عمر ((نهى عن بيعتين في بيعة
وعن سلف وبيع))(٤)، واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا
(١) في المطبوع: شرطه.
(٢) في المطبوع: بعشرة. وهو تصحيف.
والمقصود الإعسار عن النقد؛ فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر
النقد، كما سبق بيان ذلك في الباب رقم (٥٦) - باب في النهي عن العينة".
(٣) وهو حديث الباب.
(٤) تقدم أنه من حديث ابن عمرو، والله أعلم.

١٧٠٩
كتاب البيوع والإجارات
سلماً إلى الربا.
ومن نظر في الواقع وأحاط به علماً، فهم مراد الرسول صلى
الله عليه وسلم من كلامه ونزّله عليه، وعلم أنه كلام من جمعت له
الحكمة وأوتي جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه وجزاه
أفضل ما جزى نبياً عن أمته.
وقد قال بعض السلف: اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
ولما كان موجب عقد القرض ردّ المثل من غير زيادة، كانت
الزيادة ربا.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على
المستسلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على
ذلك ربا، وقد روي عن ابن مسعود (١) وأبي بن كعب(٢) وابن
عباس(٣) أنهم نهوا عن قرض جر منفعة (٤).
وكذلك إن شرط أن يؤجره داره أو يبيعه شيئاً، لم يجز لأنه
(١) رواه عنه ابن أبي شية في مصنفه ٣٢٧/٤.
(٢) سيأتي ما ورد عنه في كلام المصنف قريباً.
(٣) رواه عنه ابن شيبة في مصنفه ٣٢٦/٤.
(٤) انظر قول ابن المنذر هذا في: المغني لابن قدامة ٤٣٦/٦، ونحوه في الإجماع
لابن المنذر ص: ٩٥.

١٧١٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
سلّم إلى الربا، ولهذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم(١).
ولهذا منع السلف رضي الله عنهم من قبول هدية المقترض،
إلا أن يحسبها (٢) المقرض من الدين:
فروى الأثرم أن رجلاً كان له على سمّاك عشرون درهماً،
فجعل يهدي إليه [١٩٤/ ب] السمك ويقومه، حتى بلغ ثلاثة عشر
درهماً، فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم (٢).
وروي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبيَّ بن كعب عشرة
آلاف درهم، فأهدى إليه أبيّ من ثمرة أرضه، فردها عليه ولم يقبله(٤)،
فأتاه أبي فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة، وأنه لا
حاجة لنا، فيم منعت هديتنا، ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل(٥).
فردّه عمر لما توهم أن تكون(٦) بسبب القرض، فلما تيقن
(١) وذلك في حديث الباب، في قوله: ((لا يحل سلف وبيع)).
(٢) في المطبوع: يحتسبها.
(٣) ذكره ابن قدامة في المغني ٦/ ٤٣٧، ورواه مختصراً البيهقي في السنن الكبرى
٣٤٩/٥-٣٥٠.
(٤) في المطبوع: يقبلها. وهو كذلك في المغني.
(٥) ذكره هذا ابن قدامة في المغني ٦/ ٤٣٧.
ورواه نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٢٦/٤، وفي آخره قول عمر: "إنما الربا
على من أراد أن يربي".
(٦) في المطبوع: تكون هديته. بزيادته "هديته"، دون داع ودون إشارة.

١٧١١
كتاب البيوع والإجارات
أنه ليس(١) بسبب القرض قبله(٢).
وهذا فصل النزاع في مسألة هدية المقترض.
وقال زر بن حبيش: قلت لأبي بن كعب: إني أريد أن أسير
إلى أرض الجهاد إلى العراق. فقال: إنك تأتي أرضاً فاش بها الربا،
فإن أقرضت رجلاً قرضاً، فأتاك بقرضك ليؤدي إليك قرضك ومعه
هدية، فاقبض قرضك واردد عليه هديته، ذكرهن الأثرم(٣).
وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: "قدمت
المدينة فلقيت عبد الله بن سلام، فذكر الحديث وفيه: ثم قال لي إنك
بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل دين، فأهدى إليك حمل
تبن، أو حمل قَتّ، أو حمل شعير، فلا تأخذه فإنه ربا (٤)".
قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضاً، ثم استعمله عملاً، لم
يكن يستعمله مثله قبل القرض، كان قرضاً جر منفعه(٥).
،
(١) في المطبوع: أنها ليست. وهو تحريف وتغيير.
(٢) في المطبوع: قبلها. وهو تحريف.
(٣) وكذا قال ابن قدامة في المغني ٤٣٨/٦.
وروى هذا الأثر: ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٢٦/٤، والبيهقي في السنن
الكبرى ٣٤٩/٥.
(٤) صحيح البخاري ٧/ ١٦١ مع الفتح، في كتاب مناقب الأنصار، ١٩ - باب مناقب
عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
(٥) الإرشاد ص: ٢٣٦، وذكره في المغني ٤٣٨/٦.

١٧١٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال: ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما
بذلك، حسب له ما أکله(١).
واحتج له صاحب المغني بما روى ابن ماجه في سننه عن
أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقرض(٢)
أحدكم قرضاً فأهدى إليه، أو حمله على دابته، فلا يركبها ولا يقبله،
إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)) (٣).(٤)
واختلفت الرواية عن أحمد فيما لو أقرضه دراهم وشرط
عليه أن يوفيه إياها ببلد آخر، ولا مؤنة لحملها:
- فُرُوي عنه أنه لا يجوز(٥).
وكرهه الحسن وجماعة(٦) ومالك(٧) والأوزاعي
(١) الإرشاد ص: ٢٣٦، وذكره في المغني ٤٣٨/٦.
(٢) في المطبوع: اقترض. وهو تصحيف.
(٣) رواه ابن ماجه في سننه ٢/ ٨١٣ في كتاب الصدقات، ١٩ - باب القرض.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه برقم: ٥٢٩.
(٤) انظر: المغني ٦/ ٤٣٨.
(٥) انظر: المغني ٤٣٦/٦.
(٦) قال ابن قدامة في المغني ٤٣٦/٦: "وكرهه الحسن البصري، وميمون بن أبي
شبیب وعبدة بن أبي لبابة ... ".
(٧) انظر لمذهب المالكية: حاشية الدسوقي ٢٢٦/٣.
(٨) انظر: المغني ٦/ ٤٣٦.

١٧١٣
كتاب البيوع والإجارات
والشافعي(١).
(١)
- وروي عنه (٢) الجواز، نقله ابن المنذر لأنه مصلحة لهما،
فلم ينفرد المقترض بالمنفعة، وحكاه عن علي وابن عباس والحسن
بن علي وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب
والثوري وإسحاق(٣)، واختاره القاضي(٤).
ونظير هذا لو أفلس غريمه فأقرضه دراهم يوفيه كل شهر
شيئاً معلوماً من ربحها جاز، لأن المقرض(٥) لم ينفرد بالمنفعة(٦).
ونظيره: لو كان له عليه(٧) حنطة، فأقرضه دراهم يشتري له
بها حنطة ويوفيه إياها (٨).
ونظير ذلك أيضاً [١٩٥/ أ] إذا أقرض فلاحه ما يشتري به
بقراً يعمل بها في أرضه، أو بذراً يبذره فيها(٩).
(١) انظر لمذهب الشافعية: روضة الطالبين ٣٤/٤.
(٢) أي عن الإمام أحمد.
(٣) انظر هذا النقل عن ابن المنذر في: المغني ٤٣٦/٦.
(٤) انظر: المغني ٦ / ٤٣٧. وهو ما رجحه ابن قدامة أيضاً.
(٥) في المطبوع: المقترض. وهو تصحيف.
(٦) انظر الإرشاد لابن أبي موسى ص: ٢٣٦، والمغني ٦/ ٤٤٠.
(٧) في المطبوع: (ما لو كان عليه)، مكان: (لو كان له عليه). وهو تحريف.
(٨) انظر: الإرشاد لابن أبي موسى ص: ٢٣٦، والمغني ٦/ ٤٤٠.
(٩) انظر ما سيأتي.

١٧١٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ومنعه ابن أبي موسى (١).
والصحيح جوازه وهو اختيار صاحب المغني (٢)؛ وذلك لأن
المستقرض إنما يقصد نفع نفسه، ويحصل انتفاع المقرض ضمناً،
فأشبه أخذ السفتجة به وإيفاءه إياه في بلد آخر، من حيث إنه
مصلحة لهما جميعاً.
والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض،
كسكنى دار المقترض، وركوب دوابه، واستعماله قبول هديته، فإنه
لا مصلحة له في ذلك بخلاف هذه المسائل، فإن المنفعة مشتركة
بينهما، وهما متعاونان عليها؛ فهي من جنس التعاون والمشاركة.
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن (٣)، فهو
کما ثبت عنه في حديث عبد الله بن عمر حيث قال له: إني أبيع الإبل
بالبقيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم؟ فقال:
((لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها، وتفرقتما وليس بينكما شيء))(٤).
(١) الإرشاد ص: ٢٣٧.
(٢) المغني ٦ / ٤٤٠.
(٣) وهو ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب ((ولا ربح ما لم
تضمن)).
(٤) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وضعفه الألباني. وقد سبق في
الباب رقم: (٥٩) - باب السلف في شيء ثم يحوّل إلى غيره.

١٧١٥
كتاب البيوع والإجارات
فجوز ذلك بشرطين:
أحدهما: أن يأخذ بسعر يوم الصرف، لئلا يربح فيها
وليستقر ضمانه.
والثاني: أن لا يتفرقا إلا عن تقابض؛ لأنه شرط في صحة
الصرف، لئلا يدخله ربا النسيئة.
والنهي عن ربح ما لم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء
علته، وهو من محاسن الشريعة، فإنه لم يتم عليه الاستيلاء، ولم تنقطع
علق البائع عنه، فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى
المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنما يقبضه على إغماض وتأسف
على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه.
وهذا معلوم بالمشاهدة، فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي
عن الربح فيه، حتى يستولي(١) علیه ویکون من ضمانه، فييأس
البائع من الفسخ وتنقطع علقه عنه.
وقد نصّ أحمد على ذلك في الاعتیاض عن دين القرض وغيره،
أنه إنما يعتاض (٢) عنه بسعر يومه، لئلا يربح فيما لم يضمن(٣).
(١) في المطبوع: يستقر. وهو تحريف.
(٢) في الأصل: يعتاد. وهو سهو.
(٣) سبق ذلك عن الإمام أحمد في الباب (٥٩)- باب السلف في شيء ثم يحوّل
إلی غیره.

١٧١٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمسألتين:
إحداهما: بيع الثمار بعد بدو صلاحها، فإنكم تجوزون
لمشتريها أن يبيعها على رؤوس الأشجار ويربح فيها، ولو تلفت
بجائحة لكانت من ضمان البائع (١).
فيلزمكم أحد أمرين:
- إما أن تمنعوا بيعها.
-وإما أن لا تقولوا بوضع الجوائح، كما يقول الشافعي (٢)
وأبو حنيفة(٣).
بل تکون من ضمانه، فکیف تجمعون بین هذا وهذا.
المسألة الثانية: أنكم تجوزون للمستأجر أن يؤجر العين
المستأجرة بمثل الأجرة وزيادة، مع أنها لو تلفت لكانت من ضمان
المؤجر (٤)، فهذا ربح ما لم يضمن.
قيل: النقض الوارد إما أن يكون بمسألة [١٩٥/ ب]
منصوص عليها، أو مجمع على حكمها.
وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما، ولا مجمع على
(١) انظر: الإنصاف ٧٤/٥.
(٢) انظر لمذهب الشافعية: الوسيط ١٩٣/٣.
(٣) انظر لمذهب الحنفية: شرح معاني الآثار ٣٥/٤-٣٦.
(٤) انظر: الإنصاف ٣٤/٦.

١٧١٧
كتاب البيوع والإجارات
حكمهما، فلا يردان نقضاً؛ فإن في جواز بيع المشتري ما اشتراه من
الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن أحمد (١).
فإن مُنع (٣) البيع بطل النقض.
وإن جوزنا البيع، وهو الصحيح؛ فلأن الحاجة تدعو إلى
ذلك، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها
أضررنا به ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به
أيضاً، فجوزنا له بيعها؛ لأنها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها.
وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة؛ لأنها ليست في حكم
المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه
المحتاج إليه، فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه،
رتبنا على الوجهين مقتضاهما، وهذا من ألطف الفقه.
وأما مسألة الإجارة، فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز
إجارة الرجل ما استأجره بزيادة، على ثلاث روايات:
إحداهن: المنع مطلقاً (٣)؛ لئلا يربح فيما لم يضمن.
وعلى هذا فالنقض مندفع.
والثانية: أنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة، وإلا فلا؛
(١) انظرهما في الإنصاف ٧٤/٥.
(٢) في المطبوع: منعنا. وهو تحريف.
(٣) انظر: المغني ٥٤/٨، والفروع ٤٤٥/٤، والإنصاف ٣٤/٦.

١٧١٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
لأن الزيادة لا تكون ربحاً، بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة(١).
وعلى هذه الرواية أيضاً فالنقض مندفع.
والثالثة: أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقاً (٢)،
وهذه مذهب الشافعي(٣).
وهذه الرواية أصح؛ فإن المستأجر لو عطل المكان وأتلف
منافعه بعد قبضه، لتلفت من ضمانه؛ لأنه قبضه القبض التام.
ولكن لو انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجر، لزوال
محل المنفعة.
فالمنافع مقبوضة، ولهذا له استيفاؤها(٤) بنفسه وبنظيره،
وإيجارها والتبرع بها، ولكن كونها مقبوضة مشروط ببقاء العين،
فإذا تلفت العين زال محل الاستيفاء فكانت من ضمان المؤجر.
وسرّ المسألة أنه لم يربح فيما لم يضمن، وإنما ربح فيما(٥) هو
مضمون عليه بالأجرة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : (ولا تبع ما ليس
(١) انظر: المغني ٥٦/٨، والفروع ٤٤٥/٤، والإنصاف ٣٤/٦.
(٢) انظر: المغني ٥٦/٨، والفروع ٤٤٥/٤، والإنصاف ٣٤/٦. وعليها المذهب.
(٣) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ١/ ٤٠٢.
(٤) في المطبوع: استثناؤها. وهو تصحيف.
(٥) (ربح فيما) ساقطة من المطبوع.

١٧١٩
كتاب البيوع والإجارات
عندك))(١)، فمطابق لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، لأنه
إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له
وقد لا يحصل، فيكون غرراً، كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء
وما تحمل ناقته ونحوه.
قال حكيم بن حزام: يا رسول الله الرجل يأتيني يسألني البيع
ليس عندي، فأبيعه منه ثم أمضي إلى السوق [١٩٦ / أ] فأشتريه
وأسلمه إياه؟ فقال: ((لا تبع ما ليس عندك))(٢).
وقد ظن طائفة أن السلم مخصوص من عموم هذا الحديث،
فإنه بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنوه، فإن الحديث إنما تناول بيع
الأعيان، وأما السلم فعقد على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في
الذمة، فلو أسلم في معين عنده كان فاسداً، وما في الذمة مضمون
(١) وهو جزء من حديث الباب.
(٢) رواه أبو داود في سننه ٧٦٨/٣ -٧٦٩ في كتاب البيوع والإجارات، ٧٠-باب
في الرجل یبيع ما ليس عنده.
والترمذي في جامعه ٥٣٤/٣ في كتاب البيوع، ١٩ - باب ما جاء في كراهية بيع
ما ليس عندك. وقال: "حديث حسن".
والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٣٤ في كتاب البيوع، ٦٠ - بيع ما ليس عند البائع.
وابن ماجه في سننه ٢/ ٧٣٧ في كتاب التجارات، ٢٠ - باب النهي عن بيع ما
لیس عندك وعن ربح ما لم یضمن.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٩١.

١٧٢٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
مستقر فیھا.
وبيع ما ليس عنده إنما نهي عنه لكونه غير مضمون عليه،
ولا ثابت في ذمته، ولا في يده، فالمبيع لا بد أن يكون ثابتاً في ذمة
المشتري أو في يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما؛ فالحديث
باق علی عمومه.
فإن قيل: فأنتم تجوزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن
يقدر على انتزاعه من غاصبه(١)، وهو بيع ما ليس عنده؟
قيل: لما كان البائع قادراً على تسليمه بالبيع، والمشتري قادراً
علی تسلّمه من الغاصب؛ فکأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو
باعه مالاً، وهو عند المشتري وتحت يده، وليس عند البائع، والعندية
هنا ليست عندية الحسّ والمشاهدة، فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت
يده ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين (٢).
وهذا واضح ولله الحمد.
(١) انظر: الفروع ٢١/٤، والمبدع ٢٤/٤، والإنصاف ٢٩٤/٤.
(٢) وهذه لفتة رائعة من ابن القيم رحمه الله، فإن كثيراً من المعاملات المعاصرة لا
تتحقق فيها عندية الحسّ والمشاهدة، فيظن من يظن أن مثل هذا لا يجوز بيعه،
ويغفل عن أن الحكم هو إنما لعندية الحكم والتمكين. والله أعلم.