النص المفهرس

صفحات 1661-1680

١٦٦١
كتاب البيوع والإجارات
قال القاضي: نقلت من خط أبي حفص في مجموعه: فإن
كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن، فأخذ من غير نوعه، مثل كيله
مما هو دونه في الجودة جاز، وكذلك إن أخذ قيمته (١) مما لا يكال
ولا یوزن کیف شاء.
ونقل ابن القاسم عن أحمد قلت لأبي عبد الله: إذا لم يجد ما
أسلم فيه ووجده غيره من جنسه، أيأخذه؟ قال: نعم إذا كان دون
الشيء الذي له، كأنما أسلم في قفير حنطة موصلي، فقال: آخذ
مكانه سلتي(٢) أو قفيز شعير بكيلة واحدة لا يزداد، [١٨٦/ب]
وإن كان فوقه فلا يأخذ، وذکر حديث ابن عباس رواه طاووس
عنه: ((إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت فيه،
فخذ عوضاً (٣) بأنقص منه، ولا تربح مرتين)) (٤).
(١) في الأصل محتملة أيضاً لـ: "بثمنه".
والمثبت موافق لما في مجموع الفتاوى.
(٢) لعل المراد أنه يأخذ قفيز شعير سلتي، والسلت شعير لا قشر له أجرد.
انظر: لسان العرب ٤٥/٢.
(٣) هكذا في الأصل. وفي مصادر التخريج: عرضاً.
(٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه ١٦/٨-١٧، وسعيد بن منصور في سننه -كما في
المحلى ٩/ ٤-٥، والمغني ٤١٦/٦-٤١٧، كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن
عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس به.
ونقل ابن قدامة في المغني ٤١٦/٦-٤١٧ عن ابن المنذر تصحيحه لهذا الأثر.

١٦٦٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ونقل أحمد بن أصرم سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى
أجل، فإذا حلّ الأجل يشتري منه عقاراً أو داراً، فقال: نعم يشتري
منه ما لا یکال ولا یوزن.
وقال حرب: سألت أحمد فقلت رجل أسلم إلى رجل دراهم
في بر، فلما حلّ الأجل لم يكن عنده بر، فقال: قوّم الشعير بالدراهم
فخذ من الشعير؟ فقال: لا يأخذ منه الشعير، إلا مثل كيل البر أو
أنقص. قلت: إذا كان البر عشرة أجربة، يأخذ الشعير عشرة أجربة؟
قال: نعم(١).
إذا عرف هذا فاحتج المانعون بوجوه:
أحدها: الحديث(٢).
والثاني: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام
قبل قبضه(٣).
(١) انظر كلام أبي حفص العكبري هذا الذي نقله القاضي أبو يعلى في مجموع
الفتاوى ٥٠٤/٢٩-٥٠٥.
(٢) أي حديث أبي سعيد الخدري. وهو حديث الباب.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠٣/٤ مع الفتح، في کتاب البيوع، ٥١-باب
الكيل على البائع والمعطي.
ومسلم في صحيحه ٣/ ١١٦٠ كتاب البيوع، ٨- باب بطلان بيع المبيع قبل القبض.
كلاهما عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من
ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)).

١٦٦٣
كتاب البيوع والإجارات
الثالث: نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن(١).
وهذا غير مضمون عليه؛ لأنه في ذمة المسلم إليه.
الرابع: أن هذا المبيع مضمون له علی المسلم إلیه، فلو جوزنا
بيعه صار مضموناً عليه للمشتري فيتوالى في المبيع ضمانان.
الخامس: أن هذا إجماع كما تقدم.
هذا جملة ما احتجوا به.
قال المجوزون: الصواب جواز هذا العقد، والكلام معكم في
مقامين:
أحدهما: في الاستدلال على جوازه.
والثاني: في الجواب عما استدللتم به على المنع.
فأما الأول فنقول:
(١) أخرجه أبو داود في سننه ٧٦٩/٣ -٧٧٥ في كتاب البيع والإجارات، ٧٠-
باب في الرجل یبیع ما لیس عنده.
والترمذي في جامعه ٥٣٥/٣ -٥٣٦ في كتاب البيوع، ١٩ - باب ما جاء في
کراهیة بیع ما ليس عندك. وقال: "حديث حسن صحيح".
والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٤٠ في كتاب البيوع، ٧١-سلف وبيع.
وابن ماجه في سننه ٢/ ٧٣٧ -٧٣٨، في كتاب التجارات، ٢٠- باب النهي عن
بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم یضمن.
كلهم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٩٢.

١٦٦٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: إذا أسلفت في
شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عرضاً أنقص
منه، ولا تربح مرتین، رواه سعید(١).
فهذا قول صحابي وهو حجة ما لم يخالف.
قالوا: وأيضاً فلو امتنعت المعاوضة عليه، لكان ذلك لأجل
كونه مبيعاً لم يتصل به القبض، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال:
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع
بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: ((لا
بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء))(٢).
(١) في الأصل أعجمت السينُ شيناً، والياء باءً، فصارت كأنها شعبة. وهو
تصحیف، إذ لیس شعبة من رواة هذا الأثر كما سبق.
(٢) رواه أبو داود في سننه ٣/ ٦٥٠-٦٥١ في كتاب البيوع والإجارات، ١٤ -باب
في اقتضاء الذهب من الورق.
والترمذي في جامعه ٥٤٤/٣ في كتاب البيوع، ٢٤ -باب ما جاء في الصرف.
وقال: "لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير
عن ابن عمر ... ".
والنسائي في المجتبى ٣٢٦/٧ في كتاب البيوع، ٥٢-أخذ الورق من الذهب.
وابن ماجه في سننه ٢/ ٧٦٠ في كتاب التجارات، ٥١- باب اقتضاء الذهب من
الورق والورق من الذهب.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٧٢٧.

١٦٦٥
كتاب البيوع والإجارات
](١)، فما
فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه [
الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره؟! قالوا: وقد نص
أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره.
وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في
ذمته فقد نص عليه في مواضع، حكاه شيخنا أبو العباس بن تيمية
رحمه الله عنه(٢).
والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم،
وقالوا: لأنه دين فلا يجوز بيعه كدين السلم.
وهذا [١٨٧ / أ] ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه.
الثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه، فقد ذكرنا
عن ابن عباس جوازه، ومالك يجوز بيعه من غير المستسلف.
والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر
والقياس التسوية بينهما.
وأما المقام الثاني:
فقالوا: أما الحديث فالجواب عنه من وجهين:
(١) بياض في أصل كتاب ابن القيم.
(٢) مجموع الفتاوى ٥١٠/٢٩.
وانظر: اختيارات ابن تيمية للبعلي ص: ١٩٣، والإنصاف ١١٢/٥.

١٦٦٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أحدهما: ضعفه كما تقدم.
والثاني: أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر،
أو يبعه بمعين مؤجل؛ لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين وهو منهي
عنه(١)، وأما بيعه بعوض حاضر من غير ربح فلا محذور فيه، كما
أذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر.
فالذي نھی عنه من ذلك هو من جنس ما نهى عنه من بيع
الكالىء بالكالىء، والذي يجوز منه هو من جنس ما أذن فيه من بيع
النقد لمن هو في ذمته بغيره، من غير ربح.
وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل
قبضه، فهذا إنما هو في المعيّن أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو
وزن، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه.
وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء،
وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له، فلا يُقاس بالبيع
الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضاً
أو غيره أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفي دينه لأن بدله يقوم
مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالىء بالكالىء بحال، والبيع المعروف
(١) رواه الدارقطني في سننه ٧١/٣-٧٢، والحاكم في مستدركه ٢/ ٥٧، والبيهقي
في السنن الکبری ٢٩٠/٥.
وضعفه الألباني في إراواء الغليل برقم: ١٣٨٢.

١٦٦٧
كتاب البيوع والإجارات
هو أن يملك المشتري ما اشتراه. وهنا (١) لم يملك(٢) شيئاً، بل سقط
الدین من ذمته.
ولهذا لو وفّاه ما في ذمته لم يُقل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل
يُقال: وفّاه حقّه بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع.
ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها،
يسمى بيعاً. وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعاً.
فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعاً، بل هو إيفاء فيه
معنى المعاوضة.
ولو حلف ليقضينه حقاً(٣) غداً، فأعطاه عنه عرضا برّ، في
أصح الوجهين (٤).
وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به
بيعه من غير بائعه، وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان(٥).
وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اطرد المنع
في البائع وغيره.
(١) في المطبوع: وهذا. وهو تحريف.
(٢) في المطبوع: لم يملكه. وهو تحريف.
(٣) في المطبوع: حقه.
(٤) انظر: الفروع ٦/ ٣٩٢، والإنصاف ١١١/١١.
(٥) انظر: الكافي لابن عبد البر ص: ٣١٩، وروضة الطالبين ٥٠٧/٣، والإنصاف ٣٥/٦.

١٦٦٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وإن كانت عدم تمام الاستيلاء وأن البائع لم تنقطع علقه عن
المبيع -بحيث ينقطع طمعه في الفسخ، ولا يتمكن من الامتناع من
الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه- لم يطرد النهي في بيعه
[١٨٧/ ب] من بائعه قبل قبضه، لإنتفاء هذه العلة في حقه.
وهذه العلة أظهر، وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة.
ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه
من وجه آخر، فهي مضمونة له وعليه باعتبارین.
وأي محذور في هذا؟! كمنافع الإجارة؛ فإن المستأجر له أن
يؤجر ما استأجره فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد
بدو صلاحها له أن يبيعها على الشجر وإن أصابتها جائحة رجع
على البائع، فهي مضمونة له وعليه ونظائره كثيرة.
وأيضاً: فبيعه من بائعة شبيه بالإقاله، وهي جائزة قبل
القبض على الصحة(١).
وأيضاً: فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع (٢)، وبيع المبيع
لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين (٣).
(١) كذا في الأصل، ولعلها: الصحيح.
(٢) انظر: تحفة الفقهاء ١٨/٢، والفواكه الدواني ٧٩/٢، والمهذب ٣٠٢/١،
والمحرر ٣٣٤/١.
(٣) انظر: حاشية ابن عابدين ٤٨/٥، وروضة الطالبين ٣/ ٥٠٧، والمغني ٦/ ١٩١.

١٦٦٩
كتاب البيوع والإجارات
فعلم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان، فإذا
جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى
بالجواز، كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقاً بخلاف الإقالة
في الأعيان.
ومما يوضح ذلك أن ابن عباس لا يُجوّز بيع المبيع قبل
قبضه، واحتج عليه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام
قبل قبضه، وقال: ((أحسب كل شيء بمنزلة الطعام)) (١).
ومع هذا فثبت عنه أنه جوّز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا
لم یربح فیه(٢).
ولم يفرّق بين الطعام وغيره ولا بين المكيل والموزون
وغيرهما؛ لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته، فهو يقبضه
من نفسه لنفسه، بل في الحقيقة ليس هنا قبض، بل يسقط عنه ما في
ذمته فتبرأ ذمته، وبراءة الذمم مطلوب في نظر الشرع لما في شغلها
من المفسدة.
فكيف يصح قياس هذا على شيء بيعَ غير مقبوض لأجنبي
لم يتحصل بعد، ولم تنقطع علق بائعه عنه؟!
(١) رواه مسلم في صحيحه ٣/ ١١٦٠ في كتاب البيوع، ٨- باب بطلان بيع المبيع
قبل القبض.
(٢) كما سبق.

١٦٧٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وأيضاً: فإنه لو سلّم المسلم فيه ثم أعاده إليه جاز، فأي فائدة
في أخذه منه، ثم إعادته إليه، وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم
تحصل بها فائدة؟!
ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل
من بعدهم.
قالوا: وأما استدلالكم بنهي النبي عن ربح ما لم يضمن
فنحن نقول بموجبه، وأنه لا يربح فيه كما قال ابن عباس: ((خذ
عرضاً بأنقص منه ولا تربح مرتین)).
فنحن إنما نجوز له أن یعاوض عنه بسعر يومه، كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة: ((لا
بأس إذا أخذتها بسعر يومها))(١).
فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما جوز الاعتياض عن الثمن
بسعر يومه؛ لئلا يربح فيما لم يضمن.
وقد نصّ أحمد على هذا الأصل في بدل القرض (٢)
[١٨٨/أ] وغيره من الديون أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا
يربح فيما لم يضمن(٣).
(١) سبق تخريجه.
(٢) في المطبوع: العوض. وهو تصحيف.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٥١٠/٢٩.

١٦٧١
كتاب البيوع والإجارات
و کذلك قال مالك: يجوز الاعتیاض عنه بسعر یومه، کما قال
ابن عباس، لكن مالك يستثني الطعام خاصة؛ لأن من أصله أن بيع
الطعام قبل قبضه، لا يجوز بخلاف غيره(١).
وأما أحمد فإنه فرق بين: أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو
نحوه، دون أن يعتاض بمكيل أو موزون، فإن كان بعرض ونحوه
جوزه بسعر یومه، كما قال ابن عباس ومالك.
وإن اعتاض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون، فإنه
منعه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض، إذ كان لم توجد
حقيقة التقابض من الطرفين.
ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه كالشعير عن الحنطة نظراً
منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة، كما يستوفى الجيد عن الرديء.
ففي العرض جوز المعاوضة إذ لا يشترط هناك تقابض. وفي
المكيل والموزون منع المعاوضة لأجل التقابض، وجوز أخذ قدر حقه
أو دونه، لأنه استيفاء، وهذا من دقيق فقهه رضي الله عنه.
قالوا: "وأما قولكم إن هذا الدين مضمون له فلو جوزنا بيعه
لزم توالي الضمانین"، فھو دلیل باطل من وجهين:
أحدهما: لا توالي ضمانين هنا أصلاً، فإن الدين كان
(١) انظر: الموطأ ٦٥٩/٢ - ٦٦٠.
ومسألة بيع الطعام قبل قبضه ستأتي في الباب التالي إن شاء الله.

١٦٧٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
مضموناً له في ذمة المسلم إليه، فإذا باعه إياه لم يصر مضموناً عليه
بحال؛ لأنه مقبوض في ذمة المسلم إليه، فمن أي وجه يكون مضمونا
على البائع؟!
بل لو باعه لغيره لكان مضموناً له على المسلم إليه،
ومضموناً عليه للمشتري، وحينئذ فیتوالى ضمانان.
الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين، وليس
بوصف مستلزم المفسدة يحرم العقد لأجلها.
وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف؟!
وأي حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين؟!
وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له، وقد
قدمنا ذكر الصور التي فيها توالي الضمانين، وقد ثبت عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة (١).
ولا فرق بينه وبين دین السلم.
قالوا: وأيضاً فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على
البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري، فإذا كان هذا المشتري قد
باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب
بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر، فلا محذور في ذلك.
(١) وذلك في حديث ابن عمر.

١٦٧٣
كتاب البيوع والإجارات
وشاهده المنافع في الإجارة والثمرة قبل القطع، فإنه قد ثبت
بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها وضع الثمن عن [١٨٨/ب]
المشتري إذا أصابتها جائحة (١)، ومع هذا يجوز التصرف فيها.
ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه كما هي
مضمونة له بالثمن الذي دفعه(٢).
قالوا: وأما قولكم: "إن المنع منه إجماع"، فكيف تصح دعوى
الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس وعالم المدينة مالك بن أنس؟!
فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص
والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم، والواجب عند التنازع الرد إلى
الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم .
فصل: وأما المسألة الثانية وهي إذا انفسخ العقد بإقالة أو
غيرها فهل يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضاً من غير جنسه؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز ذلك حتى يقبضه ثم يصرفه فيما شاء.
وهذا اختيار الشريف أبي جعفر (٣)، وهو مذهب أبي حنيفة(٤).
(١) وقد سبق ذلك في الباب رقم: ٦٠ "باب وضع الجائحة".
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٥٠٨/٢٩ -٥٠٩.
(٣) انظر: المغني ٤١٨/٦، والإنصاف ١١٤/٥.
(٤) انظر: تحفة الفقهاء ١٨/٢.

١٦٧٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والثاني: يجوز أخذ العوض عنه.
وهو اختيار القاضي أبي يعلي(١) وشيخ الإسلام ابن تيمية،
وهو مذهب الشافعي (٢).
وهو الصحيح؛ فإن هذا عوض مستقر في الذمة فجازت
المعاوضة عليه كسائر الديون من القرض وغيره.
وأيضاً: فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد فجاز أخذ العوض
عنه كالثمن في المبيع.
وأيضاً: فحديث ابن عمر في المعاوضة عما في الذمة صريح
في الجواز.
واحتج المانعون بقوله: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى
(٣)
غيره))(٣).
قالوا: ولأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم، فلم تجز
المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته کالمسلم فيه.
قال الجوزون: أما استدلالکم بالحدیث فقد تقدم ضعفه، ولو
صح لم يتناول محل النزاع؛ لأنه لم يصرف المسلم فيه في غيره وإنما
عاوض عن دين السلم بغيره، فأين المسلم فيه من رأس مال السلم؟!
(١) انظر: المغني ٦/ ٤١٨، والإنصاف ١١٤/٥.
(٢) انظر المهذب ٣٠٢/١.
(٣) وقد سبق تخريجه.
٠

١٦٧٥
كتاب البيوع والإجارات
وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه، فالكلام فيه أيضاً
وقد تقدم: أنه لا نص يقتضي المنع منه، ولا إجماع ولا قیاس.
ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال
السلم واضحاً، فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد، والثمن إنما
يضمن بعد فسخ العقد فكيف يلحق أحدهما بالآخر؟!
فثبت أنه لا نص في المنع ولا إجماع ولا قیاس.
فإذا عرف هذا، فحكم رأس المال بعد الفسخ حكم سائر
الديون لا يجوز أن تجعل سلما في شيء آخر لوجهين:
أحدهما: أنه بیع دین بدین.
والثاني: أنه من ضمان المسلم إليه فإذا جعله سلماً في شيء
آخر ربح فيه، وذلك ربح ما لم يضمن ويجوز فيه ما يجوز في دين
القرض، وأثمان المبيعات إذا قسمت.
فإذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر وجب قبض العوض
[١٨٩/أ] في المجلس؛ لأنه صرف بسعر یومه لأنه غير مضمون عليه.
وإن عاوض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون من غير
جنسه، كقطن بحرير أو كتان، وجب قبض عوضه في مجلس التعويض.
وإن بيع بغير مكيل أو موزون كالعقار والحيوان فهل يشترط
القبض في مجلس التعويض؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يشترط وهو منصوص أحمد.

١٦٧٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والثاني: يشترط(١).
ومأخذ القولين أن تأخير قبض العوض يشبه بيع الدين
بالدين فمنع(٢) منه، ومأخذ الجواز وهو الصحيح أن النَّسَاء بين ما
لا(٣) يجمعها علة الربا، كالحيوان بالموزون جائز؛ للاتفاق على جواز
سلم النقدين في ذلك، والله أعلم.
ونظير هذه المسألة إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلا
بثمن مؤجل، فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلاً آخر من
غير الجنس، مما يمتنع ربا النساء بينهما فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: المنع.
وهو المأثور عن ابن عمر(3) وسعيد بن المسيب(٥)
وطاووس(٦)، وهو مذهب مالك(٧) وإسحاق(٨).
والثاني: الجواز.
(١) انظر الوجهين في: المغني ١٩٨/٦، والإنصاف ١١١/٥-١١٢.
(٢) في المطبوع: فيمنع.
(٣) في المطبوع تصحفت عبارة (النساء بين ما لا) إلى: (النساءين مالاً).
(٤) انظر: المغني ٦/ ٢٦٣.
(٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه ١٨/٨، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٣٣/٤.
(٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٣٣/٤.
(٧) انظر: المدونة ٩/ ٣٣، وبداية المجتهد ٢/ ١٧٠.
(٨) مسائل الكوسج، المسألة رقم: ٢١٧١.

١٦٧٧
كتاب البيوع والإجارات
وهو مذهب الشافعي(١) وأبي حنيفة(٢) وابن المنذر(٣)، وبه
قال جابر بن زيد(٤) وسعيد بن جبير(٥) وعلي بن الحسين(٦)، وهو
اختيار صاحب المغني(٧) وشيخنا (٨).
والأول اختيار عامة الأصحاب(٩).
والصحيح الجواز لما تقدم.
قال عبد الله بن زيد قدمت على علي بن حسين فقلت له:
إني أجذ نخلي وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيقدمون بالحنطة
وقد حل الأجل فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم وأقاصهم، قال: لا
بأس بذلك إذا لم يكن منك على رأي (١٠).
(١) انظر: الأم ٣ / ٩٤.
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين ١٥٢/٥.
(٣) انظر: المغني ٦/ ٢٦٣.
(٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه ١٦/٨، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٣٣/٤.
(٥) انظر: المغني ٦/ ٢٦٣.
(٦) سيذكر المصنف الأثر عنه بعد قليل.
(٧) انظر: المغني ٦/ ٢٦٤.
(٨) انظر: مجموع الفتاوى ٣٠٠/٢٩-٣٠١.
وانظر: الإنصاف ٣٣٧/٤.
(٩) انظر: المغني ٢٦٣/٦، والإنصاف ٣٣٧/٤.
(١٠) ذكر هذا الأثر ابن قدامة في المغني ٦/ ٢٦٤.

١٦٧٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يعني إذا لم يكن حيلة مقصودة، فهذا شراء للطعام بالدراهم
التي في الذمة، بعد لزوم العقد الأول فصح؛ لأنه لا يتضمن ربا
نسيئة ولا تفاضل.
والذين يمنعون ذلك يجوزون أن يشتري منه الطعام بدراهم
ويسلمها إليه، ثم يأخذها منه وفاءاً، أو يشتريه (١) منه بدراهم في
ذمته ثم یقاصه بها.
ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي له في ذمته، أيسر
من هذا وأقل كلفة، والله أعلم.
(١) في المطبوع: نسيئة. وهو تصحيف.

١٦٧٩
كتاب البيوع والإجارات
باب في بيع الطعام قبل أن يستوفى(١)
ذكر أحاديث الباب إلى آخرها(٢).
ثم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقد روى
البيهقي في سننه من حديث شيبان(٣) وهمام وأبان العطار عن
يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن
عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله
إني أبتاع هذه البيوع، فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: ((يا ابن
أخي لا تبع شيئاً حتى تقبضه))، [١٨٩/ ب] ولفظ حديث أبان ((إذا
اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه))(٤).
وهذا إسناد على شرطهما سوى عبد الله بن عصمة وقد
(١) سنن أبي داود ٣/ ٧٦٠ -٧٦٥، الباب رقم: (٦٧).
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ١٣٠/٥ -١٤٠.
(٢) وقد ذكر أبو داود عدة أحاديث سبق تخريج حديث ابن عباس وابن عمر،
وذكر أبو داود عدة أحاديث غيرها، يطول ذكرها هنا مع تخريجها، فلينظرها
من شاء في سنن أبي داود.
وسيأتي تخريج ما يأتي في كلام ابن القيم منها.
(٣) في المطبوع: سفيان. وهو تصحيف.
(٤) سنن البيهقي الكبرى ٣١٣/٥.
وأخرجه الدارقطني في سننه ٨/٣-٩ من طريق همام وأبان.

١٦٨٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وثقه ابن حبان (١)، واحتج به النسائي(١).
وروى النسائي من حديث عطاء بن أبي رباح عن حزام بن
حكيم قال: قال حكيم بن حزام: ابتعت طعاماً من طعام الصدقة،
فربحت فيه قبل أن أقبضه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فذكرت ذلك له، فقال: ((لا تبعه حتى تقبضه))(٣).
وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى
الله عليه وسلم [أنه] (٤) نهى أن يبيع الرجل طعاماً، حتى
یستوفیه(٥).
وفيه من حديث أبي هريرة يرفعه «من اشترى طعاماً فلا
ییعه حتی یکتالە»(٦).
(١) الثقات ٥/ ٢٧.
(٢) روى له في السنن المجتبى ٧/ ٣٣٠ في كتاب البيوع، ٥٥- بيع الطعام قبل أن
يُستوفی: حديثه هذا عن حکیم.
(٣) سنن النسائي المجتبى ٧/ ٣٣٠ في كتاب البيوع، ٥٥-بيع الطعام قبل أن
يُستوفى. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٤٢٨٩.
(٤) ليست في الأصل، وإنما هي موجودة في الحاشية دون علامة الإلحاق.
(٥) صحيح مسلم ١١٦٢/٣ في كتاب البيوع، ٨- باب بطلان بيع المبيع قبل
القبض.
(٦) صحيح مسلم ١١٦٢/٣ في كتاب البيوع، ٨- باب بطلان بيع المبيع قبل
القبض.