النص المفهرس
صفحات 1621-1640
١٦٢١ كتاب البيوع والإجارات قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: اختلف سالم ونافع على ابن عمر في هذا الحديث؛ فسالم رواه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً في القصتين جميعاً (١)، قصة العبد، وقصة النخل، ورواه نافع عنه ففرق بين القصتين، فجعل قصة النخل عن النبي صلى الله عليه وسلم (٢)، وقصة العبد عن ابن عمر عن عمر(٣). فكان مسلم والنسائي وجماعة من الحفاظ يحكمون النافع، ويقولون: ميّز وفرّق بينهما، وإن كان سالم أحفظ منه(٤). أبیه، ثم ذكر حديث نافع عن ابن عمر عن عمر، بقصة العبد، ثم ذکر حدیث نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصة النخل. أما الأول والثالث، فسبق تخريجهما. وأما حديث نافع عن ابن عمر عن عمر، فكذلك ذكر المنذري أنه موقوف، والذي في سنن أبي داود مرفوع، ولعل ما في سنن أبي داود خطأ مطبعي، وانظر كلام ابن القيم الآتي، والله أعلم. (١) وقد سبق تخريجه. (٢) وقد سبق تخريجه أيضاً. (٣) أخرجه موقوفاً: البخاري في صحيحه ٦٠/٥ مع الفتح، في كتاب الشرب والمساقاة، ١٧ -باب الرجل يكون له ممر أو شِرْب في حائط أو في نخل. وهو في المطبوع من سنن أبي داود مرفوع، وفي مختصر المنذري موقوف كما سبق بيانه. والله أعلم. (٤) انظر سنن البيهقي الكبرى ٣٢٤/٥. ١٦٢٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وكان البخاري (١) والإمام أحمد(٢) وجماعة من الحفاظ، يحكمون لسالم، ويقولون: هما جميعاً صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روى جماعة أيضاً عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة العبد كما رواه سالم، منهم: يحيى بن سعيد(٣) وعبد ربه ابن سعید(٤) وسلیمان بن موسى(٥). ورواه عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر يرفعه، وزاد فيه «ومن أعتق عبداً وله مال، فماله له، إلا أن يشترط السيد ماله، فيكون له))(٦). (١) انظر: العلل الكبير للترمذي ٤٩٩/١-٥٠٠، وسنن البيهقي الكبرى ٣٢٤/٥-٣٢٥. (٢) انظر: علل الإمام أحمد ص: ٣٧-٣٨، ١١٤. (٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ١٨٩/٣. (٤) أخرجه ابن ماجه في سننه ٧٤٦/٢ في كتاب التجارات، ٣١ - باب ما جاء فیمن باع نخلاً مؤبراً أو عبداً له مال. (٥) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ١٨٩/٣. (٦) أخرج هذه الزيادة: أبو داود في سننه ٢٧٠/٤ - ٢٧١، في كتاب العتق، ١١- باب فیمن أعتق عبداً وله مال. وابن ماجه في سننه ٨٤٥/٢ في کتاب العتق، ٨- باب من أعتق عبداً وله مال. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٣٣٥٣. ١٦٢٣ كتاب البيوع والإجارات قال البيهقي: وهذا بخلاف رواية الجماعة(١). وليس هذا بخلاف روايتهم، وإنما هي زيادة مستقلة، رواها أحمد في مسنده(٢)، واحتج بها أهل المدينة في أن العبد إذا أعتق؛ فماله له، إلا أن يشترطه سيده، كقول مالك(٣). ولكن علة الحديث أنه ضعيف. قال الإمام أحمد: يرويه عبيد الله بن أبي جعفر من أهل مصر، وهو ضعيف في الحدیث، کان صاحب فقه، فأما في الحديث، فليس هو فيه بالقوي. وقال أبو الوليد (٤): هذا الحديث خطأ، وكان ابن عمر إذا أعتق عبداً، لم يعرض لماله. قيل للإمام أحمد: هذا عندك على التفضّل(٥)؟ قال: أي لعمري على التفضّل. قيل له: فكأنه عندك للسيد؟ فقال: نعم للسيد مثل البيع سواء (٦). (١) السنن الكبرى ٣٢٥/٥. (٢) لم أقف عليها في المسند، ولسيت هي في إتحاف المهرة، وقد سبق أن أبا داود وابن ماجه أخرجاها، والله أعلم. (٣) انظر: المدونة الكبرى ٢١٧/٧. (٤) لعله هشام بن عبد الملك الباهلي، أبو الوليد الطيالسي، الحافظ الإمام الحجة، شيخ الإسلام. انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ٤٥/١١ -٤٧. (٥) في المطبوع: على التفصيل. وهو تصحيف. (٦) انظر: المغني ١٤/ ٣٩٨. وانظر: مسائل الكوسج المسألة رقم: ٢٣٣٠. ١٦٢٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية باب النهي عن العينة(١) [١٨١ / أ] ذكر حديث الباب(٢)، ثم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وفي الباب حديث أبي إسحاق السبيعي عن إمرأته أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت يا أم المؤمنين: إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقداً، فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت، أخبري زيداً أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل، إلا أن يتوب. هذا الحديث رواه البيهقي(٣) والدار قطني.(٤) (١) سنن أبي داود ٣/ ٧٤٠-٧٤١، الباب رقم: (٥٦). ومختصر سنن أبي للمنذري ٩٩/٥-١٠٣. حيث قال: "في إسناده إسحاق بن أسيد، أبو عبد الرحمن الخراساني، نزيل مصر، لا يحتج بحديثه. وفيه أيضاً: عطاء الخراساني، وفيه مقال".ا. هـ كلام المنذري. (٢) وهو حديث إسحاق الخراساني عن عطاء الخراساني حدثه أن نافعاً حدّثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)». وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٥٦. (٣) السنن الكبرى ٣٣٠/٥. (٤) سنن الدار قطني ٥٢/٣. ١٦٢٥ كتاب البيوع والإجارات وذكره الشافعي، وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق(١). وقال: لو ثبت، فإنما عابت عليها بيعاً إلى العطاء، لأنه أجل غير معلوم(٢). ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالاً(٣). قال البيهقي: ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أيفع: أنها دخلت على عائشة مع أم محبة (٤). (٥) وقال غيره: هذا الحديث حسن، ويحتج بمثله، لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها، ولم يُعلم فيها جرح، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك. ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة، ومن دخل معها على عائشة، وقد صدّقها زوجها وابنها، وهما من هما، فالحديث محفوظ. وقوله في الحديث المتقدم: ((من باع بيعتين في بيعة فله (١) انظر: الأم ٤٧/٣-٤٨. (٢) انظر: الأم ٤٨/٣، ٩٥. (٣) الأم ٣/ ٩٥. (٤) في المطبوع: محمد. وهو تصحيف. (٥) معرفة السنن والآثار للبيهقي ٣٦٨/٤. وروى هذا الأثر البيهقي في السنن الکبری ٣٣١/٥. ١٦٢٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أوكسهما أو الربا))(١) هو منزل على العينة بعينها، قاله شيخنا (٢)، لأنه بيعان في مبيع واحد، فأوكسهما الثمن الحال، وإن أخذ بالأكثر -وهو المؤجل- أخذ بالربا. فالمعنيان لا ينفكان من أحد الأمرين، إما الأخذ بأوكس الثمنين، أو الربا، وهذا لا يتنزل إلا على العينة. فصل: قال المحرّمون للعينة الدليل على تحريمها من وجوه: أحدها: أن الله تعالى حرم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا، بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام. فهنا مقامان: أحدهما: بیان كونها وسيلة. (١) قد تقدم عند أبي داود في سننه ٧٣٨/٣-٧٣٩ في كتاب البيوع والإجارات، ٥٥- باب فيمن باع بيعتين في بيعة. ورواه الترمذي في جامعه ٥٣٣/٣ في كتاب البيوع، ١٨ - باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة. دون قوله «فله أوكسهما أو الربا)). وقال: "حديث حسن صحیح". والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٤٠-٣٤١ في كتاب البيوع، ٧٣ - بيعتين في بيعة .... والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٥٥. (٢) شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: مجموع الفتاوى ٤٣٢/٢٩، ٤٤١. ١٦٢٧ كتاب البيوع والإجارات والثاني(١): أن الوسيلة إلى الحرام حرام. فأما الأول: فيشهد به النقل والعرف، والنية والقصد، وحال المتعاقدين. -فأما النقل: فما ثبت عن ابن عباس أنه سُئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة، ثم اشتراها بخمسين، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينها حريرة(٢). وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين(٣) عن (١) في المطبوع: والثاني بيان. بزيادة "بيان"، وهي زيادة ليست في المخطوط، وقد زيدت دون الإشارة إليها، كما مرّ معنا من ذلك كثيراً. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة -كما في المحلى لابن حزم ١٠٦/٩- عن معاذ بن معاذ عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين قال نبئت أن ابن عباس كان يقول: ((دراهم بدراهم، وبينهما حريرة)). وأخرجه وكيع -كما في المدونة الكبرى ١١٨/٩ - عن الثوري عن هشام عن ابن سيرين عن ابن عباس قال: «إياك أن تبيع دراهم بدراهم بينهما حريرة». وأخرج وكيع أيضاً -كما في المدونة الكبرى ١١٨/٩، وكما في المحلى لابن حزم ٤٨/٩-٤٩- عن سفيان عن سليمان التيمي عن حيان بن عمير القيسي عن ابن عباس: ((أنه قال في الرجل يبيع الحريرة إلى أجل، فكره ذلك، أن يشتريها نقداً، يعني بدون ما باعها به)). (٣) هو الشيخ الحافظ الصادق محدث الكوفة أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، الملقب بمطين، توفي رحمه الله سنة سبع وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٤١/١٤-٤٢. ١٦٢٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ابن عباس أنه قال: اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة(١). وفي كتاب أبي محمد النخشبي (٢) الحافظ عن ابن [١٨١/ ب] عباس أنه سئل عن العينة؟ يعني بيع الخريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله(٣). وفي كتاب الحافظ مطين عن أنس أنه سئل عن العينة؟ يعني بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله(٤). (١) أخرجه مطين في كتاب البيوع له، من طريق ابن سيرين عن ابن عباس. انظر: بيان الدليل لشيخ الإسلام ص: ١١٢، وإعلام الموقعين ١٦٦/٣، والفتاوى الحديثية للسخاوي ص: ٢٣٢ -٢٣٣. (٢) في المطبوع: النجشي. وهو تصحيف. وهو الشيخ الإمام الحافظ الرحالة المفيد عبد العزيز بن محمد بن محمد بن عاصم النسفي، ونسف هي نخشب، توفي سنة سبع وخمسين وأربع مائة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٦٧-٢٦٨. (٣) وقد ذكره عنه أبو الخطاب في خلافه. انظر: بيان الدليل ص: ١١٣، وإعلام الموقعين ١٦٦/٣، وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ٢٥٨/١، والفتاوى الحديثية للسخاوي ص: ٢٣٣. (٤) أخرجه مطين أيضاً في كتاب البيوع له. انظر: بيان الدليل ص: ١١٢، وإعلام الموقعين ١٦٦/٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ٤٣٢/٢٩، ٤٣٤، ٤٤١، والفتاوى الحديثية للسخاوي ص: ٢٣٣. ١٦٢٩ كتاب البيوع والإجارات وقول الصحابي: "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وأمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا"، في حكم المرفوع اتفاقاً من أهل العلم، إلا خلافاً شاذاً لا يعتدّ به، ولا یؤبه له. وشبهة المخالف أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمر ولا تحریم کذلك. وهذا فاسد جداً؛ فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقوها من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يُظنّ بأحد منهم أن يُقْدِم على قوله: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو حرّم أو فرض"، إلا بعد جزمه(١) ذلك(٢)، ودلالة اللفظ عليه. واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية بل دونه. فإن رُدّ قوله: ((أمر))، ونحوه بهذا الاحتمال، وجب ردّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته، وجب قبول الآخر. - وأما شهادة العرف بذلك، فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعباده من(٣) ذلك من(٤) قصدهما أنهما لم يعقدا (١) في المطبوع: سماع. وهو تغيير لما في المخطوط دون الإشارة إلى ذلك !!! (٢) لعل الصواب: بذلك. (٣) في المطبوع: من المتبايعين. وهو تغيير لما في المخطوط دون الإشارة. (٤) ساقطة من المطبوع . ١٦٣٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية على السلعة عقداً يقصد به تملكها، ولا غرض لهما فيها بحال، وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول مائة بمائة وعشرين، وإدخال تلك السلعة في الوسط؛ تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جيء به لمعنى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن، أو أقل(١) جزء من أجزائه، لم يبالوا بجعلها مورداً للعقد، لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهل العرف لا یکابرون أنفسهم في هذا. - وأما النية والقصد، فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة، وأن القصد الأول مائة بمائة وثلاثين(٢). فضلاً عن علم المتعاقدين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يُحضران تلك السلعة محللاً لما حرم الله ورسوله. وأما المقام الثاني: وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام، فثابت(٣) بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي (١) في المطبوع: أو تساوي أقل. بزيادة "تساوي"، دون داع، وكالعادة دون إشارة إلى ذلك. (٢) في المطبوع: وعشرين. وهو تحريف. (٣) في المطبوع: فبانت. وهو تصحيف. ١٦٣١ كتاب البيوع والإجارات ظنوها مباحة(١). وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك مخادعة، كما تقدم (٢). وقال أيوب السختياني: يخادعون الله، كأنما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل(٣). والرجوع إلى الصحابة [١٨٢/ أ] في معاني الألفاظ متعين، سواء كانت لغوية أو شرعية، والخداع حرام. وأيضاً: فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة، وإضمار (١) قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْبَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْتُونَ لا تَأْتِهِمْ كَذَلِكَ تَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ* وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةً مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَدَّبَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبُّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦]. (٢) في الآثار عن عبد الله بن عباس وأنس بن مالك في العينة. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه ١٢/ ٣٥٢ مع الفتح، في کتاب الحیل، ٧-باب ما ينهى من الخداع في البيوع. معلقاً بصيغة الجزم، بنحوه. وذكر ابن حجر أن وكيعاً وصله في مصنفه عن سفيان بن عيينة عن أيوب به. انظر: فتح الباري ١٢/ ٣٥٢، وتغليق التعليق ٢٦٤/٥. ١٦٣٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ما هو من أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلاً، وإنما قصد(١) حقيقة الربا. وأيضاً: فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلاً، لأن إباحتها وتحريم الغاية، جمع بين النقيضين، فلا يتصور أن يباح(٢)، ويحرم ما يفضي إليه، بل لا بدّ من تحريمهما أو إباحتهما، والثاني باطل قطعاً فيتعين الأول. وأيضاً: فإن الشارع إنما حرّم الربا وجعله من الكبائر، وتواعد آكله بمحاربة الله ورسوله لما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يُتصور مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم، بأيسر شيء يكون من الحيل؟! فيالله العجب! أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحة بعد أن كانت مفسدة. وأيضاً: فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين(٣)، وكان مقصودهم منع حق الفقراء (١) في المطبوع: قصده. وهو تحريف. (٢) في المطبوع: يباح شيء. بزيادة "شيء" دون داعٍ. (٣) قال تعالى: ﴿إنا بلونهاهم كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون* فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون* = ١٦٣٣ كتاب البيوع والإجارات من(١) المتساقط وقت الجذاذ(٢)، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة. ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت على ترك (٣) الاستثناء وحده لو جھین: أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وترك الاستثناء عقوبته، أن يعوق وينسى، لا إهلاك ماله بخلاف عقوبة ذنب الحرمان، فإنها حرمان کالذنب. الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾(٤). ورتّب(٥) العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة، لم يكن لذكره فائدة، فإن لم يكن هو العلة التامة، كان = فأصبحت كالصريم * فتنادوا مصبحين* أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين * فانطلقوا وهم يتخافتنون * أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين * وغدوا على حرد قادرين﴾ [القلم: ١٧ -٢٥]. (١) في المطبوع: من الثمر. بزيادة "الثمر" دون داع. (٢) في المطبوع: الحصاد. وهو تحريف. (٣) في المطبوع: رد. وهو تحريف. (٤) سورة القلم الآية: ٢٤. (٥) في المطبوع: وذنب. وهو تصحيف. ١٦٣٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية جزءاً من العلة. وعلى التقديرين يحصل المقصود. وأيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الأعمال بالنيات))(١) وللمتوسل بالوسيلة التي صُورَتُها مباحة إلى المحرم، إنما نيته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. وأيضاً: فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»(٢). وإسناده مما يصححه الترمذي (٣). وأيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود (١) أخرجه البخاري في صحيحه ١٥/١ مع الفتح، في کتاب بدء الوحي، ١ -باب کیف کان بدءُ الوحي إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم. ومسلم في صحيحه ١٥١٥/٣ - ١٥١٦ في كتاب الإمارة، ٤٥ - باب قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية .... (٢) إبطال الحيل ص: ١١٢. (٣) وانظر: بيان الدليل لشيخ الإسلام ص: ٨٧-٨٨. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٣ بعد ذكره للحديث: "وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم". ١٦٣٥ كتاب البيوع والإجارات حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها))(١). وجملوها يعني: أذابوها [١٨٢/ ب] وخلطوها(٢). وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدث لها اسم آخر، وهو: الودك. وذلك لا يفيد الحلّ، فإنّ التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبدل الاسم بصورة الجَمْل والإذابة، وهذا واضح بحمد الله. وأيضاً: فإن القوم(٣) لم ينتفعوا بعين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم من وقف مع صور العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها، أن لا يحرم ذلك؛ لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن، وإنما حرّم عليهم نفس الشحم، ولما لعنهم على استحلالهم (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٤٩٥/٤ مع الفتح، في كتاب البيوع، ١١٢ - باب بيع الميتة والأصنام. ومسلم في صحيحه ١٢٠٧/٣ في كتاب المساقاة، ١٣ - باب تحريم بيع الخمر والميتة .... كلاهما من حديث جابر نحوه. (٢) انظر: النهاية لابن الأثير ٢٩٨/١. (٣) في المطبوع: اليهود. وهو تحريف. ١٦٣٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الثمن، وإن لم ينصّ على تحريمه، دلّ على أن الواجب النظر إلى المقصود، وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعین، ولا يبدها. ونظیر هذا أن يُقال: لا تقرب مال اليتيم، فتبيعه وتأكل عوضه. وأن يُقال: لا تشرب الخمر، فتغير اسمه وتشربه. وأن يُقال: لا تزن بهذه المرأة، فتعقد عليها عقد إجارة، وتقول: إنما أستوفي منافعها. وأمثال ذلك. قالوا: ولهذا الأصل -وهو تحريم الحيل المتضمنة؛ إباحة ما حرم الله، أو إسقاط ما أوجبه الله عليه- أكثر من مائة دليل. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم «لعن المحلل والمحلل له))(١) مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح، لما كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح. وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانياً، ولم ينظروا إلى (١) رواه أبو داود في سننه ٢/ ٥٦٢ في كتاب النكاح، ١٦ - باب في التحليل. والترمذي في جامعه ٤٢٧/٣-٤٢٨، في كتاب النكاح، ٢٧ - باب ما جاء في المحلل والمحلل له. وقال: "حديث معلول". وابن ماجه في سننه ١/ ٦٢٢ في كتاب النكاح، ٣٣ - باب المحلل والمحلل له. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٨٢٧. ١٦٣٧ كتاب البيوع والإجارات صورة العقد(١). الدليل الثاني على تحريم العينة: ما رواه أحمد في مسنده: حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم)) (٢). ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن(٣) الخراساني، أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعاً حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره(٤). وهذان إسنادان حسنان، يشد أحدهما الآخر. فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر [١٨٣ /٢]. (١) انظر ما ورد عن الصحابة في: بيان الدليل ص: ٤٨١ -٤٨٧. (٢) مسند أحمد ٢٨/٢. (٣) في الأصل: عبد الله. والتصويب من سنن أبي داود، كما سبق في بداية الباب. (٤) وهو حديث الباب، وقد سبق. ١٦٣٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فالإسناد الثاني يبيّن أن للحديث أصلاً محفوظاً عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة كذلك. وأما إسحاق أبو عبد الرحمن(١) فشيخ روى عنه أئمة المصريين، مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم. وله طريق ثالث: رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان، وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر، أدخل الله عليهم ذلًا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم»(٢). (١) في الأصل: عبد الله. والتصويب كما سبق. (٢) ذكره هكذا شيخ الإسلام في بيان الدليل ص: ١٠٩ -١١٠. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣١٣/١-٣١٤، ٣١٨/٣-٣١٩ من طريق ليث عن عطاء به نحوه. ثم قال أبو نعيم في الموضع الأول: "رواه الأعمش عن عطاء ونافع، ورواه راشد الحماني عن ابن عمر نحوه". وقال في الموضع الثاني: "هذا حديث غريب من حديث عطاء عن ابن عمر، رواه الأعمش أيضاً عنه، ورواه فضالة بن حصين عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر". ١٦٣٩ كتاب البيوع والإجارات وهذا يبيّن أن للحديث أصلاً، وأنه محفوظ. الثالث(١) : ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة؟ فقال: ((إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله))(٢). وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع. الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس، وقوله: ((هذا مما حرم الله ورسوله))(٣). الخامس: ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة (٤) عن أبي إسحاق عن العالية، ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية يعني جدة إسرائيل، فإنها امرأة أبي إسحاق قالت: دخلت على عائشة في نسوة. فقالت: = ورواه أبو يعلى في مسنده ٢٩/١٠، والطبراني في المعجم الكبير ٤٣٣/١٢، والبيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٤٣٤. كلهم من طريق عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر به نحوه. (١) أي الدليل الثالث على تحريم العينة. وفي المطبوع: الدليل الثالث. بزيادة "الدليل". وهي زيادة لا داعي لها، وكالعادة دون إشارة إلى زيادتها. (٢) وقد سبق. (٣) وقد سبق أيضاً. (٤) في المطبوع: سعيد. وهو تصحيف. ١٦٤٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة، فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم. قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها، فابتعتها بستمائة درهم نقداً، فأقبلت عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن يتوب. وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلاً، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي، فَتَلَتْ عليها ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾(١). (٢) فلولا أن عند أم المؤمنين علماً لا تستريب فيه أن هذا محرم، لم يستحسن (٣) أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، لا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة، وأن استحلال الربا كفر، وهذا منه، (١) سورة البقرة الآية: ٢٧٥. (٢) ذكره عن الإمام أحمد من مسنده الزيلعي في نصب الراية ١٦/٤. وذكره شيخ الإسلام في بيان الدليل ص: ١١٤، عن مسند الإمام أحمد وعن حرب الكرماني. وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين ٣/ ١٦٧ عن حرب. وهو عند عبد الرزاق في مصنفه ١٨٥/٨، والدارقطني في سننه ٥٢/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٣٠/٥-٣٣١. (٣) في المطبوع: تستجز.