النص المفهرس

صفحات 1501-1520

١٥٠١
كتاب الجنائز
قال البيهقي رحمه الله: والموقوف أصح(١).
التاسع: زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة
مرفوعاً (٢).
العاشر: عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعاً (٣).
الحادي عشر: صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعاً (٤).
ذكرها البيهقي، وقال: إنما يصح هذا الحديث عن أبي هريرة
موقوفاً(٥).
وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ.
وقد روى أبو داود عن علي بن أبي طالب: أنه اغتسل
[١٦٦/ ب] من تجهيزه أباه ومواراته(٦).
(١) معرفة السنن والآثار ٣٥٩/١.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٠٢/١.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه في نفس الباب.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٤٣٣/٢، ٤٥٤، ٤٧٢.
(٥) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٣٠٠/١-٣٠٣، ومعرفة السنن والآثار
٣٥٨/١-٣٥٩.
(٦) سنن أبي داود ٥٤٧/٣ في كتاب الجنائز، ٧٠ - باب الرجل يموت له
قرابة مشرك.
وأخرجه النسائي في المجتبى ٣٨٣/٤ في كتاب الجنائز، ٨٤-باب مواراة المشرك.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٧٥٣.

١٥٠٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال البيهقي: وروينا ترك إيجاب الغسل منه عن ابن عباس في
أصح الروایتین عنه، وعن ابن عمر، وعائشة، ورویناه أيضاً عن سعد بن
أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك. آخر كلامه(١).
هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن الغسل لا يجب على غاسله(٢).
وهذا قول الأكثرین(٣).
الثاني: أنه يجب.
وهذا اختيار الجوزجاني، ويُروى عن ابن المسيب، وابن
سيرين، والزهري(٤)، وهو قول: أبي هريرة، ويُروى عن علي(٥).
الثالث: وجوبه من غسل الميت الكافر، دون المسلم.
وهو رواية عن الإمام أحمد(٦)؛ لحديث علي: ((أن النبي صلى
(١) معرفة السنن والآثار ١/ ٣٦١، وانظر مصنف عبد الرزاق ٤٠٥/٣-٤٠٨.
(٢) في المطبوع: غاسل الميت.
(٣) وهو مذهب الأئمة الأربعة.
انظر: حاشية ابن عابدين ٢٠٢/٢، والكافي لابن عبد البر ص: ١٤، والمهذب
١٢٩/١، والمبدع ١/ ١٩١.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة ٢٧٨/١-٢٧٩، وشرح العمدة - الطهارة - لشيخ
الإسلام ص: ٣٦٣.
(٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٤٠٧/٣، وابن المنذر في الأوسط ٣٥٠/٥-٣٥١.
(٦) انظر: المغني ٢٧٩/١، وشرح العمدة -الطهارة- ص: ٣٦٢.

١٥٠٣
كتاب الجنائز
الله عليه وسلم أمره بالغسل))(١).
ولیس فيه أنه غسل أبا طالب.
مع أنه من رواية ناجية بن كعب عنه، وناجية لا يُعرف أحد
روى عنه غير أبي إسحاق، قاله ابن المديني، وغيره(٢).
(١) سبق تخريجه قريباً.
(٢) انظر كلام ابن المديني في ميزان الاعتدال ٧/ ٣. ثم ردّه فقال: بلى، وولده
يونس بن أبي إسحاق.
وانظر: التاريخ الكبير للبخاري ١٠٧/٨، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم
٤٨٦/٨.

١٥٠٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب في تقبيل الميت(١)
ذكر حديث الباب(٢) ثم قال المنذري: فيه عاصم تكلم فيه
غير واحد من الأئمة(٣).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وابن حبان
يصحح له(٤) ، ومن طريقه صحح حديث ((سبق رسول الله صلى
الله عليه وسلم بين الخيل، وجعل بينهما محللاً))(٥).
وذكره في الضعفاء(٦).
(١) سنن أبي داود ٥١٣/٣ في الباب رقم: (٤٠).
(٢) وهو حديث عاصم بن عبيد الله عن القاسم عن عائشة قالت: رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت
الدموع تسيل.
وأخرجه الترمذي في جامعه ٣١٤/٣-٣١٥ في كتاب الجنائز، ١٤ - باب ما
جاء في تقبيل الميت. وقال: حديث حسن صحيح.
وابن ماجه في سننه ٤٦٨/١ في كتاب الجنائز، ٧ -باب ما جاء في تقبيل الميت.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٧٠٩.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٠٨/٤.
(٤) في المطبوع: لعاصم.
(٥) صحيح ابن حبان ٥٤٣/١٠ مع الإحسان.
(٦) كتاب المجروحين لابن حبان ١٠٩/٢ -١١٠.

١٥٠٥
كتاب الجنائز
باب الدفن باللیل(١)
ذكر المنذري حديث: ((رأى ناسٌ ناراً)(٢).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: هذه النار كانت
للإضاءة، ولهذا ترجم عليه أبو داود: الدفن بالليل(٣).
قال الإمام أحمد: لا بأس بذلك. وقال: أبو بكر دُفن ليلاً(٤)،
(١) سنن أبي داود ٥١٣/٣-٥١٤، الباب رقم: (٤١).
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٠٨/٤-٣٠٩.
(٢) هو حديث جابر بن عبد الله قال: رأى ناسٌ ناراً في المقبرة، فأتوها، فإذا
رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر، وإذا هو يقول: ((ناولوني
صاحبکم)»، فإذا هو الرجل الذي کان يرفع صوته بالذكر.
والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٦٩٤.
(٣) ويدل له حديث ابن عباس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبراً ليلاً،
فأسرج له سراج. فأخذه من قِبَل القبلة وقال: رحمك الله! إن كنت لأواهاً تلاءً
للقرآن. وكبر عليه أربعاً)) الحديث. وسيذكره ابن القيم.
رواه الترمذي في جامعه ٣٧٢/٣، في كتاب الجنائز، ٦٣ - باب ما جاء في
الدفن باللیل. وقال: حديث ابن عباس حدیث حسن.
وحسن الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٨٤٤). موضع الشاهد من
الحديث فقط.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٧/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٩٤ -باب
موت يوم الإثنين.

١٥٠٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وعليّ دفن فاطمة ليلاً(١).(٢) وحديث عائشة: سمعنا صوت
المَسَاجِي(٣) من آخر الليل، في دفن النبي صلى الله عليه وسلم(٤).
وممن دفن ليلاً: عثمان، وعائشة، وابن مسعود(٥).
ورخص فيه: عقبة بن عامر، وابن المسيب، وعطاء،
والثوري(٦)، والشافعي(٧)، وإسحاق (٨).
وكرهه الحسن(٩)، وأحمد في إحدى الروايتين(١٠).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٥٦٤ مع الفتح، في كتاب المغازي، ٣٩ -باب
غزوة خيبر.
ومسلم في صحيحه ٣/ ١٣٨٠ في كتاب الجهاد والسير، ١٦ - باب قول النبي
صلى الله عليه وسلم ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة)).
(٢) انظر قول الإمام أحمد هذا في المغني ٥٠٣/٣.
(٣) المساحي: جمع مِسْحاة، وهي المجرفة من الحديد، والميم زائدة؛ لأنه من السّخو
وهو الكشف والإزالة. انظر: لسان العرب ٥٩٨/٢.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٦٢، ٢٤٢، ٢٧٤.
(٥) انظر مصنف ابن أبي شيبة ٣١/٣، والمغني ٥٠٣/٣.
(٦) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٣١/٣-٣٢، ومصنف عبد الرزاق ٥٢٠/٣.
وانظر المغني ٥٠٣/٣.
(٧) انظر لمذهب الشافعية: إعانة الطالبين ١١٨/٢، ومغني المحتاج ٣٦٣/١.
(٨) انظر: مسائل الكوسج، المسألة رقم: ٨٢٨.
(٩) رواه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٢/٣.
(١٠) انظر: المغني ٥٠٣/٣، والإنصاف ٥٤٧/٢.
.. -

١٥٠٧
كتاب الجنائز
وقد روى مسلم في صحيحه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل،
ودفن(١) ليلاً، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل،
إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك))(٢).
والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر.
وفي الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن
عباس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبراً ليلاً فأسرج له
بسراج، فأخذه من قِبَل القبلة وقال: رحمك الله، إن كنت لأوّاهاً، تلاءً
للقرآن. وكبر عليه أربعاً)).
قال: وفي الباب عن جابر ویزید بن ثابت، وهو أخو زید أکبر
منه، قال: وحديث ابن عباس حديث حسن.
قال: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل (٣).
وقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم في قبر ذي البجادين ليلاً (٤).
(١) في مسلم: وقبر.
(٢) صحيح مسلم ٢/ ٦٥١ في كتاب الجنائز، ١٥ - باب في تحسين كفن الميت.
(٣) جامع الترمذي ٣٧٢/٣-٣٧٣ في كتاب الجنائز، ٦٣ -باب ما جاء في الدفن
بالليل. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي برقم: ١٧٨، وقال: "لكن
موضع الشاهد منه حسن".
(٤) أخرجه البزار في مسنده ١٢٢/٥-١٢٣، والشاشي في مسنده ٣١٣/٢،
والطبراني في المعجم الأوسط ٩/ ٥٢.

١٥٠٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم [١٦٧/ أ]
سأل عن رجل(١) فقال: من هذا، قالوا: فلان دفن البارحة، فصلى
علیه(٢).
وهذه الآثار أکثر وأشهر من حديث مسلم.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: ((مات إنسان كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يعوده، فمات بالليل، فدفنوه ليلاً، فلما أصبح
أخبروه، فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ فقالوا: كان الليل وكرهنا - وكانت
ظلمة- أن نشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه))(٣).
قيل: وحديث النهي محمول على الكراهة والتأديب.
والذي ينبغي أن يُقال في ذلك، والله أعلم: أنه متی کان الدفن
ليلاً لا يفوت به شيء من حقوق الميت، والصلاة عليه، فلا بأس به،
وعليه تدل أحاديث الجواز.
وإن كان يفوت بذلك حقوقه والصلاة عليه، وتمام القيام عليه،
نھی عن ذلك، وعليه يدل الزجر، وبالله التوفيق.
(١) في المطبوع: قبر رجل. وهي زيادة لا داعي لها !!!
(٢) صحيح البخاري ٢٤٦/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٦٩ -باب الدفن بالليل.
(٣) صحيح البخاري ١٤١/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٥- باب الإذن
بالجنازة . -واللفظ له -.
وأخرجه مسلم في صحيحه ٦٥٨/٢ في كتاب الجنائز، ٢٣ -باب الصلاة على
القبر. ولفظه مختصر.

١٥٠٩
كتاب الجنائز
باب القيام للجنازة(١)
ذكر حديث: ((إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع))(٢).
قال أبو داود: قال الثوري: ((حتى توضع في الأرض))(٣). ورواه
أبو معاوية عن سهيل: ((حتى توضع في اللحد))(٤). وسفيان أحفظ (٥).
(١) سنن أبي داود ٥١٨/٣، الباب رقم: (٤٧).
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٣١١/٤.
(٢) هو حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره.
ورواه البخاري في صحيحه ٢١٣/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٤٨-باب
من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال ... .
ومسلم في صحيحه ٢/ ٦٦٠ في كتاب الجنائز، ٢٤ - باب القيام للجنازة.
والترمذي في جامعه ٣٦١/٣ في كتاب الجنائز، ٥١- باب ما جاء في القيام
للجنازة. وقال: حديث حسن صحيح.
والنسائي في المجتبى ٣٤٦/٤ في كتاب الجنائز، ٤٥-باب الأمر بالقيام للجنازة.
أربعتهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد به نحوه.
وأخرجه مسلم في صحيحه ٦٦٠/٢ في كتاب الجنائز، ٢٤ - باب القيام
للجنازة. من طريق أبي صالح عن أبي سعيد الخدري به نحوه.
(٣) هو حديث الثوري عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به.
رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٦/٤.
(٤) هو حديث أبي معاوية عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة.
وسيأتي تخريجه.
(٥) كلام أبي داود هذا هو بعد تخريجه لحديث الباب.

١٥١٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وحديث أبي
معاوية رواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه: ((كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا كان مع الجنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد،
أو تدفن))، شك أبو معاوية(١).
ويدل على أن المراد بالوضع الوضع بالأرض عن الأعناق؛
حديث البراء بن عازب: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد،
فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وجلسنا معه)).
وهو حديث صحيح، وسيأتي إن شاء الله تعالى(٢).
ثم ذكر حديث: ((اجلسوا، خالفوهم)) (٣) إلى قوله: وقال
(١) صحيح ابن حبان ٧/ ٣٧٣ مع الإحسان.
ورواه الحاكم في المستدرك ٣٥٦/١ من طريق أبي معاوية دون قوله ((في اللحد
أو تدفن)».
(٢) في الباب رقم: (٦٨)، من هذا الكتاب، وسيأتي تخريجه هناك بإذن الله تعالى.
(٣) سنن أبي داود ٣/ ٥٢٠، الباب رقم: ٤٧.
عند حديث عبادة بن الصامت قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرّ به حَبْر من اليهود فقال: هكذا
نفعل، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اجلسوا خالفوهم)).
وأخرجه الترمذي في جامعه ٣/ ٣٤٠ في كتاب الجنائز، ٣٥ - باب ما جاء في الجلوس
قبل أن توضع. وقال: "حديث غريب، وبشر بن رافع ليس بالقوي في الحديث".
=

١٥١١
كتاب الجنائز
غيره: النسخ ثابت بحديث علي(١).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وهذا هو الذي
نحاه الشافعي، قال -وقد روى حديث عامر بن ربيعة-(٢): وهذا لا
=
وابن ماجه في سننه ١/ ٤٩٣ في كتاب الجنائز، ٣٥ - باب ما جاء في القيام للجنازة.
والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٧١٩.
(١) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣١٣/٤ حيث قال بعد ذكره لكلام الترمذي:
"وقال أبو بكر الهمداني: ولو صحّ لکان صريحاً في النسخ، غير أن حديث أبي
سعيد أصحّ وأثبت، فلا يقاومه هذا الإسناد. وذكر غيره أن القيام منسوخ
يحديث علي بن أبي طالب" ا.ه.
قلت: وحديث أبي سعید سبق ذكره.
أما حديث علي بن أبي طالب فهو: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في
الجنائز ثم قعد بَعْدُ)).
أخرجه أبو داود في سننه ٥١٩/٣-٥٢٠، في هذا الباب.
وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه ٦٦١/٢ -٦٦٢ في كتاب الجنائز، ٢٥-باب
نسخ القيام للجنازة.
(٢) هو قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها
حتی تخلفکم أو توضع)).
أخرجه أبو داود في سننه ٥١٨/٣، هذا الباب.
وأخرجه أيضاً البخاري في صحيحه ٢١٢/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز،
٤٦ - باب القيام للجنازة.
ومسلم في صحيحه ٦٥٩/٢ في كتاب الجنائز، ٢٤ - باب القيام للجنازة.

١٥١٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يعدو أن يكون منسوخاً، أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم قام لها
لعلة، قد رواها بعض المحدثين من أن جنازة يهودي مُرّ بها على
النبي صلى الله عليه وسلم فقام لها كراهية أن تطوله.
وأيهما كان فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تركه
بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره، إن كان الأول واجباً، فالآخر
من أمره ناسخ، وإن كان استحباباً، فالآخر هو الاستحباب، وإن
كان مباحاً، فلا بأس في القيام، والقعود أحب إلي؛ لأنه الآخر من
فعله. ثم ذكر(١) حديث علي(٢).(٣)
اختلف أهل العلم في القيام [١٦٧/ ب] للجنازة وعلى
القبر، على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك كله منسوخ؛ قيام تابعها، وقيام من مَرّت
عليه، وقيام المشيّع على القبر .
قال هؤلاء: وما جاء من القعود نسخ لهذا كله.
وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن شرط النسخ المعارضة والتأخر.
(١) أي: الشافعي رحمه الله.
(٢) وقد سبق تخريجه قريباً.
(٣) انظر: اختلاف الحديث للشافعي ص: ٢١٨.
وفي المطبوع قد حذفت عبارة: "ثم ذكر حديث علي".

١٥١٣
كتاب الجنائز
وكلاهما منتف في القيام على القبر بعد الدفن، وفي استمرار
قيام المشيعين حتى توضع، وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام القاعد
الذي تمر به الجنازة على ما فيه.
الثاني: أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها:
فمنها: حديث عامر بن ربيعة وهو في الصحيحين(١)، وفي
بعض طرقه ((إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشياً معها، فليقم
حتى تخلفه، أو توضع من قبل أن تخلفه))(٢).
وفي لفظ: ((إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى
(٣)
تخلفه)»(٣).
ومنها حديث أبي سعيد -وهو متفق عليه- ولفظهما: ((إذا
اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع» (٤).
وفي لفظ لهما ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا
(١) وقد سبق تخريجه عندهما.
(٢) صحيح البخاري ٢١٢/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٤٧ - باب متى يقعد
إذا قام للجنازة.
وصحيح مسلم ٢/ ٦٦٢ في كتاب الجنائز، ٢٥ - باب نسخ القيام للجنازة.
(٣) صحيح مسلم ٢ / ٦٦٢ في كتاب الجنائز، ٢٥ - باب نسخ القيام للجنازة.
(٤) صحيح مسلم ٢ / ٦٦٠ في كتاب الجنائز، ٢٤ - باب القيام للجنازة.
ولم أقف عليه عند البخاري.

١٥١٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يجلس حتى توضع)) (١).
وهو دليل على القيام في المسألتين.
ومنها حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي، وهو في الصحيحين(٢).
وتعليله بأن ذلك كراهية أن تطوله، تعليل باطل فإن النبي
صلی الله عليه وسلم علل بخلافه.
وعنه في ذلك ثلاث علل:
أحدها: قوله «إن الموت فزع)» ذكره مسلم في حديث جابر،
وقال: ((إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا))(٣).
الثانية: أنه قام للملائكة، كما روى النسائي عن أنس: ((أن
جنازة مرّت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام، فقيل: إنها
جنازة يهودي، فقال: إنما قمنا للملائكة)) (٤).
الثالثة: التعليل بكونها نفساً، وهذا في الصحیحین من حديث قيس
(١) صحيح البخاري ٢١٣/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٤٨- باب من تبع
جنازة فلا يقعد حتى توضع ... .
وصحيح مسلم ٢/ ٦٦٠ في كتاب الجنائز، ٢٤ - باب القيام للجنازة.
(٢) صحيح البخاري ٢١٤/٣ مع الفتح كتاب الجنائز، ٤٩- باب من قام لجنازة يهودي.
وصحيح مسلم ٢/ ٦٦١ في كتاب الجنائز، ٢٤ - باب القيام للجنازة.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٠ -٦٦١ في كتاب الجنائز، ٢٤ - باب القيام للجنازة.
(٤) سنن النسائي المجتبى ٣٤٩/٤، في كتاب الجنائز، ٤٧-الرخصة في ترك القيام.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ١٨٢١.

١٥١٥
كتاب الجنائز
ابن سعد وسهل بن حنيف قالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّت
به جنازة فقام، فقيل: إنه يهودي، فقال: ((أليست نفساً)(١).
فهذه هي العلل الثابتة عنه.
وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله، فلم يأت في شيء من
طرق هذا الحديث الصحيحة.
ولو قُدّر ثبوتها، فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي صلى
الله عليه وسلم الذي ذكره بلفظه أولى.
فهذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها، كيف يقدّم عليها
حدیث عبادة مع ضعفه؟!
وحديث علي وإن كان في صحيح مسلم، فهو حكاية فعل لا
عموم له، وليس فيه لفظ عام يحتج به على النسخ، وإنما فيه أنه قام
وقعد، وهذا يدل على أحد أمرين:
إما أن يكون كل منهما جائزاً، والأمر بالقيام ليس على
الوجوب [١٦٨/أ]، وهذا أولى من النسخ.
قال الإمام أحمد: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس(٢). وقال
(١) صحيح البخاري ٢١٤/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٤٩- باب من قام
جنازة یهودي.
وصحيح مسلم ٢/ ٦٦١ في كتاب الجنائز، ٢٤ - باب القيام للجنازة.
(٢) مسائل الكوسج المسألة رقم: ٨١٥.

١٥١٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
القاضي وابن أبي موسى: القيام مستحب، ولم يرياه منسوخاً (١).
وقال بالتخيير: إسحاق (٢)، وعبد الملك بن حبيب، وابن
الماجشون(٣). وبه تأتلف الأدلة.
أو يدل على نسخ قيام القاعد الذي يمر عليه بالجنازة، دون
استمرار قيام مشيعها كما هو المعروف من مذهب أحمد عند
أصحابه(٤)، وهو مذهب مالك(٥)، وأبي حنيفة(٦).
الثالث: أن أحاديث القيام لفظ صريح، وأحاديث الترك إنما هي
فعل محتمل لما ذكرنا من الأمرين، فدعوى النسخ غير بينة، والله أعلم.
وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم،
فقعد: علي، وأبو هريرة، ومروان(٧)، وقام: أبو سعيد(٨).
ولكن هذا في قيام التابع، والله أعلم.
(١) الإرشاد لابن أبي موسى ص: ١٢٣. وانظر: المغني ٤٠٤/٣.
(٢) انظر: مسائل الكوسج، المسألة رقم: ٨١٥.
(٣) انظر: مواهب الجليل ٢/ ٢٤١، وشرح الزرقاني ٩٦/٢.
(٤) انظر: المغني ٤٠٣/٣-٤٠٤، والإنصاف ٥٤٢/٢.
(٥) انظر لمذهب المالكية: التمهيد ٢٦٦/٢٣-٢٦٨، والتاج والإكليل ٢٤١/٢.
(٦) انظر لمذهب الحنفية: البحر الرائق ٢٠٦/٢، وحاشية ابن عابدين ٢٣٢/٢.
(٧) أخرجه عنهم: عبد الرزاق في مصنفه ٤٥٩/٣- ٤٦٠، وابن أبي شيبة في مصنفه
٣٩/٣-٤٠، وابن المنذري في الأوسط ٣٩٢/٥، ٣٩٤.
(٨) أخرجه عنه: عبد الرزاق في مصنفه ٤٥٩/٣، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٩/٣،
وابن المنذري في الأوسط ٣٩٤/٥.

١٥١٧
كتاب الجنائز
باب المشي أمام الجنازة(١)
ذكر حديث الباب(٢) ثم قال المنذري: وقال غيره: سفيان
ابن عيينة من الأثبات الحفاظ وقد أتى بزيادة على من أرسل؛
فوجب تقديمه(٣).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: ومثل هذا لا
يعبأ به أئمة الحديث شيئاً، ولم يَخفَ عليهم أن سفيان حجة ثقة،
وأنه قد وصله، فلم يستدرك عليهم المتأخرون شيئاً، لم يعرفوه.
وقال آخرون: قد تابع ابن عيينة على روايته إياه عن الزهري
(١) سنن أبي داود ٣/ ٥٢٢، الباب رقم: (٤٩).
(٢) هو حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: ((رأيت النبي
صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة)).
وأخرجه الترمذي في جامعه ٣٢٩/٣ في كتاب الجنائز، ٢٦ -باب ما جاء في
المشي أمام الجنازة. ثم قال: "وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في
ذلك أصح".
والنسائي في المجتبى ٣٥٨/٤ في كتاب الجنائز، ٥٦-مكان الماشي من الجنازة.
ثم قال: "هذا خطأ، والصواب مرسل".
وابن ماجه في سننه ٤٧٥/١ في كتاب الجنائز، ١٦ - باب ما جاء في المشي أمام
الجنازة. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٧٢٢.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣١٥/٤، وذلك بعد أن حكى كلام الترمذي
على الحديث، وتصويب ابن المبارك والبخاري والنسائي لإرساله.

١٥١٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
عن سالم عن أبيه: يحيى بن سعيد(١)، وموسى بن عقبة(٢)، وزياد بن
سعد، وبكر، ومنصور(٣)، وابن جريج (٤)، وغيرهم(٥).
ورواه عن الزهري مرسلاً: مالك(٦)، ويونس(٧)، ومعمر (٨).
ولیس هؤلاء الذين وصلوه بدون الذين أرسلوه.
فهذا كلام على طريقة أئمة الحديث، وفيه استدراك
و فائدة تُستفاد.
قال المصححون لإرساله: الحدیث هو لسفيان، وابن جريج،
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٨٦/١٢، برقم: ١٣١٣٦، وفي الأوسط ٣٧/٥.
(٣) أخرجه من طريق زياد وبكر ومنصور كلّ من: الترمذي في جامعه ٣٢٩/٣ في
كتاب الجنائز، ٢٦ - باب ما جاء في المشي أمام الجنازة.
والنسائي في المجتبى ٣٥٨/٤ في كتاب الجنائز، ٥٦- مكان الماشي من الجنازة.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٣٧.
(٥) انظر: إرواء الغليل للشيخ الألباني ١٨٧/٣ - ١٩٠.
(٦) الموطأ ٢٢٥/١.
(٧) انظر: جامع الترمذي ٣٣٠/٣.
واختلف عليه فيه، فرواه الطحاوي عنه موصلاً في شرح معاني الآثار
٤٧٩/١-٤٨٠.
(٨) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٤٤٤/٣ -٤٤٥.
ومن طريقه الترمذي في جامعه ٣/ ٣٣٠ في كتاب الجنائز، ٢٦ -باب ما جاء في
المشي أمام الجنازة.

١٥١٩
كتاب الجنائز
أخذه عن سفيان.
قال الترمذي: قال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن
سفيان(١).
قالوا: وأما رواية منصور وزياد بن سعد وبكر، فإنها من
رواية: همام (٢).
وقد قال الترمذي في الجامع: وروى همام بن يحيى هذا
الحديث عن زياد بن سعد ومنصور وبكر وسفيان عن الزهري عن
سالم عن أبيه، وإنما هو سفيان بن عيينة، روى عنه همام(٣).
يعني أن الحدیث لسفیان وحده، روی عنه همام كذلك.
وفي هذا نظر لا يخفى، فإن هماماً قد رواه عن هؤلاء عن
الزهري، ويبعد أن يكونوا كلهم دلسوه عن سفيان، ولم يسمعوه من
الزهري.
وهذا يحيى بن سعيد مع تثبته وإتقانه، [١٦٨/ ب] يرويه
كذلك عن الزهري، وكذلك موسى بن عقبة.
فلأي شيء يُحكم للمرسلين على الواصلين؟ !!
وقد كان ابن عيينة مصراً على وصله، ونوظر فيه فقال: الزهري
(١) جامع الترمذي ٣٣٠/٣.
(٢) وقد سبق تخريجها.
(٣) جامع الترمذي ٣٣٠/٣.

١٥٢٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
حدثنيه مراراً، فسمعته من فيه يعيده ويبديه عن سالم عن أبيه(١).
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث يونس عن ابن
شهاب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر
وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة(٢).
قال الترمذي: هذا غير محفوظ.
وسألت محمداً(٣) عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ،
أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُروى هذا الحديث عن يونس عن
الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر: كانوا
يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان
يمشي أمام الجنازة، قال محمد: والحديث الصحيح هو هذا. آخر
كلام البخاري (٤).
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٣/٤-٢٤.
(٢) جامع الترمذي ٣٣١/٣ في كتاب الجنائز، ٢٦ - باب ما جاء في المشي أمام الجنازة.
وأخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٤٧٥ في كتاب الجنائز، ١٦ - باب ما جاء في
المشي أمام الجنازة.
وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ٨٠٧.
(٣) يعني البخاري.
(٤) جامع الترمذي ٣٣١/٣.
وفي علل الترمذي الكبير ٤٠٦/١: "سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: غلط فيه
محمد بن بكر، إنما يرويه عن يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر فعله".