النص المفهرس

صفحات 1441-1460

١٤٤١
كتاب الفرائض
وقوله: "لو كان ثابتاً يكون في وقت كان الخال يعقل بالخؤولة"،
فهو إشارة إلى النسخ الذي لا يمكن إثباته، إلا بعد أمرین:
أحدهما: ثبوت معارضة(١) المقاوم له.
والثاني: تأخره عنه.
ولا سبيل هنا إلى واحد من الأمرين.
وقوله: "اختار وضع ماله فيه"، يعني على سبيل الطعمة لا
الميراث، فباطل لثلاثة أوجه:
- أحدها: أن لفظ الحديث يبطله، فإنه قال: ((يرث ماله))(٢)،
وفي لفظ: «یرثه))(٣).
- الثاني: أنه سماه وارثاً، والأصل في التسمية الحقيقة، فلا
يعدل عنها إلا بعد أمور أربعة:
أحدها: قيام دليل على امتناع إرادتها.
الثاني: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي عينه مجازاً له، ولا
یکفي ذلك إلا بالثالث، وهو: بیان استعماله فيه لغة، حتى لا يكون
لنا وضع يحمل عليه لفظ النص.
وكثير من الناس يغفل عن هذه الثلاثة، ويقول: يحمل على كذا
(١) في المطبوع: معارضته. وهو تحريف.
(٢) هذا اللفظ عند أبي داود ٣/ ٣٢٠ في نفس الكتاب والباب.
(٣) هو لفظ حديث الباب.

١٤٤٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وكذا وهذا غلط، فإن الحمل ليس بإنشاء، وإنما هو إخبار عن استعمال
اللفظ في ذلك المعنى الذي حمله عليه، فإن لم يكن مطابقاً، كان خبراً كاذباً.
وإن أراد به: أني أنشىء حمله على هذا المعنى، كما يظن كثير
ممن لا تحقيق عنده، فهو باطل قطعاً لا يحل لأحد أن يرتكبه ثم يحمل
كلام الشارع عليه.
الرابع: الجواب عن المعارض وهو دليل إرادة الحقيقة، ولا
يكفيه دليل امتناع إرادتها ما لم يجب عن دليل الإرادة.
- الثالث(١): أن المخاطبين بهذا اللفظ فهموا منه الميراث دون
غيره، وهم الصحابة [١٦٠/ ب] رضي الله عنهم.
ولهذا کتب به عمر رضي الله عنه جوابا لأبي عبيدة حين سأله
في كتابه عن ميراث الخال(٢).
وهم أحق الخلق بالإصابة في الفهم.
وقد عُلم بهذا بطلان حمل الحديث على أن الخال السلطان،
وعلى أن المراد به السلب، وكل هذه وجوه باطلة.
وأسعد الناس بهذه الأحاديث من ذهب إليها، وبالله التوفيق.
(١) في المطبوع: الخامس.
وهو خطأ، وإنما هذا هو الوجه الثالث من أوجه بطلان تفسير "اختار وضع ماله
فيه"، بأنه على سبيل الطعمة لا الميراث.
(٢) وقد سبق تخريجه.

١٤٤٣
كتاب الفرائض
باب ميراث ابن الملاعنة(١)
ذكر حديث الباب الأول إلى قوله: وقال البيهقي: لم يُثبت
البخاري ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض رواته(٢). (٣)
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وأعل أيضاً
بعبد الواحد بن عبد الله بن بسر النصري راويه عن واثلة، قال ابن
(١) سنن أبي داود ٣٢٥/٣، الباب رقم: (٩).
عند حديث عمر بن رؤبة التغلبي عن عبد الواحد بن عبد الله النصري عن
واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المرأة تُحرز ثلاثةَ
مواريث: عتيقَها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عنه)).
وأخرجه الترمذي في جامعه ٣٧٣/٤ في كتاب الفرائض، ٢٣ -باب ما جاء ما
يرث النساء من الولاء. وقال: هذا حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا
الوجه من حدیث محمد بن حرب.
وابن ماجه في سننه ٩١٦/٢ في كتاب الفرائض، ١٢ -باب تحوز المرأة
ثلاث مواریث.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٦٢٣.
(٢) كلام البيهقي هذا في معرفة السنن والآثار ٥/ ٧٥.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ١٧٦/٤ -١٧٧ حيث يقول: "وفي إسناده عمر
ابن رؤبة التغلبي، قال البخاري: فيه نظر. وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال:
صالح الحديث. قيل: تقوم به الحجة؟ فقال: لا، ولكن صالح. وقال الخطابي:
وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل. وقال البيهقي ... ".

١٤٤٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أبي حاتم: صالح لا يحتج به(١).
وقد اشتمل على ثلاث جمل:
- ميراث (٢) المرأة عتيقها، وهو متفق عليه(٣).
- الثانية: ميراثها ولدها الذي لاعنت عليه، وقد اختلف فيه:
فكان زيد بن ثابت يجعل ميراثها منه كميراثها من الولد
الذي لم تلاعن عليه (٤). وروي عن ابن عباس نحوه(6).
وهو قول جماعة من التابعين وهو قول مالك(٦)،
والشافعي(٧)، وأبي حنيفة(٨) وأصحابهم، وعندهم لا تأثير لانقطاع
(١) انظر: الجرح والتعديل ٦/ ٢٢.
(٢) في المطبوع: إحداهما ميراث. بزيادة "إحداهما"، وهي زيادة لا داعي لها.
ودون إشارة إلى أنها زيادة من عند المحقق !!!
(٣) انظر: المبسوط السرخسي ٤٠/٣٠، وكفاية الطالب ٣٢٢/٢، والإقناع
للشربيني ٢/ ٣٨٦، ودليل الطالب ص: ٢١٠.
(٤) انظر: مصنف عبد الرزاق ٧/ ١٢٥، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٥٨/٦-٢٥٩.
(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ١٢٥/٧.
(٦) انظر لمذهب المالكية: الموطأ ٥٢٢/٢، والمدونة ٣٨٧/٨، والتمهيد لابن عبد
البر ٤٥/١٥.
(٧) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ٢/ ٣٠، وروضة الطالبين ٤٣/٦.
(٨) انظر لمذهب الحنفية: المبسوط للسرخسي ١٩٨/٢٩، وحاشية ابن عابدين
٧٧٧/٦، والبحر الرائق ١٢٩/٤.

١٤٤٥
كتاب الفرائض
نسبه من أبيه في ميراث الأم منه.
وكان الحسن وابن سيرين وجابر بن زيد وعطاء والنخعي
والحكم وحماد والثوري والحسن بن صالح وغيرهم(١) يجعلون
عصبة أمه عصبة له.
وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه (٢)، وهو إحدى
الروايتين عن علي(٣)، وابن عباس(٤).
وكان ابن مسعود، (٥) وعلي في الرواية الأخرى(٦) عنه
يجعلون أمه نفسها عصبة وهي قائمة مقام أمه وأبيه، فإن عدمت
فعصبتها عصبته.
وهذا هو الرواية(٧) عن أحمد نقلها عنه أبو الحارث ومهنا(٨).
ونقل الأولى: الأثرم وحنبل.
(١) انظر ذلك عنهم في: مصنف عبد الرزاق ١٢٤/٧ -١٢٥.
(٢) انظر لمذهب الحنابلة: المغني ٩/ ١١٦، والإنصاف ٣٠٨/٧-٣٠٩.
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ١٢٤/٧-١٢٥، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٥٨/٦.
(٤) انظر: مسند الدارمي ٤/ ١٩٤١.
(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ١٢٤/٧، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٧٢/٦، ٢٧٣،
والسنن الكبرى للبيهقي ٢٥٨/٦.
(٦) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢٥٨/٦.
(٧) في المطبوع: الرواية الثانية.
(٨) انظر: المغني ١١٦/٩، والإنصاف ٣٠٩/٧.

١٤٤٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهو مذهب مكحول والشعبي(١).
وأصح هذه الأقوال أن أمه نفسها عصبة وعصبتها من بعدها
عصبة له، هذا مقتضى الآثار والقياس.
- أما الآثار فمنها حديث واثلة هذا.
ومنها ما ذكره أبو داود في الباب عن مكحول (٢).
ومنها ما رواه أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله(٣).
ومنها ما رواه أبو داود أيضا عن عبد الله بن عبيد عن رجل
من أهل الشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولد
الملاعنة: ((عصبته عصبة أمه)). ذكره في المراسيل(٤).
وفي لفظ له عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كتبت إلى
صديق لي من أهل المدينة من بني زريق أسأله عن ولد الملاعنة لمن
(١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٢٧٢، ٢٧٣.
(٢) عن مكحول قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث ابن الملاعنة
لأمه، ولورثتها من بعدها.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٥٢٣.
(٣) رواه أبو داود في سننه ٣٢٦/٣ في نفس الكتاب والباب.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٥٢٤.
(٤) المراسيل لأبي داود ص: ٢٦٥.

١٤٤٧
كتاب الفرائض
قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ [١٦١ / أ] فكتب إلي إني
سألت، فأخبرت أنه قضى به لأمه، وهي بمنزلة أبيه وأمه(١).
وهذه آثار يشد بعضها بعضاً.
وقد قال الشافعي: إن المرسل إذا روي من وجهين مختلفين أو
روي مسنداً، أو اعتضد بعمل بعض الصحابة؛ فهو حجة(٢).
وهذا قد روي من وجوه متعددة.
وعمل به من ذكرنا من الصحابة.
- والقياس معه؛ فإنها لو كانت معتقة كان عصبتها من
الولاء عصبة لولدها ولا يكون عصبتها من النسب عصبة لهم،
ومعلوم أن تعصيب الولاء الثابت لغير المباشر بالعتق فرع على
ثبوت تعصيب النسب، فكيف يثبت الفرع مع انتفاء أصله؟!
وأيضاً فإن الولاء في الأصل لموالي الأب فإذا انقطع من
جهتهم رجع إلى موالي الأم، فإذا عاد من جهة الأب انتقل من
موالي الأم إلى موالي الأب.
وهكذا النسب هو في الأصل للأب وعصباته، فإذا انقطع
(١) لم أجده في المراسيل لأبي داود.
وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٢٣/٧-١٢٤، والدارمي في مسنده
٤ /١٩٣٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٥٩/٦.
(٢) انظر: الرسالة ص: ٤٦٢.

١٤٤٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
من جهته باللعان عاد إلى الأم وعصباتها.
فإذا عاد إلى الأب باعترافه بالولد وإكذابه نفسه، رجع
النسب إليه كالولاء سواء، بل النسب هو الأصل في ذلك والولاء
ملحق به.
وهذا من أوضح القياس وأبينه وأدله على دقة أفهام
الصحابة، وبُعد غورهم في مأخذ الأحكام.
وقد أشار إلى هذا في قوله في الحديث: ((هي بمنزلة أمه
وأبيه))(١).
حتى لو لم ترد هذه الآثار لكان هذا محض القياس الصحيح.
وإذا ثبت أن عصبة أمه عصبة له، فهي أولى أن تكون عصبته،
لأنهم فرعُها وهم إنما صاروا عصبة له بواسطتها، ومن جهتها
استفادوا تعصيبهم فأن تكون هي نفسها عصبة أولى وأحری.
فإن قيل: لو كانت أمه بمنزلة أمه وأبيه لحجبت إخوته ولم
يرثوا معها شيئاً. وأيضاً فإنهم إنما يرثون منه بالفرض فكيف
یکونون عصبة له؟
فالجواب: إنها إنما لم تحجب إخوته من حيث إن تعصيبها
مفرع على انقطاع تعصيبه من جهة الأب كما أن تعصيب الولاء
(١) وقد سبق تخريجه.

١٤٤٩
كتاب الفرائض
مفرع على انقطاع التعصيب من جهة النسب.
فكما لا يحجب عصبة الولاء أحداً من أهل النسب، كذلك
لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها، وكونه إنما صار إليها
ضرورة تعذره من جهة أصله وهو بعرض الزوال بأن يقر به
الملاعن فیزول.
وأيضاً: فإن الاخوة استفادوا من جهتها أمرين: أخوة ولد
الملاعنة وتعصيبه، فهم يرثون أخاهم معها بالأخوة لا بالتعصيب،
وتعصيبها إنما يدفع تعصيبهم لا أخوتهم، ولهذا ورثوا معها بالفرض
لا بالتعصيب، وبالله التوفيق.
- الجملة الثالثة في حديث واثلة ميراث اللقيط، وهذا قد
اختلف فيه:
فذهب الجمهور إلى أنه لا توارث بينه [١٦١/ ب] وبين
ملتقطه بذلك(١).
وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن ميراثه لملتقطه عند عدم
نسبه(٢)، لظاهر حديث واثلة.
وإن صح الحديث، فالقول ما قال إسحاق؛ لأن إنعام الملتقط
(١) انظر: المبسوط ٢١٣/١٠، والكافي ص: ٥١٣، وشرح النووي على صحيح
مسلم ١٠/ ١٤٠-١٤١، وكشاف القناع ٢٣٢/٤.
(٢) انظر: مسائل الكوسج المسألة رقم: ٣١٣٦.

١٤٥٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
على اللقيط بتربيته والقيام عليه والإحسان إليه، ليس بدون إنعام
المعتق على العبد بعتقه، فإذا كان الإنعام بالعتق سبباً لميراث المعتق،
مع أنه لا نسب بينهما.
فكيف يُستبعد أن يكون الإنعام بالالتقاط سبباً له؟! مع أنه
قد يكون أعظم موقعاً، وأتم نعمة.
وأيضاً: فقد ساوى هذا الملتقط المسلمين في مال اللقيط،
وامتاز عنهم بتربية اللقيط والقيام بمصالحه وإحيائه من الهلكة، فمن
محاسن الشرع ومصلحته وحكمته أن یکون أحق بميراثه.
وإذا تدبرت هذا وجدته أصح من كثير من القياسات التي
یبنون عليها الأحكام، والعقول أشد قبولاً له.
فقول إسحاق في هذه المسألة في غاية القوة، والنبي صلى الله
علیه وسلم کان يدفع الميراث بدون هذا:
كما دفعه إلى العتيق مرة (١).
(١) في حديث ابن عباس الذي أخرجه أبو داود في سننه ٣٢٤/٣ في كتاب
الفرائض، ٨- باب في ميراث ذوي الأرحام.
والترمذي في جامعه ٣٦٨/٤-٣٦٩ في كتاب الفرائض، ١٤ - باب في ميراث
المولى الأسفل. وقال: هذا حديث حسن.
وابن ماجه في سننه ٢/ ٩١٥ في كتاب الفرائض، ١٠ - باب من لا وارث له.
وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود برقم: ٦٢٢.

١٤٥١
كتاب الفرائض
وإلى الكُبْر من خزاعة مرة (١).
وإلى أهل سكة الميت ودربه مرة (٢).
وإلى من أسلم على يديه مرة(٣).
ولم يُعرف عنه صلى الله عليه وسلم شيء ينسخ ذلك، ولكن
الذي استقر عليه شرعه تقديم النسب على هذه الأمور كلها.
وأما نسخها عند عدم النسب، فمما لا سبيل إلى إثباته
أصلاً، وبالله التوفيق.
(١) في حديث بريدة الذي أخرجه أبو داود في سننه ٣٢٣/١٣ -٣٢٤، ٣٢٤، في
کتاب الفرائض، ٨-باب في میراث ذوي الأرحام.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٦٢٠ - ٦٢١.
(٢) روى أبو داود في سننه ٣٢٢/٣-٣٢٣، في كتاب الفرائض، ٨- باب في ميراث
ذوي الأرحام.
والترمذي في جامعه ٣٦٨/٤ في كتاب الفرائض، ١٣ - باب ما جاء في الذي
موت ولیس له وارث. وقال: وهذا حديث حسن.
وابن ماجه في سننه ٩١٣/٢ في كتاب الفرائض، ٧ -باب ميراث الولاء.
كلهم من حديث عائشة رضي الله عنها أن مولى للنبي صلى الله عليه وسلم
مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعطوا ميراثه رجلاً من أهل قريته)).
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٥٢٢.
(٣) وسيأتي الدليل على هذه المسألة بعد بابين إن شاء الله.

١٤٥٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب فيمن أسلم على ميراثٍ (١)
ذكر المنذري حديث الباب (٢).
قال: وفيه دليل على أن أحكام الأموال والأنساب والأنكحة
التي كانت في الجاهلية ماضية على ما وقع الحكم فيها أيام الجاهلية.
لا يرد منها شيء في الإسلام، وما وجد من هذه الأمور في الإسلام
يستأنف فيه حکمه(٣).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقد دل على هذا
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَدْرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾(٤).
فأمرهم بترك ما لم يُقْبض(٥) من الربا، ولم يتعرض لما قبضوه
بل أمضاه لهم.
وكذلك الأنكحة لم يتعرض فيها لما مضى، ولا لكيفية عقدها،
(١) سنن أبي داود ٣٣٠/٣، الباب رقم: (١١).
(٢) وهو حديث عبد الله بن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلّ
قَسْم قُسِم في الجاهلية فهو على ما قُسِم له، وكلّ قَسْمٍ أدركه الإسلام فهو
على قَسْم الإسلام».
وأخرجه ابن ماجه في سننه ٢/ ٨٣١ في كتاب الرهون، ٢١ - باب قسمة الماء.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٥٢٨.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤/ ١٨٢.
(٤) سورة البقرة الآية رقم: ٢٧٨.
(٥) في المطبوع: يقبضوا.

-
كتاب الفرائض
١٤٥٣
بل أمضاها وأبطل منها ما كان موجب إبطاله، قائماً في الإسلام كنكاح
الأختين والزائد على الأربع، فهو نظير الباقي من الربا.
وكذلك الأموال لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أحداً
بعد إسلامه عن ماله، ووجه أخذه، ولا تعرّض لذلك.
وكذلك الأنساب(١)، كما تقدم في المستلحق في بابه (٢).
وهذا أصل من أصول الشريعة ينبني عليه أحكام كثيرة.
وأما الرجل يُسلم على الميراث قبل أن يُقسم:
- فروي عن [١٦٢ / أ] عمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله
ابن مسعود، والحسن بن علي أنه يرث(٣).
وقال به جابر بن زيد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وحميد،
وإياس بن معاوية(٤)، وإسحاق بن راهويه(٥)، والإمام أحمد في
(١) في المطبوع: (للأسباب الأخرى) مكان (الأنساب).
وهذا من باب: (صحّف فتكلف)، فإنه لما قرأ "الأنساب": "الأسباب". أضاف لها لام
التعليل ثم كلمة "الأخرى" بعدها، ليصح المعنى على حسب قراءته المصحّفة.
(٢) سبق في كتاب الطلاق، عند الباب رقم: (٣٠).
(٣) انظر ما ورد عن الصحابة في: سنن سعيد ابن منصور ٩٦/١، ومصنف عبد الرزاق
٢٦/٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٣٠١. وانظر: المغني لابن قدامة ٩/ ١٦٠.
(٤) انظر: سنن سعيد ابن منصور ٩٦/١، ومصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٣٠١.
وانظر: المغني لابن قدامة ٩/ ١٦٠.
(٥) انظر مسائل الكوسج المسألة رقم: ٣٢٢٢.

١٤٥٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
إحدى الروايتين عنه، اختارها أكثر أصحابه(١).
- وذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يرث، كما لو أسلم بعد
القسمة. وهذا مذهب الثلاثة (٢).
وذكر ابن عبد البر في التمهيد: أن عمر قضى أن من أسلم
على ميراث قبل أن يقسم؛ فله نصيبه. وقضى به عثمان(٣).
واحتُجّ لهذا القول الأول بما روى سعيد بن منصور في سننه
عن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أسلم على
شيء فهو له))(٤).
ورواه أيضاً عن ابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم(٥).
واحتجوا أيضا بحديث أبي داود هذا.
واحتجوا بأنه قضاء انتشر في الصحابة من عمر وعثمان ولم
يعلم لهما مخالف.
وفيه نظر، فإن المشهور عن علي أنه لا يرث(٦).
(١) انظر: المغني ٩ / ١٦٠، والمحرر ٤١٣/١، والإنصاف ٣٤٨/٧.
(٢) انظر: الدر المختار ٧٦٧/٦، والتمهيد ٥٦/٢، والمهذب ٢٤/٢.
(٣) التمهيد ٥٦/٢-٥٧.
(٤) سنن سعيد بن منصور ١/ ٩٦ -٩٧.
(٥) سنن سعيد بن منصور ١ / ٩٧.
(٦) انظر: سنن سعيد بن منصور ٩٥/١.

١٤٥٥
كتاب الفرائض
واحتجوا أيضا بأن التركة إنما يتحقق انتقالها إليهم بقسمتها
وحوزها واختصاص كل من الوارثين بنصيبه، وما قبل ذلك فهي
بمنزلة ما قبل الموت.
والتحقيق أنها بمنزلة ما قبل الموت من وجه، وبمنزلة ما
بعد(١) القسمة من وجه، فإنهم ملكوها بالموت ملكاً قهرياً ونماؤها
لهم وابتداء حول الزكاة من حين الموت.
ولكن هي قبل القسمة كالباقي على ملك الموروث، ولو
نمت لضوعف منها وصاياه وقضيت منها ديونه، فهي في حكم
الباقي على ملكه من بعض الوجوه.
ولو تجدد للميت صيد بعد موته، بأن يقع في شبكة نصبها
قبل موته، ثبت ملکه علیه.
ولو وقع إنسان في بئر حفرها؛ لتعلق ضمانه بتر کته بعد موته.
فإذا قُسمت التركة وتعين حق كل وارث، انقطعت علاقة
الميت عنها، والله أعلم.
(١) في المطبوع: (ما قبل)، مكان: (ما بعد). وهو تحريف.

١٤٥٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب الولاء(١)
ذكر المنذري آخره، وقد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في
الاحتجاج بعمرو بن شعيب(٢).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقال ابن عبد
البر: هذا حديث حسن صحيح غريب(٣).
وذكر توثيق الناس لعمرو بن شعيب، وأنه إنما أنكر من حديثه
وضعف ما كان عن قوم ضعفاء عنه (٤).
وهذا الحديث قد رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة
عن حسين المعلم عن عمرو، فذكره(٥).
(١) سنن أبي داود ٣/ ٣٣٢، الباب رقم: (١٢)، وترجمة الباب فيه: باب في الولاء.
عند حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رِيَاب بن حذيفة تزوج امرأة،
فولدت له ثلاثة غِلمة، فماتت أمهم، فورثوها رباعَها وولاء مواليها، وكان عمرو بن
العاص عصبة بنيها، فأخرجهم إلى الشام، فماتوا، فقدم عمرو بن العاص، ومات مولى
لها ... الحديث، وفيه قول عمر بن الخطاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما
أحرز الولد أو الوالد، فهو لعصبته من كان)).
وأخرجه ابن ماجه، كما سيأتي. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود برقم: ٢٥٣١.
(٢) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤/ ١٨٤.
(٣) التمهيد ٣/ ٦٢.
(٤) التمهيد ٦٢/٣.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٢٩٠. ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن ماجه في سننه
٩١٢/٢-٩١٣ في كتاب الفرائض، ٧- باب ميراث الولاء.

١٤٥٧
كتاب الفرائض
باب من أسلم على يدي رجل(١)
ذکر حدیث الباب(٢)، وقال المنذري: وقد ذكرنا الخلاف فيه(٣).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: والذين ردوا
هذا الحدیث:
- منهم من رده لضعفه.
- ومنهم من رده بكونه منسوخاً.
- ومنهم من قال: لا دلالة فیه علی [١٦٢/ب] الميراث، بل
لو صح كان معناه هو أحق به يواليه، وينصره، ويبره، ويصله،
ويرعى ذمامه، ويغسله ويصل عليه، ويدفنه، فهذه أولويته به لا أنها
(١) سنن أبي داود ٣٣٣/٣-٣٣٤، الباب رقم: (١٣)، وترجمة الباب فيه: باب في
الرجل يُسلم على يدي الرجل.
(٢) هو حديث تميم الداري قال يا رسول الله: ما السُّنة في الرجل يسلم على يدي
الرجل من المسلمين؟ قال: ((هو أولى الناس بمحياه ومماته)).
وأخرجه الترمذي في جامعه ٣٧٢/٤ في كتاب الفرائض، ٢٠ -باب ما جاء في
ميراث الذي يسلم على يدي الرجل. وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من
حديث عبد الله بن وهب ... .
وابن ماجه في سننه ٩١٩/٢ في كتاب الفرائض، ١٨ -باب الرجل يُسلم على
يدي الرجل. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٥٣٢.
(٣) أي في عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. أحد رواة الحديث.
انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري ١٨٦/٤.

١٤٥٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أولويته بميراثه. وهذا التأويل(١).
وقال بهذا الحديث آخرون منهم إسحاق بن راهويه(٢) وأحمد بن
حنبل في إحدى الروايتين عنه (٣)،(٤) وطاوس وربيعة والليث(٥)،(٦) وهو
قول عمر بن الخطاب(٧) وعمر بن عبد العزيز(٨).
وفيها مذهب ثالث: أنه إن عقل عنه ورثه وإن لم يعقل عنه لم
يرثه، وهو مذهب سعيد بن المسيب(٩).
وفيها مذهب رابع: أنه إن أسلم على يديه ووالاه، فإنه يرثه
ويعقل عنه، وله أن يتحول عنه إلى غيره ما لم يعقل عنه، فإذا عقل
عنه لم يكن له أن يتحول عنه إلى غيره. وهذا قول أبي حنيفة وأبي
(١) في المطبوع: وهذا هو التأويل. بزيادة: "هو"، وهذا هو التحريف.
(٢) انظر مسائل الكوسج المسألة رقم: ٣٠١٨.
(٣) في الأصل تأخرت كلمة: "عنه" إلى بعد كلمة: "الليث".
(٤) انظر: المغني ٩/ ٢٥٤، والمبدع ٦/ ١١٤.
والمذهب على عدم التوريث، وهو مذهب المالكية والشافعية أيضاً.
انظر: التمهيد لابن عبد البر ٨٣/٣، وروضة الطالبين ١٧٠/١٢.
(٥) في المطبوع: والليث بن سعد.
(٦) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٨٣/٣، لقول الليث.
(٧) انظر سنن سعيد بن منصور ١٠٠/١-١٠١، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٩٦/٦.
(٨) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٨٣/٣، والمغني ٢٥٤/٩.
(٩) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٨٦/٣، والمغني ٩/ ٢٥٤.

١٤٥٩
كتاب الفرائض
يوسف ومحمد (١).
وفيها مذهب خامس: أن هذا الحكم ثابت فيمن كان من أهل
الحرب دون الذمة(٢). وهو مذهب يحيى بن سعيد(٣).
فلا إجماع في المسألة مع (٤) هؤلاء الأعلام.
وأما تضعيف الحديث فقد رُويت له شواهد، منها حديث
أبي أمامة(٥).
وأما ردّه بجعفر بن الزبير، فقد رواه سعيد بن منصور أخبرنا
عيسى بن يونس حدثنا معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم عن أبي
(١) انظر: المبسوط السرخسي ٩٦/٨، وبدائع الصنائع ٤/ ١٧٠، والبحر الرائق ٥٦٩/٨.
(٢) في المطبوع: أهل الذمة. بزيادة: "أهل".
(٣) انظر: أحكام القرآن ١٤٦/٣، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٤/ ٤٤٤.
(٤) في المطبوع: مع مخالفة. بزيادة: "مخالفة".
(٥) يعني حديث جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله
علیه وسلم قال: «من أسلم على يدي رجل فله ولاؤه)).
أخرجه ابن عدي في الكامل ١٣٥/٢، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى
١٠/ ٢٩٨.
قال ابن عدي في الكامل ١٣٦/٢: "ولجعفر بن الزبير هذا أحاديث غير ما ذكرت
عن القاسم، وعامتها مما لا يتابع عليه، والضعف على حديثه بيّن".
وقال البيهقي في السنن الكبرى ٢٩٨/١٠ بعد روايته للحديث: "قال أبو أحمد:
سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: جعفر بن الزبير الشامي عن القاسم
متروك الحديث تركوه".

١٤٦٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أمامة مرفوعاً (١).
ورواه أيضا من حديث (راشد بن)(٢) سعد عن النبي صلى
الله عليه وسلم مرسلاً(٣).
وحديث تميم وإن لم يكن في رتبة الصحيح، فلا ينحطّ عن
أدنى درجات الحسن، وقد عضده المرسل، وقضاء عمر بن
الخطاب (٤)، وعمر بن عبد العزيز(٥).
وآية الفرائض، إنما تقتضي تقديم الأقارب عليه، ولا يدل
على عدم توريثه إذا لم يكن له نسب، والله أعلم.
(١) سنن سعيد بن منصور ١ /٩٨ -٩٩.
ورواه أيضاً: الدارقطني في سننه ١٨١/٤، وابن عدي في الكامل ٤٠١/٦،
ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٢٩٨/١٠.
وضعفه ابن عدي والبيهقي لأجل معاوية بن يحيى الصدفي.
(٢) هاتان الكلمتان غير واضحتين في الأصل، وهي هكذا في مصدر التخريج.
(٣) سنن سعيد بن منصور ٩٩/١.
(٤) وقد سبق تخريجه.
(٥) روى سعيد بن منصور في سننه ١٠١/١ عن عمر بن عبد العزيز قضى في
رجل من أولئك هلك وترك ابنته وبني مواليه، فجعل الميراث بين ابنته وبين
بني موالیه.
ورواه ابن عبد البر في التمهيد ٨١/٣-٨٣ مطولاً.