النص المفهرس

صفحات 1381-1400

١٣٨١
كتاب الأضاحي
على معنى هذا، أنه أباح الذبح واختار له أن يعطيه أرملة، أو يحمل
عليه في سبيل الله.
والعتيرة هي الرجبية، وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يتبررون
بها في رجب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا عتيرة))، على
معنى لا عتيرة لازمة.
وقوله حين سئل عن العتيرة ((اذبحوا لله في أي شهر ما كان،
وبروا لله، وأطعموا)) (١)، أي اذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله، لا
لغيره في أي شهر ما كان، لا أنها في رجب دون ما سواه من
الشهور، آخر كلامه(٢).
وقال أصحاب أحمد: لا يسنّ شيء من ذلك، وهذه
الأحاديث منسوخة (٣).
قال الشيخ أبو محمد: ودليل النسخ أمران:
أحدهما: أن أبا هريرة هو الذي روى حديث: ((لا فرع ولا
عتیرة))، وهو متفق عليه.
وأبو هريرة متأخر الإسلام؛ أسلم في السنة السابعة من الهجرة.
(١) سبق تخريجه أيضاً، وهو حديث نبيشة.
(٢) انظر كلامه هذا في: السنن الكبرى للبيهقي ٣١٣/٩، ومعرفة السنن والآثار
٠.٢٤٥/٧
(٣) انظر: المغني ١٣ /٤٠٢، والمحرر ٢٥١/١، والإنصاف ٤/ ١١٤.

١٣٨٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والثاني: أن الفرع والعتيرة، كان فِعْلُهما أمراً متقدماً على
الإسلام؛ فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ
من غیر رفع له.
قال: ولو قدّرنا تقدم النهي على الأمر بها؛ لكانت قد
نُسخت، ثم نُسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر.
فإذا ثبت هذا، فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة، لا تحريمُ
فِعْلِها ولا كراهتُه، فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب، أو ذبح ولد
الناقة لحاجته إلى ذلك، أو الصدقة به، أو إطعامه؛ لم يكن ذلك
مكروهاً(١).
(١) المغني لابن قدامة ١٣ /

١٣٨٣
كتاب الأضاحي
باب الرجل يأخذ من شعره في العشر وهو يريد أن
يضحي(١)
ذكر المنذري حديث: ((فلا يأخذن من شعره))(٢) إلى قوله:
وفي لفظ لابن ماجه ((فلا يمس من شعره، ولا بشره شيئاً)(٣).(٤)
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقد اختلف
الناس في هذا الحديث، وفي حکمه:
- فقالت طائفة: لا يصح رفعه، وإنما هو موقوف.
(١) سنن أبي داود ٢٢٨/٣-٢٢٩، الباب رقم: (٣). عند الحديث الآتي.
(٢) هو حديث أم سلمة تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان له
ذبْحٌ يذبحُه، فإذا أهلّ هلالُ ذي الحجة فلا يأخذنَ من شعره ولا من أظفاره
شيئاً حتى يُضحّي)».
وأخرجه مسلم في صحيحه ١٥٦٦/٣ في کتاب الأضاحي، ٧-باب نهي من دخل
عليه عشر ذي الحجة وهو يريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئاً.
والترمذي في جامعه ٨٦/٤ في كتاب الأضاحي، ٢٤- باب ترك أخذ الشعر
لمن أراد أن يضحي. وقال: "حديث حسن صحيح".
والنسائي في المجتبى ٧/ ٢٤١ في كتاب الضحايا، (١).
وابن ماجه في سننه ١٠٥٢/٢ في كتاب الأضاحي، ١١- باب من أراد أن
يضحي فلا يأخذ في العشر من شعره وأظفاره.
(٣) وهو ما سبق تخريجه آنفاً، وهو عند مسلم أيضاً في صحيحه ٣/ ١٥٦٥ في
الكتاب والباب السابقين بلفظ: ((فلا يمسّ من شعره وبشره شيئاً)).
(٤) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤ / ٩٦ -٩٧.

١٣٨٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال الدارقطني في كتاب العلل: ووقفه عبد الله بن عامر الأسلمي
ويحيى القطان وأبو ضمرة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد.
ووقفه عقیل علی سعید قوله.
ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة قولها.
ووقفه ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي
سلمة عن أم سلمة قولها.
ووقفه عبد الرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن
سعيد قوله. والمحفوظ عن [١٥٤/ ب] مالك موقوف(١).
قال الدارقطني: والصحيح عندي قول من وقفه(٢).
- ونازعه في ذلك آخرون فصححوا رفعه، منهم:
مسلم بن الحجاج رواه في صحيحه مرفوعاً(٣).
ومنهم أبو عيسى الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح (4).
ومنهم ابن حبان خرجه في صحيحه(٥).
(١) مسند أم سلمة من كتاب العلل للدار قطني لم يطبع بعد.
(٢) وذكر ذلك عن الدارقطني: عبد الحق في الأحكام الوسطى ١٢٥/٤، وابن
حجر في التلخيص الحبير ٤/ ١٣٨.
(٣) وقد سبق تخريجه في حديث الباب.
(٤) وقد سبق تخريجه في حديث الباب.
(٥) صحيح ابن حبان ٢١٨/١٣، ٢٣٩ مع الإحسان.

١٣٨٥
كتاب الأضاحي
ومنهم أبو بكر البيهقي قال: هذا حديث قد ثبت مرفوعاً من
أوجه، لا يكون مثلها غلطاً، وأودعه مسلم في كتابه(١).
وصححه غير هؤلاء.
وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد
عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم(٢).
ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم
سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم(٣).
وليس شعبة وسفيان بدون هؤلاء الذين وقفوه، ولا مثل هذا
اللفظ من ألفاظ الصحابة؛ بل هو المعتاد من خطاب النبي صلى الله
عليه وسلم في قوله: ((لا يؤمن أحدكم))(٤)، ((أيعجز أحدكم)) (٥)،
(١) معرفة السنن والآثار ٢٠٣/٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٥٦٥ في كتاب الأضاحي، ٧- باب نهي من دخل
عليه عشر ذي الحجة وهو يريد التضحية أن يأخذ ....
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٥٦٥ في الكتاب والباب السابقين.
(٤) كحديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى
يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٧٣ مع الفتح في كتاب الإيمان، ٧ -باب من
الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه -واللفظ له -.
ومسلم في صحيحه ٦٧/١ في كتاب الإيمان، ١٧ -باب الدليل على أن من
خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير.
(٥) كحديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أيعجز

١٣٨٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
(«أيحب أحدكم)) (١)، ((إذا أتى أحدكم الغائط))(٢)، ((إذا جاء أحدكم
خادمه بطعامه))(٣)، ونحو ذلك.
=
أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟» قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال:
((قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)).
أخرجه مسلم في صحيحه ٥٥٦/١ في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٤٥-
باب فضل قراءة قل هو الله أحد.
وأخرجه البخاري في صحيحه ٦٧٦/٨ مع الفتح في كتاب فضائل القرآن،
١٣ - باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ من حديث أبي سعيد الخدري نحوه.
(١) كحديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحلبن
أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فيكسر باب
خزانته)) الحديث.
أخرجه: البخاري في صحيحه ١٠٦/٥-١٠٧ في كتاب اللقطة، ٨ - باب لا
تحتلب ماشية أحد بغير إذنه.
ومسلم في صحيحه ١٣٥٢/٣ في كتاب اللقطة، ٢-باب تحريم حلب الماشية
بغير إذن مالکھا.
(٢) وهو حديث أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولّها ظهره)). الحديث.
أخرجه: البخاري في صحیح ٢٩٥/١ مع الفتح، في کتاب الوضوء، ١١- باب
لا تُستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء: جدار أو نحوه.
(٣) وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا
أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة
=

١٣٨٧
كتاب الأضاحي
وأما اختلافهم في متنه:
- فذهب إليه طائفة من التابعين ومن بعدهم، فذهب إليه
سعيد بن المسيب(١) وربيعة بن أبي عبد الرحمن(٢) وإسحاق بن
راهويه(٣) والإمام أحمد (٤) وغيرهم.
- وذهب آخرون إلى أن ذلك مكروه، لا محرم، وحملوا
الحديث على الكراهة، منهم مالك(٥)، وطائفة من أصحاب أحمد
منهم أبو يعلى وغيره(٦).
- وذهبت طائفة إلى الإباحة، وأنه غير مكروه، وهو قول
=
أو أکلتين، فإنه ولي علاجه».
أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٤/٥ مع الفتح في كتاب العتق، ١٨ - باب إذا
أتی أحدكم خادمه بطعامه.
(١) ذكر ذلك عنه: الترمذي في جامعه ٨٦/٤، وابن قدامة في المغني ٣٦٢/١٣،
والنووي في المجموع ٣٩٢/٧.
(٢) ذكر ذلك عنه: النووي في المجموع ٧/ ٣٩٢.
(٣) انظر: مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٥٠٠.
(٤) انظر لمذهب الحنابلة: مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٥٠٠، والفروع
٥٥٥/٣، والإنصاف ١٠٩/٤.
(٥) انظر لمذهب المالكية: القوانين الفقهية ص: ١٢٨، ومواهب الجليل ٢٤٤/٣.
(٦) انظر: المغني ٣٦٢/١٣، والفروع ٥٥٥/٣، والإنصاف ١٠٩/٤.

١٣٨٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أبي حنيفة وأصحابه(١).
والذين لم يقولوا به:
منهم من أعله بالوقف؛ وقد تقدم ضعف هذا التعليل.
ومنهم من قال: هذا خلاف الحديث الثابت عن عائشة المتفق
على صحته، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث بهديه،
ويقيم حلالاً لا يحرم عليه شيءٍ(٢).
قال الشافعي: فإن قال قائل: ما دل على أنه اختيار لا
واجب؟ قيل له: روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن
(١) انظر لمذهب الحنفية: شرح معاني الآثار ٤ / ١٨٢.
(٢) وهو حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها
أخبرته أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها: إن عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما قال: من أهدى هدياً حَرُم عليه ما يحرم على الحاج
حتى يُنحر هديه. قالت عمرة: فقالت عائشة رضي الله عنها: ليس كما قال
ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديّ، ثم
قلّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم
على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي.
أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٦٣٧ مع الفتح في كتاب الحج، ١٠٩ -باب
من قلّد القلائد بيده -واللفظ له.
ومسلم في صحيحه ٩٥٩/٢ في كتاب الحج، ٦٤ - باب استحباب بعث الهدي
إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه ... .

١٣٨٩
كتاب الأضاحي
عائشة قالت: أنا فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم
بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بعث بها مع
أبي بكر، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله
الله له، حتى نحر الهدي(١).
قال الشافعي: وفي هذا دلالة على ما وصفت، وعلى أن المرء لا
يحرم بالبعثة (٢) بهديه، يقول: البعثة بالهدي أكبر من إرادة الأضحية(٣).
ومنهم من ردّ هذا الحديث بخلافه للقياس؛ لأنه لا يحرم عليه
الوطء واللباس والطيب، فلا يحرم عليه حلق الشعر وتقليم (٤) الظفر.
وأسعد [١٥٥/أ] الناس بهذا الحديث من قال بظاهره؛
لصحته وعدم ما يعارضه.
وأما حديث عائشة، فهو إنما يدل على أن من بعث بهديه،
وأقام في أهله، فإنه يقيم حلالاً، ولا يكون محرماً بإرسال الهدي، رداً
على من قال: يكون بذلك محرماً من السلف، ولهذا روته عائشة لما
حُكي لها هذا(٥).(٦)
(١) اختلاف الحديث للشافعي ص: ١٦٧.
(٢) في المطبوع: ببعثه.
(٣) اختلاف الحديث للشافعي ص: ١٦٨.
(٤) في المطبوع: ولا تقليم.
(٥) في المطبوع: هذا الحديث.
(٦) وقد سبق بيان ذلك وتخريجه آنفاً.

١٣٩٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وحديث أم سلمة يدل على أن من أراد أن يضحي أمسك
في العشر عن شعره(١) وظفره خاصة.
فأي منافاة بينهما؟ !! ولهذا (٢) أحمد وغيره يعمل بكلا
الحدیثین، هذا في موضعه، وهذا في موضعه.
وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبد الرحمن بن مهدي عن
هذين الحديثين فقال: هذا له وجه، وهذا له وجه(٣).
ولو قُدّر بطريق الفرض تعارضهما، لكان حديث أم سلمة
خاصاً، وحديث عائشة عاماً. ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول
الخاص، توفيقاً بين الأدلة.
ويجب حمل حديث عائشة على ما عدا ما دل عليه حديث أم
سلمة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى عنه،
(١) في المطبوع: أخذ شعره.
(٢) في المطبوع: ولهذا كان.
(٣) روى الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال: ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث
عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث بالهدي ... وحديث أم سلمة:
إذا دخل العشر. فبقي عبد الرحمن، ولم يأت بجواب. فذكرته ليحيى بن سعيد،
فقال يحيى: ذاك له وجه، وهذا له وجه؛ حديث عائشة: إذا بعث بالهدي
وأقام. وحديث أم سلمة: إذا أراد أن يضحي بالخضر.
قال أحمد: وهكذا أقول.
انظر: التمهيد لابن عبد البر ٢٣٥/١٧-٢٣٦.

١٣٩١
كتاب الأضاحي
وإن كان مكروهاً.
وأيضا فعائشة إنما تعلم ظاهراً(١) ما يباشرها به، أو يفعله
ظاهراً من اللباس والطيب.
وأما ما يفعله نادراً؛ كقص الشعر، وتقليم الظفر، مما لا يُفعل
في الأيام العديدة إلا مرة؛ فهي لم تخبر بوقوعه في عشر ذي الحجة
منه صلى الله عليه وسلم، وإنما قالت: ((لم يحرم عليه شيء)).
وهذا غايته أن یکون شهادة علی نفي، فلا يعارض حديث
أم سلمة.
والظاهر أنها لم ترد ذلك بحديثها، وما كان كذلك فاحتمال
تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل. وخبر أم سلمة صريح في
النهي؛ فلا يجوز تعطيله.
وأيضاً فأم سلمة تخبر عن قوله وشرعه لأمته، فيجب امتثاله.
وعائشة تخبر عن نفي مستند إلى رؤيتها، وهي إنما رأت أنه لا
يصير بذلك محرماً، يحرم عليه ما يحرم على المحرم، ولم تخبر عن قوله إنه
لا يحرم على أحدكم بذلك شيء، وهذا لا يعارض صريح لفظه.
وأما ردّ الحدیث بالقياس، فلو لم يكن فيه إلا أنه قياس فاسد
مصادم للنص لكفى ذلك في رد القياس، ومعلوم أن رد القياس
(١) في المطبوع: ظاهر.

١٣٩٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
بصريح السنة أولى من ردّ السنة بالقياس، وبالله التوفيق.
كيف وإن تحريم النساء والطيب واللبس أمر يختص بالإحرام،
لا يتعلق بالضحية، وأما تقليم الظفر وأخذ الشعر؛ فإنه من تمام
التعبد بالأضحية.
وقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو أول الباب(١).
وقوله: ((تأخذ من شعرك وتحلق عانتك، فتلك تمام أضحيتك عند
الله))، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم توفير الشعر والظفر في العشر؛
ليأخذه مع [١٥٥/ ب] الضحية، فيكون ذلك من تمامها عند الله.
وقد شهد لذلك أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم شرع لهم إذا
ذبحوا عن الغلام عقيقته، أن يحلقوا رأسه(٢)، فدل على أن حلق رأسه
مع الذبح؛ أفضل وأولى، وبالله التوفيق.
(١) عند أبي داود في سننه.
وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت
بيوم الأضحى عيداً جعله الله عز وجل لهذه الأمة)). قال الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا
منيحة أنثى أفأضحي بها؟ قال: (( لا، ولكن تأخذ من شعرك وأظفارك، وتقص
شاربك، وتحلق عانتك، فتلك تمام أضحيتك عند الله عز وجل)).
أخرجه أبو داود في سننه ٢٢٧/٣ في كتاب الضحايا، ١ - باب ما جاء في إيجاب
الأضاحي.
والنسائي في المجتبى ٧/ ٢٤٣ في كتاب الضحايا، ٢ -باب من لم يجد الأضحية.
والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٥٩٥.
(٢) سيأتي ذلك بعد عدة أبواب، في (٢١ - باب في العقيقة).

١٣٩٣
كتاب الأضاحي
باب ما يجوز من السن في الضحايا(١)
قال المنذري: وقد أشار البيهقي(٢) إلى أن الرخصة أيضاً لعقبة (٣)
(١) سنن أبي داود ٢٣٢/٣-٢٣٣، الباب رقم: (٥).
عند حديث عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمارة بن
عبد الله بن طعمة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن خالد الجهني قال: قسم
رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ضحايا، فأعطاني عتوداً جذعاً.
قال: فرجعت به إلیه، فقلت له: إنه جذع. قال: ((ضحّ به)) فضحیت به.
وقال عنه الألباني رحمه الله تعالى: "حسن صحيح". انظر صحيح سنن أبي
داود برقم: ٢٤٢٧.
وسيأتي تفسیر العتود في كلام ابن القيم رحمه الله.
(٢) وذلك أنه قد روى في السنن الكبرى ٩/ ٢٧٠ حديث عقبة بن عامر بلفظ:
((ضح بها أنت ولا أرخصه لأحد فيها بعده))، ثم قال :. " ... فهذه الزيادة إن
كانت محفوظة كانت رخصة له كما رخص لأبي بردة بن نيار".
وسيأتي لفظ البخاري ومسلم.
(٣) روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه ضحايا. فبقي عتود. فذكره لرسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ضحّ به أنت)).
صحيح البخاري ٦/١٠ مع الفتح، في كتاب الأضاحي، ٢- باب قسمة الإمام
الأضاحي بين الناس.
وصحيح مسلم ١٥٥٦/٣ في كتاب الأضاحي، ٢- باب سن الأضحية.
واللفظ له.

١٣٩٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وزيد بن خالد، كما كانت لأبي بردة(١).(٢)
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وهذا لا يصح،
فإن قوله لأحد هؤلاء (ولن تجزىء عن أحد بعدك))(٣)، ((ولا
رخصة فيها لأحد بعدك))(٤)، ينفي تعدد الرخصة.
وقد كنا نستشكل هذه الأحاديث، إلى أن يسّر الله بإسناد
صحتها، وزوال إشكالها، فله الحمد، فنقول:
(١) حديث أبي بردة هو ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث البراء قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم
نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدّمه
لأهله ليس من النسك في شيء)). فقام أبو بردة بن نیار -وقد ذبح- فقال: إن
عندي جذعة. فقال: (اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك)).
صحيح البخاري ١٠/ ٥ مع الفتح في كتاب الأضاحي، ١- باب سنة الأضحية
-واللفظ له.
وصحيح مسلم ١٥٥٢/٣ -١٥٥٣ في کتاب الأضاحي، ١ -باب وقتها.
(٢) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤/ ١٠٤.
(٣) هو ما جاء في حديث البراء الذي أخرجه البخاري ومسلم.
(٤) جاء ذلك في رواية لحديث البراء، رواها الطبراني في المعجم الأوسط ٩/ ٧٠،
وفيه: وما عندي إلا جذع من المعز. قال: ((اذهب فضح بها وليس فيها رخصة
لأحد بعدك)».
وفي رواية لحديث عقبة بن عامر الجهني، رواها البيهقي في السنن الكبرى
٩/ ٢٧٠ وفيه: ((ضح بها أنت ولا أرخصه لأحد فيها بَعْدُ)).

١٣٩٥
كتاب الأضاحي
أما حديث أبي بردة بن نيار؛ فلا ريب في صحته، وأن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم قال له في الجذعة من المعز: ((ولن تجزىء
عن أحد بعدك))(١).
وهذا قطعاً ينفي أن تكون مجزئة عن أحد بعده.
وأما حديث عقبة بن عامر؛ فإنما وقع فيه الإشكال(٢) أنه جاء
في بعض ألفاظه، أنه بقيت(٣) له جذعة(٤).
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أعطاه غنماً يقسمها على صحابته ضحايا، فبقى عتود، فذكره للنبي
صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((ضح به أنت))(٥).
(١) أخرجه البخاري ومسلم، وقد سبق.
(٢) في المطبوع: "الإشكال من جهة". بزيادة: (من جهة) !!!
(٣) في المطبوع: يثبت. وهو تحريف.
(٤) جاء ذلك في البخاري ومسلم:
صحيح البخاري ٦/١٠ مع الفتح في كتاب الأضاحي، ٢ - باب قسمة الإمام
الأضاحي بين الناس. وفيه: «فصارت لعقبة جذعة)).
وصحيح مسلم ١٥٥٦/٣ في کتاب الأضاحي، ٢ - باب سن الأضحية. وفيه:
«فأصابني جذع)».
(٥) وهذا أيضاً في البخاري ومسلم:
صحيح البخاري ١٢/١٠ مع الفتح في كتاب الأضاحي، ٧-باب أضحية
النبي صلی الله علیه وسلم بکیشین أقرنین.
وصحيح مسلم ١٥٥٥/٣ - ١٥٥٦ في كتاب الأضاحي، ٢-باب سن الأضحية.

١٣٩٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فظنّ من ظنّ(١) إن العتود هو الجذع من ولد المعز؛ فاستشكله،
وقوّى هذا الإشكال عنده، رواية يحيى بن بكير عن الليث في هذا
الحديث: ((ولا رخصة فيها لأحد بعدك))(٢).
ولکن العتود من ولد المعز ما قوي، ورعى، وأتي عليه حول،
قاله الجوهري(٣).
وكذلك كلام غيره من أئمة اللغة قريب منه؛ قال بعضهم: ما
بلغ السفاد. وقال بعضهم: ما قوي وشب(٤).
وعلى(٥) هذا فيكون هو الثني من المعز؛ فتجوز الضحية به.
ومن رواه: ((فبقي جذع))، لم يقل فيه: جذع من المعز.
ولعله ظنّ أنّ العتود هو الجذع من المعز، فرواه كذلك،
والمحفوظ: ((فبقي عتود))، وفي لفظ: ((فأصابني جذع))، وليس في
الصحيح إلا هاتان اللفظتان.
وأما: ((جذع من المعز))؛ فليس في حديث عقبة، فلا إشكال فيه(٦).
(١) في المطبوع: قال. وهو تحريف.
(٢) هو ما سبق تخريجه عند البيهقي من حديث عقبة بن عامر الجهني.
(٣) الصحاح ٢/ ٥٠٥.
(٤) انظر في تفسير هذه الكلمة: غريب الحديث لأبي عبيد ٢١٣/٣، والنهاية لابن الأثير
١٧٧/٣، وشرح النووي لمسلم ١١٨/١٣، وفتح الباري لابن حجر ١٤/١٠.
(٥) في المطبوع: وغير. وهو تحريف.
(٦) إنما جاءت هذه اللفظة في حديث زيد بن خالد الجهني عند البيهقي في السنن
=

١٣٩٧
كتاب الأضاحي
فإن قيل: فما وجه قوله: ((ولا رخصة فيها لأحد بعدك))؟
قيل: هذه الزيادة غير محفوظة في حديثه، ولا ذكرها أحد من
أصحاب الصحيحين، ولو كانت في الحديث؛ لذكروها، ولم يحذفوها؛ فإنه
لا يجوز اختصار مثلها، وأكثر الرواة لا يذكرون هذه اللفظة.
وأما حديث زيد بن خالد الجهني، فهو والله أعلم حديث عقبة
بن عامر الجهني بعينه، واشتبه [١٥٦/أ] على ابن إسحاق أو من
حدثه به اسمه، وأنّ قصة العتود وقسمة الضحايا إنما كانت مع عقبة
ابن عامر الجهني، وهي التي رواها أصحاب الصحيح(١).
ثم إن الإشكال في حديثه إنما جاء من قوله: ((فقلت: إنه جذع
من المعز))(٢)، وهذه اللفظة إنما ذكرها عن ابن إسحاق (٣): أحمد بن
خالد الوهبي عنه.
الكبرى ٩/ ٢٧٠ من حديث أحمد بن خالد الوهبى عن ابن إسحاق عن عمارة
عن سعيد عن زيد بن خالد الجهني قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في
أصحابه غنماً، فأعطاني عتوداً جذعاً، فقال: ((ضح به))، فقلت: إنه جذع من
المعز، أضحي به؟ قال: «نعم ضحّ به)) فضحیت به.
وقد سبق أن أبا داود أخرجه إلا أنه ليس فيه هذه اللفظة: ((من المعز)).
(١) وقد سبق تخريجه.
(٢) وقد سبق تخريجه أيضاً.
(٣) في المطبوع: أبي إسحاق السبيعي. وهو تحريف مع زيادة خاطئة، أحالت المعنى
نهائياً، والله المستعان. وهو كما قيل: صحف فتكلّف.

١٣٩٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم ذكر المنذري في أثناء الباب(١) حديث عاصم(٢) إلى قوله:
وأخرج له مسلم(٣).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقد روى ابن
حزم من طريق سليمان بن يسار عن مكحول أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: ((ضحوا بالجذعة من الضأن، والثنية من
المعز)) (٤).
وهذا مرسل.
(١) سنن أبي داود ٣/ ٢٣٣، في نفس الباب السابق رقم (٥). عند الحديث الآتي
(٢) وهو حديث عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنا مع رجل من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم يُقال له مجاشع، من بني سُليم، فَعَزت الغنم، فأمر منادياً
فنادى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((إن الجذع يوني مما
یوفي منه الثني)».
وأخرجه النسائي في المجتبى ٧/ ٢٥٠ في كتاب الضحايا، ١٣ -المسنة والجذعة.
وابن ماجه في سننه ١٠٤٩/٢ في كتاب الأضاحي، ٧ -باب ما تجزئ من
الأضاحي.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٤٢٨.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ١٠٤/٤، حيث قال بعد تخريجه للحديث:
"عاصم بن كليب، قال ابن المديني: لا يحتج بحديثه إذا انفرد. قال الإمام أحمد:
لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: صالح، وأخرج له مسلم".
(٤) المحلى ٧ / ٣٦٤.

١٣٩٩
كتاب الأضاحي
باب ذبائح أهل الكتاب(١)
ذكر حديث جاءت اليهود وفيه: وأنزل الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا
لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(٢) الآية)(٣) إلى قوله مرسلاً(٤).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: هذا الحديث
له علل:
أحدها: أن عطاء بن السائب اضطرب فيه؛ فمرة وصله
(١) سنن أبي داود ٢٤٦/٣، الباب رقم: (١٣)، وترجمة الباب فيه: باب في ذبائح
أهل الكتاب.
عند الحديث الآتي.
(٢) سورة الأنعام الآية رقم: ١٢١.
(٣) هو حديث عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا،
ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إِلى
آخر الآية.
وأخرجه الترمذي في جامعه ٢٤٦/٥ في كتاب تفسير القرآن، ٧-باب ومن
سورة الأنعام. وقال: "هذا حديث حسن غريب. وقد روي هذا الحديث من
غير هذا الوجه عن ابن عباس أيضاً، ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب عن
سعيد بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً".
وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٤٤٥: "صحیح، لكن ذكر
اليهود فيه منكر، والمحفوظ أنهم المشركون".
(٤) مختصر سنن أبي داود ١١٣/٤، حيث ذكر كلام الترمذي عليه.

١٤٠٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ومرة أرسله(١).
الثانية: أن عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره واختلف
في الاحتجاج بحديثه وإنما أخرج له البخاري مقروناً بأبي بشر(٢).
الثالثة: فيه(٣) عمران بن عيينة أخو سفيان بن عيينة. قال أبو
حاتم الرازي: لا يحتج بحديثه فإنه يأتى بالمناكير(٤).
الرابعة: أن سورة الأنعام مكية باتفاق، ومجيء اليهود إلى
النبي صلى الله عليه وسلم ومجادلته(٥) إنما كان بعد مقدمه(٦) المدينة،
وأما بمكة فإنما كان جداله مع المشركين عبّاد الأصنام.
(١) كما ذكر الترمذي.
(٢) أبو بشر هو: جعفر بن أبي وحشية. والذي أخرجه البخاري لعطاء مقروناً
بأبي بشر هو حديثهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر الخير
الكثير الذي أعطاه الله إياه.
صحيح البخاري ٤٧٢/١١ مع الفتح في كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض.
(٣) في المطبوع: أن فيه.
(٤) انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣٠٢/٦.
(٥) في المطبوع: ومجادلتهم إياه.
(٦) في المطبوع: قدومه.
٠٠