النص المفهرس

صفحات 1281-1300

١٢٨١
كتاب الصيام
وقال الليث: حدثني عقيل عن الزهري [عن عروة بن
الزبير](١) عن عائشة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف
العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من
بعده، والسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها، ولا
يعود مريضاً، ولا يمس امرأته ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد
جامع، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم)) (٢).
قال الدارقطني: قوله: ((والسنة في المعتكف)) إلى آخره، ليس
من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول الزهري، ومن
أدرجه في الحديث فقد وهم (٣).
ولهذا والله أعلم ذكر صاحبا (٤) الصحيح أوله، وأعرضا (٥) عن
هذه الزيادة(٦).
(١) ليست في الأصل، واستدركتها من مصادر التخريج.
(٢) أخرجه: البيهقي في السنن الكبرى ٣١٥/٤-٣١٦، ٣٢٠.
وأخرجه الدارقطني من طريق آخر في سننه ٢/ ٢٠١.
(٣) سنن الدارقطني ٢/ ٢٠١.
(٤) في المطبوع: صاحب. وهو خطأ.
(٥) في المطبوع: وأعرض.
(٦) صحيح البخاري ٣١٨/٤ مع الفتح في كتاب الاعتكاف، ١ - باب الاعتكاف في
العشر الأواخر.
وصحيح مسلم ٨٣١/٢ في كتاب الاعتكاف، ١- باب اعتكاف العشر الأواخر
من رمضان.

١٢٨٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقد رواه سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن
الزهري عن عروة عن عائشة يرفعه: ((لا اعتكاف إلا بصيام))(١).
وسويد قال فيه أحمد: متروك (٢).
وقال ابن معين: ليس بشيءٍ(٣).
وقال النسائي وغيره: ضعيف(٤).
وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف(٥).
قال الشيخ شمس الدين: فاختلف أهل العلم في اشتراط
الصوم في الاعتكاف:
- فأوجبه أكثر أهل العلم، منهم:
عائشة أم المؤمنين، وابن عباس، وابن عمر(٦)، وهو قول
(١) رواه الدارقطني في سننه ١٩٩/٢ - ٢٠٠، وقال: "تفرد به سوید عن سفيان بن
حسین".
ورواه أيضاً الحاكم في المستدرك ١/ ٤٤٠، ثم قال: "لم يحتج الشيخان بسفيان
ابن حسین".
(٢) العلل ومعرفة الرجال ٤٧٦/٢.
(٣) التاريخ للدوري ٤٥٨/٤.
(٤) الضعفاء والمتروكين للنسائي ص: ٥٠.
(٥) انظر: الثقات الذين ضُعفوا في بعض مشايخهم للدكتور الفاضل صالح
الرفاعي، ص: ٢٢٩ -٢٣٢.
(٦) رواه عنهم ثلاثتهم: عبد الرزاق في مصنفه ٣٥٣/٤-٣٥٤.

١٢٨٣
كتاب الصيام
مالك(١) وأبي حنيفة(٢) [وأحمد](٣) في إحدى الروايتين عنه(٤).
- وذهب الشافعي(٥) وأحمد في الرواية المشهورة عنه(٦)
[١٤٤ / أ] أن الصوم فيه مستحب غير واجب.
قال ابن المنذر: وهو مروي عن علي وابن مسعود.
واحتج هؤلاء بما في الصحيحين عن عمر أنه سأل النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية؟
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أوف بنذرك))(٧).
قالوا: والليل ليس بمحل الصيام، وقد جوز الاعتكاف فيه.
واحتجوا أيضاً بما رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي
(١) انظر لمذهب المالكية: موطأ مالك ٣١٥/١، وكفاية الطالب ٥٨٤/١.
(٢) انظر لمذهب الحنفية: الهداية ١/ ١٣٢، والبحر الرائق ٣٢٣/٢.
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضي زيادتها.
(٤) انظر لهذه الرواية: المحرر ٢٣٢/١، والمبدع ٦٤/٣.
(٥) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ١٩١/١، والوسيط ٢/ ٥٦٤.
(٦) وعليها المذهب. انظر: المحرر ٢٣٢/١، والمبدع ٦٤/٣، والإنصاف ٣٥٨/٣.
(٧) صحيح البخاري ٤/ ٣٣٣ مع الفتح، في کتاب الاعتكاف، ١٦ -باب إذا نذر
في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم.
وصحيح مسلم ٣/ ١٢٧٧ في كتاب الأيمان، ٧ -باب نذر الكافر وما يفعل فيه
إذا أسلم.

١٢٨٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
سهيل(١) عن طاووس عن ابن عباس أن(٢) النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه))،
وقال: صحيح الإسناد(٣).
واحتجوا أيضا بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت:
((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف، صلى
الفجر ثم دخل معتكفه ، وإنه أمر بخبائه(٤) فضرب، أراد(٥)
الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها
فضرب، وأمر غيرُها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر
نظر فإذا الأخبية، فقال: ((آلبر تردن))، فأمر بخبائه فقُوّض،
وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف العشر الأول
(١) علق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "أبو سهيل، بالتصغير: هو ابن مالك بن أبي
عامر الأصبحي. ووقع في المستدرك ١: ٤٣١ في هذا الحديث (عن أبي سهل بن
مالك)، وهو خطأ مطبعي" ا.هـ تعليق الشيخ.
(٢) في المطبوع: عنّ.
(٣) مستدرك الحاكم ٤٣٩/١.
وأخرجه الدارقطني في سننه ١٩٩/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٨/٤-٣١٩.
وقال ابن حجر في الدراية ٢٨٨/١ : والصواب موقوف.
(٤) في المطبوع: بخباء. وهو خطأ.
(٥) في المطبوع: وإنه أراد مرة. وهو خطأ.

١٢٨٥
كتاب الصيام
من شوال))(١).
ويوم العيد داخل في جملة العشر، وليس محلاً للصوم.
واحتجوا أيضاً بأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم
يكن الصوم شرطاً فيها كسائر العبادات من الحج والصلاة والجهاد
والرباط.
وبأنه لزوم مكان معين لطاعة الله تعالى، فلم يكن الصوم
شرطاً فیه کالرباط.
وبأنه قربة بنفسه فلا يشترط فيه الصوم كالحج.
قال الموجبون: الكلام معكم في مقامین:
أحدهما: ذكر ضعف أدلتكم.
والثاني: ذكر الأدلة على اشتراط الصوم.
فأما المقام الأول، فنقول: لا دلالة في شيء مما ذكرتم:
أما حديث ابن عمر عن أبيه فقد اتفق على صحته، لكن
اختلف في لفظه كثيراً : -فرواه مسدد وزهير ويعقوب الدورقي
عن يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر،
(١) صحيح مسلم ٨٣١/٢ في كتاب الاعتكاف، ٢- باب متى يدخل من أراد
الاعتكاف في معتكفه.
وهو في صحيح البخاري ٣٢٣/٤ مع الفتح، في كتاب الاعتكاف، ٦ -باب
اعتكاف النساء. نحوه.
٠

١٢٨٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فقالوا: ((ليلة))(١).
وكذلك رواه ابن المبارك وسليمان بن بلال عن عبيد الله(٢).
وهكذا رواه إسحق بن راهويه عن حفص بن غياث عن
. (٣)
عبيد الله(٣).
- ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حفص بن غياث، فأبهم
النذر، فقال: إني نذرت أن أعتكف عند المسجد الحرام، فقال:
((أوف بنذرك))(٤).
(١) أما رواية مسدد فهي عند البخاري في صحيحه ٣٢١/٤-٣٢٢ مع الفتح في
کتاب الاعتكاف، ٥-باب الاعتكاف ليلاً.
وأما رواية زهير فهي عند مسلم في صحيحه ٣/ ١٢٧٧ في كتاب الأيمان، ٧-
باب نذر الكافر ... .
وأما رواية يعقوب الدورقي فهي عند ابن الجارود في المنتقى ٢١٢/٣ مع الغوث.
(٢) أما رواية ابن المبارك فهي عند البخاري في صحيحه ٥٩٠/١١ مع الفتح في
كتاب الأيمان والنذور، ٢٩- باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم أنساناً في
الجاهلية ثم أسلم.
وأما رواية سليمان بن بلال فهي عند البخاري أيضاً في صحيحه ٣٣٣/٤، في
كتاب الاعتكاف، ١٥- باب من لم يرَ عليه إذا اعتكف صوماً.
(٣) رواية ابن راهويه عن حفص بن غياث مطلقة ليست مقيدة بالليل. أخرجها:
مسلم في صحيح ٣/ ١٢٧٧ في كتاب الأيمان. ٧ -باب نذر الكافر ... .
والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٣/٣.
(٤) رواية ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث هذه. أخرجها:

١٢٨٧
كتاب الصيام
وكذلك رواه أبو أسامة [١٤٤/ ب] عن عبيد الله مبهماً (١).
- ورواه شعبة عن عبيد الله بن عمر فقال: ((إني نذرت أن
أعتكف يوماً))(٢).
وكذلك اختلف فيه على أيوب السختياني فرواه حماد بن زيد
عنه عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه
وسلم من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها، وكان على عمر نذر اعتكاف
ليلة في الجاهلية، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يفي
به، فدخل المسجد تلك الليلة، فلما أصبح إذا السبي يسعون ويقولون:
أعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه (٣).
=
مسلم في صحيح في الموضع السابق.
وابن ماجه في سننه ٦٨٧/١ في کتاب الكفارات، ١٨ -باب الوفاء بالنذر.
(١) بل مقيدة بالليل. هكذا أخرجها:
البخاري في صحيحه ٣٣٣/٤ مع الفتح، في كتاب الاعتكاف، ١٦ - باب إذا
نذر في الجاهلية أن یعتکف ثم أسلم.
ومسلم في صحيحه ٣/ ١٢٧٧ في كتاب الأيمان، ٧ -باب نذر الكافر ....
(٢) رواية شعبه أخرجها مسلم في صحيحه ٣/ ١٢٧٧ في کتاب الأيمان، ٧-باب
نذر الكافر ... .
(٣) رواية حماد بن زيد عن أيوب التي فيها ((ليلة)). أخرجها:
مسلم في صحيحه ١٢٧٨/٣ في كتاب الأيمان، ٧ - باب نذر الكافر ... .
=

١٢٨٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وكذلك رواه ابن عيينة عن أيوب(١).
وخالفهما معمر وجرير فقالاً: («يوماً))، وكلاهما في
الصحيحين بهذين اللفظين(٢).
قال النفاة: يجوز أن يكون عمر سأل النبي صلى الله عليه
وسلم عن اعتكاف ليلة وحدها، فأمره به. وسأله مرة أخرى عن
اعتکاف یوم، فأمره به.
قال الموجبون: هذا مما لا يشك عالم في بطلانه، فإن
=
والبخاري في صحيحه ٢٨٨/٦ مع الفتح، في کتاب فرض الخمس، ١٩ -باب
ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من
الخمس .... وفيها: ((إنه كان عليّ اعتكاف يومٍ في الجاهلية ... )).
(١) رواية ابن عيينة عن أيوب أخرجها: النسائي في السنن الكبرى ٢٦٢/٢،
والحميدي في مسنده ٣٠٤/٢.
(٢) أما رواية معمر عن أيوب. فأخرجها: مسلم في صحيحه ١٢٧٨/٣ في كتاب
الأيمان، ٧ - باب نذر الكافر ... .
وأخرجها: البخاري في صحيحه مطلقة ٧/ ٦٣٠ مع الفتح، في كاتب المغازي،
٥٤ - باب قوله الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ .. ﴾.
وأما رواية جرير فأخرجها: مسلم في صحيحه ٣/ ١٢٧٧ في كتاب الأيمان،
٧ -باب نذر الكافر ... .
وذكرها البخاري معلقة في صحيحه ٧/ ٦٣٠ مع الفتح، في كتاب المغازي،
٥٤- باب قوله الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ کَثَرَتُكُمْ ... ﴾.

١٢٨٩
كتاب الصيام
القصة واحدة، وعمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح
سؤالاً واحداً !!
وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده، وهي احتمال
التكرار في كل حديث اختلفت ألفاظه، بحسب اختلافها.
وهو مما يقطع ببطلانه في أكثر المواضع، كالقطع ببطلان التعدد
في اشتراء البعير من جابر مراراً في أسفار (١)، والقطع ببطلان التعدد
في نكاح الواهبة نفسها؛ بلفظ الإنكاح مرة (٢)، والتزويج مرة (٣)،
(١) حديث جابر في قصة شراء النبي صلى الله عليه وسلم بعيره، أخرجه:
البخاري في صحيحه ٣٧٥/٤ مع الفتح، في كتاب البيوع، ٣٤ -باب شراء
الدواب والحمير.
ومسلم في صحيحه ١٢٢٦/٣ في كتاب المساقاة، ٢١ - باب بيع البعير
واستثناء ركوبه.
(٢) أخرج حديث الواهية بلفظ الإنكاح:
البخاري في صحيحه ٩/ ١١٢ مع الفتح في كتاب النكاح، ٥٠-باب التزويج
على القرآن وبغير صداق.
(٣) أخرج حديث الواهبة بلفظ التزويج:
البخاري في صحيحه ٥٦٧/٤ مع الفتح في كتاب الوكالة، ٩ - باب وكالة المرأة
الإمام في النكاح.
ومسلم في صحيحه ١٠٤١/٢ في كتاب النكاح، ١٣ - باب الصداق وجواز
كونه تعلیم قرآن ... .

١٢٩٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والإملاك مرة (١)، والقطع ببطلان الإسراء مراراً(٢)، كل مرة يفرض
عليه(٣) خمسون صلاة، ثم يرجع إلى موسی فیرده إلى ربه حتى تصير
خمساً، فيقول تعالى: ((لا يبدل القول لدي هي خمس وهي خمسون في
الأجر))، ثم يفرضها في الإسراء الثاني خمسين.
فهذا مما يجزم ببطلانه، ونظائره كثيرة:
كقول بعضهم في حديث عمران بن حصين ((كان الله ولا
شيء قبله))(٤)، و: ((كان ولا شيء غيره))(٥)، ((وكان ولا شيء
(١) أخرج حديث الواهبة بلفظ الإملاك:
البخاري في صحيحه ٦٩٦/٨ مع الفتح في كتاب فضائل القرآن، ٢٢ - باب
القراءة عن ظهر قلب.
ومسلم في صحيحه ١٠٤١/٢ في كتاب النكاح، ١٣ - باب الصداق وجواز
كونه تعليم قرآن ... .
(٢) أخرج حديث الإسراء:
البخاري في صحيحه ١/ ٥٤٧-٥٤٨ مع الفتح في كتاب الصلاة، ١ - باب
كيف فُرضت الصلوات في الإسراء.
ومسلم في صحيحه ١٤٨/١-١٤٩ في كتاب الإيمان، ٧٤ -باب الإسراء
برسول الله صلى الله عليه وسلم ... .
(٣) في المطبوع: عليه فيها.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ: البخاري في صحيحه ٤١٤/١٣-٤١٥ مع الفتح، في کتاب
التوحيد، ٢٢ - باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
(٥) أخرجه بهذا اللفظ: البخاري في صحيحه ٦/ ٣٣٠-٣٣١ مع الفتح في كتاب
=

١٢٩١
كتاب الصيام
معه))(١)، إنه يجوز أن تكون وقائع متعددة.
وهذا القائل لو تأمل سياق الحديث لاستحيا من هذا القول،
فإن سياقه أنه أناخ راحلته بباب المسجد ثم تفلتت، فذهب يطلبها
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فقال بعد ذلك:
((وأيم الله وددت لو أني قعدت وتركتها))(٢).
بدء الخلق، ١- باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخُلْقَ ثُمْ
يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
(١) لم أقف على هذا اللفظ.
وانظر تعليق العلامة الألباني على شرح العقيدة الطحاوية ص: ١٣٣-١٣٤
التعليق رقم: ٧٩.
مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد ذكر هذه الرواية وصححها أيضاً.
انظر: مجموع الفتاوى ٦/ ٥٥١.
وللفائدة في شرح حديث عمران بن حصين انظر رسالة: "شرح الصدر في
السؤال عن أول هذا الأمر" لشيخنا الفاضل منصور بن عبد العزيز السماري.
طبع دار العاصمة. فهي رسالة مفيدة.
(٢) علّق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "سياق الحديث من لفظ البخاري في أول
كتاب بدء الخلق من الصحيح ٦: ٢٠٥ - ٢٠٧ من فتح الباري، قال عمران:
«دخلت على النبي صلی الله عليه وسلم، وعلقت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من
بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا !! مرتين، ثم
دخل عليه ناس من اليمن، فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، أن لم يقبلها بنو
تميم، قالوا: قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر؟ قال: كان
=

١٢٩٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فيا سبحان الله أفي كل مرة من المرار (١) يتفق له هذا.
وبالجملة فهذه طريقة من لا تحقیق له.
وإذا كان عمر إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرة
واحدة، فإن كان يوماً فلا دلالة [١٤٥/أ] فيه، وإن كان ليلة؛
فالليالي قد تطلق ويراد بها الأيام استعمالاً فاشياً في اللغة لا ينكر،
كيف وقد روى سعيد بن بشير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن
ابن عمر، أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: ((أوف بنذرك))(٢).
وسعيد بن بشير هذا وإن كان قد ضعفه ابن المديني(١) ويحيى بن
معين (٤) والنسائي(٥).
=
الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء،
وخلق السموات والأرض، فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين،
فانطلقت، فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها))" ا.هـ
تعليق الشيخ.
(١) (من المرار) ساقطة من المطبوع.
(٢) رواه الدارقطني في سننه ٢٠١/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣١٧.
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٩.
(٤) التاريخ للدوري ٤/ ٩٤.
(٥) الضعفاء والمتروكين ص: ٥٢.
.

١٢٩٣
كتاب الصيام
فقد قال فيه شعبة: كان صدوق اللسان(١).
وقال سفيان بن عيينة: كان حافظاً(٢).
وقال دحيم: هو ثقة (٣)، وقال: كان مشيختنا يوثقونه(٤).
وقال البخاري: يتكلمون في حفظه، وهو يحتمل(٥).
وقال عبد الرحمن بن أبى حاتم: سمعت أبي ينكر على من
أدخله في كتاب الضعفاء، وقال: محله الصدق(٦).
وقال ابن عدي: الغالب على حديثه الاستقامة(٧).
وقد روی عبد الله بن بديل(٨) عن عمرو بن دينار عن ابن
عمر عن عمر هذا الحديث، وفيه ((فأمره النبي صلى الله عليه وسلم
(١) انظر: الجرح والتعديل ٦/٤.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ٤ /٩.
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ٩/٤.
(٤) انظر: الجرح والتعديل ٦/٤.
(٥) في الضعفاء الصغير له ص: ٤٩ قال: يتكلمون في حفظه، ثُراه أبا عبد الرحمن
الدمشقي. وانظر قوله: "وهو محتمل" في: تهذيب التهذيب ٤/ ٩.
(٦) انظر: الجرح والتعديل ٦/٤.
(٧) الكامل لابن عدي ٣٧٦/٣.
(٨) في الأصل: "يزيد"، وهو سهو. والتصويب من مصادر تخريج الحديث، ومما
سیأتي من كلام ابن القيم.

١٢٩٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أن يعتكف ويصوم))(١).
ولكن تفرد به ابن بديل، وضعفه الدار قطني (٢)، وقال ابن
عدي: له أحاديث مما ينكر عليه الزيادة في متنه أو إسناده (٣).
وقال أبو بكر النيسابوري: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات
من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه، منهم ابن جريج وابن عيينة
وحماد بن زيد وحماد بن سلمة؛ وابن بديل: ضعيف الحديث(٤).
فهذا مما لا حاجة بنا إلى الاستدلال به(٥).
(١) رواه أبو داود ٢/ ٨٣٧-٨٣٨ كتاب الصوم، ٨٠- باب المعتكف يعود المريض.
ورواه الدار قطني في سننه ٢/ ٢٠٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٦/٤.
(٢) ضعفه في العلل ٢٦/٢.
(٣) الكامل في الضعفاء ٢١٤/٤.
(٤) نقله عنه الدارقطني في سننه ٢٠٠/٢ -٢٠١، والبيهقي من طريق الدار قطني
٣١٦/٤-٣١٧.
(٥) علّق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "سيأتي بعد قليل ردنا على من ضعف
عبد الله بن بديل" ا.هـ تعليق الشيخ.
وَرَدُّ الشيخ أحمد شاكر هذا جاء في تعليقه على كلام المنذري ٣٥٠/٣ لذا
سأذكره هنا للفائدة، حيث يقول: "ليس عبد الله بن بديل من الضعف بالمنزلة
التي يصورها المنذري، ففي التهذيب: "قال ابن معين: صالح، وقال ابن عدي:
له ما ينكر عليه الزيادة في متن أو إسناد، وذكره ابن حبان في الثقات". ولم
يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء. فهذا أقل حاله أن يكون حديثه
حسناً، وتقبل زيادته" ا.هـ تعليق الشيخ.

١٢٩٥
كتاب الصيام
وحدیث سعید بن بشير أجود منه.
وأما حديث ابن عباس الذي رواه الحاكم فله علتان:
إحداهما: أنه من رواية عبد الله بن محمد الرملي؛ وليس
بالحافظ حتی یقبل منه تفرده بمثل هذا.
العلة الثانية: أن الحميدي وعمرو بن زرارة روياه
عن الدراوردي عن أبى سهيل عن طاووس عن ابن عباس
موقوفاً عليه(١).
وهذا هو الصواب، وهو الثابت عن ابن عباس.
وأما حديث عائشة وقصة اعتكاف النبي صلى الله عليه
وسلم العشر الأول من شوال، فهذا قد اختلف فيه لفظ الصحيح،
وفيه ثلاثة ألفاظ:
أحدها: عشراً من شوال(٢).
والثاني: في العشر الأول من شوال(٣).
(١) أما رواية الحميدي، فقد ذكرها البيهقي في السنن الكبرى ٣١٩/٤.
وأما رواية عمرو بن زرارة فقد رواها البيهقي في السنن الكبرى ٣١٩/٤.
(٢) رواه البخاري في صحيحه ٣٢٣/٤ مع الفتح، في كتاب الاعتكاف، ٦-باب
اعتكاف النساء.
(٣) رواه مسلم في صحيحه ٢/ ٨٣١ في کتاب الاعتكاف، ٢ -باب متی يدخل من
أراد الاعتكاف في معتكفه.

١٢٩٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والثالث: العشر الأول(١).
ولا ريب أن هذا ليس بصريح في اعتكاف يوم العيد ولو
كان الثابت (٢) قوله: ((العشر الأول من شوال))؛ لأنه يصح أن يقال:
اعتكف العشر الأول، وإن كان قد أخل بيوم منه، كما يقال: قام
ليالي العشر الأخير، وإن كان(٣) أخل بالقيام في جزء من الليل،
ويقال: قام ليلة القدر، وإن أخل بقيامه في بعضها.
وأما الأقيسة التي ذكرتموها [١٤٥/ ب] فمعارضة بأمثالها، أو
ما هو من جنسها، فلا حاجة إلى التطويل بذكرها.
وأما المقام الثاني؛ وهو الاستدلال على اشتراط الصوم، فأمور:
أحدها: أنه لم يعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم، ولم
يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه أنهم
اعتكفوا بغير صوم، ولو كان هذا معروفاً عندهم، لكانت شهرته
(١) هذه رواية أبي داود وليست في الصحيح. أخرجها أبو داود في سننه
٨٣٠/٢-٨٣١ في كتاب الصيام، ٧٧ -باب الاعتكاف.
والرواية الثالثة في الصحيح هي: ((في آخر العشر من شوال)).
أخرجها البخاري في صحيحه ٣٣٣/٤ مع الفتح في كتاب الاعتكاف، ١٤ -
باب الاعتكاف في شوال.
(٢) في المطبوع: الثابت هو.
(٣) في المطبوع: كان قد.

١٢٩٧
كتاب الصيام
تغني عن تكلفكم الاستدلال باعتكافه صلى الله عليه وسلم العشر
الأول من شوال.
الثاني: حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في الباب، وقولها:
((السنة كذا، ولا اعتكاف إلا بصوم)).
قال النفاة: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن راويه عبد الرحمن بن إسحاق قال فيه أبو حاتم:
لا يحتج به. وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه. وقال
الدار قطني: [ضعيف] (١) يرمى بالقدر(٢).
الثاني: أن هذا الكلام من قول الزهري، لا من قول عائشة،
كما ذكره أبو داود(٣) وغيره، قال الليث عن عقيل عن الزهري عن
عروة عن عائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف
العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من
بعده))(٤)، فـ ((السنة في المعتكف)) إلى آخره ليس من قول النبي صلى
(١) هذه الكلمة ساقطة من الأصل.
يدل لإثباتها ما سبق في بداية الباب، حيث ذكر هذه النقول ومنها قول
الدار قطني: "ضعيف يرمى بالقدر".
(٢) سبق الكلام على عبد الرحمن بن إسحاق في بداية الباب.
(٣) سنن أبي داود، بعد حديث الباب مباشرة.
(٤) سبق تخريجه أثناء الباب.

١٢٩٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الله عليه وسلم ، وإنما هو من قول الزهري، ومن أدرجه في
الحديث؛ فقد وهم.
الثالث: أن غايته الدلالة على استحباب الصوم في
الاعتكاف، فإن قوله: ((السنة)) إنما يفيد الاستحباب، وقوله: ((لا
اعتكاف إلا بصوم» نفي للکمال.
قال الموجبون: الجواب عما ذكرتم:
أما تضعيف عبد الرحمن بن إسحاق؛ فقد روى له مسلم في
صحيحه، ووثقه يحيى بن معين وغيره(١).
وأما قولكم: "إنه من قول الزهري، ومن أدرجه فقد وهم"،
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنا لو تُركنا وهذا لكان ما ذكرتم قادحاً، ولكن قد
روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة قالت:
((من اعتكف فعليه الصوم)) (٢).
فهذا یقوي حديث الزهري.
الثاني: أنه ولو ثبت أنه من كلام الزهري؛ فهو يدل على أن
(١) سبق الكلام على عبد الرحمن بن إسحاق في بداية الباب.
(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٣٥٤/٤، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٣٤/٢،
والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٧/٤.

١٢٩٩
كتاب الصيام
السنة المعروفة التي استمر عليها العمل، أنه لا اعتكاف إلا بصوم،
فهل عارض هذا (١) سنة غيرها، حتى تقابل به؟!(٢)
وأما قولكم: "إن هذا إنما يدل على الاستحباب"، فليس
المراد بالسنة هاهنا مجرد الاستحباب، وإنما المراد طريقة الاعتكاف،
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستمرة فيه [١/١٤٦]
وقوله : «ولا اعتكاف إلا بصوم)) يبين ذلك.
وقولكم: "إنه لنفي الكمال"، صحيح، ولكن لنفي كمال
الواجب أو المستحب؟
الأول: مُسلّم.
والثاني: ممنوع.
والحمل عليه بعيد جداً، إذ لا يصلح النفي المطلق عند نفي
بعض المستحبات، وإلا لصح النفي عن كل عبادة ترك بعض
(١) في المطبوع: هذه السنة.
(٢) علّق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "أهذا استدلال مستقيم، يتفق وأصول
الحديث والفقه؟ الزهري من صغار التابعين، فإذا قال: ((السنة كذا)) كان أكثر
أمره أن یکون حديثاً مرسلاً لا تقوم به الحجة، إذا فهمناه على أنه يريد به رفع
الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون رأياً له واجتهاداً، كما هو
الظاهر، فلا يكون حجة بحال. وما كان الحافظ شمس الدين ابن القيم ممن
يخفى عليه هذا، ولكنا لا نبرئ أحداً من خطأ، حاشا رسول الله صلى الله
عليه وسلم" ا. هـ تعليق الشيخ.

١٣٠٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
مستحباتها، ولا يصح ذلك لغة ولا عرفاً ولا شرعاً، ولا يعهد في
الشريعة نفي لعبادة إلا لترك واجب فيها.
وقال الدارقطني: يُقال: إن قوله والسنة على المعتكف إلى
آخره من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم فيه (١).
(١) سنن الدار قطني ٢/ ٢٠١.