النص المفهرس
صفحات 1221-1240
١٢٢١ كتاب الصيام المشيخة، ولم يكن سمعه من محمد؛ فهو ضعيف(١). وأما رواية إسماعيل بن عياش له عن محمد بن أبي حميد، فإسماعيل بن عياش؛ ضعيف في الحجازيين. ومحمد بن أبي (٢) حميد متفق علی ضعفه ونکارة حديثه. وكأن ابن ساج سرق هذه الرواية عن محمد بن أبي (٣) حميد والغلط في زيادة محمد بن المنكدر منه، والله أعلم. وأما رواية أبي داود الطيالسي فمن رواية عبد الله بن عمران الأصبهاني عنه، قال ابن حبان: کان یغرب. وخالفه يونس بن حبيب(٤) فرواه عن أبي داود عن ورقاء ابن عمر(٥) عن سعد بن سعيد عن عمر (٦) بن ثابت(٧)، موافقة لرواية الجماعة. (١) انظر كلام النسائي هذا في تهذيب الكمال ١٩/ ٤٦٨. وذكر المزي أن النسائي ذكر هذا الكلام بعد إخراجه لحديثه. إلا أني لم أجده في المطبوع، والله أعلم. (٢) ساقطة من المطبوع. (٣) ساقطة من المطبوع. (٤) وهو راوي مسند الطيالسي عن أبي داود. (٥) في الأصل: عمرو. والتصويب من مصادر التخريج كما سبق. (٦) في الأصل: عمرو. والتصويب من مصادر التخريج كما سبق. (٧) مسند الطيالسي ٤٨٦/١. ١٢٢٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فإن قيل: فالحديث بعد هذا كله مداره على عمر بن [١٣٦/ ب] ثابت الأنصاري، لم يروه عن أبي أيوب غيره؛ فهو شاذ فلا يحتج به. قيل: ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة؛ كحديث: ((الأعمال بالنيات))، وتفرد(١) علقمة بن وقاص به وتفرد محمد بن إبراهيم التيمي به عنه، وتفرد یحیی بن سعيد به عن التيمي(٢). وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً، يخالف ما روى الناس(٣). وأيضاً: فليس هذا الأصل مما تفرد به عمر بن ثابت لرواية ثوبان وغيره له عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ترجم ابن حبان (١) في المطبوع: تفرد. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٥ مع الفتح، في كتاب بدء الوحي، ١ - باب کیف کان بدء الوحي إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم. ومسلم في صحيحه ١٥١٥/٣-١٥١٦ في کتاب الإمارة، ٤٥-باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية» .... كلاهما من حدیث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (٣) رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص: ١١٩، والخطيب في الكفاية ص: ١٤١. ١٢٢٣ كتاب الصيام على ذلك في صحيحه، فقال بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت: "ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت عن أبي أيوب"، وذكر حديث ثوبان من رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن يحيى بن الحارث الذماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان(١). ورواه ابن ماجه(٢). ولكن لهذا الحديث علة وهي أن أسد بن موسى رواه عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن يحيى بن الحارث به(٣). والوليد مدلس، وقد عنعنه، فلعله وصله مرة ودلسه أخرى. وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن شابور، كلاهما عن يحيى بن الحارث الذماري به (٤). ورواه أحمد في المسند عن أبي اليمان عن إسماعيل بن عياش عن يحيى بن الحارث به(٥). (١) صحيح ابن حبان ٣٩٨/٨ مع الإحسان. (٢) سنن ابن ماجه ١/ ٥٤٧ في كتاب الصيام، ٣٣ - باب صيام ستة أيام من شوال. وقد سبق. (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٠٢/٢، وفي مسند الشاميين ٢٧٨/١. (٤) السنن الكبرى ١٦٢/٢، ١٦٣. (٥) مسند أحمد ٢٨٠/٥. ١٢٢٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقد صحح الحديث أبو حاتم الرازي.(١) وإسماعيل إذا روى عن الشاميين فحديثه صحيح، وهذا إسناد شامي. الاعتراض الثالث: أن هذا الحديث غير معمول به عند أهل العلم، قال مالك في الموطأ: ولم أر أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصة عند(٢) أهل العلم ورأوهم یعملون ذلك. تم كلامه(٣). قال الحافظ أبو محمد المنذري: والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم، فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والنواقيس وشعائر رمضان، إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد (٤). ويؤيد هذا ما رواه أبو داود في قصة (٥) الذي دخل المسجد (١) انظر: علل ابن أبي حاتم ٢٥٣/١. (٢) في المطبوع: عن. وهو تحريف. (٣) الموطأ ٣١١/١. (٤) هذا الكلام للمنذري غير موجود في المطبوع من مختصر سنن أبي داود، ولعله ساقط. إذ أن الحافظ المنذري ذكر في مختصره هذا ٣٠٩/٣ كلام الإمام مالك. وكلامه هذا مناسب جداً لأن يُذكر بعد كلام الإمام مالك، والله أعلم. (٥) في المطبوع: قصة الرجل. ١٢٢٥ كتاب الصيام وصلى الفرض، ثم قام ليتنفل، فقام إليه عمر، وقال له: اجلس حتى تجلس(١) بين فرضك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أصاب الله بك يا ابن الخطاب))(٢). قالوا: فمقصود عمر أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الأمد (٣) ظنّ الجهّال أن ذلك من الفرض. كما قد شاع عند كثير من العامة أن صبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد، فإذا تركوا قراءة [١٣٧/أ] ﴿الم. تَنْزِيلٌ﴾(٤) قرأوا غيرها من سور السجدات. بل نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان(6) حماية لرمضان أن (١) هكذا في الأصل، والمقصود: حصول الفصل بين الفرض والنفل. (٢) ما ذكره هنا هو معنى حديث أبي داود الذي أخرجه في سننه ١/ ٦١١ -٦١٢ في كتاب الصلاة، ١٩٤- باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة. من حديث أبي رِمْثة. وفيه: فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع، فوثب إليه عمر فأخذ بمنكبه فهزّه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصلٌ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره فقال: ((أصاب الله بك يا ابن الخطاب)). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٢١٥. (٣) في المطبوع: الزمن. وهو تحريف. (٤) سورة السجدة الآية رقم: ١- ٢. (٥) كما سبق في الباب رقم (١٢) - باب في كراهية ذلك. أي وصل شعبان برمضان. ١٢٢٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية يخلط به صوم غيره، فكيف بما يضاف إليه بعده؟! فيُقال الكلام هنا في مقامین: أحدهما: في صوم ستة من شوال من حيث الجملة. والثاني: في وصلها به. أما الأول فقولكم: "إن الحديث غير معمول به"، باطل، وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به، لا يوجب ترك الأمة كلهم له، وقد عمل به أحمد والشافعي وابن المبارك وغيرهم (١). قال ابن عبد البر: لم يبلغ مالكاً حديث أبي أيوب على أنه حديث مدني، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذي كرهه مالك قد بيّنه وأوضحه: خشية أن يُضاف إلى فرض رمضان وأن يسبق ذلك إلى العامة، وكان متحفظاً كثير الاحتياط للدين. وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان، فإن مالكاً لا يكره ذلك إن شاء الله؛ لأن الصوم جُنّة، وفضله معلوم: يدع طعامه وشرابه لله، وهو عمل برّ وخير، وقد قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(٢). ومالك لا يجهل شيئاً من هذا، ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك، وخشي أن يُعد من (١) وقد سبق توثيق هذه الأقوال. (٢) سورة الحج الآية رقم: ٧٧. ١٢٢٧ كتاب الصيام فرائض الصيام مضافاً إلى رمضان. وما أظن مالكاً جهل الحديث؛ لأنه حدیث مدني انفرد به عمر بن ثابت، وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت. وقيل: إنه روى عنه ولولا علمه به ما أنكر بعض شيوخه إذا لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه وقد يمكن أن يكون جهل الحديث ولو علمه لقال به. هذا كلامه(١). وقال عياض (٢): أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء. وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك، ولعل مالكاً إنما كره صومها على ما قال في الموطأ أو (٣) يعتقد من يصومه أنه فرض وأما على الوجه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم فجائز(٤). (١) الاستذكار ٢٥٩/١٠، وقد وقع في المتن أعلاه في الفقرة الأخيرة منه بعض تحريفات، لذا سأذكره من كلام ابن عبد البر من الاستذكار حيث يقول: "وما أظن مالكاً جهل الحديث والله أعلم، لأنه حدیث مدني انفرد به عمر بن ثابت. وقد قيل: إنه روى عنه مالك، ولولا علمه به ما أنكره. وأظن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عن بعض شيوخه إذا لم يثق بحفظه ببعض ما رواه. وقد يمكن أن يكون جهل الحديث، ولو علمه لقال به. والله أعلم" ا.هـ. (٢) في المطبوع: القاضي عياض. (٣) في المطبوع: أن. (٤) إكمال المعلم ١٣٩/٤. والعبارة هنا مختصرة منه. ١٢٢٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وأما المقام الثاني: فلا ريب أنه متى كان في وصلها برمضان مثل هذا المحذور كره أشد الكراهة، وحمي الفرض أن يخلط به ما ليس منه، ويصومها في وسط الشهر أو آخره، وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرز منه واجب، وهو من قواعد الإسلام. فإن قيل: الزيادة في الصوم إنما يُخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد، فأما وقد تخلل فطر يوم العيد فلا محذور. وهذا جواب أبي حامد [١٣٧/ ب] الاسفراييني وغيره. قيل: فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة في دفع هذه المفسدة؛ لأنه لما كان واجباً فقد يرونه كفطر يوم الحيض، لا يقطع التتابع واتصال الصوم، فبكل حال ينبغي تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن هذه(١) المفسدة. والله أعلم فصل: فإن قيل: لم قال: ((ست)) والأيام مذكّرةٌ، فالأصل أن يقال: "ستة"، كما قال: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾(٢). وهل لشوال بخصوصه مزية على غيره في ذلك أم لا؟ وهل للست خصوصية على ما دونها وأكثر منها أم لا؟ وكيف شبّه من فعل ذلك بصيام الدهر فيكون العمل اليسير (١) في المطبوع: لم تؤمن معه هذا. (٢) سورة الحاقة الآية رقم: ٧. ١٢٢٩ كتاب الصيام مشبهاً للعمل (١) الكثير من(٢) جنسه؟! ومعلوم أن من عمل عملاً وعمل الآخر بقدره مرتين لا یستویان، فكيف إذا عمل(٣) بقدره عشر مرات؟! وهل فرق بين قوله: ((فكأنما صام الدهر)) وبين أن يقال: "فكأنه قد صام الدهر"؟ وهل يدل الحديث على استحباب صيام الدهر لأجل(٤) التشبيه أم لا؟ فالجواب: - أما قوله: ((ست)) ولم يقل: "ستة" فالعرب إذا عدت الليالي والأيام، فإنها تغلب الليالي إذا لم تضف العدد إلى الأيام، فمتى أرادوا عدّ الأيام عدوا الليالي ومرادهم الأيام(٥). قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَدَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْراً﴾(٦)، قال الزمخشري: ولو قيل: (١) في المطبوع: بالعمل. (٢) في المطبوع: ومن. (٣) في المطبوع: (يكون) مكان: (إذا عمل)، وهو تحريف متعمد لا داعي له. (٤) في المطبوع: لأجل هذا. (٥) انظر: المجموع للنووي ٣٧٨/٦ -٣٧٩. (٦) سورة البقرة الآية رقم: ٢٣٤. ١٢٣٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية "وعشرة" لكان لحناً(١). وقال تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْتَهُمْ إِنْ لَيْتُمْ إِلا عَشْراً﴾(٢)، فهذه أيام، بدليل قوله (٣): ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَيْتُمْ إِلَّا يَوْماً﴾(٤)، فدلّ الكلام الأخير على أن المعدود الأول أيام. وأما قوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾(٥) فلا تغليب هناك لذکر النوعین، وإضافة کل عدد إلی نوعه. - وأما السؤال الثاني وهو: اختصاص شوال، ففيه طريقان: أحدهما: أن المراد به الرفق بالمكلف؛ لأنه حديث عهد بالصوم، فيكون أسهل عليه، ففي ذكر شوال تنبيه على أن صومها في غيره أفضل، هذا الذي حكاه القرافي عن المالكية وهو غريب عجيب(٦). (١) قال الزمخشري في الكشاف ١/ ١٤٣ -طبعة المكتبة التجارية الكبرى بمصر سنة ١٣٥٤ هـ: "وقيل ﴿عَشْراً﴾ ذهاباً إلى الليالي، والأيام داخلة معها، ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام، تقول: "صمت عشراً"، ولو ذكّرت خرجت من كلامهم ... " ا.هـ (٢) سورة طه الآية رقم: ١٠٣. (٣) في المطبوع: قوله تعالى بعدها. (٤) سورة طه الآية رقم: ١٠٤. (٥) سورة الحاقة الآية رقم: ٧. (٦) انظر: الذخيرة للقرافي ٥٣٠/٢-٥٣١ حيث ذكر معناه. ١٢٣١ كتاب الصيام الطريق الثاني: أن المقصود به المبادرة بالعمل وانتهاز الفرصة خشية الفوات؛ قال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾(١)، ﴿وَسَارعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبُّكُمْ﴾(٢). وهذا تعليل طائفة من الشافعية وغيرهم. قالوا: ولا يلزم أن يعطى هذا الفضل لمن صامها في غيره لفوات مصلحة المبادرة [١٣٨/أ] والمسارعة المحبوبة لله. قالوا: وظاهر الحديث مع هذا القول. ومن ساعده الظاهر فقوله أولى، ولا ريب أنه لا يمكن إلغاء خصوصية شوال وإلا لم يكن لذكره فائدة. وقال آخرون: لما كان صوم رمضان لا بد أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط وهضم من حقه وواجبه، ندب إلى صوم ستة أيام من شوال جابرة له ومسددة لخلل عساه (٣) أن يقع فيه، فجرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التي تنفل (٤) بعدها جابرة ومكملة. وعلى هذا فتظهر فائدة اختصاصها بشوال، والله أعلم. فهذه ثلاث مآخذ، ويُقوي(٥) هذا: (١) سورة البقرة الآية رقم: ١٤٨. (٢) سورة آل عمران الآية رقم: ١٣٣. (٣) في المطبوع: ما عساه. (٤) في المطبوع: يتنفل بها. (٥) في المطبوع: وسوى. ١٢٣٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية - جواب السؤال الثالث: وهو اختصاصها بهذا العدد دون ما هو أقل وأكثر، فقد أشار في الحديث إلى حكمته: فقال في حديث أبي هريرة: ((من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها))(١). فثلاثين بثلاثمائة، وستة بستين، وقد صام السنة. وكذلك في حديث ثوبان، ولفظه: ((من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)) لفظ ابن ماجه(٢). وأخرجه صاحب المختارة(٣). ولفظ النسائي فيه: ((صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة»(٤)، يعني: صيام رمضان وستة أيام بعده، فهذه هي الحكمة في كونها ستة. وأما ما ذكره بعضهم من أن الستة عدد تام، فإنها إذا جمعت أجزاؤها قام منها عدد السنة، فإن أجزاءها: النصف والثلث والسدس، ويكمل بها بخلاف الأربعة والاثني عشر وغيرها. (١) قد سبق تخريجه. (٢) سنن ابن ماجه ٥٤٧/١ في كتاب الصيام، ٣٣ - باب صيام ستة أيام من شوال. وقد سبق. (٣) مسند ثوبان من الأحاديث المختارة لم يطبع بعد. (٤) السنن الكبرى ٢/ ١٦٢، وقد سبق. ١٢٣٣ كتاب الصيام فهذا لا يحسن ولا يليق أن يُذكر في أحكام الله ورسوله، وأن (١) يُصان الدين عن التعليل بأمثاله. - وأما السؤال الرابع، وهو تشبيه هذا الصيام بصيام الدهر؛ مع كونه عُشْرُه (٢)، فقد أشكل هذا على كثير من الناس. وقيل في جوابه: المعنى أن من صام رمضان، وستة من شوال من هذه الأمة؛ فهو كمن صام السنة من الأمم المتقدمة. قالوا: لأن تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها، من خصائص هذه الأمة. وأحسن من هذا أن يقال: العمل له بالنسبة إلى الجزاء اعتباران: اعتبار المقابلة والمساواة؛ وهو الواحد بمثله. واعتبار الزيادة والفضل؛ وهو المضاعفة إلى العشر. فالتشبيه وقع بين العمل المضاعف ثوابه، وبين العمل الذي يستحق به مثله، ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى عشاء الآخرة في جماعة؛ فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة؛ فكأنما [١٣٨/ ب] قام ليلة))(٣). (١) في المطبوع: وينبغي أن. (٢) في المطبوع: مع كونه بقدره عشر مرات. وهو تغيير وتحريف لا داعي لمثله. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه ١ / ٤٥٤ في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٤٦- باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة. عن عثمان بن عفان قال: سمعت ١٢٣٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية - وأما السؤال الخامس: وهو الفرق بين أن يقول: "فكأنه(١) قد صام الدهر"، وبين قوله: "فكأنما صام الدهر". هو: أن المقصود تشبيه الصيام بالصيام، ولو قال: "فكأنه قد صام الدهر"؛ لكان بعيداً عن المقصود، فإنه حينئذ يكون تشبيهاً للصائم بالصائم، فمحل التشبيه هو الصوم لا الصائم، ويجيء الفاعل لزوماً، ولو شبه الصائم لكان هو محل التشبيه، ويكون مجيء الصوم لزوماً. وإنما كان قصد تشبيه الصوم أبلغ وأحسن؛ لتضمنه تنبيه السامع على قدر الفعل وعظمه، وكثرة ثوابه، فتتوفر رغبته فيه. - وأما السؤال السادس، وهو: الاستدلال به على استحباب صيام الدهر، فقد استدل به طائفة ممن یری ذلك. قالوا: ولو كان صوم الدهر مكروهاً، لما وقع التشبيه به، بل هذا يدل على أنه أفضل الصيام. وهذا استدلال فاسد جداً من وجوه: أحدها: أن في الحديث نفسه أن وجه التشبيه هو أن الحسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله». (١) في المطبوع: فكأنما. ١٢٣٥ كتاب الصيام بعشر أمثالها، فستة وثلاثون يوماً بسنة كاملة، ومعلوم قطعاً أن صوم السنة الكاملة حرام بلا ريب، والتشبيه لا يتم إلا بدخول العيدين وأيام التشريق في السنة، وصومها حرام. فعلم أن التشبيه المذكور لا يدل على جواز وقوع المشبه به، فضلاً عن استحبابه، فضلاً عن أن يكون أفضل من غيره. ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد، فقال: ((لا تستطيعه، هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ قال: لا، قال: فذلك مثل المجاهد))(١)، ومعلوم أن هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع. فإن قيل: يُحمل قوله: ((فكأنما صام الدهر))، على ما عدا الأيام المنهي عن صومها. قيل: تعليله صلى الله عليه وسلم حكمة هذه المقابلة، وذكره الحسنة بعشر أمثالها، وتوزيع الستة والثلاثين يوماً على أيام السنة؛ يُبطل هذا الحمل. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن صام الدهر؟ (١) أخرجه نحوه: البخاري في صحيحه ٦/٦ مع الفتح، في كتاب الجهاد والسير، ١ -باب فضل الجهاد والسير. ومسلم في صحيحه ١٤٩٨/٣ في كتاب الإمارة، ٢٩ -باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى. كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ١٢٣٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فقال: ((لا صام ولا أفطر))، وفي لفظ ((لا صام من صام الأبد))(١)، فإذا كان هذا حال صيام الدهر، فكيف يكون أفضل الصيام؟! الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: ((أفضل الصيام صيام داود))، وفي لفظ: ((لا أفضل من صوم داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً))(٢). فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال، يبيّن أن صوم يوم وفطر يوم أفضل [١٣٩/أ] من سرد الصوم، مع أنه أكثر عملاً، وهذا يدل على أنه مكروه؛ لأنه إذا كان الفطر أفضل منه، لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه، فإن العبادة لا تكون مستوية (٣) الطرفين، ولا يمكن أن يُقال هو أفضل من الفطر بشهادة النص له بالإبطال، فتعين أن يكون مرجوحاً، وهذا بين لكل منصف، ولله الحمد. (١) وقد سبق في أول الباب. (٢) صحيح البخاري ٢٥٩/٤ مع الفتح، في كتاب الصوم، ٥٦ -باب صوم الدهر. وفيه: ((فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفصل الصيام. فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك)). وصحيح مسلم ٨١٧/٢ في كتاب الصيام، ٣٥- باب. وفيه: ((صم أفضل الصيام عند الله، صوم داود عليه السلام)). وأيضاً في صحيح مسلم ٢/ ٨١٢ في كتاب الصيام، ٣٥- باب. وفيه: «فإني أطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك)). (٣) في الأصل: مستوفية. والمثبت هو المناسب للسياق. ١٢٣٧ كتاب الصيام کیف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم(١) قال الحافظ شمس الدين: وفي صومه صلى الله عليه وسلم شعبان أکثر من غيره، ثلاث معان: أحدها: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما شغل عن الصيام أشهراً، فجمع ذلك في شعبان؛ ليدركه قبل صيام الفرض(٣). (١) سنن أبي داود ٢/ ٨١٣-٨١٤، الباب رقم: (٥٩)، وترجمة الباب فيه: باب كيف کان یصوم النبي صلى الله عليه وسلم. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٣١٨/٣-٣١٩. حیث ذکر أبو داود في هذا الباب: - حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان)). وأخرجه البخاري في ٤ / ٢٥١ مع الفتح، كتاب الصوم، ٥٢-باب صوم شعبان. ومسلم في صحيحه ٨١٠/٢ في كتاب الصيام، ٣٤ - باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان. والنسائي في المجتبى ٤٥٩/٤ في كتاب الصيام، ٣٤-الاختلاف على محمد بن إبراهيم فيه. - حديث أبي هريرة رضي الله عنه بمعنى حديث عائشة، زاد: ((كان يصومه إلا قلیلاً، بل کان یصومه کله)). وقال عنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢١٢٧: "حسن صحيح". (٢) وجاء في ذلك حديث أخرجه الطبراني في الأوسط ٢/ ٣٢٠. عن عائشة قالت: = ١٢٣٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الثاني: أنه فعل ذلك تعظيماً لرمضان، وهذا الصوم يشبه فرض(١) الصلاة قبلها؛ تعظيماً لحقها(٢). الثالث: أنه شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب صلى الله عليه وسلم أن يرفع عمله وهو صائم (٣).(٤) = ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، وربما أخره حتى يصوم شعبان)). وضعفه ابن حجر في فتح الباري ٢٥٢/٤، وقال: "وحديث الباب وما بعده دال على ضعف ما رواه". (١) كتب في حاشية الأصل لعلها: سنّة. وفي المطبوع جمع بين الكلمتين: سنة فرض الصلاة .... (٢) جاء في ذلك حديث أنس قال: ((سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: شعبان لتعظيم رمضان». أخرجه الترمذي في جامعه ٥١/٣-٥٢ في كتاب الزكاة، ٢٨ - باب ما جاء في فضل الصدقة. وقال: حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي برقم: ١٠٤. قال ابن حجر في فتح الباري ٢٥٢/٤-٢٥٣:"ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: («أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم))". (٣) جاء في ذلك حديث أسامة بن زيد، قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: ((ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم)). وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢٢٢١. (٤) وذكر ابن حجر في فتح الباري ٢٥٣/٤ معنی رابع، راجعه إن شئت. ١٢٣٩ كتاب الصيام باب في صوم الاثنین والخمیس(١) قال: وأخرج النسائي من حديث المسيب بن رافع عن (١) سنن أبي داود ٢/ ٨١٤، الباب رقم: (٦٠). ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٣١٩/٣-٣٢٠. عند حديث مولى قُدامة بن مظعون عن مولى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القرى في طلب مال له، فكان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، فقال له مولاه: لم تصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير؟! فقال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك فقال: ((إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخمیس)». وأخرجه النسائي في المجتبى ٥١٧/٤ في كتاب الصيام، ٧٠ -صوم النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث أبي سعيد المقبري عن أسامة بن زيد به نحوه. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢١٢٨. وذكر المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢/ ٣٢٠ حديث ربيعة الجرشي عن عائشة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى يوم الإثنين والخمیس)). أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ٥١٧ في كتاب الصيام، ٧٠ -صوم النبي صلى الله عليه وسلم. والترمذي في جامعه ١٢١/٣ في كتاب الصوم، ٤٤- باب ما جاء في صوم يوم الإثنين والخميس. وقال: حسن غريب من هذا الوجه. وابن ماجه في سننه ١/ ٥٥٣ في كتاب الصيام، ٤٢- باب. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم: ١٤١٤. ١٢٤٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية سواء(١) الخزاعي عن عائشة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس))(٢). وأخرج عن المسيب عن حفصة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس)) (٣). وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الإثنين فقال: ((ذاك يوم وُلِدْتُ فيه، ويوم بُعِثْتُ أو أُنزل عليّ فيه)) (٤). وفيه من رواية شعبة: ((وسئل عن صوم الاثنين والخميس)»، قال مسلم: فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهماً (٥). (١) في المطبوع: سواد. وهو تحريف. (٢) سنن النسائي المجتبى ٥١٨/٤ في كتاب الصيام، ٧٠ -صوم النبي صلى الله علیه وسلم. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢٢٢٨. (٣) سنن النسائي المجتبى ٥١٨/٤-٥١٩ في كتاب الصيام، ٧٠ -صوم النبي صلى الله عليه وسلم. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢٢٣٠. (٤) صحيح مسلم ٨١٩/٢ في كتاب الصيام، ٣٦ - باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ... . (٥) صحيح مسلم ٢/ ٨٢٠ في كتاب الصيام، ٣٦ - باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ... .