النص المفهرس

صفحات 1081-1100

١٠٨١
كتاب الصيام
وصححه(١)، والنسائي(٢)، وابن ماجه(٣).
الرابع: احتجم وهو صائم فقط، ذكره أبو داود(٤).
وأما حديث: ((احتجم وهو صائم))، فهو مختصر من حديث
ابن عباس في البخاري ((احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو محرم، واحتجم وهو صائم)).
وأما حديث ((احتجم وهو محرم صائم))، فهذا هو الذي
تمسك به من ادعى النسخ.
وأما لفظ: ((احتجم وهو صائم))، فلا يدل على النسخ، ولا
تصح المعارضة به لوجوه:
أحدها: أنه لا يُعلم تاريخه، ودعوى النسخ لا تثبت بمجرد
الاحتمال.
الثاني: أنه ليس فيه أن الصوم كان فرضاً، ولعله كان صوم
(١) جامع الترمذي ١٤٦/٣ في كتاب الصوم، ٦١ - باب ما جاء من الرخصة في
ذلك.
(٢) السنن الكبرى للنسائي ٢٣٥/٢، وقال: هذا منكر.
(٣) سنن ابن ماجه ٥٣٧/٢ في كتاب الصيام، ١٨ - باب ما جاء في الحجامة
للصائم.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه برقم: ٣٧١.
(٤) سنن أبي داود ٢/ ٧٧٣ في كتاب الصوم، ٢٩ - باب في الرخصة في ذلك.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٠٧٩.

١٠٨٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
نفل خرج منه.
الثالث: حتى لو ثبت أنه صوم فرض، فالظاهر أن الحجامة
إنما تكون للعذر، ويجوز الخروج من صوم الفرض بعذر المرض.
والواقعة حكاية فعل لا عموم لها.
ولا يُقال: قوله: ((وهو صائم)) جملة حال مقارنة للعامل
فيها، فدل على مقارنة الصوم للحجامة؛ لأن الراوي لم يذكر أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني باق على صومي، وإنما رآه
يحتجم وهو صائم، فأخبر(١) بما شاهده ورآه، ولا علم له بنية النبي
صلى الله عليه وسلم، ولا بما فعل بعد الحجامة.
مع أن قوله: ((وهو صائم)) حال من الشروع في الحجامة
وابتدائها، فكان ابتداؤها مع الصوم، وكأنه قال: احتجم في اليوم
الذي کان صائماً فیه، ولا يدل ذلك على استمرار الصوم أصلاً.
ولهذا نظائر منها: حديث الذي وقع على امرأته وهو صائم،
وقوله في الصحيحين: ((وقعت على امرأتي وأنا صائم))(٢).
(١) في المطبوع: فأخبره.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٩٣/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٣٠ - باب
إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء ... .
وأخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٨١- ٧٨٢ في كتاب الصيام، ١٤ -باب تغليظ تحريم
الجماع في نهار رمضان على الصائم .... بلفظ: «وقعت على امرأتي في رمضان».

١٠٨٣
كتاب الصيام
والفقهاء وغيرهم يقولون: وإن جامع وهو محرم، وإن جامع
وهو صائم، ولا يكون ذلك فاسداً من الكلام.
فلا تُعطّل نصوص الفطر بالحجامة بهذا اللفظ المحتمل.
وأما قوله: ((احتجم وهو محرم صائم)) فلو ثبتت هذه اللفظة،
لم یکن فيها حجة، لما ذكرناه.
ولا دليل فيها أيضاً على أن ذلك كان بعد قوله: ((أفطر
الحاجم والمحجوم))، فإن هذا القول منه كان في رمضان سنة ثمان
من الهجرة، عام الفتح، كما جاء في حديث شداد(١)، والنبي صلى
الله عليه وسلم أحرم بعمرة الحديبية سنة ست، وأحرم من العام
القابل بعمرة القضية، وكلا العمرتين قبل ذلك، ثم دخل مكة عام
الفتح ولم يكن محرماً، ثم حج حجة الوداع.
فاحتجامه وهو صائم محرم، لم يبيّن [١١٩/ ب] في أي
إحراماته كان.
وإنما تمكن دعوى النسخ إذا كان ذلك قد وقع في حجة
الوداع أو في عمرة الجعرانة، حتى يتأخر ذلك عن عام الفتح الذي
قال فيه: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، ولا سبيل إلى بيان ذلك.
أما رواية ابن عباس له -وهو ممن صحب النبي صلى الله
(١) وقد سبق تخريجه.

١٠٨٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
عليه وسلم بعد الفتح- فلا تثير (١) ظناً فضلاً عن النسخ به، فإن
ابن عباس لم يقل: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا
رأيته فعل ذلك، وإنما روى ذلك رواية مطلقة.
ومن المعلوم أن أكثر روايات ابن عباس إنما أخذها من
الصحابة، والذي فيه سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ
عشرين قصة، كما قاله غير واحد من الحفاظ.
فمن أين لكم أن ابن عباس لم يرو هذا عن صحابي آخر،
کأکثر روایاته؟!
وقد روى ابن عباس أحاديث كثيرة، مقطوع بأنه لم يسمعها
من النبي صلى الله عليه وسلم ولا شهدها، ونحن نقول: إنها حجة،
لكن لا نثبت بذلك تأخرها ونسخها لغيرها ، ما لم يُعلم التاريخ.
وبالجملة فدعوى النسخ إنما تثبت بشرطين:
أحدهما: تعارض المتنين (٢).
والثاني: العلم بتأخر أحدهما.
وقد تبيّن أنه لا سبيل إلى واحد منهما في مسألتنا.
بل من المقطوع به أن هذه القصة لم تكن في رمضان، فإنه
(١) في المطبوع: نثير.
(٢) هذه الكلمة أقرب ما يمكن قراءتها هكذا، وإلا فليست تامة الوضوح.

١٠٨٥
كتاب الصيام
صلى الله عليه وسلم لم يحرم في رمضان، فإن عمره (١) كانت في ذي
القعدة، وفتح مكة كان في رمضان ولم يكن محرماً، فغايتها أنها(٢) في
صوم تطوع في السفر، وقد كان آخر الأمرين من رسول الله صلى
الله عليه وسلم الفطر في السفر، ولما خرج من الفتح(١) صام حتى
بلغ الكَدِيد(٤)، ثم أفطر والناس ينظرون إليه(٥)، ثم لم يحفظ عنه أنه
صام بعد هذا في سفر قط.
ولما شك الصحابة في صيامه يوم عرفة، أرسلوا أم الفضل
إليه بقدح، فشربه فعلموا أنه لم يكن صائماً.
فقصة الاحتجام وهو صائم محرم، إما غلط كما قال الإمام
أحمد وغيره، وإما قبل الفتح قطعاً.
وعلى التقديرين فلا يعارض بها قوله عام الفتح: ((أفطر
(١) في المطبوع: عمره كلها.
(٢) ساقطة من المطبوع.
(٣) في المطبوع: المدينة عام الفتح.
(٤) الكديد ماء عليه نخل كثير، على مرحلتين من مكة، من أعمال عسفان.
انظر: فتح الباري لابن حجر ٢١٣/٤.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٣/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٣٤-باب
إذا صام أياماً من رمضان ثم سافر.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٨٤ في كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز الصوم والفطر
في شهر رمضان للمسافر ... .

١٠٨٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الحاجم والمحجوم».
وعلى هذا فحديث ابن عباس إما يدل على أن الحجامة لا
تفطر، أو لا يدل؛ فإن لم يدل لم يصلح للنسخ، وإن دل فهو منسوخ
بما ذكرنا من حديث شداد، فإنه مؤرخ بعام الفتح، فهو متأخر عن
إحرام النبي صلى الله عليه وسلم صائماً، وتقريره ما تقدم.
وهذا القلب في دعوى كونه منسوخاً، أظهر من ثبوت النسخ
به.
وعياذاً بالله من شر مقلد عصبي يرى العلم جهلاً، والإنصاف
ظلماً، وترجيح الراجح على المرجوح عدواناً.
وهذه المضايق لا يصحب(١) السالك فيها إلا من صدقت في
العلم نیته، وعلت همته.
وأما [١٢٠/أ] من أخلد إلى أرض التقليد واستوعر طريق
الترجيح، فيُقال له: ما ذا(٢) عُشك فادرجي(١).
(١) في المطبوع: لا يصيب. وهو تحريف
(٢) في المطبوع: ما هذا. وهو تحريف.
و (ما ذا) أي: ليس هذا.
(٣) هذا مثل، أي ليس هذا من الأمر الذي لك فيه حق فدعه، ويضرب أيضاً
للرجل ينزل المنزل لا يصلح له.
انظر: مجمع الأمثال ١٨١/٢، وجمهرة الأمثال ٢/ ١٩٧، وفصل المقال في شرح
کتاب الأمثال ص: ٤٠٣.

١٠٨٧
كتاب الصيام
قالوا: وأما حديث أنس في قصة جعفر، فجوابنا عنه من
وجوه:
أحدها: أنه من رواية خالد بن مخلد عن ابن المثنى، قال
الإمام أحمد: خالد بن مخلد له مناكير(١).
قالوا: ومما يدل على أن هذا الحديث من مناكيره، أنه لم يروه
أحد من أهل الكتب المعتمدة، لا أصحاب الصحيح ولا أحد من
أهل السنن، مع شهرة إسناده وكونه في الظاهر على شرط البخاري،
ولا احتج به الشافعي مع حاجته إلى إثبات النسخ، حتى سلك ذلك
المسلك في حديث ابن عباس.
فلو كان هذا صحيحاً، لكان أظهر دلالة وأبين في حصول
النسخ.
قالوا: وأيضاً فجعفر إنما قدم من الحبشة عام خيبر، أو آخر
سنة ست وأول سنة سبع، وقُتل (٢) عام مؤتة قبل الفتح، ولم يشهد
الفتح، فصام مع النبي صلى الله عليه وسلم رمضاناً واحداً سنة
سبع، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((أفطر الحاجم والمحجوم))
بعد ذلك في الفتح سنة ثمان.
فإن كان حديث أنس محفوظاً، فليس فيه أن الترخيص وقع
(١) انظر: بحر الدم لابن عبد الهادي ص: ١٣٣.
(٢) في المطبوع: وقيل. وهو تحريف يحيل المعني.

١٠٨٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
بعد عام الفتح، وإنما فيه أن الترخيص وقع بعد قصة جعفر، وعلى
هذا فقد وقع الشك في الترخيص.
وقوله في الفتح: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) أيهما هو
المتأخر؟! ولو كان حديث أنس قد ذكر فيه الترخيص بعد الفتح،
لکان حجة، ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ.
قالوا: وأيضاً فالذي يبيّن أن هذا لا يصح عن أنس، ما رواه
البخاري في صحيحه عن ثابت قال: ((سئل أنس أكنتم تكرهون
الجحامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف)). وفي رواية:
((على عهد النبي صلى الله عليه وسلم))(١).
فهذا يدلّ على أن أنساً لم تكن عنده رواية عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه فطر بها، ولا أنه رخص فيها، بل الذي عنده
كراهتها من أجل الضعف، ولو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم
رخّص فيها بعد الفطر بها، لم يحتج أن يجيب بهذا من رأيه، ولم يكره
شيئاً رخّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً: فمن المعلوم أن أهل البصرة أشدّ الناس في التفطير
بها، وذكر الإمام أحمد وغيره أن البصرة كانت (٢) إذا دخل شهر
(١) صحيح البخاري ٢٠٦/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٣٢ - باب في الحجامة
والقيء للصائم.
(٢) في المطبوع: "أن أهل البصرة كانوا"، وهو تغيير في النص لا داعي له.

١٠٨٩
كتاب الصيام
رمضان، يغلقون حوانيت الحجامين.
وقد تقدم مذهب الحسن وابن سيرين إمامي البصرة: أنهما
كانا يفطران بالحجامة، مع أن فتاوى أنس نصب أعينهم، وأنس آخر
من مات بالبصرة من الصحابة.
فکیف یکون عند أنس أن النبي صلی الله علیه وسلم رخّص
في الحجامة [١٢٠/ ب] للصائم بعد نهيه عنها، والبصريون يأخذون
عنه، وهم على خلاف ذلك، وعلى القول بالفطر بها؟!
لا سيما وحديث أنس فيه أن ثابتاً سمعه منه، وثابت من
أكبر مشايخ أهل البصرة، ومن أخص أصحاب الحسن.
فكيف تشتهر بين أهل البصرة السنة المنسوخة، ولا يعلمون
الناسخة، ولا يعملون بها، ولا تُعرف بينهم ولا يتناقلونها، بل هم
على خلافها؟! هذا محال.
قالوا: وأيضاً فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس، وهو
الذي يروي قوله: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) من طريق أبي أسماء
عن ثوبان، ومن طريق أبي الأشعث عن شداد، وعلى حديثه اعتمد(١)
أئمة الحديث وصححوه، وشهدوا أنه أصح أحاديث الباب.
فلو كان عند أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة تنسخ
(١) في المطبوع: اعتمده.

١٠٩٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ذلك، لكان أصحابه أعلم بها، وأحرص على روايتها من أحاديث
الفطر بها. والله أعلم.
- قالوا: وأما حديث أبي سعيد فجوابه من وجوه:
أحدها: أنه حديث قد اختُلف فيه عليه؛ فرواه أبو المتوكل
عنه واختلف عليه؛ فرفعه المعتمر عن حميد عن أبي المتوكل (١)،
ووقفه بشر وإسماعيل وابن أبي عدي عن حميد(٢)، ووقفه أبو نضرة
عن أبي سعيد(٣)، وأبو نضرة من أروى الناس عنه وأعلمهم بحديثه،
ووقفه قتادة عن أبي المتوكل(٤).
فالواقفون له أكثر وأشهر، فالحكم لهم عند المحدثين.
الثاني: أن ذكر الحجامة فيه ليس من كلام النبي صلى الله
عليه وسلم.
قال ابن خزيمة: الصحيح أن ذكر الحجامة فيه من كلام أبي
سعید، ولكن بعض الرواة أدرجه فيه(٥).
(١) رواه النسائي في السنن الكبرى ٢٣٦/٢، وابن خزيمة في صحيحه ٢٣٠/٣-٢٣١،
والدارقطني في سننه ٢/ ١٨٣ ثم قال: كلهم ثقات، وغير معتمر يرويه مرفوعاً.
(٢) روى ذلك النسائي في السنن الكبرى ٢٣٧/٢.
(٣) رواه النسائي في السنن الكبرى ٢٣٧/٢.
(٤) رواه النسائي في السنن الكبرى ٢٣٨/٢، وابن خزيمة في صحيحه ٢٣٢/٣.
(٥) صحيح ابن خزيمة ٢٣١/٣.

١٠٩١
كتاب الصيام
الثالث: أنه ليس فيه بيان للتاريخ، ولا يدل على أن هذا
الترخيص كان بعد الفتح.
وقولكم: "إن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي"، باطل بنفس
الحديث، فإن فيه رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبلة
للصائم، ولم يتقدم منه نهي عنها، ولا قال أحد: إن هذا الترخيص
فيها ناسخ لمنع تقدم.
وفي الحديث: ((إن الماء من الماء كانت رخصة في أول
الإسلام)) (١)، فسمى الحكم المنسوخ رخصة، مع أنه لم يتقدم حظره
بل المنع منه متأخر.
وبالجملة فهذه المآخذ لا تفيد(٢) مقاومة لأحاديث الفطر ولا
تأخراً (٣) عنها، فكيف تُنسخ بها؟!
- قالوا: وأما جوابكم الثالث بأن الفطر فيها لم يكن
(١) رواه الترمذي في جامعه ١٨٣/١ في أبواب الطهارة، ٨١- باب ما جاء أن الماء
من الماء. وقال: "حسن صحيح".
ورواه أبو داود في سننه ١/ ١٤٧ في كتاب الطهارة، ٨٤ -باب في الإكسال. عن
أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن ((الماء من الماء)) كانت رخصة رخصها
رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدُ.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩٩.
(٢) في المطبوع: لا تعد.
(٣) في المطبوع: تأخرت.

١٠٩٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
للحجامة، وذكر الحاجم للتعريف المحض كزيد وعمرو (١)، في غاية
البطلان من وجوه [١٢١ / أ]:
أحدها: أن ذلك يتضمن الإبهام والتلبيس بأن يذكر وصفاً
یرتب علیه الحکم، ولا يكون له فيه تأثير ألبتة.
الثاني: أن هذا يُبطل عامة أحكام الشرع الذي(٢) رتبها على
الأوصاف، إذا تطرق إليها هذا الخيال والوهم الفاسد، كقوله تعالى:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾(٣)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾(٤)، ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾(٥).
ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رتبت عليها الأحكام،
فإن جاز أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل، بطلت
الأحكام.
الثالث: أنه لا يفهم قط أحد من (٦) الخاصة والعامة من قول
القائل: القاتل لا يرث، والعبد لا يرث، والكافر لا يرث، والقاذف
(١) في المطبوع: وعمر.
(٢) كذا في الأصل. ولعل الأصوب: التي.
(٣) سورة النور الآية رقم: ٢.
(٤) سورة المائدة الآية رقم: ٣٨.
(٥) سورة النساء الآية رقم: ١٥.
(٦) في المطبوع: "لا من"، بزيادة "لا"، فتكون العبارة فيه: "لا من الخاصة ... ".

١٠٩٣
كتاب الصيام
لا تقبل شهادته، والمحدث لا تصح صلاته، وأمثال ذلك، إلا تعلق
الأحكام بتلك الأوصاف.
ولهذا لا يحسن ذكر وصف لا تأثير له في الحكم، كما لو قال:
أفطر الخياط والمخيط له، وأفطر الحامل والمحمول له، وأفطر الشاهد
والمشهود له.
ومن قال هذا عُدّ كلامه سخفاً وتعجب الناس من قوله،
فكيف يضاف ذلك إلى الشارع؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
الرابع: أن هذا قدح في أفهام الصحابة الذين هم أعرف
الناس، وأفهم الناس بمراد نبيهم صلى الله عليه وسلم وبمقصوده
من كلامه، وقد قال أبو موسى لرجل قال له: ألا تحتجم نهاراً:
أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم، وقد سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: ((أفطر الحاجم والمحجوم))(١).
والذين فطروا بذلك من الصحابة، كعلي وأبي موسى
وغيرهم، إنما يحتجون بالحديث، وكان جماعة من الصحابة لا
يحتجمون في الصيام إلا ليلاً، منهم عبد الله بن عمر وابن عباس
(١) رواه النسائي في السنن الكبرى ٢٣١/٢، ٢٣٢، ٢٣٣، وابن أبي شيبة في
مصنفه ٣٠٧/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦٦/٤، والبزار في مسنده
٨/ ٨٢.
وصححه الحاكم فأخرجه في المستدرك ٤٢٩/١ -٤٣٠.

١٠٩٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وأبو موسی وأنس، ويحتجون بالحديث.
الخامس: أن هذا يتضمن تعليق الحكم -وهو الفطر-
بوصف لا ذكر له في الحديث أصلاً، وإبطال تعليقه بالوصف الذي
علقه به الشارع، وهذا من أبطل الباطل.
السادس: أنه لو صح ذلك -وحاشا لله- في قوله: ((أفطر
الحاجم والمحجوم)) فكيف يصحّ ذلك في حديث أنس الذي
جعلتموه عمدتکم في الباب، وهو قوله لجعفر وقد مرّ به وهو
يحتجم: ((أفطر هذان))، ثم رخص في الحجامة بعد. وفي قوله: ((نهى
عن الحجامة ولم يحرمها))؟ !.
السابع: أنه كيف يتفق بضعة عشر صحابياً، على رواية
أحاديث كلها متفقة بلفظ واحد، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم
قد ذكر الحجامة فيها، ولا تأثير لها في الفطر؟! وكلهم يقول: ((أفطر
الحاجم والمحجوم)) ؟!
الثامن: أنه كيف يجوز للصحابة أن يفتوا بذلك، [١٢١/ ب]
ويقولوا أفطر الحاجم والمحجوم، أفترى استمر التعريف بذلك
دائماً؟ !!
ودفع الأحاديث متى وصل إلى هذا الحدّ ساء وقبح جداً.
التاسع: أنا نقول نعم، وهو للتعريف بلا شك، فإن أحكام
الشارع إنما تعرف بالأوصاف وتربط بها، وتعم الأمة لأجلها،

١٠٩٥
كتاب الصيام
فالوصف في الحديث المذكور لتعريف حكمه، وأنه مرتبط بهذا
الوصف منوط به.
العاشر: أن صاحب القصة التي جرت له قال: مرّ عليّ النبي
صلى الله عليه وسلم وأنا أحتجم فقال: ((أفطر الحاجم
والمحجوم))(١)، فلو كان فطره بغير ذلك، لبيّنه له الشارع لحاجته إليه،
ولم يخفَ على الصحابي ذلك، ولم يكن لذكره الحجامة معنى،
وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
فكيف يترك الشارع بيان الوصف المفطر فلا يبينه للمكلف،
ويذكر له وصفاً لا يفطر بحال؟!
- وأما قولهم: إن الفطر بالغيبة، فهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن ذلك لا يثبت، وإنما جاء في حديث واحد من
تلك الأحاديث، وهما يغتابان الناس مع أنها زيادة باطلة(٢).
الثاني: أنه لو ثبت لكان الأخذ بعموم اللفظ الذي علق به
الحكم، دون الغيبة التي لم يعلق بها الحكم.
الثالث: أنه لو كان ما ذكروه صحيحاً، لكان موجب البيان أن
يقول: "أفطر المغتابان"، على عادته وعُرفه من ذكر الأوصاف المؤثرة
دون غيرها، فكيف يعدل عن الغيبة المؤثرة إلى الحجامة المهدرة؟!
(١) وذلك في حديث معقل بن سنان، وقد أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٤٧٤.
(٢) وقد سبق بيانه.

١٠٩٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الرابع: أن هذا يتضمن حمل الحديث على خلاف الإجماع(١)
وتعطيله، فإن المنازع لا يقول بأن الغيبة، تفطر فكيف نحمل الحديث
على ما نعتقد بطلانه؟!
الخامس: أن سياق الأحاديث يبطل هذا التأويل، كما تقدم.
السادس: أن معقل بن سنان قال مر بي رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأنا احتجم فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))(٢)، ولم يكن
يغتاب أحداً، ولا جری للغيبة ذکر أصلاً.
- قالوا: وأما الجواب الرابع(٣) بأن ((أفطر)) بمعنى سيفطر،
ففاسد أيضاً لتضمنه الإيهام بخلاف المراد، ولفهم الصحابة خلافه،
ولاضطراد هذا اللفظ دون مجيئه بالمعنى الذي ذكروه، ولشدة
مخالفته للوضع، ولذكر المحجوم فإنه وإن تعرض المحجوم للفطر
بالضعف، فأي ضعف يلحق(٤) الحاجم؟ !!
(١) ذكر هذا الإجماع: ابن قدامة في المغني ٣٥٢/٤.
مع أن ابن هانئ نقل في مسائله ١٣١/١ قوله: سمعته يقول في حديث النبي
صلى الله عليه وسلم: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، يقولون: إنما كانا يغتابان.
قال أبو عبد الله: الغيبة أيضاً أشد للصائم، تفطر، احذر أن تفطر الغيبة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤٧٤/٣.
(٣) في المطبوع: الواقع.
(٤) في المطبوع: لحق.

١٠٩٧
كتاب الصيام
وكون الحاجم متعرضاً لابتلاع الدم، والمحجوم متعرضاً
للضعف، هذا التعليل لا يبطل الفطر بالحجامة، بل هو مقرر للفطر
بها، وإلا فلا يجوز استنباط وصف من النص يعود عليه بالإبطال،
بل هذا الوصف إن كان له تأثير في الفطر وإلا فالتعليل به باطل.
- قالوا: وأما [١٢٢ / أ] الجواب الخامس أن النبي صلى الله
عليه وسلم مر بهما مساء، فقال ذلك فمما لا يجوز أن يحمل
الحديث عليه، وأي تأثير للحجامة؟! بل كل الناس قد أفطر،
وأيضاً (١) فهذا كذب، فإنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك أصلاً،
فقائله خبر بالكذب.
وأيضاً: فأي حاجة إلى قول أنس: ((ثم رخص بعد في
الحجامة))؟!
وأيضاً: فأي حاجة بالصحابة أن يؤخروا احتجامهم إلى
الليل، وكيف يفتون الأمة بفطرهم بأمر قد فعل مساء، لا تأثير له في
الفطر؟ !!
والحمد لله على المعافاة من رد الأحاديث بمثل هذه الخيالات.
- وأما جوابكم السادس أن هذا تغليظ ودعاء عليهما لا أنه
حكم شرعي، فالمجيب به كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإنهما لم
(١) في المطبوع: (أفطروا أيضاً) مكان: (أفطر، وأيضاً).

١٠٩٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يفعلا محرماً عندكم، ولا مفطراً، بل فعلا ما أباحه لهما الشارع
عندكم.
فكيف يُفظّ(١) عليهما ويُدعى(٢) عليهما؟ !!
ومتى عُهد في عرف الشارع الدعاء على المكلف بالفطر
وفساد العبادة.
وسائر الوجوه المتقدمة تبطل هذا أيضاً.
- وأما جوابكم السابع بإن المراد إيطال أجر صومهما،
فكذلك أيضاً فإنكم لا تبطلون أجرهما بذلك، ولا تحرمون
الحجامة.
ثم لو كان المراد إبطال الأجر لكان ذلك مقرراً لفساد الصوم
لا لصحته، فإنه قد أخبر عن أمر يتضمن بطلان أجرهما لزوما
واستنباطاً، وبطلان صومهما صريحاً ونصاً.
فكيف يُعطل ما دل عليه صريحه، ويعتبر ما استنبط (٣) منه؟!
مع أنه لا منافاة بينه وبين الصريح، بل المعنيان حق قد بطل
صومهما وأجرهما إذا كانت الحجامة لغير مرض.
- وأما جوابكم الثامن أن الأحاديث لو قُدّر تعارضها لكان
(١) في المطبوع: يغلظ.
(٢) في المطبوع: ويدعو.
(٣) في المطبوع: استنبطه.

١٠٩٩
كتاب الصيام
الأخذ بأحاديث الرخصة أولى، لموافقتها القياس، فجوابه:
أولاً: أن الأحاديث بحمد الله ليست متعارضة، وقد بيّنّا أنه
لا معارض لأحاديث المنع.
ويُقال ثانياً: لو قُدر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعين،
لأنها ناقلة عن الأصل، وأحاديث الإباحة موافقة لما كان الأمر عليه
قبل جعلها مفطرة، والناقل مقدم على المبقي.
ويُقال ثالثاً: ليس في أحاديث الرخصة لفظ صريح، وإنما
غايتها أن تكون فعلاً محتملاً للوجوه التي تقدمت.
فكيف تُقدم على القول الصريح؟ !!
ويقال رابعاً: أحاديث الفطر صريحة صحيحة متعددة الطرق،
رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر نفساً، وساق
الإمام أحمد أحاديثهم كلها.
وهم: رافع بن خديج (١)، وثوبان(٢)، وشداد بن أوس(٣)،
(١) هو في المسند ٣/ ٤٦٥. وقد سبق أن الترمذي أخرجه وصححه، وصححه
الألباني.
(٢) هو في المسند ٢٧٦/٥، ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢، ٢٨٣. وتقدم في أول الباب،
حيث أخرجه أبو داود وابن ماجه. وصححه الألباني.
(٣) هو في المسند ١٢٢/٤، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥. وقد سبق في أول الباب أن أبا
داود وابن ماجه أخرجاه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.

١١٠٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وأبو هريرة(١)، وعائشة(٢)، وبلال(٣)، وأسامة بن زيد (٤)، ومعقل بن سنان(٥)،
وعلي بن أبي طالب(٦)، وسعد بن أبي وقاص(٧)، وأبو زيد الأنصاري(٨)،
وأبو [١٢٢/ب] موسى(٩)(١٠) وابن عباس(١١)، وابن عمر(١٢).
(١) سبق تخريجه. وهو عند ابن ماجه أيضاً. وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.
(٢) سبق تخريجه من المسند. وهو عند النسائي في السنن الكبرى ٢٢٨/٢.
(٣) هو في المسند ٦/ ١٢. وقد سبق أن النسائي أخرجه في السنن الكبرى.
(٤) سبق تخريجه من المسند. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ٢٢٣/٢.
(٥) سبق تخريجه من المسند. وأن النسائي أخرجه أيضاً في السنن الكبرى.
(٦) ليس هو في المسند. وقد سبق أن النسائي أخرجه في السنن الكبرى.
(٧) ليس هو في المسند، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٣/ ٩٧.
(٨) ليس هو في المسند. وقد أخرجه ابن عدي في الكامل ٩٨/٣.
(٩) هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه.
(١٠) ليس هو في المسند، وسبق أن النسائي أخرجه في السنن الكبرى، وابن أبي
شيبة، والبزار، والبيهقي.
(١١) ليس هو في المسند. وقد سبق أن النسائي أخرجه في السنن الكبرى.
(١٢) ليس هو في المسند. وأخرجه الطبراني في الأوسط ١٨٥/٦، وابن عدي في
الكامل ٣٠٦/٢.
- وقد سبق عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
- وقد جاء من حديث جابر بن عبد الله. أخرجه: الطبراني في الأوسط ٩/ ١٥٢.
ومن حديث أنس بن مالك. أخرجه: البزار في مسنده ١ /٤٧٦، وابن
-
عدي في الكامل ٣٨٢،٢٢٩/٦.
- ومن حديث سمرة بن جندب. أخرجه الطبراني في الكبير ٢١٨/٧.