النص المفهرس
صفحات 981-1000
٩٨١
كتاب الطلاق
ومن نبا فهمه عن هذا وغلط عنه طبعه، [١٠٨/ ب] فلينظر
إلى الولد من الرضاعة، كيف هو ابن في التحريم، لا في الميراث ولا
في النفقة ولا في الولاية.
وهذا ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني، فإنها
بنتاً(١) في تحريم النكاح عليه عند الجمهور، وليست بنته في الميراث
ولا في النفقة ولا في المحرمية (٢).
وبالجملة فهذا من أسرار الفقه ومراعاة الأوصاف التي
تترتب عليها الأحكام، وترتيب مقتضى كل وصف عليه، ومن تأمل
الشريعة أطلعته من ذلك على أسرار وحكم تبهر الناظر فيها.
ونظير هذا لو (٣) أقام شاهداً واحداً وحلف معه على سارق
أنه سرق متاعه، ثبت حكم السرقة في ضمان المال على الصحيح(٤)،
ولم يثبت حكمها في وجوب القطع اتفاقاً (٥).
(١) في المطبوع: بنته.
(٢) وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
انظر: البحر الرائق ٩٩/٣، والفواكه الدواني ١٥/٢، وكشاف القناع ٦٩/٥.
وعند الشافعية لا يحرم على الزاني نكاحها. انظر: روضة الطالبين ١٠٩/٧.
(٣) في المطبوع: ما لو.
(٤) وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.
انظر: الشرح الكبير ١٨٩/٤، والإقناع للشربيني ٦٣٦/٢، والإنصاف ٨٢/١٢.
(٥) فلا بد من الشاهدين. انظر: شرح فتح القدير ٣٦٢/٥، والفواكه الدواني
=
٩٨٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فهذا سارق من وجه دون وجه، ونظائره كثيرة.
فإن قيل: فكيف تصنعون في الرواية التي جاءت في هذا
الحديث: ((واحتجبي منه يا سودة، فإنه ليس لك بأخ))(١).
قيل: هذه الزيادة لا نعلم ثبوتها وصحتها (٢) ، فلا (٣) يعارض
بها ما قد علمت صحته.
ولو صحت لكان وجهها ما ذكرناه، أنه ليس لها بأخ في
الخلوة والنظر، وتكون مفسرة لقوله: ((واحتجبي منه))، والله أعلم.
وهذا الولد الذي وقع فيه الاختصام هو عبد الرحمن بن
زمعة، مذكور في كتاب الصحابة (٤)، وهو حجة على من يقول: "إن
الأمة لا تكون فراشاً، ويحمل قوله: (الولد للفراش)) على الحرة"،
فإن سبب الحديث في الأمة، فلا يتطرق إليه تخصيص لأن محل
السبب فيه كالنص، وما عداه في حكم الظاهر، والله أعلم.
=
٢١٥/٢، والمهذب ٣٣٣/٢، والإنصاف ٧٩/١٢.
(١) رواه النسائي في المجتبى ٤٩٢/٦ في كتاب الطلاق، ٤٨ - باب إلحاق الولد
بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش. من حديث عبد الله بن الزبير.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٣٢٦١.
(٢) في المطبوع: ولا صحتها.
(٣) في المطبوع: ولا.
(٤) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٨٣٣/٢، والإصابة لابن حجر ٣٥/٥.
٩٨٣
كتاب الطلاق
باب من أنكر ذلك على فاطمة (١)
قال بعد قول المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي
مختصراً ومطولاً (٢).
قال الشيخ المذيّل: قال أبو داود في المسائل سمعت أحمد بن
حنبل، وذكر له قول عمر: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا(٣).
فلم يصحح هذا عن عمر (٤).
(١) سنن أبي داود ٢/ ٧١٧-٧١٨، الباب رقم (٤٠).
عند حديث أبي إسحاق السبيعي قال: كنت في المسجد الجامع مع الأسود،
فقال: أتت فاطمةُ بنت قيس عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: ما كنا
لندع كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري أحفظت
ذلك أم لا؟.
وأخرجه مسلم في صحيحه ١١١٨/٢-١١١٩، في كتاب الطلاق، ٦ -باب
المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها.
وقول عمر هذا أخرجه أيضاً: الترمذي في جامعه ٣/ ٤٨٤ في كتاب الطلاق
واللعان، ٥- باب ما جاء في المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة.
والنسائي في المجتبى ٥١٩/٦ في كتاب الطلاق، ٧٠-الرخصة في خروج
المبتوتة من بيتها في عدتها لسكناها.
(٢) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣/ ١٩٢.
(٣) في المطبوع: نبينا لقول امرأة.
(٤) مسائل أبي داود ص: ٣٠٢.
٩٨٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال الدارقطني: هذا الكلام لا يثبت عن عمر، يعني قوله:
وسنة نبينا(١).
(١) علل الدارقطني ١٤١/٢ حيث يقول: "وليست هذه اللفظة التي ذكرت فيه
محفوطة، وهي قوله: ((وسنة نبينا)). لأن جماعة من الثقات رووه عن الأعمش
عن إبراهيم عن الأسود، أن عمر قال: ((لا نجيز في ديننا قول امرأة)»، ولم
يقولوا فيه: ((وسنة نبينا)).
وانظر معرفة السنن والآثار ٦/ ١١١.
٩٨٥
كتاب الطلاق
ثم ذكر أحاديث الباب، ثم قال بعد انتهاء آخر الباب:
اختلف الناس في المبتوتة، هل لها نفقة أو سكنى على ثلاثة
مذاهب، وعلی ثلاث روايات عن أحمد:
أحدها: أنه لا سكنى لها ولا نفقة، وهي(١) ظاهر مذهبه(٢).
وهذا قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وجابر
وعطاء وطاوس والحسن وعكرمة وميمون بن مهران وإسحاق بن
راهويه وأبي ثور (٣) وداود بن علي (٤)، وأكثر فقهاء الحديث، وهو
مذهب صاحبة القصة فاطمة بنت قيس، وكانت تناظر عليه(٥).
ويُروى(٦) عن عمر وعبد الله بن مسعود (٧) أن لها السكنى
(١) في المطبوع: وهو.
(٢) وعليها المذهب. انظر: المغني ٤٠٣/١١، والمحرر ١١٦/٢، والإنصاف ٣٦١/٩.
(٣) (وأبي ثور) ساقطة من المطبوع.
(٤) ذكره عنهم: ابن قدامة في المغني ١١/ ٤٠٣.
وانظر التمهيد لابن عبد البر ١٤١/١٩، وجامع الترمذي ٤٨٥/٣، واختلاف
الفقهاء للمروزي ص: ٢٧٩.
وهو عن إسحاق في مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٠٧٤.
(٥) روى ذلك مسلم في صحيحه ١١١٧/٢ في كتاب الطلاق، ٦ - باب المطلقة
ثلاثاً لا نفقة لها.
(٦) في المطبوع: والثاني ویروی.
(٧) رواه عنهما: ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣٦/٤.
٩٨٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
[١٠٩/ أ] والنفقة.
وهو قول أكثر أهل العراق، وقول ابن شبرمة وابن أبي ليلى
وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابه وعثمان
البتي والعنبري(١)، وحكاه أبو يعلى ابن(٢) القاضي في مفراداته
رواية عن أحمد وهي غريبة جداً (٣).
والثالث: أن لها السكنى دون النفقة، وهذا قول مالك(٤)،
والشافعي(٥)، وفقهاء المدينة السبعة وهو مذهب عائشة أم
المؤمنين(٦).
وأسعد الناس بهذا الخبر من قال به، وأنه لا نفقة لها ولا
سکنی، فلیس مع من رده حجة تقاومه ولا تقاربه.
قال ابن عبد البر: أما من طريق الحجة وما يلزم منها، فقول
أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأرجح؛ لأنه ثبت عن النبي صلى
(١) انظر ذلك عنهم في: جامع الترمذي ٣/ ٤٨٥، واختلاف الفقهاء للمروزي
ص: ٢٧٩، والتمهيد لابن عبد البر ١٩/ ١٤١، والمغني لابن قدامة ١١/ ٤٠٣.
ولمذهب الحنفية خاصة انظر: شرح معاني الآثار ٧٣/٣.
(٢) ساقطة من المطبوع.
(٣) انظر لهذه الرواية: الإنصاف ٩/ ٣٦١.
(٤) انظر لمذهب المالكية: التمهيد ١٤١/١٩، ١٤٨، والقوانين الفقهية ص: ١٥٨.
(٥) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ١٦٥/٢، وفتح الباري لابن حجر ٣٩٠/٩.
(٦) انظر ذلك عنهم في: المغني ١١ / ٤٠٣.
٩٨٧
كتاب الطلاق
الله عليه وسلم نصاً صريحاً، فأي شيء يعارض هذا؟! إلا مثله عن
النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو المبيّن عن الله مراده، ولا شيء
يدفع ذلك.
ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾(١).
وأما قول عمر ومن وافقه، فقد خالفه علي وابن عباس ومن
وافقهما، والحجة معهم.
ولو لم يخالفهم أحد منهم لما قبل قول المخالف لقول رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم حجة على عمر وعلى غيره، ولم يصح عن عمر أنه قال: "لا
ندع كتاب ربنا وسنة نبينا؛ لقول امرأة"، فإن أحمد أنكره وقال: أما
هذا فلا، ولكن قال: "لا نقبل في ديننا قول امرأة"، وهذا أمر يرده
الإجماع على قبول قول المرأة في الرواية، فأي حجة في شيء يخالفه
الإجماع، وترده السنة، ويخالفه فيه علماء الصحابة(٢).
وقال إسماعيل بن إسحاق: نحن نعلم أن عمر لا يقول: "لا
(١) سورة الطلاق الآية رقم: ٦.
(٢) انظر كلام ابن عبد البر السابق في التمهيد ١٥١/١٩ -١٥٢ بنحوه.
وابن القيم أخذ كلام ابن عبد البر هذا من المغني لابن قدامة، فهو فيه بنصه
٤٠٣/١١-٤٠٤.
٩٨٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ندع كتاب ربنا"، إلا لما هو موجود في كتاب الله تعالى، والذي في
الكتاب أن لها النفقة إذا كانت حاملاً، بقوله(١) تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ
أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنْ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(٢).
وأما غير ذوات الحمل فلا يدل الكتاب إلا على أنهن لا
نفقة لهن، لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق، آخر كلامه(٣).
والذين ردّوا خبر فاطمة هذا، ظنّوه معارضاً للقرآن، فإن الله
تعالى قال: ((أُسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾(٤)، وقال:
{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾(٥).
وهذا لو كان كما ظنوه، لكان في السكنى خاصة، وأما
إيجاب النفقة لها فليس في القرآن إلا ما يدل على أنه: لا نفقة لهن،
كما قال القاضي إسماعيل، لأن الله سبحانه شرط في وجوب
الإنفاق أن يكنّ من أولات الحمل، وهو يدل على أنها إذا كانت
حائلاً(٦) فلا نفقة لها.
(١) في المطبوع: لقوله.
(٢) سورة الطلاق الآية رقم: ٦.
(٣) انظر كلامه هذا في: التمهيد ١٤٢/١٩، والمغني ٤٠٤/١١.
(٤) سورة الطلاق الآية رقم: ٦.
(٥) سورة الطلاق الآية رقم: ١.
(٦) في المطبوع: حاملاً. وهو خطأ.
٩٨٩
كتاب الطلاق
كيف وإن القرآن لا يدل على وجوب السكنى للمبتوتة
بوجه ما، فإن السياق كله إنما هو في الرجعية يبين ذلك [١٠٩/ ب]
في قوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾(١)، وقوله:
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾(٢)،
وهذا في البائن مستحيل، ثم قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾. فاللاتي قال فيهن:
أَفَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾،
٠
قال فيهن: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ و ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، وهذا
ظاهر جداً.
وشبهة من ظن أن الآية في البائن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ
أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنْ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(٣).
قالوا: ومعلوم أن الرجعية لها النفقة حاملاً كانت أو حائلاً.
وهذا لا حجة فيه، فإنه إذا أوجب نفقتها حاملاً، لم يدل
ذلك على أنه لا نفقة لها إذا كانت حائلاً، بل فائدة التقييد بالحمل
التنبيه على اختلاف جهة الانفاق بسبب الحمل، قبل الوضع وبعده؛
فقبل الوضع لها النفقة حتى تضعه، فإذا وضعته صارت النفقة بحكم
الإجارة ورضاعة الولد، وهذه قد يقوم غيرها مقامها فيه، فلا
(١) سورة الطلاق الآية رقم: ١.
(٢) سورة الطلاق الآية رقم: ٢.
(٣) سورة الطلاق الآية رقم ٦.
٩٩٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
تستحقها لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾(١).
وأما النفقة حال الحمل فلا يقوم غيرها مقامها فيه، بل هي
مستمرة حتى تضعه، فجهة الإنفاق مختلفة.
وأما الحائل فنفقتها معلومة من نفقة الزوجات، فإنها زوجة
ما دامت في العدة، فلا حاجة إلی بیان وجوب نفقتها.
وأما الحامل فلما اختلفت جهة النفقة عليها قبل الوضع
وبعده، ذکر سبحانه الجهتين والسببین.
وهذا من أسرار القرآن ومعانيه التي يختص الله بفهمها من
يشاء.
وأيضاً: فلو كان قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ
حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، في البوائن، لكان دليلاً ظاهراً على أن
الحائل البائن لا نفقة لها، لاشتراط الحمل في وجوب الإنفاق،
والحكم المعلق بالشرط عدم(٣) عند عدمه.
وأما آية السكنى فلا يقول أحد إنها مختصة بالبائن، لأن
السياق يخالفه، ويبين أن الرجعية مرادة منها.
فإما أن يقال: هي مختصة بالرجعية، كما يدل عليه سياق
(١) سورة الطلاق الآية رقم: ٦.
(٢) سورة الطلاق الآية رقم: ٦.
(٣) في المطبوع: يعدم.
٩٩١
كتاب الطلاق
الكلام، وتتحد الضمائر ولا تختلف مفسراتها، بل يكون مفسر
قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾﴾، هو مفسر قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ»، وعلى هذا فلا
حجة في سکنی البائن.
وإما أن يُقال: هي عامة للبائن والرجعية، وعلى هذا فلا
يكون حديث فاطمة منافياً للقرآن، بل غايته أن يكون مخصّصاً
لعمومه، وتخصيص القرآن بالسنة جائز واقع.
هذا لو كان قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ» عاماً فكيف ولا يصح فيه
العموم لما ذكرناه.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نفقة [١١٠/أ] لك،
ولا سكنى))(١)، وقوله في اللفظ الآخر: ((إنما النفقة والسكنى للمرأة
إذا كان لزوجها عليها الرجعة))، رواه الإمام أحمد(٢) والنسائي"
وإسناده صحيح.
وفي لفظ لأحمد: ((إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها
ما كانت له عليها الرجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١١١٥ في كتاب الطلاق، ٦ - باب المطلقة ثلاثاً
لا نفقة لها.
(٢) مسند أحمد ٣٧٣/٦.
(٣) سنن النسائي المجتبى ٦/ ٤٥٥ في كتاب الطلاق، ٧-باب الرخصة في ذلك.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٣١٨٦.
٩٩٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ولا سكنى)) (١).
وهذا يبطل كل ما تأولوا به حديث فاطمة، فإن هذا فتوى
عامة وقضاء عام في حق كل مطلقة، فلو لم يكن لشأن فاطمة ذكر في
البين(٢)، لكان هذا اللفظ العام مستقلاً بالحكم، لا معارض له بوجه
من الوجوه.
فقد تبيّن أنّ القرآن لا يدل على خلاف هذا الحديث، بل إنما
يدل على موافقته، كما قالت فاطمة: ((بيني وبينكم القرآن))(٣).
ولما ذكر لأحمد قول عمر: "لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة"،
تبسم أحمد وقال: أي شيء في القرآن خلاف هذا.
وأما قوله في الحديث: ((وسنة نبينا))، فإن هذه اللفظة وإن كان
مسلم(٤) رواها، فقد طعن فيها الأئمة كالإمام أحمد وغيره.
قال أبو داود في كتاب المسائل: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر
له قول عمر:" لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة"، قلت:
يصح(٥) هذا عن عمر؟ قال: لا(٦).
(١) مسند أحمد ٦ / ٤١٧.
(٢) في المطبوع: المبين.
(٣) رواه مسلم ٢/ ١١١٧، في كتاب الطلاق، ٦ - باب المطلقة ثلاثاً لا نفققة لها.
(٤) وقد سبق تخريجه في أول الباب.
(٥) في المطبوع: أيصح.
(٦) مسائل أبي داود للإمام أحمد ص: ٣٠٢.
٩٩٣
كتاب الطلاق
وروى هذه الحكاية البيهقي في السنن والآثار: عن الحاكم
عن ابن بطة عن أبي حامد الأشعري(١) عن أبي داود (٢).
(١) علّق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "هكذا في الأصل، ولا أدري من أبو حامد
الأشعري هذا؟! وصححت النسخة في الأصل ممن كانت عنده (الإسفراييني)
وهذا مشكل أيضاً، فإن أبا حامد الاسفراييني الفقيه الشافعي المشهور لم يدرك
أبا داود، لأنه ولد سنة ٣٤٤ وأبو داود مات سنة ٢٧٥، والمذكور في الرواة
عن أبي داود في ترجمه ((أبو حامد أحمد بن جعفر الأصبهاني))، و ((أبو عوانه
يعقوب بن إسحاق الإسفراييني»، فما أدري هل الراوي عنه هنا أحدهما أو
شخص آخر؟ ولعلنا نوفّق نحن أو غيرنا لتحقيق هذا، إن شاء الله"ا. هـ كلام
الشيخ رحمه الله تعالى.
قلت: أما الكلمة في الأصل فهي (الأشعري) وليست (الإسفراييني)، وهذا
بلا ريب.
ورحم الله أبا الأشبال رحمة واسعة، ولعلي أن أكون الذي دعا له الشيخ رحمه
الله بالتوفيق لتحقيق هذا، فأقول: قد توصلت بفضل الله تعالى وحده إلى
تحقيق هذا بعد أن طُبع كتاب معرفة السنن والآثار الذي نقل منه ابن القيم،
فإذا في معرفة السنن والآثار ٦/ ١١٢ قول البيهقي: ((أنبأني أبو عبد الله
الحافظ عن أبي عبد الله بن بطة الأصبهاني عن أبي حامد أحمد بن جعفر
الأشعري عن أبي داود ... ) إلخ، فاتضح أن المراد هو: (أحمد بن جعفر
الأشعري)، وله ترجمة في تاريخ بغداد ٦٤/٤: ((أحمد بن جعفر بن محمد بن
سعيد أبو حامد الأشعري الأصبهاني ... )). وتوفي سنة (٣١٧) كما في المصدر
السابق، وسير أعلام النبلاء ١٤ / ٤٥٦. والحمد لله رب العالمين.
(٢) معرفة السنن والآثار ٦/ ١١٢.
٩٩٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال الدارقطني: هذا اللفظ لا يثبت، - يعني قوله: ((وسنة
نبينا)) - ويحيى بن آدم أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه. وقد
تابعه قبيصة ابن عقبة فرواه عن عمار بن رزيق مثل قول يحيى بن
آدم سواء، والحسن بن عمارة متروك، وأشعث بن سوار ضعيف،
ورواه الأعمش عن إبراهيم دون قوله: ((وسنة نبينا)(١)، والأعمش
أثبت من أشعث وأحفظ(٢).
وقال البيهقي: هذه اللفظة أخرجها مسلم في صحيحه.
وذهب غيره من الحفاظ إلى أن قوله: ((وسنة نبينا))، غير محفوظ(٣) في
هذا الحدیث.
فقد رواه يحيى بن آدم وغيره عن عمار بن رزيق في السكنی
دون هذه اللفظة.
وكذلك رواه الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر
دون قوله: «وسنة نبينا)).
وإنما ذكره أبو أحمد عن عمار وأشعث عن الحكم وحماد عن
إبراهيم عن الأسود عن عمر، والحسن بن عمارة عن سلمة بن
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣٦/٤، والدارقطني في سننه ٢٤/٤،
والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٧٥.
(٢) سنن الدار قطني ٢٦/٤-٢٧، ونحوه في العلل له ٢/ ١٤١.
(٣) في المطبوع: محفوظة.
٩٩٥
كتاب الطلاق
كهيل عن عبد الله بن الخليل الحضرمي عن عمر. ثم ذكر كلام
الدار قطني أنها لا تثبت(١).
فقد تبيّن أنه ليس في السنة ما يعارض حديث فاطمة، كما
أنه ليس في [١١٠/ ب] الكتاب ما يعارضه.
وفاطمة امرأة جليلة من فقهاء الصحابة، غير متهمة في
الرواية، وما يرويه بعض الأصوليين: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا
لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت؟"(٢) غلط ليس في
الحديث، وإنما الذي في الحديث: ((حفظت أم نسيت))، هذا لفظ
(٣)
مسلم(٣).
قال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد أنه ذكر عند الشعبي
قول عمر هذا: ((حفظت أم نسيت))، فقال الشعبي: امرأة من قريش
ذات عقل ورأي تنسى قضاء قضي به عليها؟! قال: وكان الشعبي
(١) معرفة السنن والآثار للبيهقي ٦/ ١١١.
(٢) ممن ذكره هكذا: ابن قدامة في المغني ٣٠١/١١، والسرخسي في المبسوط
٢٠١/٥، والكاساني في بدائع الصنائع ٢١٠/٣، والغزالي في المستصفى
١٢٣/١، والرازي في المحصول ٤٩٨/٣، وفي ٤/ ٤٤٧ و٤ /٥٨١،
والسرخسي في كتابه أصول السرخسي ٣٣١/١، ٣٤٣، ٣٤٤ و ٣٤٣/٢،
وأبو الحسين البصري في المعتمد ١١٥/٢، وولي الله الدهلوي في الإنصاف
ص: ٢٤. وغيرهم
(٣) وقد سبق.
٩٩٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
٠٠٠٠
يأخذ بقولها(١).
وقال ميمون بن مهران لسعيد بن المسيب لما قال(٢): "تلك
امرأة فتنت الناس": لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله صلى
الله عليه وسلم ما فتنت الناس(٣).
وإنّ لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.
ثم رَدُّ خبرها بأنها امرأة، مما لا يقول به أحد؛ وقد أخذ
الناس برواية من هو دون فاطمة، وبخبر الفريعة (٤) وهي امرأة،
(١) رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٩/٦ دون قوله: "قال: وكان الشعبي
يأخذ بقولها".
(٢) (لما قال) ساقطة من المطبوع. وبسقوطها يختل المعنى.
(٣) رواه ابن عبد البر بسنده في التمهيد ١٩/ ١٤٧.
أما قول سعيد، فقد أخرجه أبو داود في سننه ٧١٩/٢-٧٢٠ في كتاب
الطلاق، ٤٠- باب من أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي دواد برقم: ٢٠١٠.
(٤) خبر الفريعة هو أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن
ترجع إلى أهلها في بني خُذْرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبدٍ له أبقوا حتى
إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن أرجع إلى أهلي فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة. فقالت:
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم))، قالت: فخرجت حتى إذا كنت
في الحجرة أو في المسجد دعاني، أو أمر بي فدعيت له، فقال: ((كيف قلتٍ؟))
فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: ((امكثي في
=
٩٩٧
كتاب الطلاق
وبحديث النساء كأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من
الصحابة(١).
بل قد احتج العلماء بحديث فاطمة هذا بعينه في أحكام
كثيرة، منها:
نظر المرأة إلى الرجل، ووضعها ثيابها في الخلوة.
وجواز الخطبة على خطبة الغير، إذا لم تجبه المرأة، ولم تسكن
(٢)
إليه (٢).
بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله))، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً.
قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليّ فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه
وقضی به.
أخرجه أبو داود في سننه ٧٢٣/٢-٧٢٤ في كتاب الطلاق، ٤٤-باب في
المتوفى عنها تنتقل. وهذا لفظه.
وأخرجه الترمذي في جامعه ٥٠٨/٣-٥٠٩ في كتاب الطلاق، ٢٣ - باب ما
جاء أین تعتد المتوفى عنها زوجها. وقال: حديث حسن صحيح.
والنسائي في المجتبى ٦/ ٥١٠، ٥١١ في كتاب الطلاق، ٦٠ - مقام المتوفى عنها
زوجها في بیتھا حتی تحل.
وابن ماجه في سننه ١/ ٦٥٤ کتاب الطلاق، ٨-باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٠١٦.
(١) في المطبوع: الصحابيات.
(٢) في المطبوع: (يسكن إليها) مكان: (تسكن إليه).
٩٩٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وجواز نكاح القرشية لغير القرشي.
ونصيحة الرجل لمن استشاره في أمر يعيب من استشاره فيه،
وأن ذلك ليس بغيبة.
ومنها الإرسال بالطلاق في الغيبة.
ومنها التعريض بخطبة المعتدة البائن، بقوله: ((لا تفوتيني
بنفسك»(١).
ومنها احتجاج الأكثرين به على سقوط النفقة للمبتوتة التي
لیست محامل.
فما بال حديثها محتجاً به في هذه الأحكام، دون سقوط
السكنی؟ !!
فإن كانت (٢) حفظته فهو حجة في الجميع، وإن لم يكن
محفوظاً، لم يجز أن يحتج به في شيء، والله أعلم.
وقال الشافعي في القديم: فإن قال قائل فإن عمر بن الخطاب
اتهم حديث فاطمة بنت قيس، وقال:" لا ندع كتاب ربنا لقول
امرأة"، قلنا: لا نعرف أن عمر اتهمها، وما كان في حديثها ما تتهم
له، ما حدثت إلا بما يجب، وهي امرأة من المهاجرين لها شرف
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١١١٦/٢ في كتاب الطلاق، ٦ -باب المطلقة ثلاثاً
لا نفقة لها. بلفظ: «لا تفوتینا بنفسك».
(٢) ساقطة من المطبوع.
٩٩٩
كتاب الطلاق
وعقل وفضل، ولو رد شيء من حديثها، كان إنما يرد منه أنه أمرها
بالخروج من بيت زوجها، فلم تذكر هي لم أُمِرَت بذلك، وإنما أُمِرت
به لأنها استطالت على أحمائها، فأمرت بالتحول عنهم للشر بينها
وبينهم، فكأنهم أحبوا لها ذكر السبب الذي له أُخرجت، لئلا يذهب
ذاهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن تعتد المبتوتة حيث
شاءت، في غير بيت زوجها(١).
وهذا الذي ذكره الشافعي هو تأويل عائشة بعينه، وبه
أجابت مروان لما احتج عليها بالحديث كما تقدم (٢).
ولكن هذا التأويل مما [١١١/أ] لا يصلح دفع الحديث به
من وجوه:
أحدها: أنه ليس بمذكور في القصة، ولا علق عليه الحكم قط
لا باللفظ ولا بالمفهوم، وإن كان واقعاً، فتعليق الحكم به تعليق على
وصف لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في لفظه قط ما يدل
على إسقاط السكنى به، وترك لتعليق الحكم بالوصف الذي اعتبره
وعلق به الحكم، وهو عدم ثبوت الرجعة.
الثاني: أنكم لا تقولون به، فإن المرأة ولو استطالت ولو
(١) لم أقف عليه هكذا، وذكر نحوه البيهقي مختصراً في السنن الكبرى ٤٣٣/٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١١١٧ في كتاب الطلاق، ٦ -باب المطلقة ثلاثاً
لا نفقة لها.
١٠٠٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
عصت بما عسى أن تعصي به، لم(١) يسقط حقها من السكنى، كما
لو كانت حاملاً، بل كان يستكري لها من حقها في مال زوجها،
وتسكن ناحية.
وقد أعاذ الله فاطمة بنت قيس من ظلمها وتعديها إلى هذا الحد،
كيف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفها بذلك، ولا نهاها عنه، ولا
قال لها: "إنما أخرجت من بيتك بظلمك لأحمائك"، بل قال لها: ((إنما
السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة)»، وهذا هو:
الوجه الثالث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لها
السبب الذي من أجله سقط حقها من السكنى، وهو سقوط حق
الزوج من الرجعة، وجعل هذا قضاء عاماً لها ولغيرها، فكيف يعدل
عن هذا الوصف إلى وصف لو كان واقعاً لم يكن له تأثير في الحكم
أصلاً.
وقد روى الحميدي في مسنده هذا الحديث، وقال فيه: ((يا
ابنة قيس إنما (٢) السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك الرجعة))،
ورواه الأثرم(٣).
(١) في المطبوع: لا.
(٢) في المطبوع: إنما لك.
(٣) مسند الحميدي ١٧٦/١ بلفظ: ((يا بنت آل قيس، إنما السكنى والنفقة للمرأة
إذا كان لزوجها عليها رجعة».