النص المفهرس

صفحات 961-980

٩٦١
كتاب الطلاق
بـ
-يعني من حديث عبد الله بن عمر - غير محفوظ، والصحيح ما رواه
شعيب وغيره عن الزهري، حُدِّثت (١) عن محمد بن سويد الثقفي أن
غيلان أسلم، قال البخاري: وأما حديث الزهري: عن سالم عن أبيه
أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال عمر رضي الله عنه لتراجعن
نساءك أو لأرجمن قبرك، كما رجم قبر أبي رغال(٢).(٣)
=
أخرجه الترمذي -واللفظ له- في جامعه ٤٣٥/٣ في كتاب النكاح، ٣٢ - باب ما
جاء في الرجل يُسلم وعنده عشر نسوة. ثم نقل عن البخاري تضعيفه.
وأخرجه ابن ماجه في سننه ٦٢٨/١ في كتاب النكاح، ٤٠- باب الرجل يسلم وعنده
أکثر من أربع نسوة. كلاهما من حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر به.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم: ٩٠١.
(١) ساقطة من المطبوع. وبسقوطها يختل المعنى.
(٢) أخرج أثر عمر هذا: أحمد في مسنده ٢/ ١٤، وابن حبان في صحيحه ٩/ ٤٦٣ مع الإحسان.
وعلق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "لم يذكر ابن القيم كلام البخاري كاملاً،
بل أخلّ به، وكلامه ثابت بنصه في كتاب التاريخ الصغير (ص ١٣٧)،
واختصره الترمذي اختصاراً واضحاً (٣: ١٩٠). وستأتي إشارتنا إلى تحقيقنا
صحة هذا الحديث بعد صفحتين"ا. هـ كلام الشيخ.
وقال بعد صفحتين في تعليقه على الحديث في مختصر المنذري: "حديث ابن عمر
في قصة غيلان بن سلمة الثقفي، رواه أحمد في المسند مختصراً ومطولاً ٤٦٠٩،
٤٦٢١ من طريق معمر عن الزهري. وقد بينت في شرحي هناك صحته، ورردت
على من أعله، والحمد لله"ا.هـ كلام الشيخ.
(٣) ولفظ البخاري كما في علل الترمذي الكبير (٤٤٥/١ -٤٤٦):" وسألت
=

٩٦٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال ابن عبد البر: الأحاديث في تحريم ما زاد على
الأربعة (١) كلها معلولة(٢).
وقال ابن القطان: هذا حديث يختلف(٣) فيه على الزهري:
فمالك(٤) ومعمر يقولان عنه: بلغنا أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال [١٠٦/ ب] لرجل من ثقيف(٥).
=
محمداً عن حديث معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة
أسلم وتحته عشر نسوة. فقال: هو حديث غير محفوظ، إنما روى معمر هذا
بالعراق، وقد روي عن عمر عن الزهري هذا الحديث مرسلاً. وروى شعيب
بن أبي حمزة وغيره عن الزهري، قال: حُدّثت عن محمد بن سويد الثقفي أن
غيلان بن سلمة أسلم. قال محمد: وهذا أصح، وإنما روى الزهري عن سالم
عن أبيه أن عمر قال لرجل من ثقيف طلّقَ نساءه، فقال: لتراجعن نساءك أو
لأرجمنك كما رجم النبي صلى الله عليه وسلم قبر أبي رغال ".
(١) في المطبوع: الأربع.
(٢) انظر التمهيد ١٢ / ٥٨.
(٣) في المطبوع: مختلف.
(٤) في المطبوع: ومالك.
(٥) أما راية مالك فهي في الموطأ ٥٨٦/٢. ورواها عنه: الشافعي في مسنده ص:
٢٩٢، والدارقطني في سننه ٢٧٠/٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٢٥٣/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٨٢.
وأما رواية معمر فأخرجها: عبد الرزاق في المصنف ٧/ ١٦٢، والدارقطني في
سننه ٢٧٠/٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥٣/٣.

٩٦٣
كتاب الطلاق
ويونس في رواية (١) عنه يقول عن الزهري عن عثمان بن
محمد بن أبي سويد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لغيلان
حين أسلم، ذكره ابن وهب عن يونس (٢).
وروى الليث عن يونس عن ابن شهاب بلغني عن عثمان بن
أبي سويد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث(٣).
وروى شعيب بن أبي حمزة وغير واحد عن الزهري حُدِّثت
عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم، ذكره البخاري
(٤)
والناس(٤).
وقال معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان أسلم،
ذكره الإمام أحمد بن حنبل وغيره(٥) .
فهذه خمس وجوه. آخر كلامه(٦).
(١) في المطبوع: روايته.
(٢) أخرجها الدار قطني في سننه ٣/ ٢٧٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١٨٢/٧.
(٣) أخرجها الدارقطني في سننه ٢٧٠/٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٢٥٣/٣.
(٤) سبق ذكر البخاري له.
(٥) مسند أحمد ١٤/٢. وهو ما أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقد سبق تخريجه
منهما.
(٦) بيان الوهم والإيهام ٤٩٦/٣-٤٩٧، وليس فيه قوله "ذكره الإمام أحمد
وغيره، فهذه خمس وجوه".

٩٦٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقد رواه الدارقطني من حديث سيف بن عبيد الله(١) الجرمي
أخبرنا سَرّار بن مُجَشّر عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر: ((أن
غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فأمره النبي صلى الله عليه
وسلم أن يمسك منهن أربعاً))، فلما كان زمن عمر طلقهن، فقال له
عمر: راجعهن وإلا ورثتهن مالك، وأمرت بقبرك(٢). (٣)
ولكن سيف وسرار ليسا بمعروفين بحمل الحديث وحفظه.
وقال الدارقطني في كتاب العلل -وقد ذكر هذا الحديث -:
تفرد به سيف بن عبيد الله(٤) الجرمي عن سرار، وسرار ثقة من أهل
البصرة(٥).
ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته، بل لو
تفرد به من هو أجلّ من سيف لكان تفرده علة، والله أعلم.
(١) في الأصل: "عبد الله". والتصويب من سنن الدار قطني، ومن التاريخ الكبير
للبخاري ١٧٢/٤، والثقات لابن حبان ٣٠٠/٨.
(٢) في المطبوع: بقبرك يرجم.
(٣) سنن الدارقطني ٢٧١/٣ -٢٧٣.
(٤) في المطبوع: عبد الله. وهو خطأ.
(٥) مسند عبد الله بن عمر من كتاب العلل لم يُطبع بعد.

٩٦٥
كتاب الطلاق
ثم ذكر المنذري(١) حديث الضحاك ابن فيروز، ثم قال في
آخره: ولفظ ابن ماجه ((طَلّق))، كما ذكره أبو داود (٢).
قال الشيخ المذيل: هذا الحديث يرويه أبو وهب الجيشاني
عن الضحاك بن فيروز عن أبيه، قال البخاري: في إسناد هذا
الحديث نظر (٣).
ووجه قوله أن أبا وهب والضحاك مجهول حالهما، وفيه يحيى
ابن أيوب ضعيف (٤).
(١) سنن أبي داود ٢/ ٦٧٨ في كتاب الطلاق، الباب رقم (٢٥)، وهو الباب السابق.
عند حديث الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت
وتحتي أختان، قال: ((طلّق أیتهما شئت)).
وأخرجه الترمذي في جامعه ٤٣٦/٣، في كتاب النكاح، ٣٣ - باب ما جاء في
الرجل یسلم وعنده أختان. وقال: هذا حديث حسن.
وابن ماجه في سننه ١/ ٦٢٧ في كتاب النكاح، ٣٩ - باب الرجل يُسلم وعنده أختان.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩٦٢.
(٢) مختصر سنن أبي داود للمنذري ١٥٨/٣، حيث قال: وأخرجه الترمذي وابن
ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن. وفي لفظ الترمذي: ((اختر أيتهما
شئت). ولفظ ابن ماجه: «طلّق))، کما ذكره أبو داود.
(٣) التاريخ الكبير ٢٤٩/٣.
(٤) هذا توجيه ابن القيم لكلام البخاري. إلا أن البخاري فسّر قوله هذا في
موضع آخر، فقال في التاريخ الكبير ٣٣٣/٤ : "الضحاك بن فيروز الديلمي
عن أبيه روى عنه أبو وهب الجيشاني، لا يعرف سماع بعضهم من بعض".

٩٦٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقوله: ((طلق أيتهما شئت))، دليل على أنه إذا طلق واحدة لم
يكن اختياراً لها، كما قال أصحابنا، وأصحاب الشافعي (١).
قالوا: لأن الطلاق إنما يكون للزوجة لا للأجنبية، فإذا طلقها
كان دليلاً على استبقاء نكاحها.
وهذا ضعيف جداً، فإن طلاقه لها إنما هو رغبة عنها وقطع
لنكاحها، فكيف يكون اختياراً(٢)؟!
وهو لو قال: "طلقت هذه وأمسكت(٣) أو اخترت هذه"،
جعلتم التي اختار إمساكها مفارقة، والتي اختار طلاقها مختارة، وهذا
معلوم أنه ضد مقصوده.
وأقصى ما في الباب أنه استعمل لفظ الطلاق في مفارقتها.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((فارق سائرهن))،
والفراق(٤) أيضاً من صرائح الطلاق عندكم، فإذا قال: "فارقت
هذه"، كان اختياراً لها؟! وهذا أحد الوجهين لهم(٥)، وإنما يكون
(١) هذا المذهب عند الشافعية. انظر: المهذب ٢/ ٥٢، والتنبيه ص: ١٦٤.
وكذلك هو مذهب الحنابلة. انظر: الإنصاف ٢٢٠/٨، والكافي ٣١٨/٤.
(٢) في المطبوع: اختياراً لها.
(٣) في المطبوع: وأمسكت هذه.
(٤) في المطبوع: والمفارقة.
(٥) وهو وجه عند الحنابلة. انظر: الكافي ٣١٨/٤، والإنصاف ٢٢١/٨.

٩٦٧
كتاب الطلاق
مفارقاً لها إذا قال: "فسخت نكاح [١٠٧ /أ] هؤلاء"، أو: "اخترت
هؤلاء"، ونحوه.
وصاحب الشرع قد أمره بالفراق والطلاق(١) ، فإذا أتى
باللفظ الذي أمره به، كان ذلك فراقاً لا اختياراً.
وأما قولهم: "إن الطلاق لا يكون إلا في زوجة".
قلنا: هذا ينتقض بالفسخ فإنكم قد قلتم: "لو فسخ نكاح
إحداهن كان اختياراً للباقية(٢)، ومعلوم أن الفسخ لا يكون إلا في
زوجة، فما هو جوابكم في الفسخ هو الجواب في الطلاق.
وأيضاً: فالطلاق جعل عبارة عن الفسخ، وإخراج المطلقة (٣)
واستبقاء الأخرى(٤)، فكأنه قال: "أرسلت هذه وسيبتها" ونحوه،
و "أمسكت هذه".
وأيضاً: فإن النكاح لم تزل أحكامه كلها بالإسلام، ولهذا قلتم
إن عدة المفارقات من حين الاختيار، لا من حين الإسلام على
الصحيح، وعللتم ذلك(٥) إنما بنَّ منه بالاختيار لا بالإسلام،
(١) ساقطة من المطبوع.
(٢) في المطبوع: الباقيات.
(٣) في المطبوع: (وإخراجاً للمطلقة) مكان: (وإخراج المطلقة).
(٤) في المطبوع: للأخرى.
(٥) في حاشية المخطوط كتب: لعله: بأنهن.

٩٦٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فالطلاق أثر في قطع أحكام النكاح وإزالتها.
وأيضاً: فإن العبرة بالقصد والنية، وهو لم يرد قط بقوله:
"طلقت هذه"، اختيارها، بل هذا قلب للحقائق.
وأيضاً: فإن لفظ الطلاق لم يوضع للاختيار لغة ولا شرعاً
ولا عرفاً، ولا هو اصطلاح خاص له يريده بكلامه، فحمله على
الاختيار ممتنع.

٩٦٩
كتاب الطلاق
باب في ادعاء ولد الزنی(١)
قال المنذري: قال بعضهم هذه أحكام وقعت في أول زمان(٢)
الشريعة، إلى أن قال: ثم ذكر الاستلحاق(٣) (٤)
(١) سنن أبي داود ٦٩٦/٢ -٦٩٧ في كتاب الطلاق، الباب رقم (٣٠).
عند حديث عبد الله بن عمرو: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن كل
مُسْتَلْحَق استُلْجِقَ بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته، فقضى أنَّ كل من كان
من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله من
الميراث شيء، وما أدرك من ميراث لم يُقْسَم فله نصيبه، ولا يلحق إذا كان أبوه
الذي يدعى له أنكره، وإن كان من أمة لم يملكها أو من حرّة عاهَرَ بها، فإنه لا
يلحق به ولا يرث، وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه فهو ولد زئيَّةٍ من حرّة
كان أو أمة)).
والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩٨٢.
(٢) في المطبوع: زمن.
(٣) كلام المنذري هذا غير موجود في المطبوع، والذي كان من المفترض أن يكون
في ٣/ ١٧٤.
وقد نُسب هذا الكلام لابن القيم في المطبوع من التهذيب ١٧٣/٣؟ !!
(٤) الذي قال ذلك هو الخطابي في معالم السنن ٢٣٦/٣، حيث قال: "هذه أحكام
وقعت في أول زمان الشريعة، وكان حدوثها ما بين الجاهلية وبين قيام
الإسلام. وفي ظاهر هذا الكلام تعقد وإشكال، وتحرير ذلك وبيانه: أن أهل
الجاهلية كانت لهم إماء تساعين، وهنّ البغايا اللواتي ذكرهن الله تعالى في
قوله: ﴿وَلا تُكْرِمُوا فَتَبَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، إذا كان ساداتهن يلمّون بهنّ ولا
=

٩٧٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال الشيخ شمس الدين: وليس كما قال، فإن هذا القضاء
إنما وقع بالمدينة (١) بعد قيام الإسلام، ومصيرها دار هجرة، وقد
جعله النبي صلی الله عليه وسلم علی صور:
الصورة الأولى: أن يكون الولد من أمته التي في ملكه وقت
الإصابة.
=
يجتنبوهن، فإذا جاءت الواحدة منهنّ بولد وكان سيدها يطأها وقد وطئها غيره
بالزنا فربما ادعاه الزاني، وادعاه السيد، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم
بالولد لسيدها، لأن الأمة فراش له كالحرة: ونفاه عن الزاني. فإن دُعي للزاني
مدة وبقي على ذلك إلى أن مات السيد، ولم يكن ادعاه في حياته ولا أنكره، ثم
ادعاه ورثته بعد موته، واستلحقوه، فإنه يلحق به، ولا يرث أباه ولا يشارك
إخوته الذين استلحقوه في ميراثهم من أبيهم، إذا كانت القسمة قد مضت قبل
أن يستلحقه الورثة، وجعل حكم ذلك حكم ما مضى في الجاهلية، فعفا عنه
ولم يُرَدّ إلى حكم الإسلام، فإن أدرك ميراثاً لم يكن قد قسم إلى أن ثبت نسبه
باستلحاق الورثة إياه كان شريكهم فيه أسوة من يساويه في النسب منهم، فإن
مات من إخوته بعد ذلك أحد، ولم يخلف من يحجبه عن الميراث ورثه. فإن
كان سيد الأمة أنكر الحمل وكان لم يدعه، فإنه لا يلحق به، وليس لورثته أن
يستلحقوه بعد موته ... " ا.هـ المراد من كلام الخطابي. فلعل المنذري قد نقل
كلام الخطابي هذا، والله أعلم.
(١) في المطبوع: بالمدينة المنورة. وهذه الزيادة "المنورة" غير موجودة في المخطوط،
فلماذا تُزاد؟ !!!.

٩٧١
كتاب الطلاق
فإذا استلحقه لحق به من حين استلحقه، وما قسم من ميراثٍ
قبل استلحاقه لم ينقض، ويورث منه (١) المُستلحق، وما كان بعد
استلحاقه من ميراث لم يقسم، ورث منه نصيبه، فإنه إنما تثبت بُنوَّته
من حين استلحقه فلا تنعطف على ما تقدم من قسمة المواريث،
وإن أنكره لم يلحق به.
وسمّاه أباه على كونه يُدعا له، ويقال: إنه منه، لأنه(٢) أبوه
في حكم الشرع، إذ لو كان أباه حُكماً لم يُقبل إنكاره(٣)، ولحق به.
الصورة الثانية: أن يكون الولد من أمة لم تكن في ملكه وقت
الإصابة.
فهذا ولد زنا لا يلحق به ولا يرثه، بل نسبه منقطع منه،
وكذلك إذا كان من حرة قد زنی بها، فالولد غیر لاحق به ولا يرث
منه، وإن كان هذا الزاني الذي يُدعى الولد له، يعني أنه منه قد
ادعاه، لم تفد دعواه شيئاً، بل الولد ولد زنا وهو لأهل أمه؛ إن
كانت أمة فمملوك(٤) لمالكها، وإن كانت حرة فنسبه إلى أمه وأهلها
دون هذا الزاني الذي هو منه.
(١) في المطبوع: من.
(٢) في المطبوع: لا أنه.
(٣) في المطبوع: إنكاره له.
(٤) في المطبوع: فمملوكة.

٩٧٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقوله في أول الحديث: [١٠٧/ ب] ((استلحق بعد أبيه الذي
يُدعى له ادّعاه ورثته (١)))، الأب ههنا هو الزاني الذي منه الولد،
وسماه أباً تسمية مقيدة بكون الولد منه، ولهذا قال: ((الذي يُدعا
له))، يعني: يقال إنه منه، ويُدعا له في الجاهلية أنه أبوه، فإذا ادّعاه
ورثة هذا الزاني؛ فالحكم ما ذكر.
ونظير هذا القضاء قصة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة
في ابن أمة زمعة، فإن ورثة عتبة وهو سعد ادعي الولد أنه من أخيه،
وادعى عبد أنه أخوه ولد على فراش أبيه، فألحقه النبي صلى الله
عليه وسلم بمالك الأمة دون عتبة، وهو تفسير قوله: ((وإن كان من
أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق [به](٢)، ولا يرث))،
وسيأتي بعد هذا إن شاء الله(٣).
وقد يتمسك به من يقول: إن(٤) الأمة لا تكون فراشاً، وإنما
يلحق الولد للسيد بالدعوة لا بالفراش، كقول أبي حنيفة(٥)، لقوله:
(١) في المطبوع: ورثة.
(٢) زيادة من حديث الباب.
(٣) وسيأتي تخريجه - بإذن الله تعالى-، وهو في الباب (٣٤): باب الولد للفراش.
(٤) ساقطة من المطبوع.
(٥) انظر لمذهب الحنفية: البحر الرائق ٢٩٤/٤، والمبسوط ١٠٠/١٧، وبدائع
الصنائع ١٣١/٤.

٩٧٣
كتاب الطلاق
((من كان من أمة يملكها يوم أصابها، فقد لحق بمن استلحقه)). فإنما
جعله لاحقاً به بالاستلحاق لا بالإصابة.
ولكن قصة عبد بن زمعة أصح من هذا، وأصرح في كون
الأمة تصير فراشاً، كما تكون الحرة، يلحق الولد بسيدها بحكم
الفراش، كما يلحق بالحرة كما سيأتي (١).
وليس في حديث عمرو بن شعيب(٢) أنه لا يلحق ولده من
أمته إلا بالاستلحاق، وإنما فيه أنه عند تنازع سيدها والزاني في
ولدها، يلحق بسيدها الذي استلحقه دون الزاني، وهذا مما لا نزاع
فيه، فالحديثان متفقان، والله أعلم.
(١) في الباب رقم: (٣٤).
(٢) وهو حديث الباب.

٩٧٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد (١)
قال بعد سياق كلام المنذري إلى آخر الباب: غير أن الصواب
فيه الإرسال(٢).
قال الشيخ شمس الدين: وقال أبو محمد بن حزم: هذا
الحديث إسناده صحيح، كلهم ثقات(٣).
(١) سنن أبي داود ٢/ ٧٠٠، الباب رقم (٣٢).
عند حديث عبد خير عن زيد بن أرقم قال: «أُتي علي رضي الله عنه بثلاثة -
وهو باليمن- وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين: أتُقرّان لهذا
بالولد؟ قالا: لا. حتى سألهم جميعاً، فجعل كلما سأل اثنين، قالا: لا. فأقرع
بينهم. فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية. قال:
فذكر ذلك للنبي صلی الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه)).
وأخرجه النسائي في المجتبى ٤٩٣/٦ -٤٩٤، في كتاب الطلاق، ٥٠-باب
القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه ... ثم صوّب المرسل.
وابن ماجه في سننه ٢/ ٧٨٦ في كتاب الأحكام، ٢٠ - باب القضاء بالقرعة.
وصحح الحديث الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩٨٦.
(٢) مختصر المنذري ١٧٨/٣، حيث قال بعد الحديث: "وأخرجه النسائي وابن ماجه،
ورواه بعضهم مرسلاً. وقال النسائي: هذا صواب. وقال الخطابي: وقد تكلم
بعضهم في إسناد حديث زيد بن أرقم. هذا آخر كلامه. ويشبه أن يكون المراد
بذلك الحديث المتقدم. فأما حديث عبد خير فرجال إسناده ثقات، غير أن
الصواب فيه: الإرسال. والله عز وجل أعلم" ا.هـ.
(٣) المحلى ١٠/ ١٥٠، حيث يقول: "وهذا خبر مستقيم السند نقلته كلهم ثقات
والحجة به قائمة، ولا يصح خلافه ألبتة".

٩٧٥
كتاب الطلاق
قال: فإن قيل: إنه خبر قد اضطرب فيه، فأرسله شعبة عن
سلمة بن كهيل عن الشعبي عن مجهول (١)، ورواه أبو إسحاق
الشيباني عن رجل من حضرموت عن زيد بن أرقم(٢).
قلنا: قد وصله سفيان -وليس هو بدون شعبة- عن صالح
ابن حي -وهو ثقة- عن عبد خير -وهو ثقة- عن زيد بن أرقم (٣)،
آخر كلامه(٤).
وهذا الحديث قد اشتمل على أمرين:
أحدهما: إلحاق الولد عند (٥) التنازع(٦) بالقرعة.
(١) أخرجه أبو داود في سننه ٧٠٢/٢ في كتاب الطلاق، ٣٤ - باب من قال
بالقرعة إذا تنازعوا في الولد.
والنسائي في المجتبى ٤٩٥/٦ في كتاب الطلاق، ٥٠-باب القرعة في الولد إذا
تنازعوا فيه.
(٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٤٩٥/٦ في كتاب الطلاق، ٥٠-باب القرعة في
الولد إذا تنازعوا فيه.
(٣) وهو حديث الباب، حيث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه هكذا.
(٤) المحلى ١٠/ ١٥٠.
(٥) (الولد عند) ساقطة من المطبوع.
(٦) في المطبوع: (المتنازع فيه). بزيادة "فيه".
فإنه لما أسقط الكلمتين السابقتين، اضطر للتغير لتوضيح المعنى كما يظن.
وطبعاً وكالعادة دون الإشارة إلى أن الزيادة منه.

٩٧٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهو مذهب إسحاق بن راهويه قال: هو السنة في دعوى
الولد(١)، وكان الشافعي يقول به في القديم(٢).
وذهب أحمد(٣) ومالك (٤) إلى تقديم حديث القافة علیه، قيل
لأحمد في حديث زيد هذا فقال: حديث القافة أحب إلي(٥).
ولم يقل أبو حنيفة بواحد من الحديثين، لا بالقرعة ولا
بالقافة(٦).
الأمر الثاني: جعله ثلثي الدية على من وقعت [١٠٨/ أ] له
القرعة، وهذا مما أشكل على الناس ولم يُعرف له وجه، وسألت عنه
(١) انظر مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٠٤٧.
(٢) انظر: معالم السنن للخطابي ٢٣٨/٣.
والمذهب على أن الولد يُلحق عند التنازع بالقافة.
انظر: المهذب ١/ ٤٣٧، والإقناع للماوردي ص: ٢٠٤، والوسيط ٤٥٥/٧.
(٣) انظر لمذهب الحنابلة: المبدع ٣٠٧/٥، والمحرر ١٠٢/٢، والإنصاف ٤٥٥/٦.
(٤) انظر لمذهب المالكية: حاشية الدسوقي ٢٦١/٢، و٤١٦/٣-٤١٧، والمدونة
الكبرى ٤٤٥/٥ و١٤٦/٦ و٣٣٤/٨، والقوانين الفقهية ص: ٢٦٤.
(٥) في مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٠٤٧، قال: حديث عمر في القافة أعجب آليّ.
وحديث عمر هذا أنه دعا القافة في رجلين ادعيا ولد امرأة وقعا عليها في طهر
واحد. وصححه ابن القيم في الطرق الحكمية ص: ٢١٧.
(٦) النسب عندهم يثبت بالدعوة أو بالبينة، ولا يثبت بالقافة ولا بالقرعة.
انظر: المبسوط السرخسي ٧٠/١٧، وشرح فتح القدير ٥٢/٥، وبدائع
الصنائع ٢٥٢/٦ -٢٥٣.

٩٧٧
كتاب الطلاق
شيخنا فقال: له وجه. ولم يزد.
ولكن قد رواه الحميدي في مسنده بلفظ آخر يدفع الإشكال
جملة، قال: ((وأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه))(١).
وهذا لأن الولد لما لحق به، صارت أم ولد له(٢)، وله فيها
ثلثها، فغرمه قيمة ثلثيها اللذين أفسدهما على الشريكين بالاستيلاد،
فلعل هذا هو المحفوظ، وذكر ثلثي دية الولد وهم، أو يكون عبّر عن
قيمة الجارية بالدية، لأنها هي التي يُودى بها، فلا يكون بينهما
تناقض، والله أعلم (٣).
(١) مسند الحميدي ٣٤٥/٢.
(٢) ساقطة من المطبوع.
(٣) علّق الشيخ أحمد شاكر هنا بقوله: "هذا تكلّف، ورواية الحميدي التي أشار
إليها ابن القيم لم ئر إسنادها. ولا معنى لرد الحديث الصحيح بتكلف معنىّ
من رواية تنافيه.
والظاهر أن الوجه فيه: أن إلزام من خرجت له قرعة الولد بثلثي الدية؛ لأن
الولد لم يثبت نسبه من واحد منهم بدليل صحيح أو راجح، والقرعة في ذاتها
ليست دليلاً على صحة النسب، وإنما هي لقطع النزاع في خصومة لا يملك
أحد الخصمين فيها دليلاً. فعلى من استفاد بالقرعة لحوق الولد به أن يعوّض
الآخرين ما خسرا، وأقرب تعويض أن يقدّر بالدية الكاملة، فعليه ثلثاها لزميليه.
وأظن أن هذا تعليل جيد أو قريب من الجيد. وأياً ما كان فعلينا أن نقبل
الحكم الثابت بالسنة الصحيحة، وإن عجزنا عن فهم الوجه الذي يوجه به"
ا. هـ كلام الشيخ.

٩٧٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب الولد للفراش(١)
ذكر حديث عبد ابن زمعة (٢)، وكلام المنذري الذي آخره
وإبطالاً لحكم الجاهلية(٣).
(١) سنن أبي داود ٧٠٣/٢-٧٠٥، الباب رقم (٣٤). عند الحديث الآتي.
(٢) هو حديث عائشة: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبدُ بن زمعة إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة. فقال سعد: أوصاني أخي عتبة إذا قدمت
مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابنه. وقال عبدُ بن زمعة: أخي، ابن
أمة أبي، وُلد على فراش أبي. فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شبهاً بيّناً
بعتبة، فقال: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي عنه یا سودة)». زاد
مسدد في حديثه: وقال: ((هو أخوك يا عبد)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٣٤٢/٤ مع الفتح في كتاب البيوع، ٣-باب تفسير
المشبهات.
ومسلم في صحیح ٢/ ١٠٨٠ في كتاب الرضاع، ١٠ - باب الولد للفراش وتوقي
الشبهات.
والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٩٣ في كتاب الطلاق، ٤٩ - باب فراش الأمة.
وابن ماجة في سننه ٦٤٦/١ في كتاب النكاح، ٥٩-باب الولد للفراش وللعاهر
الحجر.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ١٨٢/٣ -١٨٣، إلا أن كلام المنذري لا يوجد
في آخر هذا الكلام، فلعله ساقط.
ويوجد نحو هذا في كلام الخطابي، فلعل المنذري نقل كلام الخطابي.
فالخطابي يقول في معالم السنن ٢٣٩/٣ بعد ذكره للحديث: "قد ذكرنا أن أهل
الجاهلية كانوا يقتنون الولائد ويضربون عليهم الضرائب، فيكتسبن بالفجور،
=

٩٧٩
كتاب الطلاق
ثم قال ابن القيم: وقد أشكل هذا الحديث على كثير من
الناس، من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سودة بالاحتجاب
منه، وقد ألحقه بزمعه، فهو أخوها، ولهذا قال: (الولد للفراش))،
قالوا: فکیف یکون أخاها في الحکم و تؤمر بالاحتجاب منه؟
فقال بعضهم: هذا على سبيل الورع لأجل الشبه الذي
رآه بعینیه.
وقال بعضهم: إنما جعله عبداً لزمعة. قال: والرواية: ((هو
لك عبد))(١)، فإنما جعله عبداً لعبد بن زمعة، لكونه رأى شبهه بعتبة
فيكون منه غير لاحق بواحد منهما، فيكون عبداً لعبد بن زمعة، إذ
=
وكان من سيرتهم إلحاق النسب بالزناة إذا ادعوا الولد، كهو في النكاح.
وكانت لزمعة أمة كان يلمّ بها، وكانت له عليها ضريبة، فظهر بها حمل كان
يظن أنه من عتبة ابن أبي وقاص، وهلك عتبة كافراً لم يسلم، فعهد إلى سعد
أخيه أن يستلحق الحمل الذي بان في زمعة، وكان لزمعة ابن يُقال له: عبد،
فخاصم سعدٌ عبدَ ابن زمعة في الغلام الذي ولدته الأمة، فقال سعد: هو ابن
أخي -على ما كان عليه الأمر في الجاهلية - وقال عبد بن زمعة: بل هو أخي،
ولد على فراش أبي على ما استقر حكم الإسلام-، فقضى به رسول الله
صلى الله عليه وسلم لعبد بن زمعة، وأبطل دعوى الجاهلية". ا. هـ المراد من
کلام الخطابي.
(١) ذكره المنذري في مختصره ٣/ ١٨٢ عن بعضهم. ولم أقف عليه مسنداً.

١
٩٨٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
هو ولد زنا من جارية زمعة.
وهذا تصحيف منه وغلط في الرواية والمعنى، فإن الرواية
الصحيحة: ((هو لك يا عبد بن زمعة))، ولو صحت رواية: ((هو لك
عبد))، فإنما هي على إسقاط حرف النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ
أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾(١).
ولا يُتصوّر أن يجعله عبداً له، وقد أخبره أنه ولد على فراش
أبیه، ويحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الولد للفراش.
وهذه الزيادة التي ذكرها أبو داود وهي قوله: «هو أخوك
يا عبد))، ترفع الإشكال، ورجال إسنادها ثقات.
ولو لم تأت فالحديث إنما يدل على إلحاقه بعبد أخاً له.
وأما أمره سودة وهي أخته بالاحتجاب منه، فهذا يدل على
أصل وهو تبعيض أحكام النسب، فيكون أخاها في التحريم
والميراث وغيره، ولا يكون أخاً (٢) في المحرمية والخلوة والنظر إليها،
لمعارضة الشبه للفراش، فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة
وغيرها، وأعطى الشبه حكمه من عدم ثبوت المحرمية لسودة.
وهذا باب من دقيق العلم وسره، لا يلحظه إلا الأئمة
المطلعون على أغواره المعنيون بالنظر في مأخذ الشرع وأسراره.
(١) سورة يوسف الآية رقم: ٢٩.
(٢) في المطبوع: أخاها.