النص المفهرس
صفحات 921-940
٩٢١ كتاب الطلاق وقال أبو العباس بن سريج: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث، وهو أن يفرّق بين اللفظ، كأن يقول: "أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق"، وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر والناس على صدقهم وسلامتهم، لم يكن ظهر فيهم الخب والخداع، فكانوا يُصدّقون أنهم أرادوا به التوكيد، ولا يريدون الثلاث، فلما رأى عمر رضي الله عنه في زمانه أموراً ظهرت، وأحوالاً تغيرت، منع من حمل اللفظ على التكرار، فألزمهم الثلاث(١). وقال بعضهم: إن ذلك إنما جاء في غير المدخول بها. وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس، ورأوا(٢) أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها، لأنها بالواحدة تبين، فإذا قال: "أنت طالق"، بانت. وقوله: "ثلاثاً" وقع بعد البينونة، فلا يعتد به، وهذا مذهب إسحاق بن راهويه(٣). وقال بعضهم: قد ثبت عن فاطمة بنت قيس أن أبا حفص ابن المغيرة طلقها ثلاثاً، فأبانها النبي صلى الله عليه وسلم منه، ولم (١) انظر لقول ابن سريج: مغني المحتاج ٣١١/٣، ونيل الأوطار ٢٦٢/٦. (٢) في المطبوع: ورووا. وهو تحريف. (٣) انظر مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية رواية الكوسج، المسألة رقم: ١١٥٠. واختلاف الفقهاء للمروزي ص: ٢٤٦. ٩٢٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية يجعل لها نفقة ولا سكنى (١). وفي حديث ابن عمر أنه قال: يارسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً، قال: ((إذن عصيت ربك، وبانت منك امرأتك))، رواه الدار قطني (٢). وعن علي قال: (٣) سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً طلق امرأته ألبتة، فغضب وقال: ((تتخذون آيات الله هزوا (٤) ، من طلق ألبتة ألزمناه ثلاثاً، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره))، رواه الدار قطني أيضاً (٥). قالوا: وهذه الأحاديث أكثر وأشهر من حديث أبي الصهباء، وقد عمل بها الأئمة، فالأخذ بها أولى. وقال بعضهم: المراد أنه كان المعتاد في زمن النبي صلى الله (١) رواه مسلم في صحيحه ١١١٥/٢-١١١٦ في كتاب الطلاق، ٦ - باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها. (٢) سنن الدارقطني ٣١/٤، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٣٠/٧، ٣٣٤، وضعفه البيهقي في المعرفة ٥/ ٤٦١، وفي السنن الكبرى ٣٣٠/٧. وضعفه كذلك ابن حزم في المحلى ١٠/ ١٧٠. (٣) في المطبوع: أنه قال. (٤) في سنن الدار قطني بعد هذه الكلمة زيادة: "أو دين الله هزواً ولعباً". (٥) سنن الدارقطني ٤/ ٢٠ ثم ضعفه. كما ضعفه ابن حجر في الدراية ٢/ ١٠٢. ٩٢٣ كتاب الطلاق عليه وسلم تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس الآن التطليق(١) الثلاث، والمعنى كان الطلاق الموقع الآن ثلاثاً، يوقع(٢) في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة. وقال بعضهم: ليس في هذا الحديث أن ذلك كان يبلغ(٣) النبي صلى الله عليه وسلم فيقر عليه، والحجة إنما هي في إقراره بعد بلوغه. ولما بلغه طلاق ركانة امرأته ألبتة، استحلفه ما أردت بها إلا واحدة(٤)، ولو كانت(٥) الثلاث واحدة، [١٠٢/ ب] لم يكن لاستحلافه معنى، فإنها(٦) واحدة سواء أراد بها الثلاث أو الواحدة. وقال بعضهم: الإجماع منعقد على خلاف هذا الحديث، والإجماع معصوم من الغلط والخطأ دون خبر الواحد. وقال بعضهم: إنما هذا في طلاق ألبتة (٧) ، فإنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يراد بها الواحدة، كما أراد بها (١) في المطبوع: التطليقات. (٢) في المطبوع: موقعا. (٣) في المطبوع: بلغ. (٤) سبق تخريجه في ١٠ - باب نسخ المراجعة بعد الثلاث تطليقات. (٥) في المطبوع: كان. (٦) في المطبوع: وأنها. (٧) في المطبوع: السنة. وهو تحريف. ٩٢٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ركانة، ثم تتابع الناس فيها، فأرادوا بها الثلاث، فألزمهم عمر إياها. فهذه عشرة مسالك للناس في رد هذا الحديث(١). وقال أبو بكر بن العربي المعافري في كتابه الناسخ والمنسوخ: غائلة: قال تعالى: ﴿الطّلاقُ مَرَّكَان﴾(٢)، زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة، لا يلزم، وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس(٣)، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة، المغمور(٤) المرتبة، ورووا في ذلك حديثاً ليس له أصل. وغوى قوم من أهل المسائل، فتبعوا الأهواء(٥) المبتدعة فيه، وقالوا: إن قوله: "أنت طالق ثلاثاً"؛ كذب، لأنه لم يُطلّق ثلاثاً كما (١) وقد وصف ابن القيم هذه المسالك في كتابه زاد المعاد ٥/ ٢٦٤ بقوله: "وأما تلك المسالك الوعرة التي سلكتموها في حديث أبي الصهباء، فلا يصح شيء منها". وانظر الردود عليها هناك. (٢) سورة البقرة الآية رقم: ٢٢٩. (٣) انظر فيمن ذكر أنه قال به في كتاب تسمية المفتين بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة ص: ٥٠-١٠٣ من لدن الصحابة إلى عصرنا الحاضر، لمؤلفه فضيلة الدكتور سليمان بن عبد الله العمير حفظه الله تعالى. (٤) في المطبوع: المغموز. (٥) في الناسخ والمنسوخ لابن العربي: لهؤلاء. ٩٢٥ كتاب الطلاق كما لو قال: "طلقتُ ثلاثاً"، ولم يطلق إلا واحدة، وكما لو قال: "أحلف ثلاثاً"، كانت يميناً واحدة. منبهة: لقد طوفت في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام، وأرباب المذاهب كل صفّاق(١)، فما سمعت لهذه المقالة بخبر، ولا حست(٢) لها بأثر (٣)، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزاً، ولا يرون الطلاق واقعاً، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمي (٤): يا من يرى المتعة في دينه حلا(٥) وإن كانت بلا مھر تبين منه ربة الخدر ولا يرى سبعين تطليقة. (١) في المطبوع: "صادق"، وهو خطأ. والصفاق هو الكثير الأسفار. انظر لسان العرب ٢٠٤/١٠. وفي الناسخ والمنسوخ: صفاق أفاق. والأفاق هو الذي يضرب إلى الآفاق. انظر المصدر السابق. (٢) في المطبوع: أحسست. (٣) وهذا عجيب جداً، فقد ذكر شيخنا في الكتاب المذكور "تسمية المفتين" خمسين علماً قال بهذا القول. (٤) محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي، أبو الحسن بن سُكّرة (ت٣٨٥هـ). الأديب والشاعر کبیر، من أهل بغداد. له (ديوان شعر) يربو على خمسين ألف بيت. انظر ترجمته في: تاریخ بغداد ٤٦٥/٥-٤٦٦، والوافي بالوفيات ٣٠٨/٣-٣١٢. (٥) في الناسخ والمنسوخ: حلالاً. ٩٢٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية من ههنا طابت مواليدكم فاغتنموها يا بني النظر(١) وقد اتفق علماء الإسلام وأرباب الحل والعقد في الأحكام؛ على أن الطلاق الثلاث في كلمة -وإن كان حراماً في قول بعضهم، وبدعة في قول الآخرين- لازمٌ. وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعلم الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في صحيحه: باب جواز الثلاث(٢)، لقوله تعالى: ﴿الطّلاقُ مَرََّان﴾، وذكر حديث اللعان: ((فطلقها ثلاثاً، قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (٣). (١) هكذا في الأصل. وفي الناسخ والمنسوخ: صخر. وقد تُسبت هذه الأبيات لمنصور بن إبراهيم الفقيه (ت٣٠٦هـ) بنحو مما ههنا، وهي قوله: حِلاً وَإن كانت بلا مهرِ يا من یری المتعةً في دينه تبينُ منهَا رَبَّةُ الخِدرِ وَلا يَرى تِسعينَ تطليقَةٌ فَإِجْتَهدوا في الحَمدِ وَالشُّكرِ من ھَھنا طابَت مَواليكُم انظر: جمع الجواهر في الملح والنوادر لإبراهيم بن علي الحصري ٢٦٤/١. (٢) ترجمة الباب في المطبوع: باب من جوّز الطلاق الثلاث. (٣) صحيح البخاري ٩/ ٢٧٤ مع الفتح، في كتاب الطلاق. والحديث أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه ١١٢٩/٢ - ١١٣٠ في كتاب اللعان. الحديث الأول. ٩٢٧ كتاب الطلاق ولم يغيّر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا(١) يقر على الباطل، ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه، فألزمته الشريعة حكمه. وما [١٠٣/ أ] نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في کتاب، ولا رواية له عن أحد. وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة(٢)، فهذا في معناها، فكيف إذا صرح بها؟ !. وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة، ولا عند أحد من الأئمة(٣). فإن قيل: ففي صحيح مسلم عن ابن عباس، وذکر حديث أبي الصهباء هذا. قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه: الأول: أنه حديث مختلف في صحته، فكيف يُقدم على إجماع (١) في الناسخ والمنسوخ: ولم. (٢) قال مالك في الموطأ ٥٥٢/٢ أنه بلغه أن عليّ بن أبي طالب كان يقول في الرجل يقول لامرأته: أنتِ عليّ حرام: إنها ثلاث تطليقات. (٣) نقل عن الحجاج قوله بأن الطلاق الثلاث طلقة واحدة: المازريُ في المعلم ١٢٦/٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨٥/٣. وانظر: تسمية المفتين ص: ٥٥ -٥٦. وذكر القرطبي في الموضع السابق أن المشهور عن الحجاج كقول الجمهور. ٩٢٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الأمة؟! ولم يُعرف(١) في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة (٢) التابعين، وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق(٣) على لزوم الثلاث. فإن رووا ذلك عن أحد منهم، فلا تقبلوا منهم(٤) إلا ما يقبلون منكم، فعل(٥) العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبداً. الثاني: أن هذا الحديث لم يُروَ إلا عن ابن عباس، ولم يُرْوَ عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟! وكيف خفي هذا عن(٦) جميع الصحابة وسكتوا (٧) عنه إلا ابن عباس، وكيف خفي على جميع (٨) أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟! الثالث: يحتمل أن يراد به قبل الدخول، وكذلك تأوله (١) في المطبوع: يعرف لها. أي بزيادة "لها" بعد: "يعرف". (٢) في الناسخ والمنسوخ: مرتبة. (٣) في الناسخ والمنسوخ: والإصفاق، وهما بمعنى. (٤) في الناسخ والمنسوخ: فإن رووا لك عن أحدٍ مذهبهم فلا تقبل منهم. (٥) في المطبوع: نقل. (٦) في المطبوع: (خفي على)، مكان: (خفي هذا عن). (٧) في الناسخ والمنسوخ: أو سكتوا. (٨) ساقطة من المطبوع. ٩٢٩ كتاب الطلاق النسائي فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، فذكر هذا الحديث بنصه(١). الرابع: أنه يعارضه حديث محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم))، حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي(٢). فلم يرده النبي صلى الله عليه وسلم بل أمضاه. وكما (٣) في حديث عويمر(٤) في اللعان، حيث أمضى طلاقه الثلاث، ولم يرده(٥). الخامس: وهو قوي في النظر والتأويل أنه قال: ((كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة))، يحتمل أن يريد به: كان حكم الثلاث إذا وقعت، أن تجعل واحدة. (١) المجتبى للنسائي ٤٥٦/٦ -٤٥٧، وقد سبق تخريجه. (٢) المجتبى للنسائي ٦/ ٤٥٣- ٤٥٤ في كتاب الطلاق، ٦ -الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ. وضعفه الألباني في ضعيف سنن النسائي برقم: ٢٢١. (٣) كلمة "وكما" غير موجودة في الناسخ والمنسوخ. (٤) في المطبوع: عويمر العجلاني. (٥) حدیث عويمر سبق تخريجه، وهو متفق عليه. ٩٣٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية و [يحتمل](١) أن يريد به: كانت عبارة (٢) الثلاث على عهده، أن تذكر واحدة، فلما تتابع الناس في الطلاق، وذكروا الثلاث بدل الواحدة، أمضى ذلك عمر، كما أمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عويمر حين طلق ثلاثاً؟ فلا يبقى في المسألة إشكال(٣). فهذا أقصى ما يرد به هذا الحديث(٤). (١) زيادة من الناسخ والمنسوخ. (٢) في الناسخ والمنسوخ: عادة الطلاق الثلاث. مكان عبارة "الثلاث". (٣) الناسخ والمنسوخ لابن العربي ٢/ ٧٧-٩١. (٤) ولم يذكر ابن القيم هنا الردود على المخالفين، ولعله رحمه الله اكتفى بما ذكره في کتبه الأخرى. انظر: زاد المعاد ٢٤١/٥-٢٧١، وإغاثة اللهفان ٢١٩/١-٢٥٦، وإعلام الموقعين ٣/ ٣٠ - ٥٠. وكذلك انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٧/٣٣-٤٤، ٦١ -٦٧، ٧٠-٧١، ٧٢-٧٤، ٨١-٩٨. كما ذكر ذلك فضيلة الدكتور سليمان العمير في تسمية المفتين ص: ٦٦. ٩٣١ كتاب الطلاق باب في أمرك بيدك(١) قال بعد قول المنذري: وقال النسائي: هذا حديث منكر(٢). قال الشيخ شمس الدين: هكذا وقع في السنن لأبي داود ولم يفسّر قول الحسن في حديثه. ورواه الترمذي [١٠٣/ ب] مفسراً عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحداً قال: أمرك بيدك، [إنها](٣) ثلاث (٤) (١) سنن أبي داود ٢/ ٦٥٤، الباب رقم (١٣). عند حديث حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحداً قال بقول الحسن في «أمرك بيدك»؟ قال: لا، إلا شيء حدثناه قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. قال أيوب: فقدم علينا كثير. فسألته فقال: ما حدّثت بهذا قط. فذكرته لقتادة فقال: بلى، ولکنه نسي. وأخرجه الترمذي في جامعه ٤٨١/٣ في كتاب الطلاق، ٣- باب ما جاء في "أمرك بيدك". ثم قال: حديث غريب. والنسائي في المجتبى ٤٥٨/٦ في كتاب الطلاق، ١١ -أمرك بيدك، وقال: منكر. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي برقم: ٤٧٨. وقول الحسن في "أمرك بيدك" أنها ثلاث. (٢) مختصر سنن أبي داود ١٣٢/٣. (٣) زيادة من جامع الترمذي. (٤) في المطبوع: ثلاثاً. ٩٣٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية إلا الحسن؟ قال: لا. ثم قال: اللهم غفراً، إلا ما حدثني قتادة عن كثير مولى بني سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله علیه وسلم قال: ((ثلاث)). ثم ذكر الترمذي عن البخاري: إنما هو موقوف (١). قال أبو محمد بن حزم: وكثير مولى بني سمرة (٢) مجهول(٣). وعن الحسن في أمرك بيدك، قال: ثلاث (٤). (١) جامع الترمذي ٤٨٢/٣. (٢) في الأصل: سلمة. وهو وهم، والتصويب مما سبق من مصادر التخريج، ومن المحلی لابن حزم. (٣) المحلى ١١٩/١٠. (٤) رواه أبو داود في سننه ٢/ ٦٥٥ عقب حدیث الباب. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩٣٠. ٩٣٣ كتاب الطلاق باب في ألبتة(١) ذكر المنذري عقب حديث ركانة قول الترمذي: وسألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: فيه اضطراب، (٢) آخر كلامه(٣). قال ابن القيم: وفي تاريخ البخاري علي بن يزيد بن ركانة القرشي عن أبيه: لم يصح حديثه هذا لفظه (٤). وقال عبد الحق(٥) في سنده: كلهم ضعيف(٦). (١) سنن أبي داود ٦٥٥/٢ -٦٥٧، الباب رقم (١٤). عند حديث ركانة بن عبد يزيد أنه طلق امرأته سهيمة ألبتة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله ما أردتَ إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ... )) الحديث. وأخرجه الترمذي في جامعه ٤٨٠/٣ في كتاب الطلاق، ٢ -باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته ألبتة. وقال: حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وابن ماجه في سننه ٢ / ٦٦١ في كتاب الطلاق، ١٩ - باب طلاق ألبتة. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٤٧٩-٤٨١. (٢) جامع الترمذي ٣/ ٤٨٠، وذكره أيضاً في العلل الكبير ١/ ٤٦١. (٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣/ ١٣٤. (٤) التاريخ الكبير ٦/ ٣٠١. (٥) أي: الإشبيلي. وقد زيدت في المطبوع دون الإشارة إلى أنها ليست في الأصل. (٦) الأحكام الوسطى ١٩٦/٣. ٩٣٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية والزبير أضعفهم. وذكر الترمذي في كتاب العلل عن البخاري أنه مضطرب فيه(١)، تارة قيل فيه: ((ثلاثاً))، وتارة قيل فيه: ((واحدة)). - (١) علل الترمذي الكبير ١/ ٤٦١، وقد سبق. ٩٣٥ كتاب الطلاق ثم ذكر الشيخ(١): كلام الحافظ المنذري واعتراضه على أبي داود في تصحیحه(٢). ثم قال الشيخ: وفيما قاله المنذري نظر، فإن أبا داود لم يحكم بصحته، وإنما قال بعد روايته: "هذا أصح من حديث ابن جريج أنه طلق امرأته ثلاثاً، لأنهم أهل بيته وهم أعلم بقصتهم (٣) وحديثهم)"(٤). وهذا لا يدل على أن الحدیث عنده صحیح، فإن حديث ابن جريج ضعيف، وهذا ضعيف أيضاً، فهو أصح الضعيفين عنده. وكثيراً ما يُطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين، وهو كثير في كلام المتقدمين. ولو لم يكن اصطلاحاً لهم، لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه، فإنك تقول لأحد المريضين: "هذا أصح من هذا"، ولا يدل على أنه صحيح مطلقاً، والله أعلم. (١) أي الشيخ ابن القيم، والكلام هنا على حديث ركانة السابق ص: ٩٣٣. إذ هو من طريق نافع بن عجیر. (٢) حيث يقول في مختصره ١٣٤/٣: "وقال أبو داود: حديث نافع بن عجیر حديث صحيح. وفيما قاله نظر، فقد تقدم عن الإمام أحمد أن طرقه ضعيفة، وضعفه أيضاً البخاري. وقد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه". ا.هـ كلام المنذري. (٣) في المطبوع: بقضيتهم. (٤) سنن أبي داود ٢/ ٦٥٧ في الباب نفسه. ٩٣٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية باب الرجل یقول لامرأته: یا أختي(١) قال بعد قول المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي (٢) والنسائي(٢). قال الشيخ شمس الدين: وفيه دليل على أن من قال لامرأته: "إنها أختي أو أمي" على سبيل الكرامة والتوقير، لا يكون مظاهراً. (١) سنن أبي داود ٦٥٩/٢ - ٦٦٠، الباب رقم (١٦). عند حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لم يكذب قط، إلا ثلاثاً: ثنتان في ذات اللّه تعالى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ گییرُهُمْ هَدَا﴾، وبينما هو یسیر في أرض جبّار من الجبابرة إذ نزل منزلاً، فأُتِيَ الجبار فقيل له: إنه نزل ههنا رجل معه امرأة هي أحسن الناس قال: فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: إنها أختي، فلما رجع إليها قال: إن هذا سألني عنك فأنبأته أنك أختي، وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغیرك، وإنك أختي في کتاب الله فلا تكذّبيني عنده، وساق الحديث. وأخرجه البخاري في صحيحه ٦ / ٤٤٧ مع الفتح، في كتاب أحاديث الأنبياء، ٨ - باب قول الله تعالى: ﴿وَانُّحْدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾. ومسلم في صحيحه ٤/ ١٨٤٠، في كتاب الفضائل، ٤١- باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم. والترمذي في جامعه ٥/ ٣٠٠-٣٠١ في كتاب تفسير القرآن، ٢٢ -باب ومن سورة الأنبياء، وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ٩٨/٥. (٢) مختصر المنذري ٣/ ١٣٧. ٩٣٧ كتاب الطلاق وعلى هذا فإذا قال لعبده: " هو حر"، يعني أنه ليس بفاجر، لم يعتق، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي أن يُفتى بخلافه، فإن السيد إذا قيل له: "عبدك فاجر زان"، فقال: "ما هو إلا حر"، قَطَع سامعُه أنه إنما أراد العفّة لا العتق(١) ، وكذلك إذا قيل له: "جاريتك تبغي"، فقال: "إنما هي حرة". وسمى(٢) هذه كذبات(٣)، لأنها تورية، وقد أشكل على الناس تسميتها كذباً(٤)، لكون المتكلم إنما أراد بلفظه(٥) المعنى الذي [١/١٠٤] قصده، فکیف یکون كذباً؟! والتحقيق في ذلك أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطب، لا بالنسبة إلى عناية (٦) المتكلم، فإن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم، ونسبة إلى المخاطب، فلما أراد الموري أن يفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه، أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلم صادقاً باعتبار قصده ومراده. (١) في المطبوع: (الصفة لا العين)، مكان: (العفّة لا العتق). وهو تحريف. (٢) في المطبوع: وسمي قول إبراهيم. (٣) في المطبوع: هذا كذباً. (٤) في المطبوع: كذبة. (٥) في المطبوع: باللفظ. (٦) في المطبوع: غاية. وهو تحريف. ٩٣٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية باب في عدة المختلعة(١) قال المنذري: فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على حيضة واحدة آخر كلامه(٢). (١) هذا التبويب غير موجود في سنن أبي داود، وقد أدرج حدیث ثابت بن قيس وأثر ابن عمر في آخر باب: ١٨ - باب في الخلع. وفي مختصر المنذري يقع حديث ثابت وأثر ابن عمر آخر الباب السابق: باب الرجل يقول لا مرأته: يا أختي. وعلى كل حال فالكلام هنا على حديث أبي داود ٦٦٩/٢ - ٦٧٠، في كتاب الطلاق، ١٨ - باب في الخلع. عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة. قال أبو داود: وهذا الحديث رواه عبد الرزاق عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبي صلی الله عليه وسلم مرسلاً. وأخرجه موصلاً: الترمذي في جامعه ٤٩١/٣ في کتاب الطلاق، ١٠ -باب ما جاء في الخلع. وقال: حديث حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩٥٠. وأما أثر ابن عمر فهو قوله: عدة المختلعة حيضة. أخرجه أبو دواد في سننه ٢/ ٦٧٠، في كتاب الطلاق ١٨ - باب في الخلع. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود موقوفاً برقم: ١٩٥١. (٢) مختصر سنن أبي داود ١٤٥/٣. حيث قال بعد أثر عبد الله بن عمر: "قال الترمذي: واختلف أهل العلم في عدة المختلعة: فقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: إن عدة المختلعة عدة المطلقة. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة. وبه يقول أحمد وإسحاق. ٩٣٩ كتاب الطلاق قال الشيخ: وروى النسائي حديث امرأة ثابت بن قيس موصولاً مطولاً، عن الرُّبَيّع بنت معوّذ: ((أن ثابت بن قيس ابن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال له: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها. قال: نعم، فأمرها (١) رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها))(٢). قال الترمذي في جامعه: الصحيح في حديث الرُّبيع أنها أمرت أن تعتد بحيضة(٣). (٤) = وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: عدة المختلعة حيضة. قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي. ا. هـ وذكر غيره أنه إن أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، وذلك أن الله سبحانه قال: ﴿وَالْمُطَلْقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على حيضة واحدة". ا. هـ كلام المنذري. (١) في المطبوع: فأمر بها. (٢) سنن النسائي المجتبى ٦/ ٤٩٧ في كتاب الطلاق، ٥٣- عدة المختلعة. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٣٢٧٢. (٣) ساقطة من المطبوع. (٤) جامع الترمذي ٣/ ٤٩١ في كتاب الطلاق، ١٠ - باب ما جاء في الخلع. بعد أن أخرج الحديث مختصراً. ٠ ٩٤٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وهذا مرفوع، وقد صرح في الرواية الأخرى أن الذي أمرها بذلك هو: رسول الله صلی الله علیه وسلم. ثم ذکر الترمذي حديث ابن عباس: ((أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة))، وقال: هذا حديث حسن غريب(١). والمعروف عن إسحاق أن عدتها حيضة(٢)، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، نقلها عنه ابن(٣) القاسم (٤)، وهو قول عثمان بن عفان(٥)، وعبد الله بن عباس(٦)، وعن ابن عمر روايتان: (١) وقد سبق تخريجه في حديث الباب. (٢) ذكره ابن قدامة عنه في المغني ١١/ ١٩٥. ولكن نقل عنه الكوسج في مسائله برقم ٩٧٠: أن عدتها عدة المطلقة، إلا أنه قال: والذين قالوا: تعتد حيضة على ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة ثابت بن قيس، فهو مذهب قوي. وانظر جامع الترمذي ٤٩٢/٣. (٣) في الأصل كأنها: "أبو". والمثبت من المغني لابن قدامة ١٩٥/١١. (٤) انظر: الإنصاف ١٤٥/٣، والمغني ١١/ ١٩٥. (٥) رواه: ابن أبي شيبة في مصنفه ١١٩/٤، وعبد الرزاق في مصنفه ٥٠٦/٦ - ٥٠٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٥٠-٤٥١. (٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٢٠/٤.