النص المفهرس

صفحات 901-920

٩٠١
كتاب الطلاق
وما هي إلا أوقات محدودة، وأنفاس على العبد معدودة،
فلينفقها فيما شاء.
أنت القتيل بكل من أحببته فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي(١)
(١) هذا البيت من فائية ابن الفارض، إلا أن صدره: (أنت القتيل بأي من
أحببته).
قال الذهبي سير أعلام النبلاء ٣٦٨/٢٢ مترجماً لابن الفارض هذا بأنه:
"شاعر الوقت شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي ثم المصري،
صاحب الاتحاد الذي قد ملأ به التائية، توفي سنة اثنتين وثلاثين [أي
وستمائة]، وله ست وخمسون سنة.
روى عن القاسم بن عساكر، حدّث عنه المنذري، فإن لم يكن في تلك القصيدة
صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلال، اللهم
ألهمنا التقوى وأعذنا من الهوى، فيا أئمة الدين ألا تغضبون الله؟ !! فلا حول
ولا قوة إلا بالله" .ا. هـ

٩٠٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب في نسخ المراجعة(١)
ذكر أبو داود حديثين، فقال الشيخ شمس الدين: لم يذكر
أبو داود في النسخ غير هذين(٢)، وفيه أحاديث أصح وأصرح
منهما: منها حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان
(١) سنن أبي داود ٦٣٧/٢-٦٣٨، الباب رقم (٥)، وترجمة الباب فيه: باب
الرجل يراجع ولا يُشهد. ومختصر سنن أبي داود ١١٢/٣.
(٢) المطبوع من السنن في هذا الباب حديث واحد، هو حديث عمران بن حصين
سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها، ولم يُشهد على طلاقها ولا على
رجعتها، فقال: طلّقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها،
وعلى رجعتها ولا تعد.
وأخرجه ابن ماجه في سننه ١ / ٦٥٢ في كتاب الطلاق، ٥- باب الرجعة.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩١٥.
وفي مختصر المنذري ذكر مع حديث عمران هذا حديث ابن عباس قال:
﴿وَالْمُطَلْقَاتُ يَتَرَبْصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُومٍ وَلا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ
اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنْ﴾ الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلّق امرأته فهو أحق
برجعتها، وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّكَان﴾.
وهذا الحديث هو عند أبي داود في (٢/ ٦٤٤ -٦٤٥) في كتاب الطلاق، ١٠ -
باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث. وليس في هذا الباب ههنا.
وأخرجه النسائي في المجتبى ٥٢٢/٦ في كتاب الطلاق، ٧٥ - باب نسخ
المراجعة بعد التطليقات الثلاث.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩٢١.

٩٠٣
كتاب الطلاق
الرجل إذا طلق امرأته، ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك
له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها، ثم أمهلها
حتى إذا شارفت انقضاء عدتها؛ ارتجعها، ثم طلقها، وقال: والله لا
آويك إلي، ولا تحلين أبداً، فأنزل الله عز وجل: ﴿الطَّلاقُ مَرْكَانِ
فَإِمْسَاكَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾(١) فاستقبل الناس الطلاق
جديداً من يومئذ، من كان منهم طلق أو لم يطلق(٢).
ورواه الترمذي متصلاً عن عائشة، ثم قال: والمرسل أصح(٣).
وفيه حديث عائشة في امرأة رفاعة، وقول النبي صلى الله
عليه وسلم: ((لا حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلَتَكٍ)).
وهو في الصحيحين (٤).
وهو صريح في تحريمها عليه بعد الطلقة الثالثة.
(١) سورة البقرة الآية رقم: ٢٢٩.
(٢) رواه مالك في الموطأ ٥٨٨/٢، وعنه الشافعي في مسنده ص: ١٩٢، والبيهقي
في السنن الكبرى ٣٣٣/٧. واللفظ المذكور هو لفظ البيهقي.
وقال البيهقي عقبه: هذا مرسل، وهو الصحيح، قاله البخاري وغيره.
(٣) جامع الترمذي ٣/ ٤٩٧ في كتاب الطلاق، ١٦ - باب حدثنا قتيبة.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي برقم: ٢٠٨.
(٤) صحيح البخاري ٥/ ٢٩٥ مع الفتح، كتاب الشهادات، ٣ -باب شهادة المختبئ.
ومسلم في صحيحه ١٠٥٥/٢- ١٠٥٦ في كتاب النكاح، ١٧ - باب لا تحل
المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره.

٩٠٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب في سنة طلاق العبد (١)
[١٠٠/ ب] قال بعد قول المنذري: وقال ابن ماكولا: منكر
الحديث، آخر كلامه(٢).
(١) سنن أبي دواد ٢/ ٦٣٨، الباب رقم: (٦).
عند حديث عمر بن معتب أن أبا الحسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن
عباس في مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين، ثم عتقا بعد ذلك: هل
يصلح له أن يخطبها؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول الله صلی الله عليه وسلم.
وفي رواية قال ابن عباس: بقيت لك واحدة، قضى به رسول الله صلى الله
علیه وسلم.
وأخرجه النسائي في المجتبى ٦/ ٤٦٦ في كتاب الطلاق، ١٩ - باب طلاق العبد.
وابن ماجه في سننه ٦٧٣/١ في كتاب الطلاق، ٣٢ - باب من طلق أمةٌ
تطلیقتین ثم اشتراها.
والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٤٧٣-٤٧٤.
(٢) مختصر المنذري لسنن أبي داود ١١٣/٣. والكلام على عمر بن معتب.
وكلام المنذري على الحديث هو قوله: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
قال الخطابي رحمه الله: "لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء فيما أعلم، وفي
إسناده مقال. وقد ذكر أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق أن ابن
المبارك قال لمعمر: مَنْ أبو الحسن هذا؟ قال: لقد تحمّل صخرة عظيمة !! قال
الشیخ: یرید بذلك إنکار ما جاء به من الحدیث". هذا آخر كلامه.
وأبو الحسن هذا قد ذکر بخير وصلاح، وقد وثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان،
غير أن الراوي عنه عمر بن مُعَتِّب، وقد قال علي بن المديني: عمر بن معتب
=

٩٠٥
كتاب الطلاق
قال ابن القيم: وليس في المسألة إجماع، فإن إحدى الروايتين
عن الإمام أحمد: القول بهذا الحديث، قال: ولا أرى شيئاً يدفعه،
وغير واحد يقول به: أبو سلمة، وجابر، وسعيد بن المسيب، هذا(١)
کلامه(٢) .
وقال مرة: حديث عثمان، وزيد في تحريمها عليه جيد (٣)،
وحديث ابن عباس يرويه عمر(٤) بن معتب، ولا أعرفه، ثم ذكر
كلام ابن المبارك، قال أحمد: أما أبو حسن فهو عندي معروف،
=
منکر الحدیث. وسئل أيضاً عنه؟ فقال: مجهول، لم يروِ عنه غیر یحیی -يعني ابن
أبي كثير- وقال أبو عبد الرحمن النسائي: عمر بن معتب ليس بالقوي. وقال
الأمير أبو نصر بن ماكولا: منكر الحديث. هذا آخر كلامه. ومعتب: بضم الميم
وفتح العين المهملة وتشديد التاء ثالث الحروف وكسرها، وبعدها باء بواحدة
ا.هـ كلام المنذري بتمامه.
(١) في المطبوع: هذا آخر.
(٢) انظر كلامه هذا في المغني لابن قدامة ٥٣٦/١٠.
أما قول أبي سلمة وجابر فلم أقف عليه، وعن جابر خلاف هذا رواه البيهقي
في السنن الكبرى ٣٧١/٧.
أما عن سعيد بن المسيب فرواه عنه سعيد بن منصور في سننه ٣٤٢/١ تحقيق
الأعظمي، وروى أيضاً خلافه في ١ / ٣٥٦ تحقيق الأعظمي.
(٣) سيأتي تخريجه قريباً.
(٤) في الأصل: عمرو. والتصويب من تهذيب التهذيب ٤٩٨/٧.

٩٠٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ولكن لا أعرف عمر (١) بن معتب(٢).
وقال الإمام أحمد في رواية ابن منصور، في عبد تحته مملوكة،
فطلقها تطليقتين ثم عتقا: يتزوجها وتكون على واحدة، على
حديث عمر (٣) بن معتب(٤).
وقال في رواية أبي طالب في هذه المسألة: يتزوجها ولا
يبالي، عتقا أو بعد العدة، وهو قول: ابن عباس(6)، وجابر بن
عبد الله (٦)، وأبي سلمة(٧)، وقتادة(٨).
قال أبو بكر عبد العزيز: إن صح الحديث؛ فالعمل عليه،
وإن لم يصح؛ فالعمل على حديث عثمان، وزيد (٩).
(١) في الأصل: عمرو.
والتصويب من تهذيب التهذيب ٤٩٨/٧.
(٢) انظر هذه الرواية في المغني ١٠/ ٥٣٦.
(٣) في الأصل: عمرو.
والتصويب من تهذيب التهذيب ٤٩٨/٧.
(٤) مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج المسألة رقم: ١٠٣٢.
(٥) کما هو واضح في حديث الباب.
(٦) سبق أني لم أقف عليه، وإنما وقفت على خلافه.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) لم أقف عليه أيضاً.
(٩) انظر كلامه هذا في المغني ١٠/ ٥٣٦.

٩٠٧
كتاب الطلاق
وحديث عثمان وزيد الذي أشار إليه، هو ما رواه الأثرم في
سننه: عن سليمان بن يسار أن نفيعاً مكاتب أم سلمة طلق امرأته
حرة؛ تطليقتين، فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك، فقالا:
حرمت عليك(١).
(١) رواه مالك في الموطأ ٥٧٤/٢، وعبد الرزاق في مصنفه ٢٣٥/٧، ٢٣٥-
٢٣٦، وسعيد بن منصور في سننه ٣٥٦/١ تحقيق الأعظمي، وابن أبي شيبة
في مصنفه ١٠١/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٦٠، ٣٦٨، ٣٦٨-٣٦٩،
وفي معرفة السنن والآثار ٤٩٩/٥، ٥٠٨ -٥٠٩.

٩٠٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم قال الشيخ في حديث: («طلاق الأمة ثنتان، وعدتها
حيضتان))(١)، بعد قول المنذري: وقال البيهقي: ولو كان ثابتاً قلنا
به، إلا أنا لا نثبت حديثاً نرويه عمن(٢) نجهل عدالته(٣)، آخر
كلامه(٤).
قال ابن القيم: وللحديث بعدُ علة عجيبة، ذكرها البخاري
في تاريخه الكبير، قال: مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعه:
«طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)).
قال أبو عاصم: حدثنا ابن جريج عن مظاهر، ثم لقيت
(١) سنن أبي داود ٦٣٩/٢، الباب رقم (٦).
عند حديث مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان)). وقال: وهو
حدیث مجهول.
وأخرجه الترمذي في جامعه ٤٨٨/٣ في كتاب الطلاق، ٧ - باب ما جاء أن
طلاق الأمة تطلیقتان. وقال: حديث غريب.
وابن ماجه في سننه ١/ ٦٧٢ في كتاب الطلاق، ٣٠ -باب في طلاق الأمة
وعدتها.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٤٧٥.
(٢) في المطبوع: (يرويه من)، مكان: (نرويه عمن)، وهو تصحيف.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٣٧١/٧.
(٤) مختصر سنن أبي داود للمنذري ١١٥/٣.

٩٠٩
كتاب الطلاق
مظاهراً فحدثنا به(١)، وكان أبو عاصم يضعف مظاهراً (٢).
وقال يحيى بن سليمان حدثنا ابن وهب قال: حدثني أسامة ابن
زيد بن أسلم عن أبيه؛ أنه كان جالساً عند أبيه، فأتاه رسول الأمير
فقال: إن الأمير يقول لك كم عدة الأمة؟ قال: عدة الأمة حيضتان،
وطلاق الحر الأمة ثلاث، وطلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدة الحرة
ثلاث حيض، ثم قال للرسول: أين تذهب، قال أمرني أن أسأل
القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله قال: فأقسم عليك إلا رجعت إلي
فأخبرتني ما يقولان، فذهب [١٠١/أ] ورجع إلى أبي فأخبره أنهما
قالا كما قال، وقالا له: قل: إن هذا ليس في كتاب الله، ولا سنة(٣)
رسول الله، ولكن عمل به المسلمون (٤). (٥)
(١) جملة (قال أبو عاصم: حدثنا ابن جريج عن مظاهر، ثم لقيت مظاهراً فحدثنا به)
غير موجودة في التاريخ الكبير للبخاري.
وأخرجه عن أبي عاصم عن مظاهر أيضاً: أبو داود في سننه ٢/ ٦٤٠ بعد حديث
الباب، والدارقطني في سننه ٣٩/٤-٤٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٧٠.
(٢) التاريخ الكبير للبخاري ٧٣/٨.
(٣) في المطبوع: ولا في سنة.
(٤) رواه البخاري في التاريخ الصغير ١٢٨/٢ مختصراً.
وذكره ابن عبد البر من طريق ابن وهب به بهذا السياق في التمهيد ٢٤١/٣.
ورواه من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم به بنحوه: الدارقطني في سننه ٤/ ٤٠،
والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٥/ ٥١٠-٥١١، وفي السنن الكبرى ٧/ ٣٧٠.
(٥) علّق الشيخ أحمد محمد شاكر هنا فقال: "لست أدري من أين نقل ابن القيم كلام
=

٩١٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وذكر الدارقطني حديث مظاهر هذا (١) ثم قال: والصحيح
عن القاسم خلاف هذا، وذكر عن القاسم أنه قيل له: بلغك في هذا
عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا(٢).
وذكره الدارقطني أيضاً من حديث ابن عمر مرفوعاً، وقال:
تفرد به عمر بن شبيب، والصحيح أنه من قول ابن عمر (٣).
البخاري هذا، الذي ينسبه للتاريخ الكبير، فإن البخاري ترجم لمظاهر فيه
مرتين (ج٤، ق٢، ص٦٨، وص ٧٣). قال في الأولى : ... " ثم ساق الشيخ
أحمد شاكر نص كلام البخاري في الموضعين، ثم ذكر كلامه في التاريخ الصغير
أيضاً ص١٧٣، ثم قال أحمد شاكر: "فهذا كلام البخاري في التاريخ الصغير
شبيه بما نقل ابن القيم عن التاریخ الکبیر، ومختصر منه، ولكنه ليس به. فلعل
البخاري ذكر ما نقل ابن القيم في موضع آخر من الكبير، أو في التاريخ
الأوسط" ا. هـ تعليق الشيخ أحمد شاكر.
(١) ساقطة من المطبوع.
(٢) سنن الدارقطني ٤ / ٤٠.
(٣) سنن الدارقطني ٣٩/٤.

٩١١
كتاب الطلاق
باب في الطلاق على غلط(١).
قال ابن القيم: قال شيخنا (٢): والإغلاق انسداد باب العلم،
والقصد عليه، فيدخل فيه طلاق المعتوه، والمجنون، والسكران،
والمكره، والغضبان الذي لا يعقل ما يقول؛ لأن كلاً من هؤلاء قد
أغلق عليه باب العلم والقصد، والطلاق إنما يقع من قاصد له عالم
به، والله أعلم(٣).
(١) سنن أبي داود ٢/ ٦٤٢-٦٤٣، الباب رقم: (٨).
ومختصر سنن أبي داود ١١٧/٣ -١١٨.
عند حديث عائشة تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا
طلاق ولا عتاق في إغلاق)). قال أبو داود: الغلاق أظنه الغضب.
وأخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٦٦٠ في كتاب الطلاق، ١٦ - باب طلاق المكره
والناسي.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩١٩.
(٢) أي شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٣) وللمصنف -ابن القيم- رسالة مفردة في طلاق الغضبان اسمها "إغاثة
اللهفان في حكم طلاق الغضبان". وهي مطبوعة متداولة.

٩١٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب في الطلاق على الهزل(١).
قال [ابن القيم] (٢): وقد احتج به من يرى طلاق المكره
لازماً، قال: لأنه أكثر ما فيه أنه لم يقصده، والقصد لا يعتبر في
الصريح بدلیل وقوعه من الهازل واللاعب.
وهذا قياس فاسد؛ فإن المكره غير قاصد للقول، ولا لموجبه،
وإنما حُمل عليه وأكره على التكلم به ولم يكره على القصد، وأما
الهازل فإنه تكلم باللفظ اختياراً، وقصد به غير موجبه، وهذا ليس
إليه بل إلى الشارع.
فهو أراد اللفظ الذي إلیه، وأراد أن لا یکون موجبه، ولیس إليه،
فإن من باشر سبب الحكم باختياره لزمه مسببه ومقتضاه، وإن لم يرده، وأما
المكره فإنه لم يرد لا هذا ولا هذا، فقياسه على الهازل غير صحيح.
(١) سنن أبي داود ١/ ٦٤٣ -٦٤٤، الباب رقم (٩).
ومختصر سنن أبي داود ١١٨/٣-١١٩.
عند حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث
جدهن جدّ، وهزلهنّ جد: النكاح، والطلاق، والرجعة)).
وأخرجه الترمذي في جامعه ٣/ ٤٩٠ في كتاب الطلاق، ٩ -باب ما جاء في
الجد والهزل في الطلاق، وقال: حديث حسن غريب.
وابن ماجه في سننه ١/ ٦٥٨ في كتاب الطلاق، ١٣ - باب من طلق أو نكح أو
راجع لاعباً. والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٩٢٠.
(٢) زيادة وضعتها للتوضيح، وليست في الأصل.

٩١٣
كتاب الطلاق
باب نسخ المراجعة بعد الثلاث التطليقات(١).
قال المنذري: وحُكي أيضاً أن الإمام أحمد بن حنبل يضعف
طرق هذا الحديث كلها(٢).
(١) سنن أبي داود ٢/ ٦٤٥، الباب رقم: (١٠). وترجمة الباب فيه: باب نسخ
المراجعة بعد التطليقات الثلاث.
عند حديث ابن جريج أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه
وسلم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: ((طلق عبدُ يزيد - أبو
ركانة وإخوته أمَّ ركانة، ونكح امرأةً من مُزَيْنَة فجاءتِ النبيَّ صلى اللّه عليه
وسلم فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرةٍ أخذتها من
رأسها، ففرِّق بيني وبينه، فأخذت النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم حميةً، فدعا
بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: ((أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا من عبد
يزيد، وفلاناً [يشبه] منه كذا وكذا؟)) قالوا: نعم، قال النبي صلى اللّه عليه
وسلم لعبد يزيد: ((طلّقها)) ففعل، ثم قال: ((راجع امرأتك أمَّ ركانة وإخوته))،
قال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول اللّه، قال: ((قد علمت، راجعها، وتلا: ﴿يَا أَيُّهَا
النّبِيُّ إِذَا طَلْقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾)
قال أبو داود: وحديث نافع بن عجير وعبد الله بن عليّ بن يزيد بن ركانة،
عن أبيه عن جده أن ركانة طلق امرأته ألبتة فردها إليه النبي صلى اللّه عليه
وسلم أصح؛ لأنَّ ولد الرجل وأهله أعلم به، إنَّ ركانة إنما طلق امرأته البتة
فجعلها النبي صلى اللّه عليه وسلم واحدة.
والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (١٩٢٢).
(٢) مختصر المنذري ١٢٢/٣.

٩١٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال ابن القيم: والحديث الذي رجحه أبو داود هو حديث
نافع بن عجير، أن ركانة بن عبد يزيد (١) طلق امرأته سهيمة(٢) ألبتة،
فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: والله ما أردت إلا
واحدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والله ما أردت إلا
واحدة؟، فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم: فطلقها الثانية في زمن عمر رضي الله
عنه، والثالثة في زمن عثمان رضي الله عنه)) (٣).
قال [١٠١/ ب] أبو داود: هذا أصح من حديث ابن جريج،
يعني الحديث الذي قبل هذا، تم كلامه.
وهذا هو الحديث الذي ضعفه الإمام أحمد والناس، فإنه من
رواية عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير عن ركانة (٤)،
ومن رواية الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة
(١) في المطبوع: (عبيد) مكان (عبد يزيد). وهو تحريف.
(٢) في المطبوع: سهمة. وهو تحريف.
(٣) رواه الدارقطني في سننه ٣٤/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٤٢، والشافعي
في مسنده ص: ٢٦٨.
(٤) وهو ما سبق تخريجه. أخرجه الشافعي في مسنده ص: ١٥٣، والحاكم في
المستدرك ١٩٩/٢ -٢٠٠، والدارقطني في سننه ٣٣/٤، والبيهقي في السنن
الکبری ٣٤٢/٧.

٩١٥
كتاب الطلاق
عن أبيه عن جده(١).
وكلهم ضعيف (٢)، والزبير أضعفهم.
وضعّف البخاري أيضاً هذا الحديث، قال: علي بن يزيد بن
رکانة عن أبيه؛ لم يصح حديثه(٣).
وأما قول أبي داود إنه أصح من حديث ابن جريج، فلأن
ابن جريج رواه عن بعض بني رافع مولى النبي صلى الله عليه
وسلم عن عكرمة عن ابن عباس، ولأبي رافع بنون ليس فيهم من
يحتج به، إلا عبيد الله بن أبي(٤) رافع(٥) ، ولا نعلم هل هو هذا
أو غيره ؟
فلهذا والله أعلم رجح أبو داود حديث نافع بن عجير عليه.
ولكن قد رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن
إسحاق، حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس(٦).
(١) رواه الدارمي في مسنده ١٤٥٩/٣، والحاكم في المستدرك ١٩٩/٢، والدار قطني
في سننه ٣٤/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤٢/٧.
(٢) في المطبوع: ضعفاء. وهو تحريف.
(٣) التاريخ الكبير ٣٠١/٦.
(٤) ساقطة من المطبوع.
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ٧/ ١١.
(٦) مسند أحمد ٢٦٥/١.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٣٩/٧، ثم قال عقبه: وهذا الإسناد لا
=

٩١٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهذا أصح من حديث نافع بن عجير، ومن حديث ابن جريج.
وقد صحح الإمام أحمد هذا السند في قصة ردّ زينب ابنته(١)
على أبي العاص بن الربيع (٢)، وقال: الصحيح حديث ابن عباس
أن رسول صلى الله عليه وسلم ردّها على أبي العاص بالنكاح
الأول(٣).
وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية ابن(٤) إسحاق عن داود
=
تقوم به الحجة مع ثمانية رووا عن ابن عباس رضي الله عنهما فتياه بخلاف
ذلك، ومع رواية أولاد ركانة أن طلاق ركانة كان واحدة، وبالله التوفيق.
(١) أي: ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢١٧/١، ٢٦١، ٣٥١.
وأخرجه أبو داود في سننه ٦٧٥/٢ في كتاب الطلاق، ٢٤ - باب إلى متى ترد
عليه امرأته إذا أسلم بعدها.
والترمذي في جامعه ٤٤٨/٣ في كتاب النكاح، ٤٢-باب ما جاء في الزوجين
المشرکین یسلم أحدهما. وقال: هذا حديث لیس بإسناده بأس.
وابن ماجه في سننه ٦٤٧/١ في كتاب النكاح، ٦٠- باب الزوجين يُسلم
أحدهما قبل الآخر.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة برقم: ١٦٣٥.
(٣) انظر مسند الإمام أحمد ٢٠٨/٢.
(٤) في الأصل: أبي. وهو خطأ. والتصويب من مصادر تخريج الحديث.
وهو: محمد بن إسحاق الإمام المعروف.

٩١٧
كتاب الطلاق
ابن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس.
وهكذا ذكر الترمذي(١) والدارقطني (٢) أن رواية ابن (٣)
إسحاق هي الصواب، وحكموا له على رواية حجاج بن أرطاة عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم
ردها علیه بنكاح جديد (٤).
وحجاج بن أرطاة أعرف من نافع بن عجیر ومن معه.
وبالجملة فأبو داود لم يتعرض لحديث محمد بن إسحاق، ولا
ذكره والله أعلم.
(١) في المطبوع: الثوري. وهو تحريف ظاهر.
وانظر سنن الترمذي ٤٤٨/٣-٤٤٩.
(٢) سنن الدارقطني ٢٥٣/٣ -٢٥٤.
(٣) في الأصل: أبي، والتصويب كما سبق.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٢٠٧/٢ -٢٠٨.
والترمذي في جامعه ٤٤٧/٣-٤٤٨ في كتاب النكاح، ٤٢ - باب ما جاء في
الزوجين المشرکین یسلم أحدهما. وقال: هذا حديث في إسناده مقال.
وابن ماجه في سننه ٦٤٧/١ في كتاب النكاح، ٦٠- باب الزوجين يُسلم
أحدهما قبل الآخر.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه برقم: ٤٣٦.

٩١٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم قال في آخر الباب بعد رواية: إنما كان الثلاث تجعل
واحدة، قال ابن عباس: نعم(١).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: قال البيهقي:
هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم فأخرجه مسلم،
وتركه البخاري، وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن
عباس(٢).
وساق الروايات عنه ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير
وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وعمرو (٣) بن دينار ومالك بن
الحارث ومحمد بن إياس بن البكير، ورويناه عن معاوية بن أبي
(١) سنن أبي داود ٦٤٩/٢ -٦٥٠ الباب رقم (٩). ومختصر سنن أبي داود
١٢٦/٣-١٢٧.
عند حديث طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث
تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثاً من إمارة
عمر؟ قال ابن عباس: نعم.
وأخرجه مسلم في صحيحه ١٠٩٩/٢ في كتاب الطلاق، ٢ - باب طلاق
الثلاث.
والنسائي في المجتبى ٤٥٦/٦-٤٥٧ في كتاب الطلاق، ٨- باب طلاق الثلاث
المتفرقة قبل الدخول بالزوجة.
(٢) السنن الكبرى ٧/ ٣٣٧. ونحوه في معرفة السنن والآثار ٤٦٣/٥.
(٣) في المطبوع: عمر. وهو تحريف.

٩١٩
كتاب الطلاق
عياش الأنصاري، كلهم عن ابن عباس؛ أنه أجاز الثلاث
وأمضاهن(١).
قال ابن المنذر: فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن
النبي صلى الله عليه وسلم [١٠٢ / أ] شيئاً، ثم يفتي بخلافه(٢).
(١) السنن الكبرى ٣٣٨/٧. ونحوه في معرفة السنن والآثار ٥/ ٤٦٤.
(٢) علّق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "كلام البيهقي هو في السنن الكبرى ٧:
٣٣٧-٣٣٨، وهذا نوع عجيب من التعليل والاستدلال !! فإن حديثاً يخرجه
مسلم ولا يخرجه البخاري، لا يجعل أنه من الأحاديث التي اختلف فيها
الشیخان، فما زعم أحد قط أن كلاً منهما عرض صحیحه على صاحبه، ثم
اختلفا أو اتفقا فيما أخرجا !! بل ألّف كلّ منهما صحيحه، وما التزم واحد
منهما أن يخرّج کل الصحیح عنده وفي رأیه، حتی یُظنّ أن عدم إخراج واحد
منهما حديثاً بعينه تعليلٌ له. وما أظنّ أنّ أحداً يفقه الحديث وأسانيده وعلله
مستطيع أن يدعي هذا !! وكثير من التراجم، أي الأحاديث التي رُويت بإسناد
واحد، كصحيفة همام بن منبه مثلاً، أخرج كل واحد منهما أحاديث منها،
وترك كلُّ واحد منهما أحاديث، وتركا معاً أحاديث، ولم يكن هذا سبباً - عند
أهل المعرفة بالأسانيد والعلل - سبباً لتعليل ما تركا، أو ترك أحدهما. وأظنّ
أنّ هذا بديهي لا يخالف فيه أهل العلم بالسنة، بل هو منصوص بمعناه في كتب
علوم الحديث (المصطلح).
وأما أنه (غير جائز أن نظنّ بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه
وسلم شيئاً ويُفتي بخلافه) فإنها دعوى عريضة، يستدل بها كثيراً أهل الرأي،
حين يريدون أن يخرجوا على الحديث الصحيح الثابت، ويردوه ويعرضوا
=

٩٢٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال الشافعي: فإن كان يعني (١) قول ابن عباس: ((إن الثلاث
كانت تحتسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة»،
يعني أنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه والله
أعلم، أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ (٢).
قال البيهقي: ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيد
لصحة هذا التأويل(٣).
يريد البيهقي الحديث الذي ذكره أبو داود في باب نسخ
المراجعة، وقد تقدم(٤).
=
عنه. وهذا الذي یری البيهقي أن يظنه بابن عباس، شيء ثابت عن ابن عباس
وعن غيره من الصحابة في مسائل كثيرة، وقد حققه علماء الحديث وعلماء
الأصول، واختلفوا فيه، والراجح عند أهل العلم وعند متبعي الحديث:
ترجيح رواية الصحابي أو التابعي على رأيه، لأنا أمرنا أن نتبع رواية الثقة
ونأخذ بها، وما أُمرنا قط أن نُقلد الثقة في رأيه، أياً كان، صحابياً أو غيره.
وهذا عندنا شيء بديهي لا يصلح أن يكون موضع خلاف، والله أعلم" ا. هـ
تعليق الشيخ رحمه الله.
(١) في اختلاف الحديث وسنن البيهقي والمعرفة: معنى. ولعله الأصوب.
(٢) اختلاف الحديث للشافعي ص: ٢٥٧. ونقله البيهقي في السنن الكبرى
٣٣٨/٧، وفي معرفة السنن والآثار ٥/ ٤٦٤.
(٣) السنن الكبرى ٣٣٨/٧.
(٤) أي عند أبي داود. وقد سبق تخريجه عند ٥- باب في نسخ المراجعة.