النص المفهرس
صفحات 861-880
٨٦١ كتاب الطلاق فقد شمل البطلان نوعيْ التعدي عدداً أو وقتاً. قالوا: وأيضاً فالصحة إما أن تفسّر بموافقة أمر الشارع، وإما أن تفسر بترتب أثر [٩٣/ ب] الفعل عليه، فإن فسرت بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكناً، وإن فسرت بالثاني وجب أيضاً أن لا يكون العقد المحرم صحيحاً، لأن ترتب الثمرة على العقد إنما هو بجعل الشارع العقد كذلك، ومعلوم أنه لم يعتبر العقد المحرم، ولم يجعله مثمراً لمقصوده، کما مر تقريره. قالوا: وأيضاً فوصف العقد المحرم بالصحة مع كونه منشأ المفسدة(١) ومشتملاً على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده، جمع بين النقيضين، فإن الصحة إنما تنشأ من(٢) المصلحة، والعقد المحرم لا مصلحة فيه، بل هو منشأ لمفسدة خالصة أو راجحة، فكيف تنشأ الصحة من شيء هو منشأ المفسدة؟! قالوا: وأيضاً فوصف العقد المحرم بالصحة، إما أن يعلم من نصّ(٣) الشارع، أو من قياسه، أو من توارد عرفه في محالّ حكمه بالصحة، أو من إجماع الأمة. ولا يمكن إثبات شيء من ذلك في محل النزاع، بل نصوص (١) في المطبوع: (منشئاً للمفسدة)، مكان: (منشأ المفسدة)، وهو تحريف لا داعي له. (٢) في المطبوع: عن. (٣) في المطبوع: بنص من. ٨٦٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الشرع تقتضي رده وبطلانه كما تقدم. وكذلك قياس الشريعة كما ذكرناه. وكذلك استقراء موارد عرف الشرع في مجال الحكم بالصحة، إنما يقتضي البطلان في العقد المحرم لا الصحة. وكذلك الإجماع، فإن الأمة لم تجمع قط ولله الحمد على صحة شيء حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا في هذه المسئلة ولا في غيرها. فالحکم بالصحة فيها إلى أي دلیل یستند؟ !! قالوا: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مره فليراجعها))، فهذا حجة لنا على عدم الوقوع، لأنه لما طلقها، والرجل من عادته إذا طلق امرأته أن يخرجها عنه، أَمَرَه(١) بأن يراجعها ويمسكها، فإن هذا الطلاق الذي أوقعه ليس بمعتبر شرعاً، ولا تخرج المرأة عن الزوج(٢) بسببه. فهو كقوله لبشير بن سعد في قصة نحله ابنه النعمان غلاماً: ((رده)) (٣)، ولا يدل أمره إياه برده على أن الولد قد مَلكَ الغلامَ، (١) أي أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن عمر. (٢) في المطبوع: الزوجية. (٣) أخرجه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ٥/ ٢٥٠ مع الفتح، كتاب الهبة، ١٢ -باب الهبة للولد. = ٨٦٣ كتاب الطلاق وأنّ الرّدّ إنما يكون بعد الملك، فكذلك أَمْرُه بردّ المرأة ورجعتها، لا يدل على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق. بل لما ظن ابن عمر جواز هذا الطلاق فأقدم عليه قاصداً لوقوعه، رد إليه النبي صلی الله عليه وسلم امرأته، وأمره أن يردها. وردّ الشيء إلى ملكِ مَنْ أخرجه، لا يستلزم خروجه عن ملكه شرعاً، كما ترد العين المغصوبة إلى مالكها، ويقال للغاصب: ردها إليه، ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها. وكذلك إذا قيل: ردّ على فلان ضالته. ولما باع عليٌّ أحدَ الغلامين الأخوين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((رده، رده))(١)، وهذا أمر بالردّ حقيقة. = وصحيح مسلم ١٢٤٢/٣، في كتاب الهبات، ٣ - باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة. وهذا اللفظ لمسلم، ولفظ البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فارجعه)». (١) أخرجه الترمذي في جامعه ٣/ ٥٨٠-٥٨١ في کتاب البيوع، ٥٢- باب ما جاء في كراهية الفرق بين الأخوين ... ، وقال: "حديث حسن غريب". وابن ماجه في سننه ٢/ ٧٥٥-٧٥٦ في كتاب التجارات، ٤٦- باب النهي عن التفريق بين السبي. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه برقم: ٤٩٢. = ٨٦٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالوا: فقد وفينا اللفظ حقيقته التي وضع لها. قالوا: وأيضاً فقد صرح ابن عمر [٩٤/ أ] بأن النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه، ولم يرها شيئاً، وتعلقكم على أبي الزبير مما لا متعلق فيه، فإن أبا الزبير إنما يخاف من تدليسه، وقد صرح بالسماع كما تقدم، فدل على أن الأمر بمراجعتها لا يستلزم نفوذ الطلاق. قالوا: والذي يدل عليه أن ابن عمر قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض: «لا يعتد بذلك)). ذكره الإشبيلي في الأحكام من طريق محمد بن عبد السلام الخشني قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، أنه قال في الرجل يطلق امرأته [ثلاثاً] وهي حائض، قال ابن عمر: "لا يعتد بذلك"(١). وذكره ابن حزم في كتاب المحلى بإسناده من طريق الخشني(٢). = ورواه أبو داود في سننه ١٤٤/٣ -١٤٥ في كتاب الجهاد، ١٣٣ -باب في التفريق بين السبي، عن علي أنه فرّق بين جارية وولدها، فنهاه النبي صلى الله علیه وسلم عن ذلك، وردّ البيع. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٣٤٥. (١) الأحكام الوسطى ١٩١/٣، وما بين المعقوفين زيادة منه. (٢) رواه في المحلى ١٦٤/١٠، وصححه في ١٦٥/١٠. ٨٦٥ كتاب الطلاق وهذا إسناد صحيح. قالوا: وقد روى الدارقطني في سننه بإسناد شيعي عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثاً وهي حائض؟ فقال لي: أتعرف عبد الله بن عمر، قلت: نعم، قال: طلقت امرأتي ثلاثاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم [وهي حائض]، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة. قال الدار قطني: كلهم شيعة (١). ولم يزد على هذا(٢). ولكن هذا الحديث باطل قطعاً، ولا يحتج به، وإنما ذكرناه للتعريف بحاله ولو كان إسناده ثقاتاً (٣) لكان غلطاً، فإن المعروف من رواية الأثبات عن ابن عمر أنه إنما طلّق تطليقة واحدة، كما رواه مسلم في الصحيح من حديث يونس بن جبير (٤). ولكن لو حاكمنا منازعينا إلى ما يقرون به من أن رواية أهل البدع مقبولة، فكم في الصحيح من رواية الشيعة الغلاة والقدرية (١) سنن الدار قطني ٤/ ٧، وما بين المعقوفين زيادة منه. (٢) في سنن الدار قطني ٤/ ٧، قال: هؤلاء كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. (٣) في المطبوع: ثقات. (٤) صحيح مسلم ١٠٩٦/٢، في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... . ٨٦٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية والخوارج والمرجئة وغيرهم، لم يتمكنوا من الطعن في هذا الحديث بأن رواته شيعة، إذ مجرد كونهم شيعة لا يوجب ردّ حديثهم. وبعد ففي معارضته بحديث يونس بن جبير: أنه طلقها تطليقة، كلام ليس هذا موضعه، فإن من جعل الثلاث واحدة، قال: هي ثلاث في اللفظ، وهي واحدة في الحكم، على ما في حديث أبي الصهباء عن ابن عباس(١)، والله أعلم. قالوا: "وأما قولكم إن نافعاً أثبت في ابن عمر وأولى به من أبي الزبير وأخص، فروايته أولى أن نأخذ بها"، فهذا إنما يحتاج إليه عند التعارض، فكيف ولا تعارض بينهما؟! فإن رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تحسب عليه، وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قط أن النبي صلى الله عليه وسلم حسبها عليه، بل مرة قال: ((فمه))(٢)، أي: فما يكون؟! وهذا ليس بإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حسبها، ومرة قال: ((أرأيت إن عجز واستحمق))(٣)، (١) أخرجه مسلم في صحيحه ١٠٩٩/٢ في كتاب الطلاق، ٢ - باب طلاق الثلاث. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ٢٦٤ مع الفتح، في كتاب الطلاق، ٢ -باب إذا طُلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق. ومسلم في صحيحه ١٠٩٥/٢-١٠٩٦ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... . (٣) أخرجه البخاري في صحيح ٢٦٩/٩ مع الفتح، في كتاب الطلاق، ٣-باب = ٨٦٧ كتاب الطلاق وهذا رأي محض ومعناه أنه ركب خطة عجز، واستحمق [٩٤/ ب] أي: ركب أحموقة وجهالة، فطلق في زمن لم يؤذن له في الطلاق فیه. ومعلوم أنه لو كان عند ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم حسبها عليه، لم يحتج أن يقول للسائل: ((أرأيت إن عجز واستحمق))، فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق؛ فإن من عجز واستحمق يرد إلى العلم والسنة التي سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف يُظن بابن عمر أنه يكتم نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتداد بتلك الطلقة، ثم يحتج بقوله: ((أرأيت إن عجز واستحمق))؟! وقد سأله مرة رجل عن شيء فأجابه بالنص، فقال السائل: أرأيت إن كان كذا وكذا، قال: اجعل أرأيت باليمن(١). ومرة قال: ((تحسب من طلاقها))، وهذا قول نافع ليس قول ابن عمر، كذلك جاء مصرحاً به في هذا الحديث في الصحيحين، = من طلّق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق. ومسلم في صحيحه ١٠٩٧/٢ في كتاب الصلاة، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٥٥٥ مع الفتح، في كتاب الحج، ٦٠ -باب تقبيل الحجر. ٨٦٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قال عبيد الله(١) لنافع: ما فعلت التطليقة؟ قال: ((واحدة اعتد (٢) بها)»(٢). وفي بعض ألفاظه: ((فحسبت بتطليقة(٣)(٤). وفي لفظ للبخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عمر: ((فحسبت علي بتطليقة))(٥). ولكن هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن جبير عنه، وخالفه(٦) نافع وأنس بن سيرين ويونس بن جبير، وسائر الرواة عن ابن عمر (٧)، فلم يذكروا: ((فحسبت علي))، (١) في الأصل: عبد الله، وهو خطأ، والتصويب من صحيح مسلم. (٢) لم أقف عليه عند البخاري. وهو في صحيح مسلم ١٠٩٤/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها .... (٣) في المطبوع: تطليقة. (٤) لم أقف عليه. وإنما وجدت اللفظ الآتي ذكره. (٥) صحيح البخاري ٢٦٤/٩ مع الفتح، في كتاب الطلاق، ٢ - باب إذا طُلّقت الحائض تعتد بذلك الطلاق. (٦) في المطبوع: وخالف. (٧) حديث نافع عن عبد الله بن عمر أخرجه: البخاري في صحيحه ٢٥٨/٩ مع الفتح، في كتاب الطلاق، ١ -باب قوله الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ... ﴾. ومسلم في صحيحه ١٠٩٣/٢ في كتاب الطلاق، ١ -باب تحريم طلاق = ٨٦٩ كتاب الطلاق وانفرد(١) ابن جبير بها كانفراد أبي الزبير بقوله: ((ولم يرها شيئاً)). فإن تساقطت الروايتان لم يكن في سائر الألفاظ دليل على الوقوع. وإن رجح إحداهما على الأخرى، فرواية أبي الزبير صريحة في الرفع، ورواية سعيد بن جبير غیر صريحة في الرفع، فإنه لم يذكر فاعل الحساب. فلعل أباه رضي الله عنه حسبها عليه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، = الحائض بغير رضاها. وحديث أنس بن سیرین أخرجه: البخاري في صحيحه ٢٦٤/٩ مع الفتح، في كتاب الطلاق، ٢ - باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك. ومسلم في صحيحه ١٠٩٧/٢ في كتاب الطلاق، ١ -باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. وحدیث یونس بن جبير أخرجه: البخاري في صحيحه ٩/ ٣٩٤ مع الفتح، في كتاب الطلاق، ٤٥ - باب مراجعة الحائض. ومسلم في صحيحه ١٠٩٦/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. (١) هكذا في الأصل، ولعل الأصوب: "وانفراد". ٨٧٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وحسبه عليهم اجتهاداً منه ومصلحة رآها للأمة، لئلا يتتابعواً في الطلاق المحرم، فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه، وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتسب عليهم به ثلاثاً، في لفظ واحد، فلما رأى عمر الناس قد أكثروا منه، رأى إلزامهم به والاحتساب عليهم به (١). قالوا: وبهذا تتألف (٢) الأحاديث الواردة في هذا الباب ويتبيّن وجهها، ويزول عنها التناقض والاضطراب، ويُستغنى عن تكلّف التأويلات المستكرهة لها، ويتبيّن موافقتها لقواعد الشرع وأصوله. قالوا: وهذا الظن بعمر رضي الله عنه: أنه إذا احتسب على الناس بالطلاق الثلاث، احتسب على ابنه بتطليقته التي طلقها في الحیض. وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئاً، مثل كون الطلاق الثلاث على عهده [٩٥/ أ] كان واحدة، وإلزام عمر الناس بذلك، كالزامه لهم(٣) بهذا، وأداه اجتهاده رضي الله عنه إلى أن (١) رواه مسلم في صحيح ١٠٩٩/٢ في كتاب الطلاق، ٢- باب طلاق الثلاث. من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (٢) في المطبوع: تأتلف. (٣) في المطبوع: له. ٨٧١ كتاب الطلاق ذلك كان تخفيفاً ورفقاً بالأمة، لقلة (١) إيقاعهم الطلاق وعدم تتابعهم فيه، فلما أكثروا منه وتتابعوا فيه ألزمهم بما التزموه. وهذا كما أداه اجتهاده في الجلد في الخمر ثمانين، وحلق الرأس فيه والنفي(٢)، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جلد فيه أربعين، ولم يحلق فيه رأساً، ولم يُغَرّب، فلما رأى الناس قد أكثروا منه واستهانوا بالأربعين، ضاعفها عليهم وحلق ونفى. ولهذا نظائر كثيرة ستُذكر في موضع آخر، إن شاء الله. (١) في المطبوع: "لعلة"، وهو تحريف. (٢) جَلْد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الخمر ثمانين، أخرجه: البخاري في صحيحه ٦٧/١٢ مع الفتح، في كتاب الحدود، ٤-باب الضرب بالجرید والنعال. من حدیث السائب بن یزید. ومسلم في صحيحه ١٣٣٠/٣، ١٣٣١، في كتاب الحدود، ٨- باب حدّ الخمر. من حديث أنس بن مالك. وحلقه الرأس في شرب الخمر، لم أقف عليه من فعله، إنما رواه عبد الرزاق في مصنفه ٢٣٢/٩-٢٣٣ من فعل عمرو بن العاص، وسمع عمر بن الخطاب بذلك ولم ینکره. والنفي في شرب الخمر، أخرجه: النسائي في المجتبى ٧٢٢/٨ في كتاب الأشربة، ٤٧-تغریب شارب الخمر. وضعفه الألباني في ضعيف سنن النسائي برقم: ٤٣٦. ورواه عبد الرزاق في مصنفه من طريقين مختلفين ٢٣١/٩-٢٣٢ و٣٨٢/٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٢١/٨. ٨٧٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالوا: وتوهم من توهم أنا خالفنا الإجماع في هذه المسألة غلط، فإن الخلاف فيها أشهر من أن يُجحد وأظهر من أن يُستر. وإذا كانت المسألة من موارد النزاع، فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم: من ردّ ما تنازع فيه العلماء إلى الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم دون تحكيم أحد من الخلق، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرَ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(١). فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع. ولو استوفينا الكلام في المسألة لاحتملت سفراً كبيراً، فلنقتصر على فوائد الحديث. قال الموقعون: وفيه دليل على أن الرجعة يستقل بها الزوج دون الولي ورضا المرأة؛ لأنه جعل ذلك إليه دون غيره، ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة، قال تعالى: ﴿وَيُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾(٢)، فجعل الأزواج أحق بالرجعة من المرأة والولي. واختلفوا في قوله: ((مره فليراجعها))، هل الأمر بالرجعة على الوجوب، أو الاستحباب؟: (١) سورة النساء الآية رقم: ٥٩. (٢) سورة البقرة الآية رقم: ٢٢٨. ٨٧٣ كتاب الطلاق فقال الشافعي(١)، وأبو حنيفة(٢)، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري(٣)، وأحمد في إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه (٤): الأمر بالرجعة استحباب. قال بعضهم: لأن ابتداء النكاح إذا لم يكن واجباً فاستدامته کذلك. وقال مالك في الأشهر عنه(٥)، وداود (٦)، وأحمد في الرواية الأخرى (٧): الرجعة واجبة للأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرماً في هذا الزمن، كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجباً، وبهذا يبطل قولهم إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته، فإن الاستدامة ههنا واجبة؛ لأجل الوقت، فإنه لا يجوز فيه الطلاق. (١) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ٧٩/٢، وروضة الطالبين ٤/٨. (٢) المذهب عند الحنفية وجوب الرجعة، والاستحباب قول في المذهب. انظر: الهداية ٢٢٨/١، وشرح فتح القدير ٤٨٠/٣-٤٨١. (٣) نقله عنهم: ابن عبد البر في التمهيد ٦٧/١٥، وابن قدامة في المغني ١٠/ ٣٢٨. (٤) انظر: المغني ٣٢٨/١٠، والفروع ٣٧١/٥. (٥) انظر لمذهب المالكية: الشرح الكبير ٣٦٢/٢، والتمهيد ٦٧/١٥. (٦) ذكره عنه: ابن عبد البر في التمهيد ٦٧/١٥، وابن قدامة في المغني ١٠/ ٣٢٨، وابن حجر في فتح الباري ٩/ ٢٦٣. (٧) انظر لهذه الرواية: المغني ٣٢٨/١٠، والفروع ٣٧١/٥. ٨٧٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالوا: ولأن الرجعة إمساك بدليل قوله: ﴿الطّلاقُ مَرِّتَان فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾(١)، فالإمساك مراجعتها في العدة، والتسريح تركها حتى تنقضي عدتها. وإذا كانت الرجعة [٩٥/ ب] إمساكاً، فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن الحيض وتحريم طلاقها؛ فتكون واجبة. ثم اختلف الموجبون للرجعة في علّة ذلك(٢). - فقالت طائفة: إنما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذي أراده في زمن الإباحة، وهو الطهر الذي لم يمسها فيه، فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذي ترتّبت عليه الأحكام؛ هو الطلاق المحرم، والشارع لا يرتب الأحكام على طلاق محرم، فأمر برجعتها ليطلقها طلاقاً مباحاً، يترتب عليه أحكام الطلاق. - وقالت طائفة: بل أمره برجعتها عقوبة له على طلاقها في زمن الحيض، فعاقبه بنقيض قصده، وأمره بارتجاعها عكس مقصوده. - وقالت طائفة: بل العلة في ذلك أن تحريم الطلاق في زمن الحيض معلل بتطويل العدة، وأمره برجعتها ليزول المعنى الذي (١) سورة البقرة الآية رقم: ٢٢٩. (٢) انظر في ذكر العلة: التمهيد لابن عبد البر ٦٦/١٥-٦٧، وفتح الباري لابن حجر ٢٦٢/٩. : : ٨٧٥ كتاب الطلاق حرم الطلاق في الحيض لأجله. وقال بعض الموجبين: إن أبى رجعتها أجبر عليها، فإن امتنع ضرب وحبس، فإن أصر حكم عليه برجعتها وأشهد أنه قد ردها عليه، فتكون امرأته يتوارثان ويلزمه جميع حقوقها حتى يفارقها فراقاً ثانياً، قاله أصبغ وغيره من المالكية(١). ثم اختلفوا: فقال مالك: يجبر على الرجعة، وإن طهرت ما دامت في العدة لأنه وقت للرجعة(٢). وقال أشهب: إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت، لم تجب رجعتها في هذه الحال، وإن كانت في العدة، لأنه لا يجب عليه إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه، فلا يجب عليه رجعتها فيه إذ لو وجبت الرجعة في هذا الوقت لحرم الطلاق فيه (٣). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق)). قال البيهقي: أكثر الروايات عن ابن عمر: ((أن النبي صلى (١) انظر: الشرح الكبير ٣٦٢/٢-٣٦٣، والمنتقى للباجي ٤ / ٩٧. (٢) انظر: الشرح الكبير ٣٦٢/٢، والتمهيد ٦٨/١٥، والمنتقى للباجي ٤ / ٩٧. (٣) انظر: الشرح الكبير ٣٦٢/٢، والتمهيد ٦٨/١٥، وفتح الباري لابن حجر ٢٦١/٩، والمنتقى للباجي ٤ / ٩٧. ٨٧٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك))، فإن كانت الرواية عن سالم(١) ونافع(٢) وابن دينار(٣) في أمره بأن يراجعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر محفوظة، فقد قال الشافعي: يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك الإستبراء، أن يكون(٤) أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيه (٥) بطهر تام، ثم حيض تام، ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها أبالحَمْلٍ هي أم بالحيض؟ أو (٦) ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل، وهو غير جاهل ما صنع، أو يرغب فيمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٥٢١ مع الفتح، في كتاب التفسير، ٦٥ - سورة الطلاق، ١ -باب. ومسلم في صحيحه ١٠٩٥/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... . (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٥٨/٩ مع الفتح، في كتاب الطلاق، ١ -باب قوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ إِذَا طَلْقْتُمُ النِّسَاءَ ... ﴾. ومسلم في صحيحه ١٠٩٣/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... . (٣) أخرجه مسلم في صحيحه ١٠٩٥/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... . (٤) (أن يكون) ساقطة من المطبوع. (٥) في السنن الكبرى ومعرفة السنن والآثار: "فيها". (٦) في السنن الكبرى ومعرفة السنن والآثار: "و". ٨٧٧ كتاب الطلاق حامل، أن تكف عنه حاملاً. آخر كلامه (١). وأكثر الروايات في حديث ابن عمر مصرحة بأنه إنما أذن في طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة، ثم تحيض ثم تطهر، هكذا [٩٦/أ] أخرجاه في الصحيحين من رواية نافع عنه، ومن رواية ابنه سالم عنه (٢). وفي لفظ متفق عليه: «ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها)) (٣). وفي لفظ آخر متفق عليه: «مره فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها)) (٤). ففي تعدد الحيض والطهر، ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها من رواية ابنه سالم، ومولاه نافع، وعبد الله بن دينار وغيرهم، والذين زادوا قد حفظوا ما لم يحفظه هؤلاء. (١) انظر نحوه في: السنن الكبرى ٧/ ٣٣١، ومعرفة السنن والآثار ٤٥٩/٥ -٤٦٠. (٢) سبق تخريجه من طريقهما. (٣) صحيح البخاري ٩/ ٣٩٣ مع الفتح، في كتاب الطلاق، ٤٤- باب ﴿ وَيُعُولَتُهُنَّ أُحَقُّ برَدِّمِنَّ» .... وصحيح مسلم ١٠٩٤/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. (٤) صحيح مسلم ٢/ ١٠٩٥ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. ولم أقف عليه عند البخاري. ٨٧٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ولو قدر التعارض، فالزائدون أكثر وأثبت في ابن عمر وأخص به، فروايتهم أولى؛ لأن نافعاً مولاه أعلم الناس بحديثه، وسالم ابنه كذلك، وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه، وأرواهم عنه، فكيف يقدم اختصار أبي الزبير ويونس بن جبير على هؤلاء؟! ومن العجب تعلیل حديث أبي الزبير في ردها عليه، من غير احتساب بالطلقة بمخالفة غيره له، ثم تُقدَّم روايته التي سکت فيها عن تعدد الحيض والطهر، على رواية نافع وابن دينار وسالم، فالصواب الذي لا شك فيه، أن هذه الرواية ثابتة محفوظة، ولذلك أخرجها أصحاب الصحیحین. واختلف في جواز طلاقها في الطهر المتعقب للحيضة التي طلق فيها، على قولين هما روايتان عن أحمد (١) ومالك: أشهرهما عند أصحاب مالك المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة، سوى تلك الحيضة، ثم تطهر كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم(٢). والثاني: يجوز طلاقها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة، وهو (١) والمذهب أنه طلاق بدعة، وعنه يجوز. انظر: المغني ٣٢٩/١٠-٣٣٠، والفروع ٣٧١/٥، والإنصاف ٤٥١/٨، وشرح منتهى الإرادات ٣/ ١٢٤. (٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٦٨/١٥، والمنتقى للباجي ٤/ ٩٧ -٩٨. ٨٧٩ كتاب الطلاق قول الشافعي (١) وأبي حنيفة(٢) وأحمد في الرواية الأخرى (٣). ووجهه: أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز أيضاً طلاقها فيه، لو لم يتقدم طلاق في الحيض. ولأن في بعض طرق حديث ابن عمر في الصحيح: ((ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً))(٤). وفي لفظ: ((ثم ليطلقها طاهراً من غير جماع، في قُبُل (٥) عدتها))(٥). وفي لفظ: ((فإذا طهرت فليطلقها لطهرها))، قال: فراجعها ثم (١) والصحيح في المذهب المنع من طلاقها في الطهر التالي لتلك الحيضة، وفيه وجه بالجواز. انظر: روضة الطالبين ٤/٨، وفتح الباري ٩/ ٢٦٢. (٢) قول أبي حنيفة أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة الأولى، وذهب أبو یوسف ومحمد بن الحسن إلى القول الأول. انظر: الهداية ٢٢٨/١-٢٢٩، وبدائع الصنائع ٩١/٣. (٣) انظر: المغني ٣٢٩/١٠-٣٣٠، والفروع ٣٧١/٥، والإنصاف ٤٥١/٨. (٤) صحيح مسلم ١٠٩٥/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. (٥) صحيح مسلم ١٠٩٦/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. ٨٨٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية طلقها لطهرها(١). وفي حديث أبي الزبير وقال: ((إذا طهرت فليطلق أو ليمسك))(٢). وكل هذه الألفاظ في الصحيح. وأما أصحاب القول الثاني: فاحتجوا بما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم بإمساكها حتى تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر. وقد تقدم(٣). قالوا: وحكمة ذلك من وجوه: أحدها: أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة، كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإن الله سبحانه إنما شرع الرجعة الإمساك المرأة وإيوائها، ولم شعث النكاح وقطع سبب الفرقة، ولهذا سماه إمساكاً، فأمره الشارع [٩٦/ ب] أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق. قالوا: وقد أكد الشارع هذا المعنى، حتى إنه أمر في بعض (١) صحيح مسلم ٢/ ١٠٩٧ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها. (٢) سبق تخريج حديث أبي الزبير عن ابن عمر. (٣) وسبق تخريجه.