النص المفهرس
صفحات 841-860
٨٤١ كتاب النكاح ووجه ذلك والله أعلم: أنه إنما نفى الحرج عن عدم الفعل، فقال: ((لا عليكم أن لا تفعلوا))، يعني: في أن لا تفعلوا، وهو يدل بمفهومه على ثبوت الحرج في الفعل، فإنه لو أراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، والحكم بزيادة "لا" خلاف الأصل. فلهذا فهم الحسن وابن سيرين من الحديث الزجر. والله أعلم. ٨٤٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ثم قال ابن القيم عقب حدیث محیریز(١)، قال: وفيه دليل على جواز استرقاق العرب ووطء سباياهم وكن كتابيات، وقد تقدم حديث أبي سعيد في سبايا أوطاس (٢)، وإباحة وطئهن وهن من العرب، وحديثه الآخر: ((لا توطأ حامل حتى تضع))(٣). وكان أكثر سبايا الصحابة في عصر النبي صلى الله عليه (١) سنن أبي داود ٢/ ٦٢٤، الباب السابق رقم (٤٩). ومختصر سنن أبي داود ٣/ ٨٧. وهو حديث عبد الله بن محيريز قال: دخلت المسجد، فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه، فسألته عن العزل، فقال أبو سيعد: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبياً من سَبْيٍ العرب، فاشتهینا النساء، واشتدت علینا العزبة وأحببنا الفداء فأردنا أن نعزل، ثم قلنا: نعزل ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله عن ذلك؟ فسألناه عن ذلك فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاَّ وهي كائنةٌ)). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٤٩٤ مع الفتح، في كتاب المغازي، ٣٢- باب غزوة بني المصطلق. ومسلم في صحيحه ٢/ ١٠٦١ في كتاب النكاح، ٢٢ - باب حكم العزل. (٢) تقدم عند أبي داود في سننه ٦١٤/٢ في كتاب النكاح، ٤٥- باب في وطء السبایا. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٨٨٩. (٣) هو الحديث السابق بعينه. ٨٤٣ كتاب النكاح وسلم من العرب، وكانوا يطأوهن بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشترط في الوطء غير استبرائهن، لم يشترط إسلامهن، وتأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لا يجوز. وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من السبي، نفلها إياه(١) من العرب (٢)، وأخذ عمرو بن أمية من سبى بني حنيفة (٣)، وأخذ الصحابة من سبي المجوس، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن(٤). قال ابن عبد البر: إباحة وطئهن منسوخ بقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا (١) في المطبوع: (نفله إياها)، مكان (نفلها إياه). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٧٥/٣ -١٣٧٦ في كتاب الجهاد والسير، ١٤ - باب التنفیل وفداء المسلمین بالأسارى. (٣) لم أقف عليه، وانظر التعليق التالي. (٤) الجملة هنا لعلها مأخوذة من كتاب المغني لابن قدامة ٥٥٣/٩-٥٥٤، فقد جاء فيه ما نصه: "وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من بعض السبي، نفلها إياه، وأخذ عمر وابنه من سبي هوازن، وكذلك غيرهما من الصحابة، والحنفية أم محمد بن الحنفية من سبي بني حنيفة، وقد أخذت الصحابة سبايا فارس وهم مجوس، فلم يبلغنا أنهم اجتنبوهن، وهذا ظاهر في إباحتهن". هذه عبارة المغني، ولعل ما ذكره ابن القيم هنا منقول عنه، وحصل فيه تصحيف من الناسخ، فإني لم أجد أن عمرو بن أمية أخذ من سبي بني حنيفة. والله أعلم. ٨٤٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾(١).(٢) وهذا في غاية الضعف، لأنه في النكاح. وسأل محمد بن الحكم أحمد عن ذلك فقال: لا أدري أكانوا أسلموا أم لا؟!(٣) (١) سورة البقرة الآية رقم ٢٢١. (٢) التمهيد لابن عبد البر ١٣٥/٣. (٣) انظر: المغني لابن قدامة ٩/ ٥٥٤، والكلام في سبي هوازن. ٠٠ ٨٤٥ كتاب النكاح باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون بينه وبين أهله(١) قال في آخره: وقوله في الحديث: ((وليصفق النساء))(٢) دليل على أن قوله في حديث سهل بن سعد المتفق عليه: ((التصفيق للنساء))(٣)، أنه إذن وإباحة لهن في التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب، لا أنه عیب وذم. قال الشافعي: حكم النساء التصفيق(٤). وكذا قاله أحمد(٥). (١) سنن أبي داود ٦٢٥/٢-٦٢٨، الباب رقم (٥٠)، ولفظ الترجمة فيه: باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله. ومختصر سنن أبي داود ٨٨/٣-٩٠. (٢) هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وهو حديث طويل، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن نسّاني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبح القوم وليصفق النساء)). وهذا القدر من الحديث لم يخرجه سوى أبو داود من الكتب الستة. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (٤٧٠). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٩٣/٣ مع الفتح، في كتاب العمل في الصلاة، ٥ - باب التصفيق للنساء. ومسلم في صحيح ٣١٦/١ في كتاب الصلاة، ٢٢ - باب تقديم الجماعة من يصل بهم إذا تأخر الإمام .... (٤) انظر لمذهب الشافعية: حواشي الشرواني ١٤٩/٢، ومغني المحتاج ١٩٨/١. (٥) انظر لمذهب الحنابلة: المغني ١٦٠/٥، والإنصاف ١٠١/٢. وهو مذهب الحنفية. انظر: البحر الرائق ٢٨٥/١، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ص٢٤٧. ٨٤٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وذهب مالك إلى أن المرأة لا تصفق وأنها تسبح(١). واحتج له الباجي(٢) وغيره بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح))(٣)، قالوا: وهذا عام في الرجال والنساء، قالوا: وقوله: ((التصفيق للنساء))، هو على طريق الذم والعيب لهن، كما يقال: كفران العشير من فعل النساء". وهذا باطل من ثلاثة أوجه: أحدها: أن في نفس الحديث تقسيم التسبيح(٤) بين الرجال والنساء، وإنما ساقه في معرض التقسيم وبيان اختصاص كل نوع بما يصلح له، فالمرأة لما كان صوتها عورة مُنعت من التسبيح وجعل لها التصفيق، [٩١/ ب] والرجل لما خالفها في ذلك شرع له التسبيح. الثاني: أن في الصحیحین من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء))(٥). (١) انظر لمذهب المالكية: شرح الزرقاني ٤٧٠/١-٤٧١، والتمهيد ١٠٦/٢١، والمدونة الكبرى ١/ ١٠٠ . (٢) لم أقف عليه في المنتقى، ولعله في كتاب الاستيفاء الذي اختصر منه المنتقى. والله أعلم. (٣) هو حديث سهل بن سعد السابق. (٤) في المطبوع: التنبيه. (٥) صحيح البخاري ٩٣/٣ مع الفتح، في کتاب العمل في الصلاة، ٥-باب = ٨٤٧ كتاب النكاح فهذا التقسیم والتنويع صریح في أن حکم کل نوع ما خصه به. وخرجه مسلم بهذا اللفظ وقال في آخره: ((في الصلاة))(١). الثالث: أنه أمر به في قوله: ((وليصفق النساء)» ولو كان قوله: ((التصفيق للنساء)) على جهة الذم والعيب، لم يأذن فيه. والله أعلم. التصفيق للنساء. = وصحيح مسلم ٣١٨/١-٣١٩، في كتاب الصلاة، ٢٣ - باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة. (١) قال ابن عبد البر - كما في شرح الزرقاني ١/ ٤٧١- معلقاً على هذه الزيادة: فهذا قاطع في موضع الخلاف برفع الإشكال؛ لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء". ٨٤٩ كتاب الطلاق [كتاب الطلاق](١) باب كراهية الطلاق(٢) قال ابن القيم: وقد روى الدارقطني من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق))(٣). وفيه حميد بن مالك؛ وهو ضعيف. وفي مسند البزار من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله (١) زيادة وضعتها للتوضيح، وليست في الأصل. (٢) سنن أبي داود ٦٣١/٢-٦٣٢، الباب رقم (٣). ومختصر المنذري ٩١/٣- ٩٢. وذكر أبو داود فیه حدیثین: الأول: حديث محارب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أحلّ الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق))، وهو مرسل. لذا ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم : ٤٧١. الثاني: حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق)). وأخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٦٥٠ في كتاب الطلاق، ١ -باب حدثنا سويد ابن سعید. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٤٧٢. (٣) سنن الدار قطني ٣٥/٤. ٨٥٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية عليه وسلم قال: ((لا تطلق النساء إلا من ريبة، إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات))(١). (١) البحر الزخار ٨/ ٧٠-٧١. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٥/٤: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وأحد أسانيد البزار فيه عمران القطان، وثقه أحمد وابن حبان، وضعفه یحیی بن سعيد وغيره". وضعفه أبو حاتم، كما في علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٢٧. ٨٥١ كتاب الطلاق باب في طلاق السُنّة(١) قال بعد قول المنذري في حديث أبي الزبير (٢): (١) سنن أبي داود ٦٣٦/٢ -٦٣٧ الباب رقم (٤)، عند الحديث الآتي. (٢) هو حديث أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر، وأبو الزبير يسمع، قال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً؟ قال: طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ فسأل عمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن عبد اللّه ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد اللّه: فردَّها عليَّ ولم يرها شيئاً وقال: ((إذا طهرت فليطلق أو ليمسك)، قال ابن عمر: وقرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلْقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلْقُوهُنَّ﴾ في قُبلِ عدَّتهنَّ. قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وأبو الزبير ومنصور عن أبي وائل، معناهم كلهم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك. قال أبو داود: وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن عن سالم عن ابن عمر، وأما رواية الزهري عن سالم ونافع عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلّق وإن شاء أمسك. قال أبو داود: وروي عن عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر نحو رواية نافع والزهري، والأحاديث کلها على خلاف ما قال أبو الزبير. وأخرجه مسلم في صحيحه ١٠٩٨/٢ في كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... . والنسائي في المجتبى ٤٤٩/٦ -٤٥٠ كتاب الطلاق، ١ - باب وقت الطلاق للعدة ... ٨٥٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أو (١) لم يَرَهُ(٢) شيئاً جائزاً في السنة ماضياً في حكم الاختيار، وإن كان لازماً على سبيل الكراهة له، والله أعلم (٣). قال الشيخ المذيل: وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث أبي الزبير هذا بحروفه، إلا أنه لم يقل: ((ولم يرها شيئا)، بل قال: ((فردها)) وقال: ((إذا طهرت)) إلى آخره. وقد دل حديث ابن عمر هذا على أمور: منها: تحريم الطلاق في الحيض. ومنها: أنه حجة لمن قال بوقوعه، قالوا: لأن الرجعة إنما تكون بعد الطلاق(٤). ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: لا معنى لوقوع الطلاق والأمر بالمراجعة، فإنه لو لم يعد الطلاق لم يكن لأمره بالرجعة معنى، بل أمره بارتجاعها، وهو ردها إلى حالها الأولى قبل تطليقها، دليل على أن الطلاق لم يقع. (١) في الأصل: "و"، والتصويب من مختصر المنذري، ومعالم السنن للخطابي. (٢) في الأصل: "يرها"، والتصويب من مختصر المنذري، ومعالم السنن للخطابي. (٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣/ ٩٧. (٤) وهذا القول رجحه شيخ الإسلام أيضاً وأطال النفس في الاستدلال له. انظر: مجموع الفتاوى ٧١/٣٣، ٧٢، ٧٥-٧٦، ٨١-٨٢، وجامع المسائل - المجموعة الأولى- ص: ٢٤٥-٢٦٥. وانظر: زاد المعاد لابن القيم ٢١٨/٥-٢٤١. ٨٥٣ كتاب الطلاق قالوا: وقد صرح بهذا في حديث أبي الزبير المذكور آنفا. قالوا: وأبو الزبير ثقة في نفسه صدوق حافظ، إنما تكلم في بعض ما رواه عن جابر معنعناً، لم يصرح بسماعه منه، وقد صرح في هذا الحدیث بسماعه من ابن عمر، فلا وجه لرده. قالوا: ولا يناقض حديثه ما تقدم من قول ابن عمر فيه، وقوله(١): "أرأيت إن عجز واستحمق"، وقوله: "فحسبت من طلاقها"، لأنه ليس في ذلك لفظة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: "ولم يرها شيئاً" مرفوع صريح في عدم الوقوع. قالوا: وهذا مقتضى قواعد الشريعة، فإن الطلاق لما كان منقسماً إلى حلال وحرام، كان قياس قواعد الشرع أن حرامه باطل غير معتد به، كالنكاح وسائر العقود التي تنقسم إلى حلال [٩٢/أ] وحرام. ولا يَردُ على ذلك الظهار، فإنه لا يكون قط إلا حراماً، لأنه منکر من القول وزور، فلو قیل لا يصح، لم يكن للظهار حكم أصلاً. قالوا: وكما أن قواعد الشريعة أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد وليس معنا ما يستدل به على فساد العقد إلا النهي عنه. قالوا: ولأن هذا طلاق منع منه صاحب الشرع وحجر على (١) ساقطة من المطبوع. ٨٥٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية العبد في إيقاعه(١) ، فکما أفاد منعه وحجره عدم جواز الإيقاع، أفاد عدم نفوذه وإلا لم يكن للحجر فائدة، وإنما فائدة الحجر عدم صحة ما حجر على المكلف فيه. قالوا: ولأن الزوج لو أذن لرجل (٢) بطريق الوكالة أن يطلق امرأته طلاقاً معيناً، فطلق غير ما أذن له فيه، لم ينفذ لعدم إذنه، والله سبحانه إنما أذن للعبد في الطلاق المباح، ولم يأذن له في المحرم، فكيف تصصحون ما لم يأذن به وتوقعونه وتجعلونه من صحيح أحكام الشرع. قالوا: ولأنه لو كان الطلاق نافذاً في الحيض، لكان الأمر بالمراجعة والتطليق بعده تكثيراً من الطلاق البغيض إلى الله، وتقليلاً لما بقي من عدده الذي يتمكن من المراجعة معه، ومعلوم أنه لا مصلحة في ذلك. قالوا: وإن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض، لو كان واقعاً لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح وترقع خرقه، فأما رجعة يعقبها طلاق، فلا تزيل مفسدة الطلاق الأول لو كان واقعاً. قالوا: وأيضاً فما حرمه الله سبحانه من العقود فهو مطلوب (١) في المطبوع: اتباعه. وهو خطأ ظاهر. (٢) في المطبوع: له رجل. وهو تصحيف يحيل المعنى الصحيح. ٨٥٥ كتاب الطلاق الإعدام بكل طريق، حتى يجعل وجوده كعدمه في حكم الشرع، ولهذا كان ممنوعا من فعله باطلاً في حكم الشرع، والباطل شرعاً کالمعدوم. ومعلوم أن هذا هو مقصود الشارع مما حرمه ونهى عنه، فالحكم ببطلان ما حرمه ومنع منه أدنى إلى تحصيل هذا المطلوب وأقرب بخلاف ما إذا صحح، فإنه يثبت له حكم الموجود. قالوا: ولأنه إذا صحح استوى هو والحلال في الحكم الشرعي وهو الصحة، وإنما يفترقان في موجب ذلك من الإثم والذم، ومعلوم أن الحلال المأذون فيه لا يساوي المحرم الممنوع منه ألبتة. قالوا: وأيضاً فإنما حرم لئلا ينفذ ولا يصح، فإذا نفذ وصح وترتب عليه حكم الصحيح، كان ذلك عائداً على مقتضى النهي بالابطال. قالوا: وأيضاً فالشارع إنما حرمه ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه، فإن ما نهى عنه الشرع وحرمه لا يكون قط إلا مشتملا عن مفسدة خالصة أو راجحة، فنهى عنه قصداً لإعدام تلك المفسدة. فلو حكم بصحته [٩٢/ ب] ونفوذه، لكان ذلك تحصيلاً للمفسدة التي قصد الشارع إعدامها، وإثباتاً لها. ٨٥٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالوا: وأيضاً فالعقد الصحيح هو الذي يترتب عليه أثره، ويحصل منه مقصوده، وهذا إنما يكون في العقود التي أذن فيها الشارع وجعلها أسباباً لترتب آثارها عليها، فما لم يأذن فيه ولم يشرعه، كيف يكون سبباً لترتب آثاره عليه، ويجعل كالمشروع المأذون في ذلك(١)؟! قالوا: وأيضاً فالشارع إنما جعل للمكلف مباشرة الأسباب فقط، وأما أحكامها المترتبة عليها فليس (٢) إلى المكلف، وإنما هو (٣) إلى الشارع، فهو (٤) نصب الأسباب وجعلها مقتضيات لأحكامها، وجعل السبب مقدوراً للعبد، فإذا باشره رتب عليه الشارع أحكامه. فإذا كان السبب محرماً كان ممنوعاً منه، ولم ينصبه الشارع مقتضياً لآثار السبب المأذون فيه. والحكم ليس إلى المكلف حتى يكون إيقاعه إليه والسبب الذي إليه غير مأذون فيه، ولا نصبه الشارع لترتب الآثار عليه، فترتبها عليه إنما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه، وهو قياس في غاية الفساد؛ إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في (١) في المطبوع: (فيه)، مكان (في ذلك)، وهو تحريف. (٢) في المطبوع: فليست. (٣) في المطبوع: هي. (٤) في المطبوع: فهو قد. ٨٥٧ كتاب الطلاق التسوية بينهما في الحكم، ولا يخفى فساده. قالوا: وأيضاً فصحة العقد هو عبارة عن ترتب أثره المقصود للمكلف عليه، وهذا الترتيب نعمة من الشارع أنعم بها على العبد، وجعل له طريقاً إلى حصولها بمباشرة الأسباب التي أذن له فيها. فإذا كان السبب محرماً منهياً عنه، كان (١) مباشرته معصية، فكيف تكون المعصية سبباً لترتب النعمة التي قصد المكلف حصولها؟! قالوا: وقد علل من أوقع الطلاق وأوجب الرجعة، إيجاب الرجعة بهذه العلة بعينها، وقالوا: أوجبنا عليه الرجعة معاملة له بنقيض قصده، فإنه ارتكب أمراً محرماً يقصد به الخلاص من الزوجة، فعومل بنقيض قصده فأمر برجعتها. قالوا: فما جعلتموه أنتم علة الإيجاب الرجعة، فهو بعينه علة لعدم وقوع الطلاق الذي قصده المكلف بارتكابه ما حرم الله عليه. ولا ريب أن دفع وقوع الطلاق أسهل من رفعه(٢) بالرجعة، فإذا اقتضت هذه العلة رفع (٣) أثر الطلاق بالرجعة، فلأن تقتضي دفع وقوعه أولی وأحری. (١) في المطبوع: كانت. (٢) في المطبوع: دفعه. وهو خطأ. (٣) في المطبوع: دفع. وهو خطأ. ٨٥٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالوا: وأيضاً فلله تعالى في الطلاق المباح حكمان: أحدهما: إباحته والإذن فیه. والثاني: جعله سبباً للتخلص من الزوجة. فإذا لم يكن الطلاق مأذوناً فيه، انتفى الحكم الأول وهو الإباحة، فما الموجب لبقاء الحكم الثاني وقد ارتفع سببه؟! ومعلوم أن بقاء الحكم بدون [٩٣/أ] سببه ممتنع، ولا تصح دعوى أن الطلاق المحرم سببّ، لما تقدم. قالوا: وأيضاً فليس في لفظ الشارع: "يصح كذا" و"لا يصح" وإنما يستفاد ذلك من إطلاقه ومنعه، فما أطلقه وأباحه فباشره المكلف حكم بصحته، بمعنى أنه وافق أمر الشارع فصح. وما لم يأذن فيه ولم يطلقه فباشره المكلف حكم بعدم صحته، بمعنى أنه خالف أمر الشارع وحکمه. وليس معنا ما يستدل به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والإذن وعدم موافقتهما، فإذا حكمتم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته، لم يبق طريق إلى معرفة الصحيح من الفاسد، إذ لم يأت من الشرع إخبار بأن هذا صحيح وهذا فاسد، غير الإباحة والتحريم، فإذا جوزتم ثبوت الصحة مع التحريم، فبأي شيء تستدلون بعد ذلك على فساد العقد وبطلانه. قالوا: وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل عمل ٨٥٩ كتاب الطلاق ليس عليه أمرنا فهو رد)» (١)، وفي لفظ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)).(٢) والرّدّ فعل بمعنى المفعول، أي: فهو مردود، وعبّر عن المفعول بالمصدر مبالغة حتی کأنه نفس الرد. وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده، وعدم اعتباره في حكمه المقبول. (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ مسنداً، وهو مشهور بهذا اللفظ، فقد ذكره غیر ابن القيم: ابن عبد البر في التمهيد ١٦/١٤، ٧٣، وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص: ٥٩، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٢٤٤/١، وغيرهم. وكأنهم ذكروه بالمعنى، وأقرب لفظ وجدته لهذا هو ما أخرجه الدارقطني في سننه ٢٢٧/٤ بلفظ: ((كل أمر لم يكن عليه أمرنا فهو ردّ)). وانظر تخريج الحديث الآتي. (٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه ١٣٤٣/٣ - ١٣٤٤ في كتاب الأقضية، ٨-باب نقض الأحکام الباطلة وردّ محدثات الأمور. وأخرجه بلفظ: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ)): البخاري في صحيحه ٣٥٥/٥ مع الفتح، في كتاب الصلح، ٥- باب إذا اصطلحوا علی صلح جور، فالصلح مردود. وأخرجه مسلم في صحيحه ١٣٤٣/٣ في كتاب الأقضية، ٨- باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور، بلفظ: ((من أحدث في أمرنا هذا ما لیس منه فهو ردّ». كل ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها. ٨٦٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه رداً أبلغ من كونه باطلاً، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه، أو لما منفعته قليلة جداً، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يُجْدِ (١) شيئاً، ولم يترتب عليه مقصوده أصلاً. قالوا: فالمطلّق في الحيض قد طلق طلاقاً ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردوداً، فلو صح ولزم، لكان مقبولاً منه، وهو خلاف النص. قالوا: وأيضاً فالشارع أباح للمكلف من الطلاق قدراً معلوماً في زمن مخصوص، ولم يملكه أن يتعدى القدر الذي حد له، ولا الزمن الذي عين له، فإذا تعدى ما حد له من العدد، كان لغواً باطلاً، فكذلك إذا تعدى ما حد له من الزمان يكون لغواً باطلاً، فكيف يكون عدوانه في الوقت صحيحاً معتبراً لازماً، وعدوانه في العدد لغواً باطلاً. قالوا: وهذا كما أن الشارع حَدّ له عدداً من النساء معيناً في وقت معين، فلو تعدى ما حد له من العدد كان لغواً وباطلاً، وكذلك لو تعدى ما حد له من الوقت بأن ينكحها قبل انقضاء العدة مثلاً، أو في وقت الإحرام، فإنه يكون لغواً باطلاً. (١) في المطبوع: يجعله. وهو خطأ.