النص المفهرس
صفحات 761-780
٧٦١
كتاب النكاح
وروى شعبة(١) والثوري(٢) عن أبي إسحاق عن أبي بردة(٣)
عن النبي صلى الله عليه وسلم ((لا نكاح إلا بولي)).
وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان [عن أبي إسحاق
عن أبي بردة] عن أبي موسى(٤)، ولا يصح.
ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق (عن أبي بردة)
[عن أبي موسى] عن النبي صلى الله عليه وسلم ((لا نكاح إلا
بولي)) عندي أصح؛ لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات
مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين
رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، فإن رواية هؤلاء عندي أشبه، لأن
شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد.
ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو
داود حدثنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق:
أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا
(١) حديث شعبة أخرجه: الطحاوي في شرح معاني الآثار ٩/٣.
(٢) رواية الثوري هذه أخرجها: الطحاوي في شرح معاني الآثار ٩/٣، وعبد
الرزاق في مصنفه ١٩٦/٦.
(٣) في المطبوع: أبي موسى.
(٤) رواية سفيان هذه أخرجها: ابن الجارود في المنتقى ٣٩/٣، والطحاوي في شرح
معاني الآثار ٣/ ٩.
٧٦٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
نكاح إلا بولي»؟ فقال: نعم.
فدل في هذا الحديث أن سماع شعبة والثوري [عن مكحول]
هذا الحدیث في وقت واحد.
وإسرائيل هو ثقة(١) ثبت في أبي إسحاق.
سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي
يقول: ما فاتني (٢) من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي
فاتني(٣)، إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم، هذا
آخر كلام الترمذي (٤).
وقال علي بن المديني: حدیث إسرائيل صحيح في: ((لا نكاح
إلا بولي»(٥).
وسئل عنه البخاري فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل
ثقة، فإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر [٨٢/أ]
الحديث(٦).
(١) ساقطة من المطبوع.
(٢) في المطبوع بعد زياده: الذي فاتني.
(٣) (الذي فاتني)، ساقطة من المطبوع.
(٤) جامع الترمذي ٤٠٨/٣-٤٠٩، وما كان بين المعقوفين، فهو زيادة منه.
(٥) رواه عنه البيهقي في السنن الكبرى ١٠٨/٧، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٠.
(٦) نقل هذا الكلام عن البخاري محمد بن هارون المكي، كما في السنن الكبرى
للبيهقي ٧/ ١٠٨، والكفاية للخطيب ص: ٤١٣.
٧٦٣
كتاب النكاح
وقال قبيصة بن عقبة: جاءني علي بن المديني فسألني عن هذا
الحديث، فحدثته به عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن
أبي موسى، لم يذكر فيه أبا إسحاق فقال: استرحنا من خلاف أبي
إسحاق(١).
قلت: وكذلك رواه الحسن بن محمد بن الصباح عن أسباط
بن محمد عن يونس عن أبي بردة عن أبي موسى، ذكره الحاكم في
المستدرك. فهذا وجه(٢).
الثاني: رواية عيسى ابنه، وحجاج بن محمد المصيصي
والحسن بن قتيبة (٣) وغيرهم عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن
النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً (٤).
(١) المستدرك للحاكم ١٧١/٢.
(٢) المستدرك للحاكم ١٧١/٢ .
(٣) علق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: " الحسن بن قتيبة هذا: هو الخزاعي المدائني،
وهو ضعيف جداً، بل هالك، انظر ترجمته في لسان الميزان (ج٢ ص٢٤٦)،
وروايته ليست عن أبي إسحاق، بل هي عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي
إسحاق، كما في السنن الكبرى للبيهقي (ج٧ ص١٠٩)". ا. هـ تعليق الشيخ
رحمه الله.
قلت: رحم الله الشيخ أحمد شاكر فإن الرواية في السنن الكبرى للبيهقي هي
رواية متصلة من طريق الحسن بن قتيبة، وكلام ابن القيم على رواية مرسلة.
(٤) المعروف في روايته مرسلاً من طريق شعبة وسفيان الثوري كما سبق، ولم أقف
=
٧٦٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الثالث: رواية شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة
عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
هذه روایة أکثر الأثبات عنهما.
الرابع: رواية يزيد بن زريع عن شعبة (١)، ورواية مؤمل بن
إسماعيل (٢)، وبشر بن منصور (٣) عن الثوري، كليهما عن أبي
إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موصولاً.
فهذه أربعة أوجه.
والترجيح لحديث إسرائيل في وصله من وجوه عديدة:
أحدها: تصحيح من تقدم من الأئمة له، وحكمهم لروايته
بالصحة؛ كالبخاري وعلي بن المديني والترمذي ("، وبعدهم
=
عليه مرسلاً من طريق عيسى بن يونس ولا من طريق حجاج ولا من طريق
الحسن بن قتيبة.
وقد رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٠٩/٧ من طريق عيسى بن يونس عن أبيه
عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. ورواه أيضاً من طريق الحسن بن
قتيبة عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى.
وذكره في نفس الموضع عن حجاج بن محمد عن يونس. والله أعلم.
(١) أخرجها: البزار في مسنده ١١١/٨، وابن حزم في المحلى ٩/ ٤٥٢.
(٢) أخرجها: الروياني في مسنده ٣٠٣/١.
(٣) أخرجها: ابن الجارود في المنتقى ٣٩/٣.
(٤) وقد سبق ذلك عنهم.
٧٦٥
كتاب النكاح
الحاكم(١) وابن حبان(٢) وابن خزيمة(٣).
الثاني: ترجيح إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديث أبي
إسحاق، وهذا بشهادة (٤) الأئمة له، وإن كان شعبة والثوري أجل
منه، لكنه حديث أبي إسحاق أتقن، وبه أعرف(٥).
الثالث: متابعة من وافق إسرائيل على وصله؛ كشريك
ویونس بن أبي إسحاق.
قال عثمان الدارمي: سألت يحيى بن معين: شريك أحب
إليك في أبي إسحاق، أو إسرائيل؟ فقال: شريك أحب إلي، وهو
أقدم، وإسرائیل صدوق(٦).
قلت: يونس بن أبي إسحاق أحب إليك أو إسرائيل؟ فقال:
(١) في المستدرك ٢/ ١٧٠ -١٧٢.
(٢) صحيح ابن حبان ٩/ ٣٩٤ مع الإحسان.
(٣) لم أقف على تصحيحه، وإنما وقفت على نقله لتصحيحه عن الذهلي في
المستدرك للحاكم ٢/ ١٧٠، ونقل الحاكم في نفس الموضع تصحيحه أيضاً عن
عبد الرحمن بن مهدي وعن الطيالسي.
وصححه البزار في مسند ١١٥/٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٩/٧،
والدارقطني في العلل ٧/ ٢١١، والذهبي كما في تلخيصه للمستدرك.
(٤) في المطبوع: شهادة.
(٥) انظر: المستدرك للحاكم ٢/ ١٧٠، وسنن البيهقي ١٠٨/٧.
(٦) تاريخ الدارمي عن يحيى بن معين ص: ٥٩.
٧٦٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
كل ثقة(١).
الرابع: ما ذكره الترمذي، وهو أن سماع الذين وصلوه عن
أبي إسحاق، كان في أوقات مختلفة، وشعبة والثوري سمعاه منه في
مجلس واحد.
الخامس: أن وصله زيادة من ثقة، ليس دون من أرسله،
والزيادة إذا كان هذا حالها؛ فهي مقبولة كما أشار إليه البخاري،
والله أعلم.
(١) تاريخ الدارمي عن يحيى بن معين ص: ٢٣٥.
٧٦٧
كتاب النكاح
ثم قال بعد تخريج أبي داود لزواج النبي صلى الله عليه
وسلم أم حبيبة(١):
هذا هو المعروف المعلوم عند أهل العلم، أن الذي زوج أم
حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم هو النجاشي في أرض الحبشة،
وأمهرها من عنده، وزوجها الأول التي كانت معه في الحبشة هو:
عبيد الله بن جحش بن رئاب، [٨٢/ ب] أخو زينب بنت جحش
زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنصر بأرض الحبشة، ومات
بها نصرانياً، فتزوج امرأته رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي اسمها قولان:
أحدهما: رملة وهو الأشهر،
والثاني: هند(٢).
(١) سنن أبي داود ٥٦٩/٢، في الباب السابق رقم (٢٠). ومختصر سنن أبي داود
للمنذري ٣١/٣-٣٢.
عند حديث أم حبيبة أنها كانت عند ابن جحش، فهلك عنها، وكان فيمن
هاجر إلى أرض الحبشة، فزوّجها النجاشيُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
وهي عندهم.
وأخرجه النسائي في المجتبى ٤٢٨/٦-٤٢٩ في كتاب النكاح، ٦٦-القسط في
الأصدقة، نحوه.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٨٣٧.
(٢) انظر: الاستيعاب ١٨٤٣/٤، والطبقات الكبرى ٩٦/٨، والإصابة ٧/ ٦٥١.
٧٦٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وتزويج النجاشي لها حقيقة، فإنه كان مسلماً وهو أمير البلد
وسلطانه.
وقد تأوله بعض المتكلفين على أنه ساق المهر من عنده،
فأضيف التزويج إليه.
وتأوله بعضهم على أنه كان هو الخاطب، والذي ولي العقد
عثمان بن عفان، وقيل: عمرو بن أمية الضمري.
والصحيح: أن عمرو بن أمية كان وكيل رسول الله صلى
الله عليه وسلم في ذلك، بعث به إلى النجاشي یزوجه إياها.
وقيل: الذي ولي العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص ابن
عم أبيها.
وقد روى مسلم في الصحيح من حديث عكرمة بن عمار
عن ابن عباس(١) قال: ((كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان،
ولا يقاعدونه. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله ثلاث
أَعْطِنِيهنّ. قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله(٢): أم حبيبة
بنت أبي سفيان أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين
يديك. قال: نعم. قال: وتأمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل
(١) عكرمة بن عمار عن سماك بن الوليد أبي زميل عن ابن عباس.
(٢) في المطبوع: وأجملها. فهو فضلاً عن أنه مخالف للمخطوط، فهو مخالف
لصحيح مسلم أيضاً.
٧٦٩
كتاب النكاح
المسلمين. قال: نعم))(١).
وقد رد هذا الحديث جماعة من الحفاظ، وعدوه من الأغلاط
في كتاب مسلم.
قال ابن حزم: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه،
والآفة فيه من عكرمة بن عمار، ولم يختلف في أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر(٢).
وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الكشف له(٣): هذا
الحديث وهم من بعض الرواة، لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا
(١) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٥ في كتاب فضائل الصحابة، ٤٠- باب من فضائل
أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه.
(٢) المحلى ٣٢/٢: "وعكرمة ساقط، وقد وجدنا عنه حديثاً موضوعاً في نكاح
رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بعد فتح مكة".
وفي ٧/ ٤٠٨ : "فعكرمة ضعيف، وقد روينا من طريقه خبراً موضوعاً ليس
فيه أحد يتهم غيره، فإما أدخل عليه فلم يأبه له، وإما البلية من قبله، وقد
ذكرناه مبيناً في كتاب الإيصال".
وقد ردّ على ابن حزم ابنُ الصلاح في نسبة عكرمة إلى الوضع وبالغ في
الرد عليه.
انظر: شرح النووي على مسلم ٦٣/١٦، والكشف الحثيث ص: ١٩٢،
والديباج للسيوطي ٥/ ٤٦٧.
(٣) أي كتاب: كشف مشكل الصحيحين. وستأتي الإحالة عليه.
٧٧٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
به عكرمة بن عمار راویه، وقد ضعف أحاديثه یحیی بن سعيد وقال:
ليست بصحاح، وكذلك قال أحمد بن حنبل: هي أحاديث ضعاف،
ولذلك(١) لم يخرج عنه البخاري، إنما أخرج عنه مسلم لقول يحيى
بن معين: ثقة.
قال(٢): وإنما قلنا إن هذا وهم، لأن أهل التاريخ أجمعوا على
أن أم حبيبة کانت تحت عبيد الله بن جحش، وولدت له، وهاجر
بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على
دينها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها
عليه، فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أربعة آلاف درهم، وذلك [٨٣/ أ] سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو
سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها، فَكَتَت(٣) بساط رسول الله صلى
الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه(٤).
(١) في المطبوع: وكذلك، وهو تحريف.
(٢) ما زال الكلام لابن الجوزي.
(٣) في كشف المشكل: "قتلّت". وفي المطبوع من تهذيب ابن القيم: فنحت.
(٤) هذا الخبر عن أبي سفيان مع ابنته أم حبيبة، روي من طريق الواقدي عن
الزهري مرسلاً، ولم أقف عليه مسنداً صحيحاً.
انظر: طبقات ابن سعد ٩٩/٨- ١٠٠، والسيرة النبوية ٥٠/٥، وصفوة
الصفوة ٤٦/٢.
وقد ذكره ابن القيم في زاد المعاد ٣/ ٣٩٧.
٠
٧٧١
كتاب النكاح
ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان،
ولا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّر أبا سفيان(١).
وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث:
کقول بعضهم: إنه سأله تجدید النكاح عليها.
وقول بعضهم: إنه ظن أن النكاح بغير إذنه وتزويجه غير تام،
فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه إياها نكاحاً تاماً،
فسلم له النبي صلى الله عليه وسلم حاله، وطيب قلبه بإجابته.
وقول بعضهم: إنه ظن أن التخيير كان طلاقاً، فسأل رجعتها
وابتداء النكاح عليها.
وقول بعضهم: إنه استشعر كراهة النبي صلى الله عليه وسلم
لها، وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها لا ابتداءه.
وقول بعضهم: يحتمل أن يكون وقع طلاق، فسأل تجديد النكاح.
وقول بعضهم: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل
إسلامه، كالمشترط له في إسلامه، ويكون التقدير ثلاث: إن أسلمت
تعطينهنّ، وعلى هذا اعتمد المحب الطبري في جواباته للمسائل
الواردة عليه، وطوّل في تقريره.
وقال بعضهم: إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى، وهي
(١) إلى هنا ينتهي كلام ابن الجوزي في كشف مشكل الصحيحين ٤٦٣/٢ -٤٦٤.
٧٧٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أختها وخفي عليه تحريم الجمع بين الأختين، لقرب عهده بالإسلام،
فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة، حتى سألت رسول الله صلى
الله عليه وسلم(١).(٢) وغلط الراوي في اسمها.
وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان، وأئمة الحديث
والعلم لا يرضون بأمثالها ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه
الخيالات الفاسدة، والتأويلات الباردة التي يكفي في العلم بفسادها
تصورها وتأمل الحديث.
وهذا التأويل الآخر وإن كان في الظاهر أقل فساداً، فهو
أكذبها وأبطلها، وصريح الحديث يرده، فإنه قال: ((أم حبيبة
أزوجكها، قال: نعم))، فلو كان المسؤول تزويج أختها، لما أنعم له
بذلك صلی الله عليه وسلم.
فالحديث غلط لا ينبغي التردد فيه، والله أعلم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ٤٣ مع الفتح، في کتاب النكاح، ٢٠-باب
﴿وَأَمْهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعَتَكُمْ﴾.
ومسلم في صحيحه ٢/ ١٠٧٢ كتاب النكاح، ٤- باب تحريم الربيبة وأخت المرأة.
(٢) في المطبوع بعده: "ذلك".
وتكون العبارة: "حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك". وهذه
الزيادة لا داعي لها، إذ المعنى قائم صحيح، والمقصود أن غاية خفاء تحريم الجمع
بين الأختين على أم حبيبة هو سؤالها للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث
أعلمها بتحريم ذلك. وهو تصرّف في الأصل دون الإشارة إليه.
٧٧٣
كتاب النكاح
باب قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ کَرْهاً﴾(١).(٢)
قال: وقد استشكل بعض المفسرين معنى وراثتهم النساء
المنهي عنها، حتى قال: المعنى لا يحل لكم أن ترثوا نكاحهن لترثوا
أموالهن كرهاً. قال: وفي المراد بميراثهن [٨٣/ ب] وجهان:
أحدهما: ما يصل إلى الأزواج من أموالهن بالموت دون
الحياة، على ما يقتضيه الظاهر من لفظ الميراث.
الثاني: الوصول إلى أموالهن في الحياة وبعدها.
وقد يسمى ما وصل في الحياة ميراثاً كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾(٣).
(١) سورة النساء الآية رقم: ١٩.
(٢) سنن أبي داود ٢/ ٥٧٢-٥٧٣، الباب رقم: (٢٣). ومختصر سنن أبي داود
٣٦/٣.
عند حديث ابن عباس قال: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا
تَعْضُلُوهُنَّ لِتَدْهَبُوا بَبَعْضِ مَا أَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وذلك أن
الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضُلها حتى تموت، أو تَرُدّ إليه صداقها،
فأحكم الله عن ذلك، ونھی عن ذلك.
ثم رواه أبو داود عن الضحاك بمعانه، قال: ((فوعظ الله ذلك)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٩٣/٨ مع الفتح، في كتاب التفسير، تفسير
سورة النساء، ٦ -باب ﴿لا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِتُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ ... ، نحوه.
(٣) سورة المؤمنون الآية رقم: ١١.
٧٧٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهذا تكلف وخروج عن مقتضى الآية، بل الذي منعوا منه
أن يجعلوا حق الزوجية حقاً موروثاً ينتقل إلى الوارث كسائر
حقوقه، وهذه كانت شبهتهم أن حق الزوجية انتقل إليهم من
موروثهم، فأبطل الله ذلك، وحكم بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث
إلى الوارث، بل إذا مات الزوج كانت المرأة أحق بنفسها، ولم يرث
بضْعَها أحدٌ، وليس البضع كالمال فينتقل بالميراث.
و قوله: «فوعظ الله ذلك))، فیه وجهان:
أحدهما: أن يقدر فیه حرف جر، أي: "في ذلك".
والثاني: أن يُضَمّن "وعظ" معنى: "منع" و"حذّر"، ونحوه.
واستنبط بعضهم من الآية: أنه لا يحل للرجل أن يمسك
امرأته، ولا أرب له فيها، طمعاً أن تموت فيرث مالها، وفيه نظر،
والله أعلم.
٧٧٥
كتاب النكاح
باب في البکر یزوجها أبوها (١)
قال بعد قول المنذري: فكأنه كان وضعها في غير كفء
فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم، تم كلامه(٢).
وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول،
هذا حديث صحيح، لأن جرير بن حازم: ثقة ثبت، وقد وصله،
(١) سنن أبي داود ٥٧٦/٢، الباب رقم (٢٥) وترجمة الباب فيه: باب في البكر
يزوجها أبوها ولا يستأمرها.
عند حديث جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية
بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة،
فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه ابن ماجة في سننه ١/ ٦٠٣ في كتاب النكاح، ١٢- باب من زوّج
ابنته وهي كارهة.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٨٤٥.
(٢) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤١/٣، ونص كلامه بعد ذكره للحديث:
"وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه أبو داود أيضاً مرسلاً، وقال: وكذا رواه الناس
مرسلاً معروف. وقال البيهقي: فهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم على
أيوب السختياني، والمحفوظ: عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم.
مرسلاً. وقال أيضاً: وقد روي من أوجه أخرى عن عكرمة موصولاً. وهو
أيضاً خطأ، وذكره عن عطاء عن جابر. وقال: هذا وهم، والصواب مرسل.
وقال: وإن صح فكأنه وضعها في غير كفء فخيّرها النبي صلى الله عليه
وسلم". انتهى كلام المنذري.
٧٧٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة.
فما بالها تُقبل في موضع بل في أكثر المواضع التي توافق
مذهب المقلد، وتُردّ في موضع يخالف مذهبه؟!
وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث رفعاً،
ووصلاً، وزيادة لفظ، ونحوه.
هذا لو انفرد به جرير، فكيف وقد تابعه على رفعه عن
أيوب زيد بن حبان؟! ذكره ابن ماجه في سننه (١).
وأما حديث جابر (٢) فهو حديث يرويه شعيب بن إسحاق
عن الأوزاعي عن عطاء عن جابر: ((أن رجلا زوج ابنته وهي بكر
من غير أمرها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما)).
رواه النسائي (٣).
ورواه أيضاً من حديث أبي حفص التنيسي، سمعت
الأوزاعي قال: حدثني إبراهيم بن مرة عن عطاء بن أبي رباح قال:
((زوج رجل ابنته وهي بكر ... )) (٤)، وساق الحديث.
(١) سنن ابن ماجه ٦٠٣/١ في كتاب النكاح، ١٢ -باب من زوّج ابنته وهي
كارهة.
(٢) الذي ذكره المنذري نقلاً عن البيهقي، كما سبق في كلام المنذري.
(٣) سنن النسائي الكبرى ٢٨٣/٣.
(٤) سنن النسائي الكبرى ٢٨٣/٣.
٧٧٧
كتاب النكاح
وهذا الإرسال لا يدل على أن الموصول خطأ بمجرده.
وأما حديث جرير الذي أشار البيهقي إلى أنه أخطأ فيه على
أیوب(١)، [١/٨٤] فرواه النسائي أيضاً من حديث جرير عن أيوب
عن عكرمة عن ابن عباس («أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله
عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني، وهي كارهة، فرد النبي صلى
الله عليه وسلم نكاحها))(٢)، ورجاله محتج بهم في الصحيح.
وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تنكح البكر
إلا بإذنها))(٣) وهذا نهي صريح في المنع، فحمله على الاستحباب
بعيد جداً.
وفي حديث ابن عباس ((والبكر يستأمرها أبوها)) رواه مسلم
وسيأتي(٤)، فهذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين، أو خبر
(١) وهو حديث الباب.
(٢) السنن الكبرى ٢٨٤/٣.
(٣) تقدم عند أبي داود، وهو في سنن أبي داود ٢/ ٥٧٣ في كتاب النكاح، ٢٤-
باب في الاستثمار، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرجه البخاري في صحيحه ٩٨/٩ مع الفتح، في كتاب النكاح، ٤١-باب
لا ینکح الأبُ وغیرہ البکرَ والثیب إلا برضاهما.
ومسلم في صحيحه ١٠٣٦/٢ في كتاب النكاح، ٩- باب استئذان الثيب في
النكاح بالنطق ... .
(٤) أي سيأتي عند أبي داود.
=
٧٧٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
محض، ويكون خبراً عن حكم الشرع، لا خبراً عن الواقع، وهي
طريقة المحققين.
فقد توافق أمره صلى الله عليه وسلم وخبره ونهيه؛ على أن
البكر لا تزوج إلا بإذنها، ومثل هذا يقرب من القاطع، ويبعد كل
البعد حمله على الاستحباب.
وروى النسائي من حديث عكرمة عن ابن عباس قال:
«أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة فأتى النبي صلى الله
علیه وسلم فرد نكاحها))(١).
وروى أيضاً من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشة أن فتاة
دخلت عليها فقالت: ((إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته
وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم،
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى أبيها
فدعاه فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت(٢) ما
=
والحديث في صحيح مسلم ١٠٣٧/٢ في كتاب النكاح، ٩ - باب استذان
الثيب في النكاح ... ، ولفظه: ((والبكر يستأذنها أبوها في نفسها)).
وهو في سنن أبي داود ٥٧٧/٢-٥٧٨ في کتاب النكاح، ٢٦ -باب في الثیب،
ثم قال أبو داود: ((أبوها)) ليس بمحفوظ.
(١) سنن النسائي ٢٨٤/٣.
(٢) في المطبوع: اخترت، وهو تحريف.
٧٧٩
كتاب النكاح
صنع أبي، ولكني أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيء))(١).
وروى أيضاً عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال:
«أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة، فأتى النبي صلى الله
علیه وسلم فرد نكاحها))(٢).
وحمل هذه القضايا وأشباهها على الثيب دون البكر خلاف
مقتضاها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن ذلك، ولا
استفصل، ولو كان الحكم يختلف بذلك؛ لاستفصل وسأل عنه،
والشافعي ينزل هذا منزلة العموم، ويحتج به كثيراً(٣).
وذكر أبو محمد بن حزم من طريق قاسم بن أصبغ عن ابن
عمر ((أن رجلا زوج ابنته بكراً، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم
فرد نكاحه(٤))(٥).
(١) السنن الكبرى للنسائي ٢٨٤/٣.
(٢) السنن الكبرى ٢٨٤/٣.
(٣) إذ يقول الشافعي: "ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، ينزل
منزلة العموم في المقال". وجُعل كلامه هذا قاعدة فقهية معروفة.
انظر في ذلك: المستصفى ٢٣٥/١، والمحصول ٦٣١/٢، والتمهيد للأسنوي
ص: ٣٣٧، ومجوج فتاوى شيخ الإسلام ٢١/ ٥٧٢.
(٤) في المحلى لابن حزم: نكاحها.
(٥) المحلى ٤٦١/٩ عن قاسم بن أصبغ عن محمد بن إبراهيم عن عمران عن
دحیم عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر به.
٧٨٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وذكر الدارقطني هذا الحديث في سنته(١) وفي كتاب العلل(٢)،
وأعله برواية من روى أن عمها زوجها بعد وفاة أبيها، وزوجها من
عبد الله بن عمر (٣)، وهي بنت عثمان بن مظعون، وعمها قدامة،
فكرهته ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فتزوجها
المغيرة بن شعبة (٤).
قال: وهذا أصح من قول من قال: ((زوّجها أبوها))، والله
أعلم. [٨٤/ ب]
(١) سنن الدراقطني ٢٣٦/٣.
(٢) مسند عبد الله بن عمر من علل الدارقطني، لم يطبع بعد.
(٣) في الأصل: عبيد الله. والتصويب من مصادر التخريج.
(٤) سنن الدارقطني ٢٢٩/٣-٢٣٠، وهو عند الحاكم ١٦٧/٢، والبيهقي في
السنن الكبرى ١٢١/٧.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.