النص المفهرس
صفحات 721-740
٧٢١ كتاب المناسك وهذه خرفشة (١) في العلم، وطريقة يسلكها القاصرون فيه، وأما فحول أهل العلم فيقطعون [٧٨/ أ] ببطلان ذلك، ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان، الذي هو عرضة البشر، ومن له إلمام بالسنة، ومعرفة حجه (٢) صلى الله عليه وسلم ، يقطع بأنه لم يصل الظهر في ذلك اليوم: ثلاث مرات، بثلاث جماعات، بل ولا مرتين(٣). وإنما صلاها على عادته المستمرة، قبل ذلك اليوم وبعده صلى الله عليه وسلم. وفهم منه آخرون، منهم: ابن حزم(٤) وغيره: أنه أفاض حين صلاها بمكة. وفي نسخة من نسخ السنن: ((أفاض حتى صلى الظهر ثم رجع))(٥). وهذه الرواية ظاهرة في أنه صلاها بمكة، كما قال جابر ورواية "حين" محتملة للأمرين، والله أعلم. (١) الخرفشة والخربشة والخرمشة: معناها التشويش والإفساد. انظر: النهاية لابن الأثير ١٩/٢، والفائق ٣٦٦/١، ولسان العرب ٢٩٥/٦. (٢) في المطبوع: بحجته. (٣) ممن ذهب إلى المرتين: النووي في شرح مسلم ١٩٣/٨. (٤) حجة الوداع ص: ٢٠٩، ٢٩٦. (٥) أخرجها بهذه اللفظة: الدارقطني في سننه ٢٧٤/٢. ٧٢٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ثم ذكر المنذري(١) حديث أم سلمة قالت: ((كانت ليلتي)» (٢)، ثم قال: في إسناده محمد بن إسحاق. تم كلامه(٣). قال الشيخ المذيّل: هذا الحديث يرويه ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة، يحدثانه عن أم سلمة. وقال أبو عبيدة وحدثتني أم قيس بنت محصن، وكانت جارة (١) سنن أبي داود ٥٠٨/٢-٥٠٩، في (٨٣) باب الإفاضة في الحج. عند حديث أم سلمة الآتي. (٢) الحديث عن أم سلمة قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية متقمصيْن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب: ((هل أفضت أبا عبد الله؟)) قال: لا والله يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: ((انزع عنك القميص))، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: ((إن هذا يوم رُخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا -يعني من كل شيء حرمتم منه إلا النساء - فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حُرُماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتی تطوفوا به. وصححه ابن خزيمة، حيث أخرجه في صحيحه ٤/ ٣١٢، وصححه الحاكم في المستدرك ١ / ٤٨٩ - ٤٩٠. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٧٦١ . (٣) مختصر المنذري ٢/ ٤٢٧-٤٢٨. ٧٢٣ كتاب المناسك لهم، قالت: ((خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد، متقمصاً عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلي عشاء، وقمصهم على أيديهم يحملونها، فقلت: أي عكاشة مالكم خرجتم متقمصين، ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها ؟ فقال: خيرٌ يا (١) أم قيس، كان هذا يوماً رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا إذا نحن رمينا الجمرة؛ حللنا من كل ما حَرمنا (٢) منه، إلا ما كان من النساء، حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف، جعلنا قمصنا على أيدينا))(٣). وهذا يدل على أن الحديث محفوظ، فإن أبا عبيدة رواه عن أبيه وعن أمه وعن أم قيس. وقد استشكله الناس، قال البيهقي: وهذا حكم لا أعلم أحداً من الفقهاء يقول به، تم كلامه(٤). (١) في المطبوع: (أخبرتنا) ؟! وهذا من العجائب، إذ لا يستقيم المعنى ألبتة. وهي كذلك (أخبرتنا) - على الخطأ- في المسند، وهي على الصواب في سنن البيهقي. (٢) في المطبوع: أحرمنا. (٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ٢٩٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١٣٧/٥. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦١/٣: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات". (٤) السنن الكبرى ١٣٦/٥. ٧٢٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقد روى أبو داود عَقِيه (١) عن أبي الزبير عن عائشة وابن عباس: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف يوم النحر إلى الليل»(٢). وأخرجه الترمذي (٣)، والنسائي(٤)، وابن ماجه(٥)، وقال الترمذي: حديث حسن، وأخرجه البخاري تعليقاً(٦). وكأن رواية أبي داود له عقب حديث أم سلمة؛ استدلالاً منه على أنه أولى من حديث أم سلمة، لأن رسول الله صلى الله علیه وسلم أحل قبل طوافه بالبیت، ثم أخره إلى الليل. لكن هذا الحديث: وهم، فإن المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهاراً بعد الزوال، كما قاله جابر (١) في المطبوع: "عن عقبة". فإن الطابع لما قرأها "عُقبة"، وظن أنها اسم رجل، أضاف من عنده كلمة "عن" ليستقيم المعنى كما يظن، فأخطأ خطأ مركباً. (٢) سنن أبي داود ٥٠٩/٢ في كتاب المناسك، ٨٣ -باب الإفاضة في الحج. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٤٣٥. (٣) جامع الترمذي ٢٦٢/٣، في كتاب الحج، ٨٠ - باب ما جاء في طواف الزيارة بالليل، وقال: "حديث حسن صحيح". (٤) سنن النسائي الكبرى ٢ / ٤٦٠. (٥) سنن ابن ماجه ٢/ ١٠١٧، في كتاب المناسك، ٧٧ - باب زيارة البيت. (٦) صحيح البخاري ٦٦٣/٣ مع الفتح، في كتاب الحج، ١٢٩ - باب الزيارة يوم النحر. ٧٢٥ كتاب المناسك وعبد الله بن عمر وعائشة(١)، وهذا أمر لا يرتاب فيه أهل العلم بالحديث، وقد تقدم قول [٧٨/ ب] عائشة ((أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الظهر))، من رواية أبي سلمة والقاسم عنها(٢)، قال البيهقي: وحديث أبي سلمة عن عائشة أصح (٣). وقال البخاري: في سماع أبي الزبير من عائشة نظر، وقد سمع من ابن عباس (٤). قال المنذري: ويمكن أن يحمل قولها: ((أخر طواف يوم النحر إلى اللیل)»، على أنه أذن في ذلك، فنُسب إليه، وله نظائر. (١) وقد تقدمت هذه الأحاديث في الباب السابق. (٢) أما حديث القاسم فقد تقدم. وأما حديث أبي سلمة عنها، فهو عند البخاري في صحيحه ٦٦٣/٣ مع الفتح، في كتاب الحج، ١٢٩ - باب الزيارة يوم النحر، ولفظه: ((حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر)) الحديث. (٣) السنن الكبرى ١٤٤/٥. (٤) علل الترمذي الكبير ٣٨٨/١، وانظر سنن البيهقي الكبرى ١٤٤/٥. ٧٢٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية باب تحريم مكة (١) قال الشيخ شمس الدين في حديث (( اكتبوا لأبي شاة)): فيه: أن مكة فتحت عنوة. وفيه: تحريم قطع شجر الحرم. وتحريم التعرض لصيده بالتنفير فما فوقه. وفيه: أن لقطتها لا تجوز(٢)، إلا لتعريفها أبداً، والحفظ (١) سنن أبي داود ٥١٨/٢- ٥٢٠، الباب رقم (٩٠)، وترجمة الباب فيه: باب تحريم حرم مكة، وكذلك في مختصر المنذري ٤٣٤/٢. عند حديث أبي هريرة قال: لما فتح الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (( إن اللّه حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ثم هي حرامٌ إلى يوم القيامة: لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحلُّ لقطتها إلاّ لمنشدٍ)) فقال عباس، أو قال: قال العباس: يارسول اللّه إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: ((إلا الإذخر)». والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢٤٨/١ مع الفتح، في كتاب العلم، ٣٩- باب کتابة العلم. ومسلم في صحيحه ٢/ ٩٨٨ في كتاب الحج، ٨٢- باب تحريم مكة وصيدها. والترمذي في جامعه ٣٨/٥ في كتاب العلم، ١٢ - باب ما جاء في الرخصة فيه، وقال: حسن صحيح. (٢) في المطبوع: لا يجوز أخذها. ٧٢٧ كتاب المناسك على صاحبها. وفيه: جواز قطع الإذخر خاصة رطبه ویابسه. وفيه: أن اللاجئ إلى الحرم لا يتعرض له، ما دام فيه، ويؤيده قوله في الصحيحين في هذا الحديث:((فلا يحل لأحد أن يسفك بها دماً))(١). وفيه: جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه، وأنه لا يشترط اتصاله به ولا نيته من أول الكلام. وفيه: الإذن في كتابة السنن، وأن النهي عن ذلك منسوخ (٢)، والله أعلم. (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ٥٠ مع الفتح، في كتاب جزاء الصيد، ٨- باب لا يُعضد شجر الحرم. ومسلم في صحيحه ٢/ ٩٨٧-٩٨٨ في كتاب الحج، ٨٢ - باب تحريم مكة وصيدها .... كلاهما من حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه. (٢) أخرجه مسلم في صحيح ٢٢٩٨/٤-٢٢٩٩، في كتاب الزهد والرقائق، ١٦ - باب التثبت في الحديث وحکم کتابة العلم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه)). ٧٢٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قال المنذري(١) بعد حديث: ((ألا نبني لك بمنى بيتاً))(٢): وفي حديث الترمذي وابن ماجه: عن أمه مُسَيْكهْ، وذكر غيرهما أنها مكية. قال الشيخ شمس الدين: قال ابن القطان: وعندي أنه ضعيف لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة، وهي مجهولة لا نعرف روى عنها غير ابنها(٣). والصواب تحسين الحديث، فإن يوسف بن ماهك من التابعين، وقد سمع أم هانىء، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وقد روى عن أمه، ولم يعلم فيها جرح. ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث. وأمه تابعية قد سمعت عائشة. (١) سنن أبي داود ٥٢١/٢ - ٥٢٢، في كتاب المناسك، ٩٠ - باب تحريم حرم مكة. عند حديث عائشة الآتي. (٢) هو حديث يوسف بن ماهك عن أمه عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله: ألا نبني لك بمنى بيتاً أو بناء يظلك من الشمس؟ فقال: ((لا، إنما هو مناخ من سبق إلیه)». وأخرجه الترمذي في جامعه ٢٢٨/٣ في كتاب الحج، ٥١- باب ما جاء أن مِنى مُناخ من سبق. وقال: "حديث حسن صحيح". وابن ماجه في سننه ٢/ ١٠٠٠، في كتاب المناسك، ٥٢- باب النزول بمنى. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٤٣٨. (٣) بيان الوهم والإيهام ٤٦٩/٣. ٧٢٩ كتاب المناسك باب تحريم المدينة(١) قال بعد قول المنذري في حديث (« لا تجعلوا قبري عيداً)): وقال أبو زرعة لا بأس به (٢).(٣) قال الشيخ شمس الدين: وقد أبعد بعض المتكلفين، وقال: (١) سنن أبي داود ٥٣٤/٢. تحت باب زيارة القبور. وهو الباب رقم (١٠٠) من كتاب المناسك. فإن في سنن أبي داود آخر أربعة أحاديث من كتاب المناسك، موجودة تحت باب "زيارة القبور"، وقبله يوجد "باب في تحريم المدينة"، وهذا الباب "زيارة القبور"، غير موجود في مختصر المنذري أيضاً، والأحاديث الأربعة كلها مندرجة تحت "باب في تحريم المدينة". عند حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حیث کنتم)». وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٧٩٦ . (٢) انظر كلام أبي زرعة هذا في عبد الله بن نافع في: الجرح والتعديل ١٨٤/٥، وتهذيب التهذيب ٥١/٦. (٣) مختصر المنذري ٢/ ٤٤٧. وكلام المنذري كاملاً هو قوله بعد الحديث: "في إسناده عبد الله بن نافع الصائغ المديني مولى بني مخزوم، كنيته أبو محمد، قال البخاري: يُعرف حفظه وينكر، وقال أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفاً فيه، ولم يكن في الحديث بذاك. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ، هو ليّن تعرف حفظه وتنکر، ووثقه یحیی بن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به" انتهى كلام المنذري. ٧٣٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات، كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين، قال: ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً))، أي: لا تتركوا الصلاة في بيوتكم، حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها. قال بعضهم: وزيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه؛ غنية عن هذا التكلف [٧٩/أ] البارد، والتأويل الفاسد، الذي يعلم فساده من تأمل سياق الحديث، ودلالة اللفظ على معناه. وقوله صلى الله عليه وسلم في آخره: ((وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حیث کنتم )). وهل في الإلغاز أبعد من دلالة من يريد الترغيب في الإكثار من الشيء، وملازمته بقوله: "لا تجعله عيداً"؟! وقوله: ((ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً))، نهي لهم أن يجعلوها بمنزلة القبور، التي لا يصلى فيها. وكذلك: نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيداً، نهي لهم أن يجعلوه مجمعاً، كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة، بل يُزار قبره صلوات الله وسلامه عليه، كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم على الوجه الذي يرضيه ويحبه، صلوات الله وسلامه عليه. ٧٣١ كتاب النكاح كتاب النكاح باب فیمن حرم به(١) -يعني رضاع الكبير- (١) سنن أبي داود ٥٤٩/٢-٥٥١، الباب رقم (١٠). عند حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم سلمة: أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنَّى سالماً وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد ابن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، کما تبنَّی رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زيداً، وكان من تبنَّى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وَوُرِّثَ ميراثه، حتى أنزل اللّه سبحانه وتعالى في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾، فردُّوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخاً في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يارسول اللّه، إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ویراني فضلاً ، وقد أنزل اللّه عز وجل فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((أرضعيه)) فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة رضي اللّه عنها تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيراً خمس رضعاتٍ، ثم يدخل عليها، وأبت أُمُ سلمة وسائر أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يُدْخِلْنَ عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي صلى اللّه عليه وسلم لسالم دون الناس. وأخرجه البخاري في صحيحه ٣٤/٩ مع الفتح، في کتاب النكاح، ١٥ -باب الأكفاء في الدین. = ٧٣٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قال بعد قول المنذري في حديث الباب: وأخرجاه (١) والنسائي(١). قال المذيل: وقد قال بقول عائشة في رضاع الكبير: الليث بن سعد(٢)، وعطاء(٣)، وأهل الظاهر (٤). والأكثرون(٥) حملوا الحديث إما على الخصوص (٢)، وإما على النسخ(٧). ومسلم في صحيحه ٢/ ١٠٧٦ في كتاب الرضاع، ٧ -باب رضاعة الكبير. والنسائي في المجتبى ٦/ ٤١٣ في كتاب النكاح، ٥٣-باب رضاع الكبير. وابن ماجه في سننه ١/ ٦٢٥ في كتاب النكاح، ٣٦- باب رضاع الكبير. (١) مختصر المنذري ١١/٣. ونص كلامه: "وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي". (٢) ذكره عنه: ابن عبد البر في التمهيد ٢٥٦/٨، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٧٢/٥، والجصاص في أحكام القرآن ١١٤/٢، وابن قدامة في المغني ٣١٩/١١، وابن حزم في المحلى ٢٠/١٠. (٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٤٥٨/٧. (٤) قال به ونصره ابن حزم في كتابه المحلى ١٧/١٠-٢٤. (٥) مذهب الجمهور على عدم اعتبار رضاع الكبير محرم. انظر: بدائع الصنائع ٥/٤-٦، والتمهيد ٢٦٠/٨، والأم ٤٧/٥-٤٩، والمغني ٣١٩/١١. (٦) انظر في حمله على الخصوص: الأم ٤٧/٥، وأحكام القرآن للجصاص ١١٣/٢، والتمهيد ٢٦٠/٨، وبدائع الصنائع ٥/٤-٦، والمغني ٣٢٠/١١. (٧) انظر في القول بنسخ الحديث: المبسوط للسرخسي ١٣٦/٥، وبدائع الصنائع ٦/٤، وفتح الباري لابن حجر ٩/ ٥٣. ٧٣٣ كتاب النكاح واستدلوا على النسخ: بأن قصة سالم كانت في أول الهجرة، لأنها جرت(١) عقب نزول الآية(٢)، والآية نزلت في أوائل الهجرة. وأما أحاديث الحكم بأن التحريم يختص بالصغر، فرواها من تأخر إسلامهم من الصحابة، نحو أبي هريرة(٣)، وابن عباس(٤)، وغيرهم، فتكون أولى(٥). (١) في المطبوع: "هاجرت"؟! وهو خطأ قطعاً، ولا أدي من التي هاجرت؟ !! (٢) وهي قوله تعالى: (ادعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [سورة الأحزاب الآية رقم: ٥]. (٣) رواه البخاري في التاريخ الكبير ٣٧٢/٢، والنسائي في السنن الكبرى ٣٠٠/٣، ٣٠١، والدارقطني في سننه ١٧٣/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٥٦/٧. كلهم عن الحجاج بن الحجاج عن أبي هريرة. وهو حديث ضعيف، ضعفه ابن المديني، وابن عبد البر. انظر: علل ابن المديني ص: ٨٢-٨٣، والتمهيد لابن عبد البر ٢٦٧/٨. ورواه الدارقطني في سننه ٤/ ١٧٥ من طريق عبد الرحمن بن القطامي عن أبي المنهزم عن أبي هريرة، ثم ضعفه لأجل ابن القطامي. (٤) رواه الدارقطني في سننه ١٧٤/٤، وابن عدي في الكامل ٧/ ١٠٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٦٢ من طريق ابن عدي. وضعفه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٦٢، وابن حجر في الدراية ٦٨/٢. (٥) وردّ هذا ابن حجر في فتح الباري ٩/ ٥٣ فقال: "إذ لا يلزم مِن تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدماً ... ". وانظر كلام ابن القيم على هذه المسألة في كتابه إعلام الموقعين ٤/ ٣٤٧. ٧٣٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قال المنذري في باب ما يكره الجمع بينهن من النساء(١)، في قوله عليه السلام: ((والله لا تجتمع بنت رسول الله، وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً)): فيه جواز حلف الرجل على القطع في (١) سنن أبي داود ٥٥٦/٢-٥٥٧، الباب رقم (١٣). ولفظ الترجمة: "باب ما يكره أن يجمع بينهنّ من النساء". عند حديث الزهري أن علي بن الحسين رضي الله عنهما حدثه أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية -مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما- لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك إلى من حاجة تأمرني بها؟ قال:" فقلت له: لا، قال: هل أنت معطيّ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبداً حتى يبلغ إلى نفسي، إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل على فاطمة رضي الله عنها، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم، فقال: ((إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها، قال: ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً)). وأخرجه البخاري في صحيحه ٦ / ٢٤٥ مع الفتح، في كتاب فرض الخُمس، ٥-باب ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسيفه ... . ومسلم في صحيحه ١٩٠٣/٤ في كتاب فضائل الصحابة، ١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. وابن ماجه في سننه ١/ ٦٤٤ في كتاب النكاح، ٥٦- باب الغيرة. ٧٣٥ كتاب النكاح المستقبل ثقة بالله، كما حلف صلى الله عليه وسلم(١). قال المذيل: وفي الاستدلال بهذا نظر، فإن هذا حكم من النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد مؤكد بالقسم(٣). ولكن حلف المسور بن مخرمة، أنه لا يوصل إليه أبداً، ظاهر فيه ثقة(٣) بالله في إبراره. وفيه: رد على من يقول: "إن المسور ولد بمكة، في السنة الثانية من الهجرة، وكان له يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين"، هذا قول أكثرهم(٤). (١) مختصر المنذري ٣/ ١٧، وكلام المنذري هذا غير موجود في المطبوع. فكلام المنذري يدل على أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله ... )) إنما هو إخبار عن المستقبل، لا أنه حكمٌ شرعي منه صلی الله عليه وسلم، فليس هو نهي منه صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وهذا ما سيخالفه فيه ابن القيم، كما سيأتي. (٢) وانظر: شرح مسلم للنووي ٣/١٦. (٣) في المطبوع: ثقته. (٤) ذكر هذا القول ابن حجر في الإصابة ٦/ ١١٩، ثم قال بعد أن ذكر قوله في الحديث: ((وأنا يومئذ محتلم)): "وهذا يدل على انه ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا على أنه ولد بعدها". وذكر هذا القول: ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار ص: ٢١، وفي الثقات ٣٩٤/٣. = ٧٣٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقوله: ((وأنا يومئذ محتلم))، هذه الكلمة ثابتة في الصحيحين(١). وفيه: تحريم أذى النبي صلى الله عليه وسلم بكل وجه من الوجوه، وإن كان بفعل مباح، فإذا تأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز فعله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْدُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾(٢). وفيه: غيرة الرجل وغضبه لابنته [٧٩/ ب] وحرمته. وفيه: بقاء عار الآباء في الأعقاب، لقوله: (بنت عدو الله))، = وفي تهذيب التهذيب ١٠/ ١٣٧، ذكر هذا القول، ثم ذكر قوله ((وأن يومئذ محتلم))، ثم قال: "وهو مشكل المأخذ، لأن المؤرخين لم يختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة، وقصة خطبة علي كانت بعد مولد المسور بنحو من ست سنين أو سبع سنين، فكيف يُسمى محتلماً؟! فيحتمل أنه أراد الاحتلام اللغوي، وهو العقل، والله تعالى أعلم". وذكر هذا القول في: تهذيب الكمال ٥٨٣/٢٧، والتعديل والتجريح للباجي ٧٤٥/٢، ورجال صحيح البخاري للكلاباذي ٧٢٨/٢، والاستيعاب لابن عبد البر ١٣٩٩/٣، وسير أعلام النبلاء ٣٩٤/٣. وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣٩٣/٣ حديث الباب، ثم علّق بقوله: "ففيه أن المسور كان كبيراً محتلماً إذ ذاك". (١) وقد تقدم تخريجه. (٢) سورة الأحزاب الآية رقم: ٥٣. ٧٣٧ كتاب النكاح فدل على أن لهذا الوصف تأثيراً في المنع، وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة، وعكسه(١) بقاء أثر صلاح الآباء في الأعقاب، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾(٢). وفيه: أوضح دليل على فضل فاطمة، وأنها سيدة نساء هذه الأمة، لكونها بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه: ثناء الرجل على زوج ابنته؛ بجميل أوصافه، ومحاسن أفعاله. وفيه: أن أذى أهل بيته صلى الله عليه وسلم وإرابتهم أذی له. وقوله: ((يريبني ما أرابها))(٣) تقول: رابني فلان، إذا رأيت منه ما يريبك وتكرههه، وأرابني أيضاً لغتان(٤) ، قال الفراء: هما (١) في المطبوع: وعليه. وهو خطأ. (٢) سورة الكهف الآية رقم: ٨٢. (٣) هذه اللفظة في الحديث هي من رواية ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة. أخرجها البخاري في صحيحه ٢٣٨/٩ مع الفتح، في كتاب النكاح، ١٠٩ - باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف. ومسلم في صحيحه ٤/ ١٩٠٢، في كتاب فضائل الصحابة، ١٥ -باب فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ: ((يريبني ما رابها)). وهي عند أبي داود بعد حديث الباب بحديث. (٤) ساقطة من المطبوع. ٧٣٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية بمعنى واحد(١). وفرق آخرون بينهما: بأن "رابني" تحققت منه الريبة، و"أرابني" إذا ظننت ذلك به، كأنه أوقعك فيها(٢). والصهر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو العاص بن الربيع، وزوجته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم(٣). وبنت أبي جهل هذه المخطوبة. قال عبد الغني بن سعيد وغيره: اسمها العوراء (٤). [وهذه العبارة ذكر بعضها المنذري بمعناها](٥). (١) معاني القرآن للفراء ٧٩/١-٨٠. وانظر: النهاية لابن الأثير ٢٨٦/٢، ولسان العرب ٤٤٢/١-٤٤٣، وشرح النووي على صحيح مسلم ٢/١٦، وإكمال المعلم ٧/ ٤٥٧. (٢) انظر: النهاية لابن الأثير ٢٨٦/٢، ولسان العرب ١/ ٤٤٢، وشرح مسلم للنووي ٢/١٦، وإكمال المعلم ٤٧٥/٧. (٣) روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه ٧/ ٣٠٠ - ٣٠١. في الحديث مصرحاً به. (٤) رواه عبد الرزاق أيضاً في مصنفه ٧/ ٣٠٠، ٣٠١ في الحديث مصرحاً به. وذكر ابن حجر في الإصابة ٤٢/٨: "العوراء بنت أبي جهل، هي التي خطبها علي ... وتقدم أن اسمها جويرية، فلعل العوراء لقبها". (٥) ما بين المعكوفين من كلام محمد بن أحمد السعودي، مجرّد الكتاب، وهو موجود في الأصل، لذا أثبته بین معقوفین. ٧٣٩ كتاب النكاح باب نكاح المتعة (١) قال الشيخ بعد كلام المنذري: وأما ابن عباس، فإنه سلك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة، ولم يبحها مطلقاً، فلما بلغه إكثار الناس منها رجع، وكان يحمل التحريم على من لم يحتج إليها(٢). قال الخطابي (٣): حدثنا ابن السماك حدثنا الحسن بن سلام حدثنا الفضل بن دكين حدثنا عبد السلام عن الحجاج عن أبي خالد عن المنهال عن ابن جبير قال: قلت لابن عباس: هل تدري ما (١) سنن أبي داود ٥٥٨/٢-٥٥٩، الباب رقم (١٤)، ولفظ الترجمة فيه: باب في نكاح المتعة، ومختصر سنن أبي داود ١٨/٣ -١٩. عند حديث الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يُقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدّث ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها في حجة الوداع». وأخرجه مسلم في صحيحه ١٠٢٦/٢-١٠٢٧ في كتاب النكاح، ٣-باب نكاح المتعة ... . والنسائي في المجتبى ٤٣٦/٦-٤٣٧ في كتاب النكاح، ٧١-تحريم المتعة. وابن ماجه في سننه ٦٣١/١، في كتاب النكاح، ٤٤- باب النهي عن نكاح المتعة. (٢) انظر نحو هذا في: معالم السنن للخطابي ١٦٣/٢. (٣) قاله في معالم السنن ١٦٣/٢. ٧٤٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية صنعت، وبما أفتيت، قد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء؟ قال: وما قالوا، قلت: قالوا: قد قلت للشيخ لما طال مجلسه (١) يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس تکون مثواك حتی رجعة(٢) الناس هل لك في رخصة الأطراف آنسة فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللت إلا مثل ما أحلّ الله الميتة والدم ولحم الخنزير، وما تحلّ إلا للمضطر، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير (٣). وقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا روح بن عبادة حدثنا موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أول الإسلام متعة النساء، فكان الرجل يقدم بسلعته البلد، ليس له من يحفظ [٨٠/ أ] عليه ضيعته (٤)، (١) في المطبوع: محبسه. (٢) في معالم السنن: يصدر. (٣) وأخرجه أيضاً: الطبراني في الكبير ٢٥٩/١٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٠٥/٧. ورواه الحازمي في الاعتبار ص: ٤٣١ من طريق الخطابي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "وفيه الحجاج بن أرطأة، وهو ثقة لكنه مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح". (٤) في المطبوع: "شيئه"، وهو تحريف ظاهر.