النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
كتاب المناسك
ثم قال عقب باب لحم الصيد للمحرم(١).
وقول المنذري: وقد تقدم في الصحيحين: ((أنه صلى الله
عليه وسلم أكل منه))(٢). (٣)
(١) سنن أبي داود ٤٢٨/٢-٤٢٩، الباب رقم: ٤١.
عند حديث أبي قتادة الأنصاري أنه کان مع رسول الله صلی الله عليه وسلم، حتى
إذا كان ببعض طريق مكة، تخلّف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى
حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابه أن يناولوه سَوْطه فأبوا،
فسألهم رمحه، فأبوا، فأخذه ثم شدّ على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم سألوه عن ذلك، فقال: ((إنما هي طعمة أطعمكموها الله)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ١١٥/٦ مع الفتح، في كتاب الجهاد والسير،
٨٨- باب ما قيل في الرماح.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٥٢، في كتاب الحج، ٨-باب تحريم الصيد للمحرم.
والترمذي في جامعه ٢٠٤/٣ -٢٠٥، في كتاب الحج، ٢٥ - باب ما جاء في أکل
الصيد للمحرم.
والنسائي في المجتبى ٢٠٠/٥، في كتاب المناسك، ٧٨- ما يجوز للمحرم أكله
من الصید.
(٢) رواه البخاري في صحيحه ٦/ ٦٨ مع الفتح، في كتاب الجهاد والسير، ٤٦-
باب اسم الفرس والحمار.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٥٥، في كتاب الحج، ٨- باب تحريم الصيد للمحرم.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٦٥/٢.

٦٤٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال الشيخ المذيل: تم كلامه. وروى مسلم في صحيحه من
حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي، قال: كنا مع طلحة بن عبيد
الله في طريق مكة، ونحن محرمون، فأهدوا لنا لحم صيد، وطلحة
راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع فلم يأكل، فلما استيقظ قال
للذين أكلوا: أصبتم، وقال الذين لم يأكلوا: أخطأتم؛ فإنا قد أكلنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حرم(١).
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم
التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير (٢) بن سلمة الضمري عن
البهزي(٣) ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة
وهو محرم، حتى إذا كانوا بالرَّوْحاء(٤)، إذا حمار وحشي عَقير (٥)،
(١) صحيح مسلم ٨٥٥/٢ في كتاب المناسك، ٨- باب تحريم الصيد للمحرم،
بنحوه.
(٢) في الأصل: عمرو.
والتصويب من الموطأ، وسنن النسائي.
(٣) في المطبوع: البهزي يزيد بن كعب.
والصواب: زيد بن كعب. انظر: تقريب التهذيب ص: ٣٥٦، وتهذيب
التهذيب ٤٢٤/٣.
(٤) الروحاء: موضع قرب المدينة، من أعمال الفُرع، على نحو من أربعين ميلاً من
المدينة. انظر: المغانم المطابة ٨١٨/٢.
(٥) العَقْرُ: الجرح وأثر. قيل: كانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، أي: قطعوا إحدى
=

٦٤٣
كتاب المناسك
فذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوه، فإنه
يوشك أن يأتي صاحبه. فجاء البهزي -وهو صاحبه- إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار،
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق، ثم
مضى حتى إذا كان بالأثايَة(١) بين الرُّويئة(٢) والعَرْج(٣)، إذا ظبي
حاقِفٌ(٤) في ظلٍ وفيه سهم، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أمر رجلاً يقف عنده، لا يُريبه أحد من الناس حتى
جاوزوە))(٥).
=
قوائمه ثم نحروه. قال ابن الأثير: "وفيه ((إنه مرّ بحمار عقير)) أي: أصابه عُقْرٌ
ولم يمت بعدُ".
انظر: النهاية لابن الأثير ٢٧٢/٣، والقاموس المحيط ٩٣/٢
(١) الأثاية: موضع في طريق الجحفة، بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخاً.
انظر: المغانم المطابة ٢/ ٥٧٤ - ٥٧٥.
(٢) الرُّوَيْئة: موضع على ليلة من المدينة.
انظر: المغانم المطابة ٨٢٤/٢، وذكر المحقق أنها في طريق بدر، جنوب المسيجيد.
(٣) اسم موضع بين الحرمين، على ثمانية وسبعين ميلاً من المدينة، مسيرة يومين
وبعض الثالث. انظر: المغانم المطابة ٣/ ٩٢٨.
(٤) ظبي حاقف: رابضٌ في حِقفٍ من الرمل، أو يكون منطوياً كالحقف، وقد انحن
وتثنى في نومه. القاموس المحيط ١٢٩/٣.
(٥) الموطأ ٣٥١/١.
=
=

٦٤٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وفي الصحيحين عن الصعب بن جثامة، أنه أهدى لرسول
الله [٧١/ أ] صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأبواء(١) أو
بوَدّان(٢)، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((إنا لم
نرده عليك إلا أنا حرم)) (٣).
ورواه مسلم عن سفيان وقال: لحم حمار وحش (٤).
قال الحميدي: كان سفيان يقول في الحديث: ((أهديت
لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش»، وربما قال
سفيان: ((يقطر دماً))، وكان فيما خلا، ربما قال: ((حمار وحش))، ثم
=
وأخرجه النسائي في سننه ٢٠١/٥ في كتاب المناسك، ٧٨- ما يجوز للمحرم
أکله من الصید.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢٦٤٢.
(١) الأبواء: قرية من أعمال الفُرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة
ثلاثة وعشرون ميلاً، فتكون الأبواء على خمسة أيام من المدينة.
انظر: المغانم المطابة ٢/ ٥٨٤.
(٢) وَدَّان: قرية من نواحي الفُرع، بينها وبين الأبواء ثمانية أميال.
انظر: المغانم المطابة ١١٤٣/٣. وذكر المحقق أن بينها وبين المدينة ٢٥٠ كم.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣٨/٤ مع الفتح، في كتاب جزاء الصيد، ٦-
باب إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً حياً لم يقبل.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٥٠، في كتاب الحج، ٨- باب تحريم الصيد للمحرم.
(٤) صحيح مسلم ٢/ ٨٥١ في كتاب الحج، ٨- باب تحريم الصيد للمحرم.

٦٤٥
كتاب المناسك
صار إلى: ((لحم)) حتى مات(١).
وفي رواية لمسلم: ((شق حمار وحش وهو محرم(٢) فرده))، وفي
رواية له: ((عجز حمار فرده))، وفي رواية له: ((رجل حمار))(٣).
قال الشافعي: فإن كان الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه
وسلم الحمار حياً، فليس لحرم ذبح حمار وحش، وإن كان أهدى له
لحماً، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له، فرده عليه، وإيضاحه في
حديث جابر(٤).
(١) مسند الحميدي ٢/ ٣٤٤، نحو مما ههنا.
(٢) قوله (وهو محرم)، ليس في النسخة المطبوعة من صحيح مسلم.
(٣) كلها في صحيح مسلم ٨٥١/٢، في كتاب الحج، ٨- باب تحريم الصيد
للمحرم.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ٤٢٧/٢-٤٢٨ في كتاب المناسك، ٤١ - باب لحم
الصيد للمحرم، بلفظ: (( صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم)).
وأخرجه: الترمذي في جامعه ٢٠٣/٣ -٢٠٤ في كتاب الحج، ٢٥- باب ما
جاء في أكل الصيد للمحرم. وقال:" المطّلب - وهو الراوي عن جابر- لا
نعرف له سماعاً عن جابر".
والنسائي في المجتبى ٢٠٥/٥-٢٠٦ في كتاب المناسك، ٨١- إذا أشار المحرم
إلى الصيد فقتله الحلال. وقال: " عمرو بن أبي عمرو -وهو أحد الرواة- ليس
بالقوي في الحدیث وإن كان قد روی عنه مالك".
وذكر ابن التركماني للحديث أربع علل؛ انظر الجوهر النقي (٥/ ١٩١ بحاشية
السنن الكبرى للبيهقي).
=

٦٤٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال: وحديث مالك أنه أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم
حماراً، أثبت من حديث من حدّث(١) أنه أهدى له من لحم حمار، تم
كلامه(٢).
قال البيهقي: وروی يحيى بن سعيد عن جعفر بن عمرو بن
أمية الضمري عن أبيه ((أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي صلى الله
عليه وسلم عجز حمار [وحش](٣)، وهو بالجحفة فأكل منه، وأكل
القوم))، قال: وهذا إسناد صحيح، فإن كان محفوظاً فكأنه رد الحي،
وقبل اللحم(٤)، تم کلامه.
وقد اختلف الناس قديماً وحديثاً في هذه المسألة، وأشكلت
عليهم الأحاديث فيها:
- فکان عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، یرون للمحرم أكل
=
وقال الحاكم في المستدرك (٤٥٢/١): " صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (٤٠١).
(١) جملة (من حدّث)، ساقطة من المطبوع.
(٢) اختلاف الحديث ص: ٢٤٥، مع شيء من الاختصار.
(٣) هذه الزيادة من السنن الكبرى للبيهقي.
(٤) سنن البيهقي ١٩٣/٥.

٦٤٧
كتاب المناسك
ما صاده الحلال من الصيد (١)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٢)، وهو
قول: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وأبي
هريرة، ذكر ذلك ابن عبد البر عنهم(٣).
وحجتهم: حديث أبي قتادة المتقدم.
وحديث طلحة بن عبيد الله وحديث البهزي.
- وقالت طائفة: لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال،
وهذا قول علي وابن عباس وابن عمر. قال ابن عباس: ﴿وَحُرِّمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾(٤) هي مبهمة(٥).
هـ
وروي عن طاووس وجابر بن زيد وسفيان الثوري:
المنع منه (٦).
(١) ذكر ذلك عنهم: ابن عبد البر في التمهيد ٩/ ٦٠.
(٢) انظر لمذهب الحنفية: البحر الرائق ٤٠/٣، وبدائع الصنائع ٢٠٥/٢، وحاشية
ابن عابدين ٢/ ٥٧١.
وحاصل مذهبهم هو أن للمحرم أكل ما صداه الحلال إذا صاده بلا أمره، ولم
یدله علیه، ولو کان صاده لأجله. أما لو صاده بأمره أو بأن دله عليه فيحرم.
(٣) في التمهيد ٦٠/٩.
(٤) سورة المائدة الآية رقم: ٩٦.
(٥) حكى ذلك عنهم في: التمهيد ٩/ ٦٠.
(٦) حكاه أيضاً ابن عبد البر في التمهيد ٩/ ٦٠.

٦٤٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وحجة هذا المذهب:
حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة(١).
وحديث علي في أول الباب(٢).
واحتجوا بظاهر الآية، وقالوا: تحريم الصيد يعم اصطياده،
وأکله.
- وقالت طائفة: ما صاده الحلال للمحرم، ومن أجله؛ فلا
يجوز له أكله، ما لم(٣) يصده من أجله، بل صاده لنفسه، أو لحلال؛ لم
يحرم على المحرم أكله.
(١) وقد سبق تخريجه.
(٢) عند أبي داود في سننه ٤٢٦/٢-٤٢٧، في كتاب المناسك، ٤١ - باب
لحم الصيد للمحرم، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه،
وكان الحارث خليفة عثمان رضي الله عنه على الطائف، فصنع
لعثمان طعاماً فيه من الحجل واليعاقيب ولحم الوحش، قال: فبعث إلى عليّ
رضي اللّه عنه فجاءه الرسول وهو يخبط لأباعر له، فجاءه وهو ينفض الخبط
عن يده، فقالوا له: كُلْ، فقال: أطعموه قوماً حلالاً فإنا حرم، فقال عليّ
رضي اللّه عنه: أنشد اللّه من كان ههنا من أشجع، أتعلمون أن رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم أهدى إليه رجل حمارَ وحْشٍ وهو محرم فأبى أن يأكله؟
قالوا: نعم.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (١٦٣١).
(٣) في المطبوع: فأما ما لم.

٦٤٩
كتاب المناسك
وهذا قول مالك(١) والشافعي (٢) وأحمد بن حنبل (٣)
وأصحابهم، وقول إسحاق(٤) وأبي ثور (٥).
قال ابن عبد البر: وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب(٦).
قال: وحجة من ذهب هذا المذهب، أنه عليه تصح
الأحاديث في هذا الباب، وإذا حُملت على ذلك لم تتضاد، ولم
تختلف، ولم تتدافع، وعلى هذا [٧١/ ب] يجب أن تحمل السنن، ولا
يعارض بعضها ببعض، ما وجد إلى استعمالها سبيل. تم كلامه(٧).
وآثار الصحابة كلها في هذا الباب؛ إنما تدل على هذا التفصيل.
فروى البيهقي: من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال:
رأيت عثمان بن عفان بالعرج في يوم صائف، وهو محرم وقد غطى
وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا،
(١) انظر لمذهب المالكية: التمهيد لابن عبد البر ٥٩/٩-٦١، والإشراف على
مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠.
(٢) انظر لمذهب الشافعية: الوسيط ٦٩٦/٢، والأم ٣١٩/٢-٣٢٠.
(٣) انظر لمذهب الحنابلة: الهداية ١ / ٩٤، والمغني ١٣٥/٥، والإنصاف ٤٧٨/٣.
(٤) انظر قول إسحاق في مسائل الكوسج المسألة رقم ١٥٢١.
(٥) ذكره عنهما ابن عبد البر في التمهيد ٩/ ٦١.
(٦) الاستذكار ١١/ ٢٧٧.
(٧) الاستذكار ٢٧٧/١١ مع بعض الفرق.

٦٥٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قالوا: ألا تأكل أنت؟ قال إني لست كهيئتكم، إنما صيد من
أجلي(١).
وحديث أبي قتادة والبهزي وطلحة بن عبيد الله قضايا
أعيان لا عموم لها، وهي تدل على جواز أكل المحرم من صيد
الحلال.
وحديث الصعب بن جثامة: يدل على منعه منه.
وحدیث جابر: صريح في التفريق.
فحيث أكل، علم أنه لم يُصد لأجله، وحيث امتنع؛ علم أنه
صيد لأجله، فهذا فعله، وقوله في حديث جابر: يدل على الأمرين،
فلا تعارض بين أحاديثه صلى الله عليه وسلم بحال.
وکذلك: امتناع علي من أکله، لعله ظن أنه صید لأجله.
وإباحة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حمار البهزي،
ومنعهم من التعرض للظبي الحاقف، لأن الحمار كان عقيراً في حد
الموت، وأما الظبي؛ فكان سالماً لم يسقط إلى الأرض، فلم يتعرض
له، لأنه حيوان حي، والله أعلم.
(١) سنن البيهقي ١٩١/٥. وقد أخرجه من طريق الشافعي عن مالك، وهو عند
الشافعي في مسنده ص: ٢٢٦، وعند مالك في الموطأ ٣٥٤/١.
وسنده صحيح، فقد صححه ابن حزم في الإحكام ٢/ ٢٣٤.

٦٥١
كتاب المناسك
ثم قال في باب الإحصار(١).
عقب حكاية المنذري كلام البيهقي قال: وإن صح حديث
الحجاج بن عمرو، فقد حمله بعض أهل العلم أنه يحل بعد فواته، بما
يحل به من يفوته الحج بغير مرض، فقد روينا عن ابن عباس ثابتاً
(٢).(٣) تم كلامه(٤).
عنه، أنه قال: لا حصر إلا حصر عدو (٢).
(١) سنن أبي داود ٤٣٣/٢-٤٣٤، الباب رقم: ٤٤.
عند حديث عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من
قابل)). قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صدق.
وأخرجه الترمذي في جامعه ٢٧٧/٣، في كتاب الحج، ٩٦ - باب ما جاء في
الذي يهل في الحج فيكسر أو يعرج، وقال: حديث حسن صحيح.
والنسائي في المجتبى ٢١٨/٥، في كتاب المناسك، ١٠٢ - فيمن أحصر بعدو.
وابن ماجه في سننه ١٠٢٨/٢، في كتاب المناسك، ٨٥- باب المصر.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٦٣٩.
(٢) أثر ابن عباس هذا أخرجه: الشافعي في مسنده ص: ٣٦٧، ومن طريقه
البيهقي في السنن الكبرى ٢١٩/٥، وفي المعرفة ٢٤٢/٤.
وصححه ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٨٨/٢، ٢٩٢.
(٣) كلام البيهقي هذا في السنن الكبرى له ٢٢٠/٥، ونحوه في معرفة السنن
والآثار ٢٤٦/٤.
(٤) مختصر سنن أبي داود ٣٦٨/٢، وليس فيه هذا الكلام، إنما فيه قوله: "وأخرجه
الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن"،- فقط -.

٦٥٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عمرو: أنه(١) تحلله
بالكسر والعرج، إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام، على
معنی حدیث ضباعة(٢).
قالوا: ولو كان الكسر مبيحاً للحل، لم يكن للاشتراط معنى.
قالوا: وأيضاً فلا يقول أحد بظاهر هذا الحديث، فإنه لا يحل
بمجرد الكسر والعرج، فلا بد من تأويله، فنحمله على ما ذكرناه(٣).
قالوا: وأيضاً فإنه لا يستفيد بالحل زوال عذره (٤) ، ولا
=
وفي المطبوع من تهذيب السنن لابن القيم، جُعل هذا الكلام من كلام ابن
القیم نفسه.
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "أن".
(٢) حديث ضباعة، هو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج؟
قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي؛ قولي: اللهم
محلي حيث حبستني، وكانت تحت المقداد بن الأسود)).
أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ٣٤-٣٥ مع الفتح، في كتاب النكاح، ١٥-
باب الأكفاء في الدين، - وهذا لفظه -.
ومسلم في صحيح ٨٦٧/٢-٨٦٨، في كتاب الحج، ١٥ -باب جواز اشتراط
المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه.
(٣) انظر: المغني ٢٠٤/٥.
(٤) في المطبوع: عقده.

٦٥٣
كتاب المناسك
الانتقال من حاله، بخلاف المحصر بالعدو(١).
وقوله: ((وعليه الحج من قابل))، هذا إذا لم يكن حج
الفرض، فأما إن كان متطوعاً؛ فلا شيء عليه، غير هدي
الإحصار (٢).
قال البيهقي: وحديث الحجاج بن عمرو قد اختلف في
إسناده، والثابت عن ابن عباس خلافه، وأنه: لا حصر إلا حصر
العدو، تم كلامه(٣).
قال الشيخ المذيل: اختلف العلماء من الصحابة فمن
بعدهم، فيمن منع من الوصول إلى البيت بمرض، أو كسر، أو عرج،
هل حكمه حكم المحصر [٧٢/ أ] بالعدو(٤)؛ في جواز التحلل؟
فروي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا
يحله إلا الطواف بالبيت(٥).
(١) انظر: المغني ٢٠٣/٥.
(٢) انظر التمهيد لابن عبد البر ١٩٥/١٥.
(٣) معرفة السنن والآثار ٢٤٥/٤- ٢٤٦، بمعناه أطول منه.
(٤) ساقطة من المطبوع.
(٥) رواه عن ابن عمر: الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥٢/٢، ومالك في
الموطأ ٣٦١/١، ٣٦٢. ومن طريقه: الشافعي في الأم ٢٤٥/٢، ٢٤٦.
وعن ابن عباس: مالك في الموطأ ٣٦١/١، ومن طريقه الشافعي في الأم
=

٦٥٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهو قول: مالك(١)، والشافعي(٢)، وإسحاق(٣)، وأحمد في
المشهور من مذهبه(٤).
وروي عن ابن مسعود: أنه كالمحصر بالعدو(٥)، وهو قول
عطاء والثوري(٦)، وأبي حنيفة وأصحابه(٧)، وإبراهيم النخعي
٢٤٥/٢-٢٤٦. بالإضافة لما تقدم من قوله ((لا حصر إلا حصر عدو)).
وعن مراون بن الحكم: مالك في الموطأ ٣٦٢/١، ومن طريقه الشافعي في الأم
٢٤٥/٢-٢٤٦.
وعن عبد الله بن الزبير رواه: مالك في الموطأ ٣٦٢/١، ومن طريقه الشافعي
في الأم ٢٤٥/٢-٢٤٦.
(١) انظر لمذهب المالكية: الموطأ ٣٦٢/١، والتمهيد ١٩٤/١٥-١٩٥.
(٢) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ٢٣٥/١، والأم ٢٤٥/٢ -٢٤٦.
(٣) انظر: مسائل الكوسج لأحمد وإسحاق المسألة رقم: ١٤٩٤.
(٤) انظر لمذهب الحنابلة: المغني ٢٠٣/٥، والمبدع ٢٧٣/٣، والإنصاف ٧١/٤،
وهو المذهب عندهم.
(٥) رواه عنه: الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥١/٢.
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٥١ بسنده أيضاً عن ابن عباس.
(٦) ذكره عنهما: ابن قدامة في المغني ٢٠٣/٥. وذكره عنه الثوري: ابن عبد البر
في التمهيد ٢٠٥/١٥.
(٧) انظر لمذهب الحنفية: شرح معاني الآثار ٢٥١/٢، والهداية شرح البداية
١٨٠/١، والبحر الرائق ٥٧/٣-٥٨.

٦٥٥
كتاب المناسك
وأبي ثور (١)، وأحمد في الرواية الأخرى عنه(٢).
ومن حجة هؤلاء حديث الحجاج وأبي هريرة وابن عباس.
قالوا: وهو حديث حسن يحتج بمثله.
قالوا: وأيضاً: ظاهر القرآن بل صريحه؛ يدل على أن الحصر
يكون بالمرض، فإن لفظ الإحصار، إنما هو للمرض، يقال أحصره
المرض، وحصره العدو، فيكون لفظ الآية صريحاً في المريض،
وحصر العدو ملحق به، فكيف يثبت الحكم في الفرع دون
الأصل؟!
قال الخليل وغيره: حصرت الرجل حصراً، منعته وحبسته،
وأحصر (٣) عن بلوغ المناسك بمرض أو نحوه (٤).
قالوا: وعلى هذا، خرج قول ابن عباس: ((لا حصر إلا
(١) ذكره عنهما: ابن قدامة في المغني ٢٠٣/٥. وذكره عن أبي ثور ابن عبد البر
في التمهيد ٢٠٧/١٥.
(٢) انظر لرواية الحنابلة هذه: المبدع ٢٧٣/٣، والإنصاف ٧١/٤، والمغني
٢٠٣/٥.
(٣) في المطبوع: "وأحصر هو".
وفي التمهيد لابن عبد البر، وتفسير القرطبي: "وأحصر الحاج".
(٤) انظر قول الخليل هذا في: تفسير القرطبي ٢٤٧/٢، والتمهيد لابن عبد البر
١٩٤/١٥.

٦٥٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
حصر العدو))، ولم يقل: "لا إحصار إلا إحصار العدو"، فليس بين
رأيه وروايته تعارض، ولو قدر تعارضهما فالأخذ بروايته دون
رأیه، لأن روايته حجة، ورأيه ليس بحجة.
قالوا: وقولكم: "لو كان يحل بالحصر، لم يكن للاشتراط
معنی"، جوابه من وجهين:
أحدهما: إنكم لا تقولون بالاشتراط، ولا يفيد الشرط
عندكم شيئاً، فلا يحل عندكم بشرط ولا بدونه، فالحديثان معاً حجة
علیکم.
وأما نحن: فعندنا أنه يستفيد بالشرط فائدتين:
إحداهما: جواز الإحلال.
والثانية: سقوط الدم.
فإذا لم يكن شرط، استفاد بالعذر الإحلال وحده، وثبت
وجوب الدم عليه، فتأثير الاشتراط في سقوط الدم.
وأما قولكم: "إن معناه أنه يحل بعد فواته، بما يحل به من
يفوته الحج؛ لغير مرض"، ففي غاية الضعف، فإنه لا تأثير للكسر
ولا للعرج في ذلك، فإن المفوت يحل صحيحاً كان أو مريضاً.
وأيضاً: فإن هذا يتضمن تعليق الحكم بوصف لم يعتبره
النص، وإلغاء الوصف الذي اعتبره، وهذا غير جائز.
وأما قولكم: "إنه يحمل على الحل بالشرط"، فالشرط إما أن

٦٥٧
كتاب المناسك
يكون له تأثير في الحل عندكم، أو لا تأثير له، فإن كان مؤثراً في
الحل، لم يكن الكسر والعرج هو السبب الذي علق الحكم به، وهو
خلاف النص، وإن لم يكن له تأثير في الحل، بطل حمل الحديث
عليه.
قالوا: وأما قولكم: "إنه لا يقول أحد بظاهره، فإن ظاهره:
إنه بمجرد الكسر والعرج يحل".
فجوابه: أن المعنى فقد صار ممن يجوز له الحل، بعد أن كان
ممنوعاً منه.
وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقبل الليل من ههنا،
وأدبر النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم))(١)، وليس [٧٢/ ب] المراد
به أنه أفطر حكماً، وإن لم يباشر المفطرات، بدليل إذنه لأصحابه في
الوصال إلى السحر، ولو أفطروا حكماً لاستحال منهم الوصال.
وكقوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣١/٤ مع الفتح، في كتاب الصوم، ٤٣- باب
متى أفطر الصائم. عن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا،
وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم)).
ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٧٢ في كتاب الصيام، ١٠-باب بيان وقت انقضاء
الصوم وخروج النهار، - نحوه -.

٦٥٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
غَيْرَهُ﴾(١)، فإذا نكحت زوجاً آخر؛ حلت، لا بمجرد نكاح الثاني، بل
لا بد من مفارقته وانقضاء العدة، وعقد الأول عليها.
قالوا: وأما قولكم: "إنه لا يستفيد بالإحلال، الانتقال من
حاله التي هو عليها، ولا التخلص من أذاه، بخلاف من حصره
العدو"، كلام(٢) لا معنی تحته، فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيده
المحصر بالعدو.
فإنه إذا بقي ممنوعاً من اللباس وتغطية الرأس، والطيب مع
مرضه؛ تضرر بذلك أعظم الضرر، في الحر والبرد، ومعلوم أنه قد
يستفيد بحله من الترفه، ما يكون سبب زوال أذاه، كما يستفيد
المحصر بالعدو بحله، ولا فرق بينهما.
فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض، لكان القياس على
المحصر بالعدو يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل
عليه، والله أعلم.
(١) سورة البقرة الآية رقم: ٢٣٠.
(٢) في المطبوع: فكلام.

٦٥٩
كتاب المناسك
ثم قال في آخر باب إستلام الأركان(١).
بعد قول الحافظ المنذري: وفيه عبد العزيز بن أبي روّاد، وفيه
.
مقال (٢)
قال الشيخ شمس الدين المذيّل: وقد روى ابن حبان في
صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مسح
الحجر والركن اليماني، يحط الخطايا حطاً))(٣).
وروى النسائي من حديث حنظلة بن أبي سفيان قال: رأيت
طاووساً يمر بالركن، فإن وجد عليه زحاماً، مَرّ ولم يزاحم، وإن رآه
خالياً قبّله ثلاثاً ثم قال: رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك، ثم(٤) قال
(١) سنن أبي داود ٢/ ٤٤٠ في كتاب المناسك، ٤٨ - باب استلام الأركان.
عند حديث ابن عمر قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن
يستلم الركن اليماني والحجر في كل طَوْفة، قال وكان عبد الله بن عمر
يفعله)).
وأخرجه النسائي في سننه ٥/ ٢٥٥، في كتاب المناسك، ١٥٦- استلام الركنين
في كل طواف -نحوه.
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٦٥٢.
(٢) مختصر سنن أبي داود ٢/ ٣٧٥.
(٣) صحيح ابن حبان ١١/٩ مع الإحسان.
ورواه: ابن خزيمة في صحيحه ٢١٨/٤، وأحمد في مسنده ٣/٢، ٨٩.
(٤) في المطبوع من المجتبى للنسائي: "و"، بدل: "ثم".

٦٦٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك، ثم قال(١): إنك
حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم قبلك، ما قبلتك، ثم قال عمر رضي الله عنه: (( رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك))(٢).
وترجم عليه النسائي: كم يقبّل الحجر(٣)؟
وفي النسائي عن عمر: ((أنه قبل الحجر الأسود والتزمه،
وقال: رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفياً))(٤).
(١) أي: عمر بن الخطاب.
(٢) أخرجه النسائي في سننه ٥/ ٢٥٠-٢٥١ في كتاب المناسك، ١٤٨ - كيف يقبل.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن النسائي برقم: ١٩١، وقال: "ضعيف الإسناد،
منكر بهذا السياق".
وقد صحّ تقبيل عمر بن الخطاب للحجر الأسود، وقوله: ((إني أعلم أنك
حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقبلك ما قبلتك)».
أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٥٤٠ مع الفتح، في كتاب الحج، ٥٠-باب ما
ذكر في الحجر الأسود.
ومسلم في صحيحه ٩٢٥/٢- ٩٢٦، في كتاب الحج، ٤١- باب استحباب
تقبيل الحجر الأسود في الطواف -واللفظ للبخاري -.
(٣) الترجمة في المطبوع هي: كيف يُقبّل.
(٤) سنن النسائي ٥/ ٢٥٠، في كتاب المناسك، ١٤٦- استلام الحجر الأسود.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢٧٤٨.