النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
كتاب الصلاة
قال: فإن قيل: فهكذا سنة موقف الإمام والمنفرد(١).
قيل: فسنة موقفهما تدل على أنه ليس في الانفراد شيء
يفسد الصلاة (٢).
ثم ذكر حديث أنس في صلاة المرأة وحدها خلف الصف(٣).
وليس في شيء من هذا ما يعارض حديث وابصة وعلي بن
شیبان.
أما حديث أبي بكرة؛ فإنما فيه أنه ركع دون الصف، ثم مشى
حتى دخل في الصف، والاعتبار إنما هو بإدراك الركوع مع الإمام في
الصف، وليس في حديثه أنه لم يجامعه في الركوع في الصف، فلا
حجة فيه.
وأما موقف الإمام والمرأة، فالسنة تقديم هذا، وتأخر المرأة،
والسنة للمأموم الوقوف في الصف، إما استحباباً، وإما وجوباً،
(١) اختلاف الحديث ص: ١٨٢.
(٢) اختلاف الحديث ص: ١٨٢.
(٣) اختلاف الحديث ص: ١٨٢.
وحديث أنس هذا أخرجه: البخاري في صحيحه ٥٨٢/١-٥٨٣ مع الفتح،
في كتاب الصلاة، ٢٠-باب الصلاة على الحصير.
ومسلم في صحيحه ٤٥٧/١ في کتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٤٨-باب
جواز الجماعة في النافلة، والصلاة على الحصير وخمرة وثوب وغيرها من
الطاهرات.
٣٤٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فكيف يُقاس أحدهما على الآخر؟!
ولو خالفت المرأة موقفها، بطلت صلاتها في أحد القولين،
وكره لها ذلك من غير بطلان في القول الآخر؟!
ولو وقف الرجل فذاً كما تقف المرأة، [٣٧/أ] بطلت
صلاته في قول، وكرهت في آخر. فأين أحدهما من الآخر؟!
٣٤٣
كتاب الصلاة
وقال في باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها أين يجعلهما
منه(١)؟
بعد قول الحافظ زكي الدين: في إسناده أبو عبيدة الوليد بن
كامل البجلي الشامي، وفيه مقال(٢).
قال ابن القيم رحمه الله: حديث ضباعة قال ابن القطان: فيه
ثلاث(٣) مجاهيل؛ الوليد بن كامل عن المهلب بن حجر عن ضباعة
بنت المقداد عن أبيها (٤).
قال عبدالحق: ليس إسناده بقوي(٥).
ورواه النسائي من حديث بقية عن الوليد بن کامل، حدثنا
المهلب بن حجر البهراني عن ضبيعة بنت المقدام بن معدي كرب
(١) سنن أبي دواد ١/ ٤٤٥، الباب رقم (١٠٥).
عند حديث علي بن عياش عن أبي عبيدة الوليد بن كامل عن المهلّب بن
حجر عن ضباعة بنت المقداد عن أبيها قال: ما رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن
أو الأيسر ولا يصمد له صمداً.
والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم ١٣٦.
(٢) مختصر سنن أبي داود ١/ ٣٤١.
(٣) كذا في الأصل، وفي بيان الوهم والإيهام: الجهل بحال ثلاثة من رواته ....
(٤) بيان الوهم والإيهام ٣٥١/٣-٣٥٢.
(٥) الأحكام الوسطى ٣٤٤/١.
٣٤٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
عن أبيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا صلى أحدكم
إلى عمود أو سارية أو شيء، فلا يجعله نصب عينيه، وليجعله على
حاجبه الأيسر))(١).
فهذا أمر وحديث أبي داود فعل.
فقد اختلف على الوليد بن كامل كما ترى: فعلي بن عياش
رواه فعلاً، وبقية رواه قولاً.
وابن أبي حاتم ذكر المهلب بن حجر، أنه يروي عن ضباعة
بنت المقدام بن معدي کرب(٢).
وهذا غير ما في الإسنادين، فإن فيهما ضباعة بنت المقداد أو
ضبيعة بنت المقدام، والله أعلم.
(١) أخرجه ابن السكن عن سعيد بن عبد العزيز الحلبي عن أبي تقي عن بقية به.
وذكر ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٣٥٢/٣ عن ابن السكن أن النسائي
ذكره. ولم أقف عليه عند النسائي في الصغرى ولا الكبرى.
(٢) الجرح والتعديل ٣٧٠/٨.
٣٤٥
كتاب الصلاة
وقال في باب الدنو من السترة (١).
بعد قول الحافظ زكي الدين حاكياً عن أبي داود: واختلف
في إسناده(٢).
قال ابن القيم رحمه الله: قلت: رجال إسناده رجال مسلم،
والاختلاف الذي أشار إليه أبو داود هو أنه يُروى مرفوعاً وموقوفاً
ومسنداً ومتصلاً.
(١) سنن أبي داود ١/ ٤٤٦، الباب رقم (١٠٧).
عند حديث سهل بن أبي حثمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا
صلى أحدكم إلى سترة فليدْنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته)).
وأخرجه النسائي في المجتبى ٣٩٥/٢ في كتاب القبلة، ٥-الأمر بالدنو من
السترة.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٦٤٣.
(٢) مختصر سنن أبي داود ٣٤٢/١.
٣٤٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في آخر باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين
یدیہ(١).
بعد قول الحافظ زكي الدين، وأخرجه البخاري ومسلم
بمعناه أتم منه(٢).
قال ابن القيم رحمه الله: قال ابن حبان وغيره: التحريم
المذكور في الحديث، إنما هو إذا صلى الرجل إلى سترة، فأما إذا لم
يصل إلى سترة فلا يحرم المرور بين يديه(٣).
(١) سنن أبي داود ٤٤٩/١، الباب رقم (١٠٨).
عند حديث حميد بن هلال قال: قال أبو صالح: أُحدثك عما رأيت من أبي
سعيد وسمعته منه: دخل أبو سعيد على مروان فقال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس
فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو
شيطان)).
1
والحديث أخرجه: البخاري في صحيحه ٦٩٣/١ مع الفتح، في كتاب الصلاة،
١٠٠ - باب يَرُدُّ المصلي من مرّ بین یدیه.
ومسلم في صحيحه ٣٦٢/١-٣٦٣، في كتاب الصلاة، ٤٨ - باب منع المار بين
يدي المصلي.
(٢) مختصر سنن أبي داود ١/ ٣٤٤.
(٣) بوب ابن حبان في صحيحه ٦/ ١٢٧ مع الإحسان: ذكر إباحة مرور المرء قدام
المصلي إذا صلى إلى غير سترة. ثم احتج بالحديث الآتي.
٣٤٧
كتاب الصلاة
واحتج أبو حاتم(١) على ذلك بما رواه في صحيحه عن
المطلب بن أبي وداعة قال: (( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين
فرغ من طوافه أتى حاشية المطاف، فصلى ركعتين وليس بينه وبين
الطوافين أحد))(٢).
قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على إباحة مرور المرء بين
يدي المصلي، إذا صلى إلى غير سترة (٣).
(١) أي ابن حبان.
(٢) صحيح ابن حبان ٦/ ١٢٧ مع الإحسان، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدروقي، ثنا
یحیی بن سعید عن ابن جريج عن كثير بن كثير عن أبيه عن المطلب به.
ورواه أبو داود في سننه ٥١٨/٢ في كتاب المناسك، ٨٩- باب في مكة، من
طريق كثير بن كثير بن المطلب عن بعض أهله عن جده بمعناه نحوه. ثم قال:
قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أخبرنا كثير عن أبيه، قال: فسألته
فقال: ليس من أبي سمعته، ولکن من بعض أهلي عن جدي.
والنسائي في المجتى ٢/ ٤٠٠ في كتاب القبلة، ٩-الرخصة في ذلك، عن كثير
عن أبيه عن جده، مثل ما عند ابن حبان.
وفي ٢٥٩/٥- ٢٦٠ في كتاب المناسك، ١٦٢ -أين يصلي ركعتي الطواف عن
کثیر عن أبيه عن المطلب به.
وابن ماجه في سننه ٩٨٦/٢ في كتاب المناسك، ٣٣ - باب الركعتين بعد
الطواف عن كثير عن أبيه عن المطلب نحوه.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم ٤٣٧.
(٣) صحيح ابن حبان ١٢٨/٦ مع الإحسان.
٣٤٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وفيه دليل واضح على أن التغليظ الذي روي في المار بين
يدي المصلي، إنما أريد بذلك إذا كان المصلي يصلي إلى سترة، دون
الذي يصلي إلی غیر سترة يستتر بها.
قال أبو حاتم: ذكر البيان بأن هذه الصلاة لم تكن بين
الطوافين وبين النبي صلى الله عليه وسلم سترة، ثم ساق من
حديث المطلب قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حذو
[٣٧/ ب] الركن الأسود والرجال والنساء يمرون بين يديه ما بينهم
وبينه سترة))(١).
(١) صحيح ابن حبان ١٢٨/٦ مع الإحسان.
٣٤٩
كتاب الصلاة
وقال في أثناء باب ما يقطع الصلاة(١).
بعد قول الحافظ زكي الدين، في آخر حديث ابن عباس
حاكياً عن أبي داود، ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن
إسماعيل، وأحسبه [وهم](٢) لأنه كان يحدثنا من حفظه(٣).
قال ابن القيم: وقال ابن القطان: علته شك الراوي في رفعه،
فإنه قال عن ابن عباس أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فهذا رأي لا خبر، ولم يجزم ابن عباس برفعه، وابن أبي
سمينة (٤) أحد الثقات.
(١) سنن أبي داود ٤٥٣/١، الباب رقم (١١٠).
عند حديث ابن عباس قال: أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير
واليهودي والمجوسي والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر)).
ثم قال أبو داود عقبه: في نفسي من هذا الحديث شيء: كنت أذاكر به إبراهيم
وغيره، فلم أرَ أحداً جاء به عن هشام ولا يعرفه ... والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه
"على قذفة بحجر"، وذكر الخنزير، وفيه نكارة. وقال: ولم أسمع هذا الحديث إلا
من محمد بن إسماعيل بن سمينة، وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم ١٣٧.
(٢) ساقطة من الأصل، والتصويب من سنن أبي دواد، ومختصر المنذري.
(٣) مختصر سنن أبي داود ٣٤٦/١.
(٤) في الأصل: "واست اسمينة"، والتصويب من بيان الوهم والإيهام.
٣٥٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقد جاء هذا الخبر موقوفاً على ابن عباس بإسناد جيد،
بذكر أربعة فقط.
قال البزار: حدثنا محمد بن المثنی حدثنا عبد الأعلى حدثنا
سعيد عن قتادة قال: قلت لجابر بن زيد ما يقطع الصلاة؟ قال: قال
ابن عباس الكلب الأسود، والمرأة الحائض (١)، قلت: قد كان
يذكر الثالث(٢) قال: ما هو؟ قلت: الحمار، قال: رويدك الحمار؟
قلت: قد كان يذكر رابعاً؟ قال ما هو؟ قال: العلج الكافر، قال: إن
استطعت أن لا يمر بين يديك كافر، ولا مسلم؛ فافعل. تم كلامه(٣).
(١) في الأصل: "والحائض"، وهو خطأ، والتصويب من بيان الوهم والإيهام.
(٢) في الأصل: "الرابع" وهو خطأ، والتصويب من بيان الوهم والإيهام.
(٣) بيان الوهم والإيهام ٣٥٥/٣-٣٥٦.
ورواه أبو داود في سننه ١/ ٤٥٢-٤٥٣ في كتاب الصلاة، ١١٠ - باب ما يقطع
الصلاة.
والنسائي في المجتبى ٣٩٧/٢ في كتاب القبلة، ٧ -ذكر ما يقطع الصلاة وما لا
يقطع ... .
كلاهما موقوفاً على ابن عباس بذكر الكلب والمرأة الحائض فقط.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٦٥١.
٣٥١
كتاب الصلاة
وقال في هذا الباب أيضاً - وهو باب ما يقطع الصلاة _(١).
عند حدیث سعید بن غزوان.
قال ابن القيم: حديث ابن غزوان هذا، قال عبد الحق:
إسناده ضعيف(٢).
قال ابن القطان: سعيد مجهول، فأما أبوه غزوان، فإنه لا
يعرف مذكوراً، وأما ابنه فقد ذكر وتُرجم في مظان ذكره، بما يذكر به
المجهولون. وظن عبد الحق أن غزوان هذا صحابي، وليس كذلك
فإنه نقص في إسناده(٣).
(١) سنن أبي دواد ١/ ٤٥٤-٤٥٥، الباب رقم (١١٠).
ومختصر سنن أبي داود ٣٤٦/١-٣٤٧.
عند حديث سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج، فإذا هو برجل
مقعد فسأله عن أمره فقال له: سأحدثك حديثاً فلا تحدث به ما سمعت أني
حي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة، فقال: ((هذه
قبلتنا)) ثم صلى إليها فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال:
«قطع صلاتنا قطع الله أثره))، فما قمت عليها إلى يومي هذا.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود بالأرقام ١٣٨ - ١٤٠.
(٢) الأحكام الوسطى ١/ ٣٤٥.
(٣) بيان الوهم والإيهام ٣٥٦/٣.
٣٥٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في باب رفع الیدین(١).
قبل الحديث الأخير من الباب بعد قوله:" تحت الثياب
وأخرجه النسائي وابن ماجه"(٢).
قال ابن القيم: فيه وضع اليمنى على اليسرى في القيام.
وفي الباب حديث سهل بن سعد الساعدي قال: كان الناس
يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة،
قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك.
رواه مالك في موطئه عن أبي حازم بن دينار عنه، وبوّب
(١) سنن أبي داود ٤٦٦/١، الباب رقم (١١٦).
عند حديث وائل بن حجر، وقال فيه: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه
اليسرى والرسغ والساعد، وقال فيه: ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه برد
شديد، فرأيت الناس عليهم جلّ الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب)).
والحديث أخرجه: النسائي في المجتبى ٤٦٣/٢ في كتاب الافتتاح، ١١ - باب
موضع اليمنى من الشمال في الصلاة.
وابن ماجه في سننه ٢٦٦/١، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ٣ -باب
وضع اليمنى على الشمال في الصلاة.
وفي ١/ ٢٨١ في كتاب إقامة الصلاة والسنة فیها، ١٥ -باب رفع اليدين إذا
رکع وإذا رفع رأسه من الركوع.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي دواد برقم (٦٦٧).
(٢) مختصر سنن أبي دواد ١/ ٣٥٤.
٣٥٣
كتاب الصلاة
عليه فقال: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة(١).
وقال: في الباب عن عبد الكريم بن أبي المخارق أنه قال: من
كلام النبوة إذا لم تستح فافعل ما شئت، ووضع اليدين إحداهما
على الأخرى في الصلاة، -يضع اليمنى على اليسرى-، وتعجيل
الفطر، والاستيناء بالسحور (٢).
قال أبو عمر: (يضع اليمنى على اليسرى) [٣٨/أ] من كلام
مالك.
وهذه الترجمة والدليل والتفسير صريح في أن مذهبه: وضع
الیمنی علی الیسری.
وقد روى أبو حاتم ابن حبان في صحيحه من حديث ابن
وهب أخبرنا عمرو بن الحارث، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدث
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إنا معشر
الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا
على شمائلنا في صلاتنا))(٣).
(١) الموطأ ١٥٩/١.
والحديث أخرجه: البخاري في صحيحه ٢٦٢/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان،
٨٧-باب وضع اليمنى على اليسرى.
(٢) الموطأ ١/ ١٥٨.
(٣) صحيح ابن حبان ٦٧/٥ مع الإحسان.
٣٥٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال ابن القيم في باب افتتاح الصلاة(١).
في آخر حديث أبي حميد: حديث أبي حميد هذا حديث
صحيح، متلقى بالقبول لا علة له، وقد أعله قوم بما برأه الله، وأئمة
الحدیث منه.
ونحن نذكر ما عللوه به، ثم نبيّن فساد تعليلهم وبطلانه،
بعون الله.
قال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام: هذا الحديث من
(١) سنن أبي دواد ٤٦٧/١، الباب رقم (١١٧)، ومختصر سنن أبي داود
٣٥٥/١-٣٥٦.
عند حديث محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة، قال أبو حميد:
أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .... الحديث.
والحديث أخرجه: البخاري في صحيحه ٣٥٥/٢-٣٥٦ في كتاب الأذان،
١٤٥- باب سنة الجلوس في التشهد.
والترمذي في جامعه ١٠٥/٢-١٠٧ في أبواب الصلاة، ٢٢٧ - باب منه.
والنسائي في المجتبى ٥٥٨/٢-٥٥٩ في كتاب التطبيق، ٤٨- باب فتح أصابع
الرجلين في السجود، مختصراً.
وابن ماجه في سننه ١/ ٣٣٧-٣٣٨، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ٧٢-
باب إتمام الصلاة.
وصحح الحديث الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٦٧٠.
٣٥٥
كتاب الصلاة
رواية عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو، صدوق(١) وثقه
يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأخرج له مسلم،
وضعفه يحيى بن سعيد في رواية عنه، وكان الثوري يجد عليه من
(٢)
أجل القدر (٢).
فيجب التثبت فيما روى من قوله: "فيهم أبو قتادة"، فإن أبا
قتادة توفي في زمن علي (٣)، وصلى عليه عليّ، وهو ممن قُتل معه،
وسنّ محمد بن عمرو مقصرة عن إدراك ذلك.
قال: وقيل في وفاة أبي قتادة غير ذلك؛ أنه توفي سنة أربع
وخمسين. وليس بصحيح، بل الصحيح ما ذكرناه. وقُتل عليّ(٤) سنة
أربعین.
ذكر هذا التعليل أبو جعفر الطحاوي، قال الطحاوي:
والذي زاده محمد بن عمرو غير معروف ولا متصل؛ لأن في حديثه
(١) أي: عبد الحميد بن جعفر.
(٢) بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٦٢.
(٣) قال محقق بيان الوهم والإيهام: هذا الجزم فيه نظر، بل موته محل خلاف.
ورجح الحافظ في الإصابة ١٥٨/٤ أن موته متأخر عن ذلك.
(٤) في المطبوع: وقيل في. وهو خطأ.
والمكتوب في الأصل لا يحتمله، لكن لما قرأه المحقق خطأ، أراد أن يصوب
كعادته، ودون الإشارة إلى ما في الأصل، وما الذي صوبه، فتأمل !! فإنه
تحریف شدید یحیل المعنى.
٣٥٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة، ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل،
لأنه قتل مع علي وصلى عليه علي. فأين سن محمد بن عمرو من
هذا (١)؟ (٢)
قال الطحاوي وعبد الحميد بن جعفر: ضعيف(٣).
قال ابن القطان: ويزيد هذا المعنى تأكيداً أن عطاف بن خالد
روى هذا الحديث فقال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء حدثنا
رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
جلوساً، فذكر نحو حديث أبي عاصم(".
وعطاف بن خالد مدني، ليس بدون عبد الحميد بن
جعفر(٥)، وإن كان البخاري حكى أن مالكاً لم يَحْمده، قال: وذلك
لا يضره، لأن ذلك غير مفسر من مالك بأمر يجب لأجله ترك
روايته(٦).
(١) شرح معاني الآثار ٢٦٠/١.
(٢) بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٣) شرح معاني الآثار ٢٥٩/١.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥٩/١.
(٥) قال محقق بيان الوهم والإيهام: بل هو دونه بمراحل، فعبد الحميد ربما وهم،
وعطاف صدوق یهم، وبین المصطلحین فرق کبیر.
(٦) بيان الوهم والإيهام ٢ / ٤٦٣.
٣٥٧
كتاب الصلاة
قال: وقد اعترض الطبري(١) على مالك في ذلك بما ذكرناه
من عدم تفسير الجرح، [و](٢) بأمر آخر لا نراه صواباً، وهو أن قال:
"وحتى لو كان مالك قد فسر، لم يجب أن يترك بتجريحه رواية
عطاف حتی یکون معه مجرح آخر "(٣).
قال ابن القطان: وإنما [٣٨/ ب] لم نره صواباً لوجهين:
أحدهما: أن هذا المذهب ليس بصحيح، بل إذا جرح واحد
بما هو جرحه قبل، فإنه نقلٌ منه لحال سيئة تسقط بها العدالة، ولا
يحتاج في النقل إلى تعدد الرواة.
والوجه الثاني: أن ابن مهدي أيضاً لم يرضَ عطافاً، لكن لم
يفسر بماذا لم يرضه، فلو قبلنا قوله فيه قلدناه في رأي لا في رواية.
وغير مالك وابن مهدي یوثقه. قال أبو طالب عن أحمد: هو
من أهل المدينة ثقة صحيح الحديث، روى نحو مائة حديث. وقال
ابن معین: صالح الحدیث ليس به بأس.
وقد قال ابن معين: من قلت ليس به بأس، فهو عندي ثقة.
وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بذاك(٤).
(١) في المطبوع: الطبراني. وهو خطأ.
(٢) ليست في الأصل، وهي في بيان الوهم والإيهام، وبها يتم المعنى.
(٣) بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٦٣.
(٤) بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٦٣ -٤٦٤.
٣٥٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال ابن القطان: ولعله أحسن حالاً من عبد الحميد بن
جعفر(١)، وهو قد بيّن أن بَيْن محمد بن عمرو وبين أولئك الصحابة
رجلاً.
قال: ولو كان هذا عندي محتاجاً إليه في هذا الحديث للقضاء
بانقطاعه، لكتبته في المدرك الذي قد فرغت منه، ولكنه غير محتاج
إليه للمقرر من تاريخ وفاة أبي قتادة، وتقاصر سن محمد بن عمرو
عن إدراك حياته رجلاً، فإنما جاءت رواية عطاف عاضدة لما قد
صح وفرغ منه (٢).
قال: وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد بن
عمرو، فقال فيه: عن عياش أو عباس بن سهل الساعدي: أنه كان في
مجلس فيه أبوه (٣) وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد، ولم يذكر فيه من
الفرق بين الجلوسين ما ذكره عبدالحميد بن جعفر، ذكره أبو داود (٤).
وقد رواه(٥) البخاري في صحيحه حدثنا يحيى بن بکیر حدثنا
(١) قال محقق بيان الوهم: قلت: كلا، فابن جعفر أحسن حالاً من عطاف بكثير،
وهذا الذي ذكر المؤلف، هو رأي الطحاوي ... .
(٢) بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٦٤ -٤٦٥.
(٣) في الأصل: "أبو قتادة"، وهو خطأ، والتصويب من سنن أبي داود.
(٤) سنن أبي دواد ١/ ٤٧٠ في كتاب الصلاة، ١١٧ - باب افتتاح الصلاة.
(٥) أي: بالفرق بين الجلوسین.
٣٥٩
كتاب الصلاة
الليث سمع يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد سمعا محمد بن
عمرو بن حلحلة سمع محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالساً في
نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا في صلاة النبي
صلى الله عليه وسلم، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم
لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، "رأيته إذا كبر" فذكر
الحديث(١).
وهذا لا ذكر فيه لأبي قتادة، ولكن ليس فيه ذكر لسماعه من
أبي حميد وإن كان ذلك ظاهره(٢). هذا آخر كلامه.
وهو مع طوله مداره على ثلاثة فصول:
أحدها: تضعيف عبد الحميد بن جعفر.
والثاني: تضعيف محمد بن عمرو بن عطاء.
والثالث: انقطاع الحديث بين محمد بن عمرو وبين الصحابة
الذین رواه عنهم.
والجواب عن هذه الفصول:
أما الأول: فعبد الحميد بن جعفر [٣٩/ أ] قد وثقه يحيى بن
معين في جميع الروايات عنه، ووثقه الإمام أحمد أيضاً، واحتج به
(١) صحيح البخاري ٣٥٥/٢- ٣٥٦ مع الفتح، في كتاب الأذان، ١٤٥ - باب سنة
الجلوس في التشهد.
(٢) بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
٣٦٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
مسلم في صحيحه، ولم يحفظ عن أحد من أئمة الجرح والتعديل
تضعيفه بما یوجب سقوط روایته.
فتضعيفه بذلك مردود على قائله، وحتى لو ثبت عن أحد
منهم إطلاق الضعف علیه، لم يقدح ذلك في روايته ما لم یبین سبب
ضعفه، وحينئذ ينظر فيه هل هو قادح أم لا؟
وهذا إنما يُحتاج إليه عند الاختلاف في توثيق الرجل
وتضعيفه، وأما إذا اتفق أئمة الحديث على تضعيف رجل لم يحتج
إلی ذکر سبب ضعفه.
هذا أولى ما يقال في مسألة التضعيف المطلق.
وأما الفصل الثاني: وهو تضعيف محمد بن عمرو بن عطاء،
ففي غاية الفساد، فإنه من كبار التابعين المشهورين بالصدق والأمانة
والثقة.
وقد وثقه أئمة الحديث كأحمد ويحيى بن سعيد ويحيى بن
معين وغيرهم، واتفق صاحبا الصحيح على الاحتجاج به.
وتضعیف یحیی بن سعيد له إن صح عنه؛ فهو روايةً المشهور
عنه خلافُها، وحتى لو ثبت على تضعيفه فأقام عليه ولم یبین سببه،
لم يلتفت إليه مع توثيق غيره من الأئمة له.
ولو كان كلّ رجلٍ ضعّفه رجلٌ سقط حديثه، لذهب عامة
الأحاديث الصحيحة من أيدينا، فقلّ رجل من الثقات إلا وقد