النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الطهارة
عليه وسلم عمر بذلك حين استفتاه(١).
وبعض المتأخرين من الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا
ينظرون الطرق، يجمعون بينهما بالتأويل، فيقولون: "لا يمس ماء
للغسل"، ولا يصح هذا، وفقهاء المحدثين وحفاظهم على ما
أعلمتك.
وأما الحديث الذي نسبه إلى رواية زهير عن أبي إسحاق،
فقال فيه: "وإن نام جنباً توضأ"، وحكى أن قوماً ادعوا فيه الخطأ
والاختصار، ثم صححه هو، فإنما عنى بذلك أحمد بن محمد
الأزدي(٢)، فهو الذي رواه بهذا اللفظ(٣)، وهو الذي أُدعي فيه
وأما رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، فأخرجها:
مسلم في صحيحه ١/ ٢٤٨ في كتاب الحيض، ٦ - باب جواز نوم الجنب ....
وأما رواية عبد الله بن أبي قيس، فأخرجها:
مسلم أيضاً في صحيحه ٢٤٩/١ في كتاب الحيض، ٦ - باب جواز نوم
الجنب ....
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١ / ٤٦٧ مع الفتح، في كتاب الغسل، ٢٦ - باب
نوم الجنب.
ومسلم في صحيحه ٢٤٨/١ في كتاب الحيض، ٦ - باب جواز نوم الجنب.
(٢) يقصد الطحاوي أبو جعفر أحمد بن محمد الأزدي.
(٣) شرح معاني الآثار ١٢٥/١ من رواية زهير مطولاً و١٢٤/١ من رواية
سفيان مختصرة.

٢٨٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الاختصار، وروايته خطأ، ودعواه سهو وغفلة.
ورواية زهير عن أبي إسحاق؛ كرواية الثوري وغيره عن أبي
إسحاق في هذا المعنى، وحديث زهير: أتم سياقة.
وقد روى مسلم الحديث بكماله في كتاب الصلاة، وقال فيه:
(( وإن لم يكن جنباً توضأ للصلاة )) وأسقط منه وهم أبي إسحاق،
وهو قوله: (( ثم ينام قبل أن يمس ماء))(١)، فأخطأ فيه بعض النقلة،
فقال:((وإن نام جنباً توضأ للصلاة )).
فعمد ابن حزم إلى هذا الخطأ الحادث على زهير؛ فصححه،
وقد كان صحح خطأ أبي إسحاق القديم، فصحح خطأين
متضادین، وجمع بین غلطین متنافرين، تم كلامه(٢).
قال البيهقي: والحفاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهموها
مأخوذة عن غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلس؛ فرواها
من تدليساته، بدليل رواية إبراهيم عن الأسود وعبد الرحمن بن
الأسود عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم [٣٠/ أ]
(( كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ توضأ وضوءه للصلاة، ثم ينام))
(١) صحيح مسلم ١/ ٥١٠ في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ١٧ - باب صلاة
الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم ....
(٢) أي كلام ابن مفوز.

٢٨٣
كتاب الطهارة
(١) (٢)
رواه مسلم (١).(٢)
قال: وحديث أبي إسحاق(٣) صحيح من جهة الرواية، فإن
أبا إسحاق بين فيه سماعه من الأسود، والمدلس إذا بين سماعه
وكان ثقة؛ فلا وجه لرده، تم كلامه(٤).
والصواب ما قاله أئمة الحديث الكبار، مثل: یزید بن هارون
ومسلم والترمذي وغيرهم، من أن هذه اللفظة: وهم وغلط، والله
أعلم.
(١) في كتاب التمييز ص: ١٨٢، وليس في كتابه الصحيح.
(٢) سنن البيهقي الكبرى ١/ ٢٠٢.
(٣) أي: السبيعي.
(٤) سنن البيهقي الكبرى ١/ ٢٠٢.

٢٨٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في آخر باب الجنب يدخل المسجد(١)، عقب قول
الحافظ زكي الدين:" قال البخاري: وعند جسرة عجائب"(٢).
قال ابن القيم: وقال الدار قطني: أفلت بن خليفة: صالح.
وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي الخطاب
الهجري عن محدوج الذهلي عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى بأعلى صوته: ((ألا إن
هذا المسجد لا يحل لجنب، ولا لخائض)) (٣).
قال أبو محمد بن حزم: محدوج ساقط، وأبو الخطاب
(١) سنن أبي دواد ١٥٧/١-١٥٩، الباب رقم (٩٣).
عند حديث الأفلت بن خليفة قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت:
سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: ((جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
ووجوه بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد، فقال: وجّهوا هذه البيوت عن
المسجد، ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئاً، رجاء أن
تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني
لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب».
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم ٤٠.
(٢) مختصر سنن أبي داود ١/ ١٥٨.
(٣) سنن ابن ماجه ٢١٢/١ في كتاب الطهارة وسننها، ١٢٦ - باب ما جاء في
اجتناب الحائض المسجد.

٢٨٥
كتاب الطهارة
مجهول(١)، ثم رواه من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن ابن
أبي غنيّة (٢) عن إسماعيل عن جسرة عن أم سلمة عن النبي صلى
الله عليه وسلم (( هذا المسجد حرام على كل جنب من الرجال،
وحائض من النساء، إلا محمداً وأزواجه، وعلياً وفاطمة)) (٣).
قال ابن حزم: عبد الوهاب بن عطاء منكر الحديث،
وإسماعيل: مجهول (٤).
وليس الأمر كما قال أبو محمد؛ فقد قال ابن معين(٥) في
رواية الدوري: إنه ثقة(٦). وقال في رواية الدارمي وابن أبي خيثمة:
ليس به بأس(٧). وقال في رواية الغلابي: يكتب حديثه. وقال أحمد:
كان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه، وكان يعرفه معرفة قديمة(٨).
وقال صالح بن محمد: أنكروا على الخفاف حديثاً رواه لثور
(١) المحلى ١٨٦/٢.
(٢) في المخطوط: "عتبة"، وهو خطأ، والتصويب من المحلى ومن مصادر الترجمة.
وهو عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي. تهذيب الكمال ٣٠٢/١٨.
(٣) المحلى ٢/ ١٨٥.
(٤) المحلى ١٨٦/٢.
(٥) عن عبد الوهاب بن عطاء.
(٦) التاريخ ٣٧٩/٢.
(٧) تاريخ الدارمي ص: ١٥٠.
(٨) انظر: تهذيب الكمال ١٨/ ٥١١.

٢٨٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ابن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس، في فضل
العباس(١)، وما أنكروا عليه غيره، فكان يحيى يقول: هذا موضوع،
وعبد الوهاب لم يقل فيه حدثنا ثور، ولعله دلس فيه، وهو ثقة.
وأما إسماعيل، فإن كان إسماعيل بن رجاء بن ربيعة
الزبيدي الكوفي فإنه ذكر في ترجمة ابن أبي غنية(٢)، أنه روى عن
إسماعيل هذا، ولم يذكر في شيوخه إسماعيل غيره فهو ثقة، روى له
مسلم في الصحيح.
وبعدُ فهذا الاستثناء باطل موضوع، من زيادة بعض غلاة
الشيعة، ولم يخرجه ابن ماجه في الحديث. [٣٠/ ب]
(١) وهو حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس:
(إذاكان غداة الإثنين فائتني أنت وولدك، حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها
وولدك، فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساءً، ثم قال: اللهم اغفر للعباس وولده
مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً، اللهم احفظه في ولده».
جامع الترمذي ٦١١/٥ في كتاب المناقب، ٢٩- باب مناقب العباس بن عبد
المطلب رضي الله عنه. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه
إلا من هذا الوجه.
وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ٢٩٦٢.
(٢) في المطبوع: "عتبة"، وهو خطأ.
وانظر: تهذيب الكمال ٣٠٣/١٨ حیث ذکر إسماعيل بن ربيعة، وأنه روی
عنه عبد الملك بن أبي غنية.

٢٨٧
كتاب الطهارة
وقال في باب المرأة [هل](١) تنقض شعرها عند الغسل؟(٢)
عن أم سلمة رضي الله عنها(٣).
وقال ابن القيم: حديث أم سلمة هذا يدل على أنه ليس
على المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة، وهذا اتفاق من أهل
(١) ساقطة من المخطوط والاستدراك من سنن أبي داود، ومما سيأتي عند قوله:
"وقال في آخر باب المرأة هل تنقض شعرها ... ". فأثبت "هل"، فدل على
سقوطها سهواً.
(٢) سنن أبي دواد ١٧٣/١-١٧٤، الباب رقم (١٠٠)، ومختصر المنذري
١٦٥/١-١٦٦.
(٣) وهو أن امرأة من المسلمين قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي،
أفأنقضه للجنابة؟ قال: ((إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثاً))، وقال زهير: («تحثي
عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تُفيضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد
طهرت)).
والحديث أخرجه: مسلم في صحيحه ٢٥٩/١- ٢٦٠ في كتاب الحيض، ١٢-
باب حكم ضفائر المغتسلة.
والترمذي في جامعه ١/ ١٧٥ -١٧٧ في أبواب الطهارة، ٧٧ -باب هل تنقض
المرأة شعرها عند الغسل؟ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
والنسائي في المجتبى ١/ ١٤٣- ١٤٤ في كتاب الطهارة، ١٥٠ - باب ذكر ترك
المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة.
وابن ماجة في سننه ١٩٨/١ في كتاب الطهارة وسننها، ١٠٨ - باب ما جاء في
غسل النساء من الجنابة.

٢٨٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
العلم، إلا ما يحكى عن عبد الله بن عمرو وإبراهيم النخعي أنهما
قالا: تنقضه، ولا يعلم لهما موافق.
وقد أنكرت عائشة على عبد الله قوله، وقالت: يا عجباً لابن
عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، ولا
یأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى
الله عليه وسلم من إناء واحد، ما أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث
إفراغات. رواه مسلم (١).
وأما نقضه في غسل الحيض، فالمنصوص عن أحمد أنها
تنقضه فيه.
قال مهنا (٢): سألت أحمد عن المرأة تنقض شعرها من
الحيض؟ قال: نعم، قلت له: كيف تنقضه من الحيض، ولا تنقضه
من الجنابة، فقال: حدثت أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((تنقضه))(٣).
فاختلف أصحابه في نصه هذا:
- فحملته طائفة منهم على الاستحباب، وهو قول: الشافعي
(١) صحيح مسلم ١/ ٢٦٠ في كتاب الحيض، ١٢ - باب حكم ضفائر المغتسلة.
(٢) هو مهنا بن يحيى الشامي، من كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل.
(٣) يقصد حديث عائشة عن أسماء، الذي أخرجه مسلم - وسيأتي - وفيه
استعمال السدر الذي يتضمن نقض الشعر.

٢٨٩
كتاب الطهارة
ومالك وأبي حنيفة(١).
- وأجرته طائفة على ظاهره(٢)، وهو قول: الحسن وطاوس.
وهو الصحيح؛ لما احتج به أحمد من حديث عائشة أن أسماء
سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض؟ فقال: (( تأخذ
إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على
رأسها فتدلكه دلكاً شديداً، حتى تبلغ شؤون رأسها)». الحديث،
رواه مسلم(٣).
وهذا دليل على أنه لا يُكتفى فيه بمجرد إفاضة الماء، كغسل
الجنابة، ولاسيما فإن في الحديث نفسه: وسألته عن غسل الجنابة؟
فقال: ((تأخذ ماء فتطهر به فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب
على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تفيض عليها الماء)).
ففرّق بين غسل الحيض والجنابة(٤) في هذا الحديث، وجعل
(١) انظر لمذهب الحنفية: بدائع الصنائع ٣٤/١، ولمذهب المالكية: الفواكه الدواني
١٤٩/١، ولمذهب الشافعية: المجموع ٢١٥/٢-٢١٦، ولرواية الحنابلة:
الإنصاف ٢٥٦/١-٢٥٧.
(٢) انظر لرواية الحنابلة هذه: الفروع ٢٠٥/١، والإنصاف ٢٥٦/١-٢٥٧.
(٣) صحيح مسلم ٢٦١/١ في كتاب الحيض، ١٣ - باب استحباب استعمال
المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم.
(٤) في المطبوع: وغسل الجنابة.

٢٩٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
غسل الحيض آكد، ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمن لنقضه.
وفي وجوب السدر قولان، هما وجهان لأصحاب أحمد،
وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال لها: إذا كانت حائضاً: (( خذي ماءك وسدرك وامتشطي)) (١).
وللبخاري: (( انقضى رأسك، وامتشطي)) (٢).
وقد روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن عروة عن عائشة أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: وكانت حائضاً (( انقضي شعرك
واغتسلي)) (٣).
والأصل نقض الشعر، لتيقن وصول الماء إلى ما تحته، إلا أنه
عُفي عنه في غسل الجنابة [٣١/أ] لتكرره، ووقوع المشقة الشديدة
في نقضه، بخلاف غسل الحيض، فإنه في الشهر أو الأشهر مرة، ولهذا
أمر فيه بثلاثة أشياء لم يأمر بها في غسل الجنابة: أخذ السدر،
والفرصة الممسكة، ونقض الشعر، ولا يلزم من كون السدر والمسك
(١) لم أقف على هذا اللفظ للحديث، وقد سبق المصنف صاحب كتاب المغني -ابن
قدامة - ٢٩٩/١ فذكر هذا الحديث بهذا اللفظ، ولم ينسبه لأحد، فالله أعلم.
(٢) صحيح البخاري ٤٩٧/١ مع الفتح، في كتاب الحيض، ١٥- باب امتشاط
المرأة عند غُسلها من المحيض.
(٣) سنن ابن ماجه ١/ ٢١٠ في كتاب الطهارة وسننها، ١٢٤ - باب الحائض كيف
تغتسل.

٢٩١
كتاب الطهارة
مستحباً أن یکون النقض كذلك، فإن الأمر به لا معارض له، فبأي
شيء يدفع وجوبه؟
فإن قيل: يدفع وجوبه بما رواه مسلم في صحيحه من حديث
أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر(١) رأسي،
أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قال: ((لا، إنما يكفيك أن تحثي على
رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء؛ فتطهرين ))(٢).
وفي الصحيح عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله
صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على
رأسي ثلاث إفراغات(٣).
وفي حديث أبي داود أن امرأة جاءت إلى أم سلمة، فسألت
لها النبي صلى الله عليه وسلم عن الغسل، وقال فيه: ((واغمزي
قرونك عند كل حفنة )) (٤).
(١) في الأصل: "ظفر". وهو خطأ، والتصويب من صحيح مسلم.
(٢) صحيح مسلم ٢٥٩/١- ٢٦٠ في كتاب الحيض، ١٢ -باب حكم ضفائر
المغتسلة.
(٣) وقد سبق تخريجه.
(٤) سنن أبي دواد ١٧٤/١ في كتاب الطهارة، ١٠٠ - باب في المرأة هل تنقض
شعرها عند الغسل؟.
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم ٢٢٧.

٢٩٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وحديث عائشة وإنكارها على عبد الله بن عمرو أمر النساء
بنقض رؤوسهن، دليل على أنه ليس بواجب.
قيل: لا حجة في شيء من هذا:
أما حديث أم سلمة، فالصحيح فيه الاقتصار على ذكر
الجنابة، دون الحيض، وليست لفظة الحيضة فيه محفوظة، فإن هذا
الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وعمرو
الناقد وابن أبي عمر، كلهم عن ابن عيينة عن أيوب بن موسى عن
سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة قلت: يا
رسول الله إني امرأة أشد ضفر (١) رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟
فقال: (( لا)) ذكره مسلم عنهم(٢).
وكذلك ورواه عمرو الناقد عن يزيد بن هارون عن الثوري
عن أيوب بن موسى(٣).
وراه عبد بن حميد عن عبدالرزاق عن الثوري عن أيوب
وقال: (( أفأنقضه للحيضة والجنابة)) (٤).
(١) في الأصل: "ظفر"، وقد سبق التعليق على مثل ذلك.
(٢) صحيح مسلم ٢٥٩/١- ٢٦٠ في كتاب الحيض، ١٢ - باب حكم ضفائر
المغتسلة.
(٣) صحيح مسلم ١/ ٢٦٠ في كتاب الحيض، ١٢ - باب حكم ضفائر المغتسلة.
(٤) صحيح مسلم ١/ ٢٦٠ في كتاب الحيض، ١٢ - باب حكم ضفائر المغتسلة.

٢٩٣
كتاب الطهارة
قال مسلم: وحدثنيه أحمد الدارمي أخبرنا زكريا بن عدي
أخبرنا یزید -يعني ابن زريع- عن روح بن القاسم قال حدثنا أيوب
بهذا الإسناد، وقال: « أفأحله وأغسله من الجنابة» (١)، ولم يذكر
الحيضة.
فقد اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب فاقتصرا
على الجنابة.
واختلف فيه على الثوري:
فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابن عيينة وروح.
وقال عبدالرزاق عنه: ((أفأنقضه للحيضة والجنابة)).
ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوري لم يختلف
علیه، لترجحت رواية ابن عیینة وروح، [٣١/ب] فکیف وقد روى
عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟! ومن أعطى النظر حقه،
علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث.
وأما حديث عائشة أنها كانت تفرغ على رأسها ثلاث
إفراغات، فإنما ذلك في غسل الجنابة؛ كما يدل عليه سياق حديثها،
فإنها وصفت غسلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما
کانت تغتسل معه من الجنابة التي يشتركان فيها، لا من الحيض، فإن
(١) صحيح مسلم في الموضع السابق.

٢٩٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يغتسل معها من الحيض،
وهذا بین.
وأما حديث أم سلمة الذي ذكره أبو داود وفيه: ((واغمزي
قرونك»، فإنما هو في غسل الجنابة، وعنه وقع السؤال كما هو
مصرح به في الحدیث.
فإن قيل: فحديث عائشة الذي استدللتم به، ليس فيه أمرها
بالغسل، إنما أمرها بالامتشاط، ولو سلمنا أنه أمر بالغسل، فذاك
غسل الإحرام، لا غسل الحيض، والمقصود منه التنظف وإزالة
الوسخ، ولهذا تؤمر به الحائض حال حدثها، ولو سلمنا أنه أمر
الحائض بالنقض، وجب حمله على الاستحباب جمعاً بين الحديثين،
وهو أولى من إلغاء أحدهما، والمصير إلى الترجيح.
فالجواب:
أما قولكم ليس فيه أمر بالغسل؛ ففاسد، فإنه قال: (( خذي
ماءك وسدرك)) وهذا صريح في الغسل، وقوله: (( انقضي رأسك،
وامتشطي)) أمر لها في غسلها، بنقض رأسها، لا أمر بمجرد النقض
والامتشاط.
وأما قولكم: إنه كان في غسل الإحرام؛ فصحیح، وقد بيّنًا
أن غسل الحيض آكد الأغسال، وأمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم
بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهر، والمبالغة فيه، فأمرها بنقضه

٢٩٥
كتاب الطهارة
وهو غير رافع لحدث الحيض، تنبيه على وجوب نقضه، إذا كان
رافعاً لحدثه بطريق الأولى.
وأما قولكم: إنه يحمل على الاستحباب جمعاً بين الحديثين،
فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك الزيادة التي تنفي النقض للحيض،
وقد تبين أنها غير ثابتة، وأنها ليست محفوظة.

٢٩٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في آخر باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل (١)،
عقب قول الحافظ زكي الدين: في إسناده محمد بن إسماعيل بن
عياش وأبيه، وفيهما مقال(٢).
قال ابن القيم: وهذا الحديث رواه أبو داود من حديث
[محمد بن](٣) إسماعيل بن عياش عن أبيه عن ضمضم بن زرعة
عن شریح بن عبيد عن جبير بن نفیر عن ثوبان.
وهذا إسناد شامي، وأكثر أئمة الحديث يقول: حديث
إسماعيل بن عياش عن الشاميين؛ صحيح، ونص عليه أحمد بن
حنبل رضي الله عنه (٤) [١/٣٢].
(١) سنن أبي داود ١٧٥/١- ١٧٦، الباب رقم (١٠٠).
عند حديث شريح بن عبيد قال: أفتاني جبير بن نفير عن الغسل من الجنابة
أن ثوبان حدثهم أنهم استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:
((أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا
عليها ألا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها».
وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٢٣٠.
(٢) مختصر سنن أبي داود ١٦٩/١.
(٣) ساقطة من المخطوط.
(٤) انظر: الكواكب النيرات ص:١٩.

٢٩٧
كتاب الطهارة
وقال في باب يصيب منها - أي الحائض - دون الجماع(١).
قال ابن القيم: حديث ميمونة هذا يرويه الليث بن سعد عن
الزهري عن حبيب مولى عروة عن ندبة مولاة ميمونة، عن ميمونة.
(١) سنن أبي دواد ١/ ١٨٣-١٨٤، الباب رقم (١٠٧)، ومختصر سنن أبي داود
١٧٥/١.
عند حديث ندبة عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر
المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو
الركبتين تحتجز به.
وأخرجه: النسائي في المجتبى ١٦٦/١-١٦٧ في كتاب الطهارة، ١٨٠ -باب
مباشرة الحائض.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٣٩.
كما قد أخرجه البخاري في صحيحه ٤٨٣/١ مع الفتح، في كتاب الحيض،
٥ -باب مباشرة الحائض، عن عبد الله بن شداد عن ميمونة، نحوه.
ومسلم في صحيحه ٢٤٢/١ في كتاب الحيض، ١ - باب مباشرة الحائض فوق
الإزار، عن عبد الله بن شداد عن ميمونة، نحوه، و ٢٤٣/١، ٢ - باب
الإضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، عن كريب مولى ابن عباس عن
ميمونة، نحوه.
ملاحظة: شرح ابن القيم لهذا الحديث قد تقدم عن محله، وحقه التأخير،
وسیتکرر ذکر هذا الباب بعد الباب التالي، ويُذکر فیه حدیث مع شرحه، ولا
أدري ما الذي جعل الناسخ يفعل هكذا، ومع ذلك فقد أبقيته كما هو في
المخطوط، والله أعلم.

٢٩٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال أبو محمد بن حزم: ندبة مجهولة، لا تعرف، أبو داود
يروي هذا الحديث من طريق الليث فقال: قال (١): نَدَبة بفتح
النون والدال، ومعمر يرويه يقول: نُذْبة بضم النون وإسكان
الدال، ويونس يقول: ثُدَّة بالتاء المضمومة والدال المفتوحة والباء
المشددة، كلهم يرويه عن الزهري كذلك، فسقط خبر (٢) ميمونة،
تم كلامه(٣).
ولهذا الحديث طريق آخر رواه ابن وهب عن مخرمة بن بكير
عن أبيه عن كريب مولى ابن عباس قال: سمعت ميمونة أم المؤمنين
قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معي وأنا
حائض، وبيني وبينه ثوب )».
رواه مسلم في الصحيح عن ابن السرح وهارون الأيلي
ومحمد بن عيسى ثلاثتهم عن ابن وهب به (٤).
وأعل أبو محمد بن حزم هذا أيضاً بعلتين:
أحدهما: أن مخرمة لم يسمع من أبيه.
والثانية: أن يحيى بن معين قال فيه: مخرمة ضعيف، ليس
(١) حُذفت من المطبوع. وحذفها خطأ، إذ المراد أن الليث قال: نَدَبة .....
(٢) في المحلى: "خبرا" بالتثنية، لأنه ذكر حديثين لميمونة ثم ردهما.
(٣) المحلى ١٧٩/٢.
(٤) سبق تخريجه.

٢٩٩
كتاب الطهارة
حديثه بشيء(١).
فأما تعليله حدیث ندبة بكونها مجهولة، فإنها مدنية روت عن
مولاتها ميمونة، وروى عنها حبيب، ولم يعلم أحد جرحها،
والراوي إذا كانت هذه حاله، إنما يخشى منه تفرده بما لا يتابع عليه،
فأما إذا روی ما رواه الناس، وكان لروايته شواهد ومتابعات، فإن
أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا، ولا يردونه، ولا يعللونه
بالجهالة، فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه، بما هو أثبت منه وأشهر؛
عللوه بمثل هذه الجهالة وبالتفرد.
ومن تأمل کلام الأئمة رأی فیه ذلك، فیظن أن ذلك تناقض
منهم، وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم، فيجب التنبيه
لهذه النكتة، فكثيراً ما تمر بك في الأحاديث ويقع الغلط بسببها.
وأما مخرمة بن بكير فقد قال أحمد وابن معين: إنه لم يسمع
من أبيه شيئاً إنما يروي عن كتاب أبيه، ولكن قال أحمد: هو ثقة.
وقال أبو حاتم الرازي: سألت إسماعيل بن أبي أويس هذا
الذي يقول مالك: حدثني الثقة، من هو؟ قال: مخرمة بن بكير بن
الأشج. وقال إسماعيل بن أبي أويس في ظهر كتاب مالك: سألت
محرمة بن بكير ما يحدث به عن أبيه سمعه من أبيه؟ فحلف لي،
(١) المحلى ١٧٩/٢.

٣٠٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال: [٣٢/ ب] ورب هذا البيت - يعني المسجد - سمعت من
(١)
أبي(١).
وقال مالك: کان رجلا صالحاً. وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال أحمد بن صالح: كان من ثقات المسلمين(٢).
(١) الجرح والتعديل ٣٦٣/٨-٣٦٤.
(٢) انظر: العلل ومعرفة الرجال برقم (١٩٠٧)، والتاريخ الكبير للبخاري
١٦/٨، والثقات لابن حبان ٧/ ٥١٠، وميزان الاعتدال ٣٨٦/٦.