النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الطهارة
وقال في باب الرخصة في ذلك (١)- أي الوضوء من مس
الذكر: حديث نقض الوضوء من مس الذكر، فيه حديث بسرة،(٢)
قال الدار قطني: قد صح سماع عروة من بسرة هذا الحديث، وبسرة
هذه من الصحابيات الفضل (٣). قال مالك: أتدرون من بسرة بنت
صفوان ؟! هي: جدة عبد الملك بن مروان أم أمه، فاعرفوها. (٤)
(١) سنن أبي داود: ١/ ١٢٧، الباب رقم (٧١)، ومختصر سنن أبي داود:
١٣٣/١.
(٢) أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من مسّ ذكره
فليتوضأ)).
أخرجه: أبو داود في سننه: ١٢٥/١ -١٢٦ في كتاب الطهارة، ٧٠ -باب
الوضوء من مس الذكر. واللفظ له.
والترمذي في جامعه: ١٢٦/١ في أبواب الطهارة، ٦١- باب الوضوء من مس
الذکر.
والنسائي في المجتبى: ١٠٨/١ في كتاب الطهارة، ١١٨-الوضوء من مس
الذكر.
وابن ماجه في سننه: ١٦١/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٦٣ - باب الوضوء
من مسّ الذکر.
وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ١٥٠، حديث رقم ١١٦.
(٣) في المطبوع: الفضليات.
(٤) رواه الحاكم في المستدرك: ١٣٨/١، والبيهقي في معرفة السنن والآثار
٢٢٥/١-٢٢٦، والحازمي في الاعتبار ص: ١٥٠.

٢٦٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال مصعب الزبيري: هي بنت صفوان بن نوفل من المبايعات،
وورقة بن نوفل عمها، وقد ظلم من تكلم في بسرة وتعدى (١).
وفي الموطأ في حديثها من رواية ابن بكير (( إذا مس أحدكم
ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة)).(٢)
وفيه(٣) حديث أبي هريرة يرفعه: (( إذا أفضى أحدكم بيده
إلى ذكره ليس بينه وبينها شيء؛ فليتوضأ ».
رواه الشافعي عن سليمان بن عمرو ومحمد بن عبد الله عن
يزيد بن عبد الملك الهاشمي عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي
هریرة.(٤)
قال ابن السكن: هذا الحديث من أجود ما روي في هذا
(٥)
الباب.(٥)
(١) رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار ٢٢٦/١.
(٢) انظر: التمهيد: ١٨٦/١٧.
(٣) أي في الباب.
(٤) أخرجه الشافعي في الأم: ١/ ٦٧.
وأخرجه: الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٧٤/١، والدارقطني في سننه:
١٤٧/١، والحاكم في المستدرك: ١٣٨/١، وأحمد في مسنده: ٣٣٣/٢،
والبيهقي في السنن الكبرى: ١٣٠/١-١٣١.
(٥) قال ابن حجر في إتحاف المهرة: ٦٥٨/١٤" رواه أبو علي بن السكن في
صحيحه عن علي بن أحمد به. وقال: هو أجود ما روي في هذا الباب ".

٢٦٣
كتاب الطهارة
قال ابن عبد البر: کان حديث أبي هريرة لا یعرف إلا بیزید
ابن عبد الملك النوفلي عن سعيد عن أبي هريرة، ويزيد ضعيف،
حتى رواه أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن نافع بن أبي نعيم
ويزيد بن عبد الملك جميعاً عن سعيد عن أبي هريرة، قال: فصح
الحديث بنقل العدل عن العدل على ما قال ابن السكن،(١) إلا أن
أحمد بن حنبل كان لا يرضى نافع بن أبي نعيم، وخالفه ابن معين
فقال: هو ثقة.(٢)
قال الحازمي: وقد روي عن نافع بن عمر الجمحي عن
سعيد كما رواه يزيد، وإذا اجتمعت هذه الطرق دلتنا على أن له
أصلاً من رواية أبي هريرة.(٣)
وفي الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه
((أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها
فلتتوضأ))(٤).
(١) انظر: إتحاف المهرة: ١٤/ ٦٥٨.
(٢) الاستذكار: ٣٢/٣. ونحوه في التمهيد: ١٩٥/١٧.
(٣) الاعتبار للحازمي ص: ١٤٥.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٢٣/٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٧٥/١،
والدارقطني في السنن ١٤٧/١، والبيهقي في السنن الكبرى ١٣٢/١، وغيرهم.
وصححه الحازمي كما سيأتي.

٢٦٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال الحازمي: هذا إسناد صحيح؛ لأن إسحاق بن راهويه
رواه في مسنده حدثنا بقية بن الوليد حدثني الزبيدي حدثني عمرو
فذكره، وبقية: ثقة في نفسه، وإذا روى عن المعروفين فمحتج به،
وقد احتج به مسلم، ومن بعده من أصحاب الصحيح. والزبيدي
محمد بن الوليد إمام محتج به، وعمرو بن شعيب ثقة باتفاق أئمة
الحديث.
قال: وإذا روى عن غير أبيه لم يختلف أحد [٢٧/ ب] في
الاحتجاج به، وأما روايته عن أبيه عن جده فالأكثرون على أنها
متصلة ليس فيها إرسال ولا انقطاع، وذكر الترمذي في كتاب العلل
له عن البخاري أنه قال: حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب،
في باب مس الذکر، هو عندي صحیح.(١)
قال الحازمي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن
عمرو بن شعيب، فلا يظن أنه من مفاريد بقية. (٢)
وأما حديث طلق،(٣) فقد رُجح حديث بسرة وغيره عليه
(١) انظر: علل الترمذي الكبير: ١٦١/١.
(٢) انظر: الاعتبار: ص: ١٤٥ - ١٤٩، مع بعض الاختلاف.
(٣) أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم (( ما ترى في مسّ الرجل ذكره
بعدما يتوضأ؟ فقال: هل هو إلا مضغة منه، أو قال: بضعة منه)).
أخرجه: أبو داود في سننه: ١ / ١٢٧ كتاب الطهارة، ٧١ - باب الرخصة في ذلك.
=

٢٦٥
كتاب الطهارة
من وجوه:
أحدها: ضعفه.
والثاني: أن طلقاً قد اختلف عنه، فروي عنه (( هل هو إلا
بضعة منك ))(١).
وروى أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه مرفوعاً
((من مس فرجه فليتوضأ)).
رواه الطبراني(٢) وقال: لم يروه عن أيوب بن عتبة إلا حماد
ابن محمد.
وهما عندي صحيحان، يشبه أن يكون سمع الحديث الأول
من النبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا، ثم سمع هذا بعدُ، فوافق
حديث بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني
=
والترمذي في جامعه: ١٣١/١ في أبواب الطهارة، ٦٢ - باب ما جاء في ترك
الوضوء من مسّ الذكر، وقال: وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب.
والنسائي في المجتبى: ١٠٩/١ في كتاب الطهارة، ١١٩ - باب ترك الوضوء من ذلك.
وابن ماجه في سننه: ١٦٣/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٦٤ - باب الرخصة
في ذلك.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ١٦٧.
(١) وهو ما سبق تخريجه آنفاً.
(٢) في المعجم الكبير: ٣٣٤/٨.

٢٦٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وغيرهم، فسمع الناسخ والمنسوخ.(١)
الثالث: أن حديث طلق لو صح، لكان حديث أبي هريرة
ومن معه مقدما عليه؛ لأن طلقاً قدم المدينة وهم يبنون المسجد،
فذكر الحديث،(٢) وفيه قصة مس الذكر، وأبو هريرة أسلم عام
خيبر، بعد ذلك بست سنين، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من
أمره صلى الله عليه وسلم.
الرابع: أن حديث طلق مبقي على الأصل، وحديث بسرة
ناقل، والناقل مقدم لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه.
الخامس: أن رواة النقض أكثر، وأحاديثه أشهر، فإنه من
رواية: بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وأبي أيوب، وزيد بن
خالد(٣).
(١) انظر: المعجم الكبير للطبراني: ٣٣٤/٨.
(٢) رواه الحازمي في الاعتبار ص: ١٥٤.
(٣) أما حديث بسرة وأبي هريرة، فقد سبق ذكرهما وتخريجهما، وكذلك حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص.
-أما حديث أم حبيبة، فقد أخرجه: ابن ماجه في سننه ١/ ١٦٢ في کتاب
الطهارة وسننها، ٦٣ - باب الوضوء من مسّ الذكر.
وقال في الزوائد: في الإسناد مقال، فذكره ثم قال: فالإسناد منقطع.
وصححه الألباني في الإرواء ١/ ١٥١.

٢٦٧
كتاب الطهارة
السادس: أنه قد ثبت الفرق بين الذكر وسائر الجسد، في
النظر والمس، فثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أنه نهى
أن يمس الرجل ذكره بيمينه)).(١)
فدل أن الذكر لا يشبه سائر الجسد، ولهذا صان اليمين عن
مسه، فدل على أنه ليس بمنزلة الأنف والفخذ والرجل، فلو كان
كما قال المانعون، أنه بمنزلة الإبهام واليد والرجل، لم ينه عن مسه
بالیمین، والله أعلم.
السابع: أنه لو قدر تعارض الحديثين من كل وجه، لكان
الترجيح لحديث النقض، لقول أكثر الصحابة، منهم: عمر بن
=
-وحديث أبي أيوب أخرجه: ابن ماجه أيضاً في سننه في نفس الموضع السابق،
وفي إسناده: إسحاق بن أبي فروة، وهو ضعيف جداً.
-وأما حدیث زید بن خالد الجهني: فرواه أحمد في مسنده ١٩٤/٥، وابن أبي
شيبة في مصنفه ١/ ١٥٠، والبزار في البحر الزخار ٢١٩/٩، والطحاوي في
شرح معاني الآثار ٧٣/١، والطبراني في الكبير ٢٧٩/٥، وابن شاهين في
ناسخ الحديث ومنسوخه ص: ١٠٦، والبيهقي في معرفة السنن والآثار
٢٢٢/١، وصححه البيهقي في المعرفة.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: ١ / ٣٠٦ مع الفتح في کتاب الوضوء، ١٩ -باب
لا يُمسك ذکرہ بیمینه إذا بال.
ومسلم في صحيحه: ٢٢٥/١ في كتاب الطهارة، ١٨ - باب النهي عن
الاستنجاء باليمين. كلاهما عن أبي قتادة.

٢٦٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الخطاب، [١/٢٨] وابنه، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد،
وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة،
وبسرة بنت صفوان رضي الله عنهم، وعن سعد بن أبي وقاص
روايتان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما روايتان.(١)
(١) انظر ما روي مسنداً عنهم في: موطأ مالك: ٤٢/١-٤٣، ومصنف عبد
الرزاق: ١١٤/١-١١٦، ومصنف ابن أبي شيبة: ١٥٠/١-١٥١، والأوسط
لابن المنذر: ١٩٣/١-١٩٥، والسنن الكبرى للبيهقي: ١٣١/١.

٢٦٩
كتاب الطهارة
وقال في باب الوضوء من لحوم الإبل(١) عند حديث جابر
ابن سمرة (٢).
قال ابن القيم: وقد أعل ابن المديني حديث جابر بن سمرة
في الوضوء من لحوم الإبل، قال محمد بن أحمد بن البراء: قال علي:
جعفر مجهول(٣). یرید جعفر بن أبي ثور راویه عن جابر.
وهذا تعليل ضعيف؛ قال البخاري في التاريخ: جعفر بن أبي
ثور جده جابر بن سمرة، قال سفيان وزكريا وزائدة: عن سماك عن
جعفر بن أبي ثور عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في
(٤)
اللحوم(٤).
قال البخاري: وقال أهل النسب ولد جابر بن سمرة خالد،
(١) سنن أبي داود ١٢٨/١، الباب رقم (٧٢).
(٢) في مختصر سنن أبي داود ١/ ١٣٧.
وحديث جابر بن سمرة، أخرجه بالإضافة إلى أبي داود: مسلم في صحيحه
١/ ٢٧٥ في كتاب الحيض، ٢٥- باب الوضوء من لحوم الإبل، ((أن رجلاً
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت
فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ
من لحوم الإبل)» ... الحديث.
(٣) رواه مسنداً عن علي بن المديني من رواية محمد بن أحمد بن البراء: البيهقي في
السنن الكبرى ١٥٨/١، وذكره في معرفة السنن والآثار ٢٥٤/١.
(٤) التاريخ الكبير ٢/ ١٨٧، مع بعض الفرق.

٢٧٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وطلحة، ومسلمة، وهو أبو ثور، قال: وقال شعبة عن سماك عن
أبي ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر (١).
قال الترمذي في العلل: حديث سفيان الثوري أصح من
حديث شعبة، وشعبة أخطأ فيه، فقال: عن أبي ثور، وإنما هو جعفر
ابن أبي ثور (٢).
قال البيهقي: وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور، وهو من
ولد جابر بن سمرة، روى عنه سماك بن حرب وعثمان بن عبد الله
ابن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء، قال ابن خزيمة: وهؤلاء
الثلاثة من أجلة رواة الحديث(٣).
قال البهيقي: ومن روى عنه مثل هؤلاء، خرج عن أن يكون
مجهولاً، ولهذا أودعه مسلم كتابه الصحيح(٤).
قال البيهقي: وأخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ حدثنا
إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني(٥) قال: قال محمد بن إسحاق بن
(١) التاريخ الكبير ١٨٨/٢، مع بعض الفرق.
(٢) علل الترمذي الكبير ١٥٤/١ -١٥٥.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ١٥٩/١، ونحوه في معرفة السنن والآثار ٢٥٥/١.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ١٥٩/١، ونحوه في معرفة السنن والآثار ٢٥٥/١.
(٥) في الأصل: "الأصفهاني"، والتصويب من سنن البيهقي، ومن مصادر ترجمة
إبراهيم بن عبد الله.

٢٧١
كتاب الطهارة
خزيمة (١): لم نرَ خلافاً بين علماء الحديث، أن هذا الخبر صحيح من
جهة النقل، لعدالة ناقليه.(٢)
قال البيهقي: وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس
رضي الله عنهم: "الوضوء مما خرج، وليس مما دخل"، وإنما قالا
ذلك في ترك الوضوء مما مست النار، ثم ذكر عن ابن مسعود: أنه
أتى بقصعة من الكبد والسنام من لحم الجزور، فأكل ولم يتوضأ،
قال: وهذا منقطع وموقوف، وروي عن أبي عبيدة قال: كان
عبد الله بن مسعود يأكل من ألوان الطعام؛ ولا يتوضأ منه(٣).
قال البيهقي: وبمثل هذا؛ لا يترك ما ثبت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم(٤). [٢٨/ ب]
هذا كلامه في السنن الكبير، وهو كما ترى صريح في اختياره
القول بأحاديث النقض، واختاره ابن خزيمة(٥).
ومن العجب معارضة هذه الأحاديث، بحديث جابر: ((كان
آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما
(١) انظر قول ابن خزيمة في صحيحه ٢١/١.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١٥٩/١.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ١٥٩/١.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ١٥٩/١.
(٥) انظر: صحيح ابن خزيمة ٢١/١-٢٢.

٢٧٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
مست النار))(١).
ولا تعارض بينهما أصلاً، فإن حديث جابر هذا، إنما يدل
على أن كونه ممسوساً بالنار، ليس جهة من جهات نقض الوضوء،
ومن نازعكم في هذا؟!
نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء، مما
مست النار، على صعوبة تقرير دلالته.
وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل، هو الموجب للوضوء،
سواء مسته النار، أم لم تمسه، فيوجب الوضوء من نيئه، ومطبوخه،
وقديده، فكيف يحتج عليه بهذا الحديث؟!
وحتى لو كان لحم الإبل فرداً من أفراده، فإنما دلالته تكون
بطريق العموم، فكيف يقدم على الخاص؟! هذا مع أن العموم لم
يستفد من كلام صاحب الشرع، وإنما هو من قول الراوي.
وأيضاً: فأبين من هذا كله، أنه لم يحك لفظاً، لا خاصاً ولا
عاماً، وإنما حكى أمرين هما فعلان، أحدهما: متقدم، وهو فعل
(١) أخرجه: أبو داود في سننه ١٣٣/١ في كتاب الطهارة، ٧٥ - باب في ترك
الوضوء مما مست النار.
والنسائي في المجتبى ١١٦/١-١١٧ في كتاب الطهارة، ١٢٣ - باب ترك
الوضوء مما غيرت النار.
وصححه ابن خزيمة في صحيحه ٢٨/١. والألباني في صحيح أبي داود برقم: ١٧٧ .

٢٧٣
كتاب الطهارة
الوضوء، والآخر متأخر، وهو تركه من ممسوس النار.
فهاتان واقعتان توضأ في إحداهما، وترك في الأخرى من
شيء معين مسته النار، لم يحك لفظاً عاماً ولا خاصاً ينسخ به اللفظ
الصريح الصحيح.
وأيضاً: فإن الحديث قد جاء مُبَيّناً(١) من رواية جابر نفسه:
((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعي إلى طعام فأكل، ثم
حضرت الظهر، فقام وتوضأ وصلى، ثم أكل فحضرت العصر فقام
فصلى؛ ولم يتوضأ))(٢).
فكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك
الوضوء مما مست النار، فالحديث له قصة، فبعض الرواة اقتصر
علی موضع الحجة، فحذف القصة، وبعضهم ذكرها، وجابر روی
الحديث بقصته، والله أعلم.
(١) في المطبوع: مثبتاً، وهو خطأ.
(٢) أخرجه: أبو داود في سننه ١٣٣/١ في كتاب الطهارة، ٧٥ - باب في ترك
الوضوء مما مست النار.
والترمذي في جامعه ١١٦/١-١١٧ في أبواب الطهارة، ٥٩ -ما جاء في ترك
الوضوء مما غيرت النار.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ١٧٦ .

٢٧٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في أثناء باب في المذي(١) عقب قول الحافظ زكي الدين
في حديث عروة بن الزبير عن علي، حاكياً عن أبي حاتم الرازي:
"عروة بن الزبير عن علي مرسل)"(٣).
قال ابن القيم: وقد رواه أبو عوانة الاسفرائيني في صحيحه
من حديث سليمان بن حيّان(٣) عن ابن حسان عن محمد بن سيرين
عن عبيدة السلماني عن علي، وفيه: يغسل أنثييه وذكره (٤).
وهذا متصل. [٢٩/أ]
(١) سنن أبي داود ١٤٣/١، الباب رقم (٨٣).
عند حديث عروة بن الزبير أن علي بن أبي طالب قال للمقداد، وذكر نحو
هذا، قال: فسأله المقداد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليغسل
ذكره وأنثییه)».
وأخرجه النسائي في المجتبى ١٠٣/١-١٠٤ في كتاب الطهارة، ١١٢ - باب ما
ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي، ولفظه: ((ويغسل مذاكيره،
ویتوضأ وضوءه للصلاة)). وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم: ١٩٢.
وهو متفق عليه من غير طريق عروة بن الزبير، أخرجه البخاري في صحيحه
١/ ٢٧٧ مع الفتح في كتاب العلم، ٥١- باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال.
ومسلم في صحيحه ١/ ٢٤٧ في كتاب الحيض، ٤- باب المذي.
(٢) مختصر سنن أبي داود ١/ ١٤٨.
(٣) في الأصل: "حسان"، والتصويب من مسند أبي عوانة، ومصادر ترجمة
سلیمان.
(٤) مسند أبي عوانة ٢٢٩/١.

٢٧٥
كتاب الطهارة
وقال في آخر باب المذي(١)، عقب قول الحافظ زكي الدين
حاكياً عن أبي داود: "وليس بالقوي)"(٢).
قال ابن القيم: قال أبو محمد بن حزم: نظرنا في حديث حرام
بن حكيم عن عمه(٣)، فوجدناه لا يصح، -يعني حديث عبد الله بن
سعد-[حرام بن] (٤) حكيم ضعيف، وهو الذي روى غسل الأنثيين
من المذي، تم كلامه(٥).
وهذا الحديث قد رواه أبو داود عن إبراهيم بن موسى عن
عبد الله بن وهب -وهما من المتفق على حديثهما- عن معاوية بن
صالح -وهو ممن روى له مسلم - عن العلاء بن الحارث -روى له
مسلم أيضاً -.
(١) سنن أبي داود ١٤٦/١، الباب رقم (٨٣). وترجمة الباب فيه: باب في المذي.
عند حديث معاذ بن جبل، وسيأتي ذكر متنه وتخريجه قريباً.
(٢) مختصر سنن أبي داود ١٤٩/١.
(٣) عبد الله بن سعد الأنصاري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما
يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: ((ذاك المذي، وكل فَحْل
يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة)).
أخرجه أبو داود في سننه ١/ ١٤٥ في كتاب الطهارة، ٨٣- باب في المذي.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ١٩٦.
(٤) زيادة من المحلى بها تصح العبارة، وهي ليست في الأصل.
(٥) المحلى ١٨٠/٢-١٨١، ومثله في: ١٠ / ٧٧.

٢٧٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وحرام بن حكيم: وثقه غير واحد [](١) وعمه هو: عبد الله
ابن سعد الأنصاري، صاحب الحديث، صحابي.
وقوله: "وهو الذي روى حديث غسل الأنثيين من المذي"،
فالحديث حديث واحد، فرّقه بعض الرواة، وجمعه غيره.
وقد روى الأمر بغسل الأنثيين من المذي: أبو عوانة في
صحيحه من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي
الحديث، وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يغسل أنثييه
وذكره ويتوضأ)(٢).
وأما حديث معاذ(٣)؛ فأعله ابن حزم ببقية بن الوليد،
وبسعيد الأغطش، قال: وهو مجهول(٤)، وقد ضعفه أبو داود كما
تقدم.
ورواه الطبراني: من طريق إسماعيل بن عياش حدثني
(١) بياض في الأصل بقدر خمس كلمات.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحلّ للرجل من امرأته
وهي حائض؟ قال: فقال: ((ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل)».
قال أبو داود: وليس هو -يعني الحديث- بالقوي.
أخرجه أبو داود في سننه ١/ ١٤٦ في كتاب الطهارة، ٨٣ -باب في المذي.
وضعفه الألباني في المشكاة ١٧٣/١.
(٤) المحلى ٢/ ١٨١.

٢٧٧
كتاب الطهارة
سعيد بن عبد الله الخزاعي عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن
معاذ(١).
وهو منقطع.
(١) معجم الطبراني الكبير ٩٩/٢٠.

٢٧٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في آخر باب الجنب يؤخر الغسل (١)، بعد قول الحافظ
زكي الدين حاكياً عن البيهقي: "وحمل أبو العباس بن سريج رواية
أبي إسحاق، على أنه كان لا يمس ماء الغسل)"(٢).(٣)
قال ابن القيم: قال أبو محمد بن حزم: نظرنا في حديث أبي
إسحاق، فوجدناه ثابتاً صحيحاً تقوم به الحجة، ثم قال: وقد قال
قوم: إن زهير بن معاوية روى عن أبي إسحاق هذا الخبر، فقال فيه:
"وإن نام جنباً، توضأ وضوء الرجل للصلاة".
(١) سنن أبي داود ١/ ١٥٤، الباب رقم (٩٠).
عند حديث سفيان عن أبي إسحاق السبيعي عن الأسود عن عائشة قالت:
((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمسّ ماء»،
ثم نقل أبو داود عن يزيد بن هارون قوله: هذا الحديث وهم.
وأخرجه الترمذي في جامعه ٢٠٢/١ في أبواب الطهارة، ٨٧-باب ما جاء في
الجنب ينام قبل أن يغتسل، ثم قال: وقد روى غير واحد عن الأسود عن
عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ قبل أن ينام، وهذا أصح
من حديث أبي إسحاق عن الأسود، وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث:
شعبة، والثوري، وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق.
وابن ماجه في سننه ١/ ١٩٢ في كتاب الطهارة وسننها، ٩٨ - باب في الجنب
ینام کھیٹته لا يمس ماء.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٢١٠.
(٢) انظر كلام البيهقي هذا في السنن الكبرى ١/ ٢٠٢.
(٣) مختصر سنن أبي داود ١/ ١٥٤.

٢٧٩
كتاب الطهارة
قال: فدل ذلك على أن سفيان اختصره، أو وهم فيه،
ومدعي هذا الخطأ والاختصار في هذا الحديث؛ هو المخطىء. بل
نقول: إن رواية زهير عن أبي إسحاق صحيحة، ورواية الثوري
ومن تابعه عن أبي إسحاق صحيحة، ولم تكن ليلة واحدة فتحمل
روايتهم على التضاد، بل كان يفعل مرة هذا، ومرة هذا(١).
قال ابن مفوز (٢): وهذا كله تصحيح الخطأ الفاسد، بالخطأ
البيّن:
أما حديث أبي إسحاق من رواية [٢٩/ ب] الثوري وغيره،
فأجمع من تقدم من المحدثين ومن تأخر منهم أنه خطأ منذ زمان أبي
إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك تلقوه منه، وحملوه عنه.
وهو أول حديث أو ثان مما ذكره مسلم في كتاب التمييز له،
مما حمل من الحديث على الخطأ (٣)، وذلك أن عبد الرحمن بن
الأسود(٤) وإبراهيم النخعي - وأين يقع أبو إسحاق من أحدهما
(١) انظر نحو هذا في المحلى ١/ ٨٧ و٢٢١/٢.
(٢) في المطبوع: "معوذ"، وهو خطأ. وقد سبقت ترجمته في أول باب في كتاب
الطهارة، وأنه هو الحافظ أبو بكر محمد بن حيدرة بن مفوز المعافري الشاطبي،
وأن له ردّاً على ابن حزم.
(٣) التمييز ص: ١٨١.
(٤) في الأصل: "يزيد"، وهو خطأ، فلم أجد لعبد الرحمن بن يزيد عن الأسود
=

٢٨٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فكيف باجتماعهما على مخالفته؟ ! - رويا الحديث بعينه عن الأسود
ابن يزيد عن عائشة ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان
جنباً، فأراد أن ينام، توضأ وضوءه للصلاة))(١).
فحكم الأئمة برواية هذين الفقيهين الجليلين، عن الأسود
على رواية أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة: ((إنه كان ينام، ولا
يمس ماء)»، ثم عضدوا ذلك برواية عروة وأبي سلمة بن عبد الرحمن
وعبد الله بن أبي قيس عن عائشة(٢)، وبفتوى رسول الله صلى الله
رواية في هذا الباب، كما أن مسلماً في التمييز ص: ١٨٢ خطّاً رواية أبي
إسحاق لمخالفتها لما رواه إبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود، ثم ساقه
مسنداً من طريقهما.
ويؤيد ذلك أيضاً كلام البيهقي الذي سيأتي قريباً.
(١) أما رواية إبراهيم النخعي، فأخرجها: مسلم في صحيحه ٢٤٨/١ في کتاب
الحيض، ٦ - باب جواز نوم الجنب ....
وأما رواية عبد الرحمن بن الأسود، فأخرجها: الإمام أحمد في مسنده ٦/ ٢٦٠،
ومسلم في كتاب التمييز ص: ١٨٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٠٢/١،
والدارمي في مسنده ١٥٩/١.
(٢) أما رواية عروة، فأخرجها:
البخاري في صحيحه ٤٦٨/١ مع الفتح، في كتاب الغسل، ٢٧ - باب الجنب
يتوضأ ثم ينام.
ومسلم في صحيحه ٢٤٨/١ في كتاب الحيض، ٦ - باب جواز نوم الجنب ....
=